انفجار الشرنقة في الضفة والقطاع!
تسود اليوم حالة من الجزع بصدد خلافات الفلسطينيين وانقسامهم ومصيرهم في الضفة والقطاع، وهو جزع يتخفى وراءه التخاذل والرياء من جهة والجهل والضياع من جهة أخرى! ولكن الشعب الفلسطيني ليس سكان الضفة والقطاع الذين هم أقل من نصف تعداده، والذي يبلغ تعداده حوالي عشرة ملايين، كما أن الضفة والقطاع ليستا فلسطين، فمساحتهما أقل من خمس مساحتها الكلية التي هي في حدود 27000 كم مربع! إن الشعب الفلسطيني العظيم بملايينه العشرة موزع بين الأراضي المحتلة عام 1948 (أكثر من مليون) وبين المنافي العربية والأجنبية (أكثر من أربعة ملايين) وبين الضفة والقطاع (حوالي أربعة ملايين) فكيف حدث أن القضية الفلسطينية أصبحت مقتصرة على أقل من نصف الفلسطينيين وعلى خمس الأرض الفلسطينية؟
ثم إن الضفة والقطاع ليستا أكثر من شرنقة يختنق فيها ملايين الفلسطينيين المحاصرين بالمساحة الضيقة. إنها المساحة الصالحة فقط لإبادتهم ببطء! وإنهم محاصرون أيضاً بمستوطنات القطعان الصهيونية المتوحشة، وكذلك بجدران العزل العنصري القاتلة التي لم يعرف لها تاريخ البشرية مثيلاً، فكيف نجزع على الفلسطينيين لأنهم سوف يخسرون هذه الشرنقة، بعد أن نعدّهم –ويا للعجب- شعب فلسطين كله، ونعدّ شرنقتهم فلسطين كلها؟!
***
يتوجب على الذين يظهرون كل هذا القدر من الرياء ومن الجهل ومن الضياع أن يتذكروا أن 65% من الشعب العربي الفلسطيني يعيش في الملاجئ والشتات، بما فيها الملاجيء التي يفترض أنها مؤقتة في الضفة والقطاع بالذات، ويتوجب على المرائين والجهلة والضائعين أن يتذكروا أن 78% من أراضي فلسطين مغتصبة من قبل قطعان الاستيطان الصهيوني المتوحش، بل إن أكثر من 55% من أراضي الضفة والقطاع مغتصبة، فإذا كان المراؤون لا يريدون رؤية هذه الحقائق فإن الشعب الفلسطيني الجبار يراها جيداً ولا تغيب عن باله لحظة من ليل أو نهار.
ولكن العدو بدوره، العدو الأميركي والإسرائيلي، أظهر قدراً كبيراً من تجاهل الحقائق التاريخية من جهة، ومن الحمق من جهة أخرى، في تعامله مع خلاف الفلسطينيين في الضفة والقطاع، وقد عبّر الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر عن قلقه الشديد بصدد التجاهل والحمق الأميركي الإسرائيلي (الصحف-20/6/2007) فلو أن العدو تنازل لأقل من نصف الفلسطينيين عن شرنقة الضفة والقطاع الخانقة، التي لا تتعدّى خمس مساحة فلسطين، لكان برهن عن قدر من المنطق الذي يتفق مع مصالحه ولو إلى حين، غير أنه بصلفه وحمقه أفسح المجال وساعد في تفجير هذه الشرنقة الجغرافية والسياسية المصطنعة، ويقيناً إن الشعب الفلسطيني الذي وقع في مصيدتها لن يعود إليها أبداً، فهي لا تليق به جغرافياً، ولا تليق بتعداده وحضوره بشرياً، وقد وجد جزء منه أنفسهم محشورين فيها على مضض طوال السنوات الماضية، فأفسد مناخها الموبوء عدداً من قادتهم، ولجمت قيودها فعالية جماهيرهم البطلة وقياداتها المخلصة!
***
ولكن، كيف اقتيد الشعب الفلسطيني العظيم إلى شرنقة التآكل والاضمحلال في الضفة والقطاع؟ في عام 1948 كانت فلسطين قضية عربية إسلامية فلسطينية، أو فلسطينية عربية إسلامية، فهي قضية كل عربي وكل مسلم بمقدار ما هي قضية كل فلسطيني تماماً، ولم يكن ليخطر ببال أحد على الإطلاق التمييز بين المجاهد سعيد العاص، الحموي المولد والسوري الجنسية، شهيد القدس المدفون في جبل الخضر، وبين شهيد القسطل والقدس الفلسطيني عبد القادر الحسيني، وكان المفروض أن تستمر القضية الفلسطينية قضية العرب والمسلمين عموماً، وأن تكون مهماز جهادهم ونهوضهم عموماً، مع احتلال الفلسطينيين المواقع الأمامية في الجهاد، غير أن النظام الرسمي العربي حوّلها لاحقاً إلى فصل من فصول لعبته القطرية، لعبة المناطق المدارة بحكم ذاتي، وجعل منظمة التحرير جزءاً من النظام الرسمي العربي، ثم في ما بعد، في أول فرصة سانحة، اتخذ هذا النظام المتخاذل المستسلم قراره الغريب باعتبار منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني وباستقلال القرار الوطني الفلسطيني، فكانت تلك قرارات مراوغة ظاهرها الحميّة والإخلاص وباطنها التخلي والخيانة، فكيف يمكن للشعب الفلسطيني وحده أن يستقل في مواجهة تستهدف الأمة العربية والإسلامية بكاملها؟ وكيف يستطيع الشعب الفلسطيني التصدي لقاعدة استيطانية تتلخص فيها قوى النظام الدولي بكامله؟
لقد كانت فلسطين، ولا تزال، تستدعي استنفار جميع قوى الأمة العربية والإسلامية، وتحتاج إلى دعم جميع القوى الطيبة في العالم، لمواجهة النظام الدولي الأميركي الصهيوني الذي جعل من فلسطين قاعدة ومنطلق للعدوان ضدّ العرب خصوصاً وضد الأمم الأخرى عموماً بما فيها الأمم الأوروبية، فكيف ولماذا ينهض الشعب الفلسطيني وحده بهذه الأعباء؟ لكن النظام الرسمي العربي أعطى القادة الفلسطينيين قرارهم المستقل بصدد القضية، وأقرّ أن منظمة التحرير، التي غدت جزءاً منه، هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني! وبالطبع فإن هذه القرارات سهّلت على الأعداء مهمتهم بالانفراد بفلسطين والفلسطينيين من جهة، وبالعدوان بالراحة على البلدان العربية من جهة أخرى، وسرعان ما جرى التعديل في أنظمة وبرامج ومواثيق منظمة التحرير بما يتفق مع الأمر الذي أصبح واقعاً، فبدأ التنازل عن أرض فلسطين التاريخية جزءاً جزءاً، وبدأ التنازل عن شعب فلسطين العظيم جزءاً جزءاً!
***
لقد كان ما حدث في الضفة والقطاع مفهوماً، بمعنى أنه ليس مستغرباً، فقد انفجرت الشرنقة الخانقة! وإذا كانت التفاصيل تستدعي الحزن فإن الحادث بمجمله لا يستدعي الاستغراب، أما عن الأمن والأمان فإن الفلسطينيين في الضفة والقطاع لم يعرفاهما أبداً في أي وقت من الأوقات، خاصة في ظل السلطة الفلسطينية، ولعل الأحداث الأخيرة التي روّعت أصحاب النوايا الحسنة واستنهضت همة المرائين الذين تظاهروا بالجزع كذباً، والتي أثارت شهية العدو المتوحش الذي لا يشبع أبداً من الجثث ولا يرتوي أبداً من الدماء، لعل هذه الأحداث على رهبتها تفتح الأبواب على مصاريعها لحركة نضالية حرة تعيد للقضية الفلسطينية مكانتها واعتبارها كقضية عربية إسلامية أممية في الوقت نفسه، فمصير العرب هو مصير فلسطين إن نجت نجوا وإن هلكت هلكوا، وعلى مصير فلسطين والعرب يتوقف مصير هذا النظام الدولي الأميركي الصهيوني الفاسد الذي بلغ ذروة ليس بعدها سوى الانحدار، وهو بدأ انحداره بالفعل.
www.snurl.com/375h