بؤس التظاهر الإسرائيلي بالاستقلال!

بقلم: نصر شمالي

زعم الإسرائيلي روني بيرت، العضو في قريق معهد أبحاث الأمن القومي الصهيوني، أن الإسرائيليين سعوا في السنوات الأخيرة إلى خفض ما يحصلون عليه من المساعدات الأميركية، بل سعوا إلى إلغائها، وذلك بهدف الحدّ من تبعيتهم للولايات المتحدة وتحررهم من الارتهان لها! وبالطبع فإن هذا التظاهر الإسرائيلي بامتلاك نزعة الاستقلال لا أساس له من الصحة على الإطلاق، حيث الوقائع والوثائق تنفيه تماماً.

غير أن الإعلام العربي لم يتصدّ لهذا التظاهر الإسرائيلي البائس بما يستحقه من تفنيد وتكذيب، واكتفى بنقله مزاعم روني بيرت عموماً كما هي، من دون تمحيص ولا تعليق، فكأنما هو يريدها حقيقية ويريدنا أن نأخذها على محمل الجدّ! والحال أن روني بيرت في زعمه يكذب ولا يجهل، فقد قال في مقالته التي نشرت بتاريخ 29/7/2007 أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين ناتنياهو قرّر عام 1996 تقليص ارتباط "إسرائيل" بالمساعدة الاقتصادية الأميركية، مبدئياً بنسبة 20%، على أن تبلغ مداها في العام 2008 بحيث تتوقف كل مساعدة اقتصادية، وتبقى فقط المساعدة العسكرية (2.4 مليار دولار). لقد كانت تقديراتهم تقول أن عام 2008 هو عام السيادة الأميركية الكاملة والشاملة على البلاد العربية والإسلامية، غير أن هذا لم يحدث!

في الحقيقة، إن ما أبرزه روني بيرت على أنه قرار لرئيس الوزراء الإسرائيلي ناتنياهو لم يكن سوى توجيهات شفهية وخطية أبلغه إياها ريتشارد بيرل أحد أعضاء فريق المحافظين الصهاينة الجدد، ففي ذلك العام (1996) اجتمع بيرل وناتيناهو وأطلعه بصورة عامة على الأحداث الانقلابية العظمى التي سيشهدها العالم بعد وصول فريقه الأميركي الصهيوني المحافظ إلى الحكم عام 2000، وأطلعه بصورة خاصة على الجزء المتعلق بموقع الكيان الصهيوني ودوره في تلك الأحداث الانقلابية الشاملة وما سوف يليها من تطورات جذرية هائلة، بل زوده بالنص المدوّن من الاستراتيجية الأميركية المخصص للإسرائيليين تحديداً، حيث بعد عملية السيطرة على العراق، التي قدروا بثقة تامة أنها ستكون مضمونة وسهلة وخاطفة، سوف يجري الانتقال على الفور إلى ترتيب أوضاع الشرق الأوسط بمجمله، ما بين قزوين والأطلسي، بعملية هي بدورها مضمونة وسهلة، ولذلك فإن على الإسرائيليين أن يستعدوا عملياً لاحتلال موقعهم الجديد في الشرق الأوسط الأميركي الجديد حسبما جاء في استراتيجية المحافظين الصهاينة الجدد، وهذا الاستعداد العملي يتضمن إسقاط شعار الأرض مقابل السلام واستبداله بشعار:" السلام مقابل السلام"! أي تدمير الشعب الفلسطيني تدميراً شاملاً وإرغامه على الاستسلام التام من دون قيد أو شرط، وكذلك الاستعداد للانخراط بوضع جديد في الشرق الأوسط الأميركي الجديد بالعمل مسبقاً على تدمير سورية والمقاومة اللبنانية تدميراً شاملاً! وقد تضمنت توجيهات بيرل المدونة تفاصيل كثيرة حول العمليات الإسرائيلية لتدمير الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين تدميراً شاملاً تمهيداً لنهوض الشرق الأوسط الأميركي الجديد أما على الصعيد الإسرائيلي الداخلي فقد تضمنت التوجيهات، الواردة في سياق الاستراتيجية الأميركية الشاملة الجاهزة، أن يسارع الإسرائيليون إلى إحداث تغييرات جذرية في بنيتهم الاجتماعية والسياسية وفي هيكليتهم الاقتصادية، وذلك بالتخلي عن الطابع العمالي الاشتراكي الإسرائيلي المتمثل بالهستدروت والقطاع العام والتحول إلى الخصخصة، والتخلي عن نظام الكيبوتزات الصهيونية العنصرية المتطرفة والتحول إلى الليبرالية بأوسع معانيها، وأخيراً التخلي عن المساعدات الأميركية، حيث سيحظى الكيان الصهيوني في الشرق الأوسط الجديد بموقع قيادي يمكنه من الحصول على عائدات تفوق المساعدات الأميركية بما لا يقاس ولا يقارن!

لقد أمر الأميركيون رئيس الوزراء ناتنياهو بالبدء بكل ذلك وهم على ثقة تامة من نجاح استراتيجيتهم الشرق أوسطية، لكن هذه الاستراتيجية انهارت أمام صمود المقاومة العراقية وشقيقاتها، فترتب على ذلك وقوع الإسرائيليين بدورهم في مأزق خطير، حيث انقلبت استعداداتهم ضدّهم بعد صمود المقاومة العربية وانهيار مشروع الشرق الأوسط الأميركي الجديد،وهاهم اليوم يتوجهون إلى واشنطن مطالبين بزيادة المساعدات، خاصة بعد انتكاستهم الخطيرة في حرب السنة الماضية ضدّ لبنان، فهم يعرفون جيداً أن مصيرهم مرتبط كلياً بمصير الأميركيين في هذه المنطقة، وبالطبع فإن روني بيرت كان يتظاهر مجرّد تظاهر بأنه لا يعرف ذلك، زاعماً وجود نزعة استقلالية إسرائيلية عبر عنها ناتنياهو منذ عام 1996!

[email protected]

 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1