تجارة إنتاج الأزمات وتصديرها وإدارتها!
تنهض الاستراتيجية الأميركية العليا على قطاع صناعة الأزمات، فهذا القطاع هو سيّد قطاعات الصناعة والتجارة الأميركية جميعها، بل هو القطاع الرئيسي والأساسي الذي تنهض عليه الولايات المتحدة! إنهم مثلما ينتجون الآلات ويجدون أسواقاً لها يصدّرونها إليها ويديرون شؤونها فيها، ينتجون أيضاً الأزمات ويصدّرونها ويديرون شؤون أسواقها! ومثلما خدمة الآلات المباعة، بالخبراء والقروض وبتأمين احتياجاتها من قطع الغيار، هي أهم مراحل تجارة الآلات وأعظمها مردوداً، حيث مردودها مفتوحاً، كذلك هو حال خدمة الأزمات، فهنا يبيعون الحلول للأزمة مثلما يبيعون قطع الغيار للآلة، ويرسلون الخبراء السياسيين والعسكريين لمعالجتها مثلما يرسلون الخبراء الفنيين لمعالجة الآلة، وبالتالي فإن إدارة الأزمة المصدّرة هي أهمّ مراحل الاتجار بها وأعظمها مردوداً، وبالطبع ينبغي أن تبقى أزمة مفتوحة على اللانهاية، أو حتى استنفادها واستبدالها بغيرها! وهكذا فليس أكثر سذاجة أو جهلاً من أولئك الذين فوجئوا بحديث الأميركيين عن الفوضى الخلاقة في بلادنا، فالفوضى الخلاقة، أو الأزمة المفتوحة المنتجة في بلادهم والمصدرة إلى البلدان الأخرى، هي في صلب الاستراتيجية الأميركية منذ قامت الولايات المتحدة الأميركية!
من جهة أخرى فإن العلاقة هنا، بين منتج الأزمة ومستهلكها، مثل العلاقة بين منتج الآلة ومستهلكها، أي أنها علاقة محكومة بسياسة إدارة ربوية شايلوكية لا تملك ذرة من شفقة أو أخلاق أو ضمير، ولذلك فهي أكثر تشابكاً وتعقيداً وتلاحماً وقوة من أية علاقة تجارية أخرى، حيث العلاقة الربوية أقوى بما لايقاس من العلاقة الحرة بين البائع والمشتري، وما علينا للتأكد من هذه الحقيقة سوى متابعة إدارة الأميركيين للأزمة في لبنان وفلسطين، ولطرق تعاملهم مع المتعاونين معهم، أو لنقل زبائنهم، فهم يسمحون لهم بالدخول إلى ميادين كأنما هي ميادين الحلول النهائية، لكنهم لا يسمحون لهم بإنجاز أي حلّ يبدو متاحاً، ولا يسمحون لهم بالخروج الحرّ من الميدان الذي دخلوه إذا ما رأوا مصلحة في خروج كهذا، فإذا توهمّ اللبنانيون المختلفون أنهم يستطيعون حلّ الخلاف أفهمهم الأميركي أنهم لا يستطيعون ذلك، وينطبق الأمر نفسه على الفلسطينيين والإسرائيليين، ويجب أن لا يخامرنا أدنى شك في أن الإسرائيليين لا يستطيعون الوصول إلى حلّ نهائي مع الفلسطينيين، في ما لو أرادوا عن قناعة، لأن الأميركيين لن يسمحوا لهم بذلك، فقد صنعوا الكيان الصهيوني وصدّروه إلى بلادنا كي يكون أزمة مفتوحة على اللانهاية، وكفيلة بالحيلولة دون نهوض الأمة العربية والإسلامية، وبالطبع فإن اليهود العاديين عموماً هم بدورهم ضحايا هذه العملية الفظيعة، ولو خطر لهم الخروج عليها لعوملوا من قبل الأميركيين كما يعامل العرب، وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد كتب الإسرائيلي دان بن عاموس (مجلة هاعولام هازيه – 12/6/1974) يقول:" توصلت أخيراً إلى أن التجربة الصهيونية قد أفلست، وأستطيع أن أثبت هذا، فهل كان من المفيد والمجدي أن نترك عدة "غيتوات" لنبني "غيتو" كبيراً واحداً؟ بعد حرب يوم الغفران أصبحت من كبار المتشائمين، لأن فرص السلام قد انتهت، ولأن العرب لن يقبلوا بنا أبداً كرأس جسر غربي، ولذلك فإنهم بعد أن ذاقوا حلاوة انتصار جزئي، وبفضل ما يملكونه من القوة الاقتصادية الهائلة، لن يستريحوا حتى يتموا تصفيتنا من وسطهم، فهم قد يعقدون اتفاقات معنا، وقد يتعايشون معنا لخمس أو عشر سنوات، وسوف يتعلمون من أخطائهم السابقة، وفي النهاية سوف يجمعون قواهم كلها لتصفيتنا تصفية نهائية أبدية، ولذلك فإن على أي إنسان عاقل أن يفكر بالهجرة والاندماج في أماكن أخرى، ولماذا يجب أن نهتم بأمة يهودية؟ لماذا لا يفكر كل شخص بنفسه؟ وأنا شخصياً، لو كنت في سن العشرين أو الثلاثين، لغادرت منذ زمن بعيد، لكني في سن لا تسمح لي ببداية جديدة"!
إن دان بن عاموس لم يتحدث في فراغ، ولم يكن الوحيد الذي يفكر بهذه الطريقة، وبالفعل فقد هاجر في ذلك التاريخ عشرات الألوف من فلسطين المحتلة إلى كندا والولايات المتحدة، غير أن الأميركيين وعملاءهم الصهاينة في فلسطين يعرفون دائماً كيف يعالجون مثل هذه الظواهر ويقمعونها، وكيف يحافظون على القاعدة الأميركية الصهيونية كمركز للأزمة المفتوحة في المنطقة العربية، وها قد مضت ثلاثة وثلاثون عاماً على ما كتبه دان بن عاموس، وهاهو النظام الرسمي العربي في معظمه يبدي استعداداً قوياً للاعتراف بالكيان الإسرائيلي دولة من دول المنطقة العربية، وللتعامل معه على أوسع نطاق، ولا شك أن دان بن عاموس وأمثاله كثيرون يتلهفون لتحقيق ذلك، غير أنها لهفة البسطاء السذّج الذين لا يدركون أن وظيفة الكيان الإسرائيلي هي استمرار الأزمة وليس حلّها، وعندما لم يترك النظام الرسمي العربي ومعه السلطة الفلسطينية حجة للقادة الأميركيين والإسرائيليين، وجدناهم يخرجون اليوم علينا بحكاية الاعتراف العربي "بيهودية دولة إسرائيل"! وهو طلب تعجيزي يتضمن شطب أو تهجير أكثر من مليون عربي فلسطيني، أي أن القادة الأميركيين يرفضون قبول استسلام النظام العربي والسلطة الفلسطينية، بالتنازل عن فلسطين مقابل إقامة دولة فلسطينية على جزء منها، هو الجزء المحتل عام 1967، أي أنه ليس من حق العرب حتى إعلان استسلامهم وانصياعهم، لأن مثل هذا الإعلان يعني توقف الأزمة التي يريدونها أن تستمر مفتوحة على اللانهاية، فاستمرارها عمل تجاري عظيم الأهمية إقليمياً ودولياً، وعلى مثل هذه الأزمة المفتوحة تنهض الولايات المتحدة كما أشرنا!
وبعد، فإن على من لم يدرك حتى الآن هذا البعد الرهيب من أبعاد الاستراتيجية الأميركية أن يدركه، فليس مسموحاً للعرب حتى أن يستسلموا بإرادتهم، وكذلك حال اليهود إنما بصورة معكوسة، فليس من حقهم أن ينهجوا نهج الدولة التابعة للولايات المتحدة، لأن دولتهم لا تستطيع البقاء إذا ظهرت تابعة، ولأن قيمتها تضعف وتتراجع في نظر واشنطن إذا لم تنجح في الظهور مستقلة، وبالتالي فإنها لن تحصل على المساعدات الأميركية الضخمة التي سوف تظل تحتاج إليها إلى الأبد (كما كتب إليعازر ليفنه ذات مرة) فإذا بدت تابعة، كما هي الحقيقة، سوف تنقلب إلى مصدر إزعاج للأميركيين، وسوف ينبذونها لأنها لن تكون صالحة لتسويق الأزمة العظمى المنتجة في الولايات المتحدة، والمسماة بأزمة الشرق الأوسط!
إذن ما هو الحل؟ لنتابع أداء المقاومة في العراق ولبنان وفلسطين وغيرها، ولنستمع إلى خطاب المقاومة، ولنرصد التطور في هذا الأداء وذاك الخطاب، فليس ثمة حلّ على الإطلاق سوى عن طريق المقاومة المتطورة إلى مستوى حسم الأزمة، أي المتجاوزة لدور اللاعب في عملية استمرارها!