تكبيل العراق، وافتراس نفطه!
انصياعاً لإرادة واشنطن وافق مجلس الأمن الدولي على مشروع قرار أميركي ينص على "رفع العقوبات" عن العراق! وباستثناء الدول دائمة العضوية في المجلس، التي لها حق النقض (الفيتو) فإن مشروع القرار لم يعرض بصورة كافية على مندوبي الدول الأخرى، حتى أن سورية لم تحضر تلك الجلسة (22/5/2003) لأنهم لم يعطوها مجرّد دقائق للاطلاع على مشروع القرار قبل التصويت! ولسوف يخطئ كثيراً من يظن أن الانجلوسكسون لجأوا إلى مجلس الأمن كي يضفوا على احتلالهم للعراق مظهراً دولياً شرعياً، فالحقيقة هي أنهم مدّوا احتلالهم إلى مجلس الأمن إضافة إلى العراق، حيث أشلاء الفريسة النفطية العراقية تحتاج إلى خدم وحشم، وطبخ ونفخ، وتقطيع وتوزيع، فهي حقاً في مستوى وليمة دولية غير مجانية، تحتاج إقامتها إلى جهود ونقود جميع الأطراف، حتى أولئك الذين سوف يدفعون ثمن جلد الفريسة وثمن نفاياتها للمرابين الانجلوسكسون!
المرابون يلعبون أوراقهم الأخيرة:
لقد ذهب الانجلوسكسون إلى مجلس الأمن من دون العراق المعني برفع العقوبات، وصاحب النفط الذي هو الموضوع الأعظم لكل ما يجري! لقد ذهبوا بعد أن فعلوا كل ما من شأنه إقصاء الشعب العراقي عن دائرة الفعل والقرار! لقد ذهبوا لينتزعوا من العالم ليس الموافقة على احتلالهم للعراق وإدارته نيابة عن شعبه، بل الإقرار صاغراً بذلك، وبالتالي المساهمة في تسويق فريستهم بالطريقة التي أقروها واعتمدوها!
لقد وضعوا يدهم بالكامل على حوالي 112 مليار برميل من النفط العراقي المكتشف حتى الآن. إنه بوضعه الحالي الاحتياطي العالمي الثاني بعد السعودية. وهم يتطلعون لرفع الإنتاج من هذا الاحتياطي العراقي إلى ستة ملايين برميل يومياً في وقت قصير، ولسوف يعني ذلك، بالطبع، اضمحلال منظمة الأوبك حامية المنتجين، والتحكم بكميات الإنتاج وبالتسويق وبالأسعار دولياً، أي التحكم عملياً بالحياة الدولية وبالسياسات الدولية إلى أبعد الحدود، فهل هذا ممكن؟! نحن نقول أنه ممكن مؤقتاً فقط، وسرعان ما سوف ينقلب السحر على الساحر الذي يلعب أوراقه الأخيرة المغشوشة والضعيفة لأنها مكشوفة، ويقيناً، إن جرائمهم الكبرى في العراق، قبل الاحتلال وبعده، سوف لن تمرّ، ولسوف ترتدّ عليهم وبالاً وانكفاءً، ولن تساعدهم في شيء هذه الأساليب الاستعمارية التي تجاوزها التطور وتجاوزها الزمن، خاصة وأنهم يفعلون ما يفعلونه في وقت تتأهب فيه جميع الأمم، عن وعي وسابق تصميم وتصور، لإحداث نقلة نوعية إيجابية في الحياة الدولية، بعد أن تضاعف عدد سكان العالم حوالي ست مرات، منذ كانت هذه الأساليب الاستعمارية الوحشية البالية قابلة للتطبيق والنجاح.
أباطرة النفط إلى زوال:
لقد كان ممكناً أن يجتمع أباطرة النفط، في 21/11/1918، أي قبل ما يقارب القرن، ويحتفلوا بانتصاراتهم المشينة التي أزهقت أرواح عشرات الملايين، وأسالت أنهاراً من الدماء، وقطّعت أوصال الأوطان في جميع القارات. حينئذ، وقد كانت فرنسا تعاني من القلق حول حصتها من الفريسة النفطية، مثلما تعاني اليوم، وقف ممثلها في الحفل، وألقى كلمة جاء فيها ما يلي: - .. نعم، لقد انتصر الحلفاء.. ولكن النصر ما كان ليتحقق لولا ذلك العنصر الحيوي الذي ساعد على قهر الجرمان. لقد انتصر الحلفاء بدماء جنودهم، ولكن النصر ما كان ليتم لولا ذلك الدم الآخر الذي اسمه النفط. لقد كان الفضل للشركات الكبيرة مثل شركة شل، وشركة النفط الآسيوية، وشركة ستاندرد أويل، وشركة مكسيكان أيغل، والشركة الانجلوفارسية وأخواتها وشريكاتها في البرّ والبحر. والآن أيها السادة يتوجب علينا أن نظل حلفاء وأصدقاء في الهدنة كما في الحرب، لأن الهدنة لم تنه الحرب بعد، ولا يزال المنتصرون بحاجة إلى النفط. وإذا كان النفط دم الحرب فأحرى به أن يكون دم السلام، وإني لأرفع كأسي على شرف سياسة الحلفاء النفطية التي يحققها تضامن حكوماتهم وصناعييهم!
لقد تكرر مثل هذا الاحتفال اليوم، إنما بطريقة أخرى، وعبر مجلس الأمن الدولي، في 22/5/2003، غير أن هذا العالم ليس عالم عام 1918، فقد اختلفت الأوضاع الدولية جذرياً تقريباً، إذ بينما كانت الولايات المتحدة في ذلك التاريخ، وحتى نهاية عقد الستينات، تمتلك احتياطات ضخمة من النفط الأميركي المنتج في أراضيها، صارت اليوم تستورد أكثر من 55% من احتياجاتها، وتحوّلت من دولة دائنة إلى دولة مديونة، ومن بلد سريع النمو إلى بلد متعثر النمو. إنها اليوم تعتمد فقط على السلاح، والسلاح لوحده لا يقيم نظاماً، بل يرتدّ غالباً على صاحبه. وماذا نتوقع لدولة هكذا حالها، وبالرغم من ذلك تستهلك ثلثي احتياجاتها النفطية لتحريك السيارات في بلادها فقط!
وحكماء الصهيونية إلى زوال:
كذلك، كما كان الحال في عام 1918، فإن تحالف أباطرة النفط والصهاينة ما زال قائماً، فيما يتعلق بفلسطين المحتلة التي لا تنفصل قضيتها أبداً عن المشاريع النفطية للمرابين. وهم مثلما يعدون اليوم بحلّ للقضية الفلسطينية على هامش الوليمة النفطية العراقية، كانوا يعدون بتحقيق أماني العرب في الحرية والاستقلال، بينما هم يعملون في السرّ جدّياً على افتراس فلسطين. ففي 4/6/1917، مثلاً، بعثت وزارة الخارجية الفرنسية برسالة تكميلية إلى الصهيوني سوكولوف تعلمه فيها أن الحكومة الفرنسية لا تستطيع، بعد أن يصبح استقلال الأراضي المقدسة مضموناً، إلا أن تعطف على القضية الصهيونية المرتبط نجاحها بنجاح الحلفاء!
وفي 22/5/1919، قال كليمنصو، رئيس الوزراء الفرنسي، في كلمة أمام المجلس الأعلى للحلفاء: " عندما ذهبت إلى لندن في الخريف الماضي سألت السيد لويد جورج أن يقول كلمته الأخيرة في الموضوع (وضع العراق وبلاد الشام) فلم يتردّد بالتصريح أنه يرغب في أن تكون الموصل في المنطقة الإنكليزية، فأجبته أني مستعد لإملاء هذا الحل على الخارجية الفرنسية. ولو أنك قلت لي يومئذ، يامستر لويد جورج، أنك بطلبك الموصل كنت تطلب قسماً كبيراً من شرقي سورية ومن جنوبها (فلسطين) لرفضت منذ تلك الدقيقة أن أعطيك الموصل.. الخ!
لقد كانوا يتصارعون يومئذ على اقتسام أوصال المشرق العربي بما يتفق مع الغنائم النفطية ومع إقامة الكيان الصهيوني. وقد جاء في اتفاقية سان ريمو (نيسان / أبريل 1920) مايلي: إن هذا الاتفاق مبني على مبدأ التعاون الودّي والتبادل في البلدان التي يمكن أن تمتزج فيها المصالح النفطية للأمتين!
واليوم تتكرر العمليات الرهيبة ذاتها، ولكن في غير أوانها تماماً، حيث أباطرة النفط مضى زمنهم وانتهت ضرورتهم حتى في بلادهم بالذات، بعد أن صاروا أوساطاً معوّقة للتطور ومدمّرة لاحتياجات الحياة المعاشة، وكذلك حال حكماء الصهيونية الذين تحوّلوا إلى مجّرد قتلة يجسّدهم أمثال شارون، وحيث المشروع الاستيطاني الإبادي في فلسطين ما زال يراوح في مكانه، فكأنما هو انطلق بالأمس. إن اليهود يزدادون غربة عن المنطقة العربية وتنافراً معها، بينما الفلسطينيون يزدادون حضوراً وتشبثاً وانسجاماً مع منطقتهم وأمتهم، والأهم مع منطق التطور والحياة والتاريخ، ولن يكون حال العراقيين غير ذلك.