تفكيك المشهد الدولي ومحاولة فهمه !
بقلم: نصر شمالي
بلغ عدد الجنود الذين حشدتهم واشنطن حتى الآن حول العراق حوالي خمسة وستين الفاً ، ومن المتوقع أن يرتفع العدد إلى مئة وعشرة آلاف جندي ، ثم إلى مئتي ألف قبل نهاية الشهر الثاني من العام الحالي ، علما أن هذه الحشود ليست وحدها المعنية بمهاجمة العراق ، بل هي متصلة ومدعومة بشبكة من مئات القواعد العسكرية الأميركية الثابتة ، المنتشرة في جميع القارات ،وبحاملات الطائرات الجوّالة الاثنتي عشر ، التي تحمل كل واحدة منها ثمانين طائرة مقاتلة ، وخمسة آلاف جندي ، ومختلف أنواع أسلحة الدمار الشامل . غير أن ذلك كله يبدو و كأنما هو غير كافٍِ ، فواشنطن تلحّ على دول العالم الأخرى ، وعلى حليفاتها الثريات تحديداً ، أن تساهم في الحملة العسكرية ضدّ العراق ، فما معنى ذلك ؟ وهل تستحق القدرات الذاتية العراقية حقاً كل هذا السعار الحربي ؟
وبينما يبدو العراق مثل أسير محكوم بالإعدام ينتظر قرار التنفيذ، كما يرى ويتصرف كثيرون ، تتأرجح العواصم الكبرى الحليفة بين الامتناع عن الاشتراك في الضربة القاضية وبين القبول بالمشاركة . إن امتناعها يبدو غير مؤكد على الرغم من مبرراته المنطقية والمصلحية القوية ، وإن قبولها يبدو شبه مؤكد على الرغم من مبرراته الواهية ، فكيف يمكن فهم هذا المشهد المعقّد والمحيّر بمجمله ، والذي يستقطب اهتمام كل إنسان في جميع البلدان وعلى مدار الساعة ؟ .
كيف نشأت هذه الإمبراطورية العالمية ؟
حسب المنطق العلمي ، يستدعي فهم المشهد الدولي الرهيب الراهن تفكيكه والتدقيق في مكوناته من حيث نشأتها التاريخية ، في تطورها وتكاملها و بلوغها ما آلت إليه اليوم ،وسرعان ما سنجد أمامنا واضحة إمبراطورية عالمية ، متعددة الرؤوس ، تتزعمها دولة واحدة هي الولايات المتحدة الأميركية ، وسنجد هذه الإمبراطورية وقد بلغت ذروة نهائية ليس بعدها سوى الانحدار ، حيث الأمم جميعها ، بما فيها الأوربية والأميركية ، لم تعد تطيق جبروتها وثقلها وجشعها وتخريبها .
لقد زرعت بذور هذه الإمبراطورية في نتائج الحرب العالمية الأولى، ونبتت في نتائج الحرب العالمية الثانية، فهي مخصّبة برفات عشرات ملايين الضحايا ومسقية بدمائهم في نشأتها الأولى ، ثم مرعية ونامية خلال العقود الخمسة الماضية على حساب شقاء مليارات البشر وهلاك مئات الملايين جوعاً ومرضاً .
كانت نتائج الحرب العالمية الثانية بمثابة حجر الأساس في بناء هذه الإمبراطورية ، حيث أصيبت الأوساط الحاكمة ، الأوربية و اليابانية ، بالذعر الشديد من شعوبها المنكوبة ، وأصيبت بالذعر الشديد من الاتحاد السوفياتي والصين الشعبية ، فأسرعت بقبول التبعية للأميركيين كحماة لأنظمتها ، وهم الذين بقيت بلادهم في منأى عن ميادين القتال ، وخرجوا من الحرب منتصرين وحدهم بجميع المعايير !
وسرعان ما توجب على الأوساط الأوربية الحاكمة الاستجابة للإدارة الأميركية بالانخراط في الأحلاف العسكرية العدوانية ، مثل حلف شمال الأطلسي الذي اتسع ليشمل السياسة والاقتصاد والمجتمع و الثقافة ، فساعد ذلك بقوة على تسريع عملية انصهار الإمبراطورية الاستعمارية القديمة في الإمبراطورية الأميركية الجديدة ، تقريباً خلال الخمسة عشر عاماً التي تلت الحرب العالمية الثانية .
إمبراطورية الخير العميم والحق المطلق ؟!
أثناء تسريع عمليات انهيار الإمبراطورية الاستعمارية القديمة ، ورفع أنقاضها ، وصهرها في الإمبراطورية الأميركية الجديدة ، كان على واشنطن التوفيق بين حاجتها إلى المستعمرين القدامى كمساهمين في نظامها الحديث ، يقفون معها ضدّ المعسكر الاشتراكي وحركات التحرر عموماً ، وبين نزعتها إلى الاستئثار و التفرّد والاحتكار ، النزعة التي لا يمكن أبداً أن تسمح لهم بالاحتفاظ بمستعمراتهم ، ولذلك كانت تدعمهم بالمال والسلاح لقمع ثورات الشعوب المستعمرة من جهة ، وتضع نفسها في موقع القادر على توجيه الصراع في الاتجاهات التي تخدم مخططاتها الخاصة من جهة أخرى .
كانت واشنطن تسعى حقاً لاستقلال المستعمرات على أن تبقيها داخل شبكة النظام الاحتكاري الحديث الذي أنشأته . وقد نجحت بالفعل في تقويض كل نفوذ مستقل لدولة من الدول الاستعمارية القديمة ، واستبدلته بنفوذ جماعي ، إمبراطوري ، تحت إشرافها وبقيادتها . وهكذا صار الأوربيون واليابانيون يتزودون بحاجتهم من النفط ، على سبيل المثال ، عن طريق واشنطن ، بإشرافها وبموافقتها!
في أطوار بناء هذه الإمبراطورية ، وعندما يشتد الصراع بين المستعمرين القدامى وحركات التحرر، كانت واشنطن تتظاهر بالحياد بينما هي تتسلل مخترقة صفوف حركات التحرر بشتى الوسائل والسبل و الأشكال . لقد تطلعت في آن واحد إلى تقويض الاستعمار القديم والى إجهاض حركات التحرّر ، أي أنها كانت تستفيد من حركات التحرر للقضاء على الاستعمار القديم ،و تستفيد من حروب الاستعمار القديم لاختراق صفوف حركات التحرر وإجهاضها ! لكنها ، عندما ترى في حركة التحرر خطراً جدّياً يصعب اختراقه واحتواؤه كانت تنخرط في الحرب إلى جانب المستعمرين القدامى كما حدث في فيتنام !
الثوابت السياسية رغم التناقضات !
نجم عن نهوض الإمبراطورية الأميركية تمركز شديد لرأس المال الدولي ، بحيث صار عدد من الأشخاص يحتكرون منه أكثر مما لدى عشرات الدول . إن بلدا ن الشمال ، التي يشكل سكانها خمس سكان العالم ، تستحوذ على أربعة أخماس الإنتاج والاستهلاك العالمي ، لكن الولايات المتحدة تستحوذ لوحدها على ربع ما يستحوذه حلفاؤها . وهكذا اتسعت وتعمقت مساحة الشقاء الإنساني الأممي ، وظهرت تناقضات رهيبة من نوع جديد تماماً راحت واشنطن تعالجها بمجرد القوة الحربية الباغية ،غير عابئة بمصير مئات ملايين الأبرياء بما في ذلك مصير شعبها بالذات !
خلال العقود الأولى من عمر الإمبراطورية، نهض تحالف وتآزر دولي قوامه الأوساط الاحتكارية العليا في البلدان الرأسمالية وفي ركابها القوى التي تقوم بدور الوكيل في المستعمرات السابقة ، وكانت مهمة ذلك التحالف والتآزر إطالة عمر النظام الاحتكاري العالمي إلى الأبد إن كان ذلك ممكناً،غير أن ذلك لم يكن يعني زوال التناقضات والصراعات ، حيث سعى دائما كل طرف من أطراف رأس المال الدولي إلى انتزاع أكبر قدر من الأرباح المحققة التي رآها تتناسب مع قوته وموقعه ، مع إعطاء الأولوية دائما لحماية النظام الاحتكاري العالمي وضمان ديمومته .
اليوم ، وقد استفحلت أزمة النظام العالمي إلى درجة الاستعصاء ، تبدو العواصم الحليفة مضطربة وقلقة إلى أبعد الحدود . لقد أنهكتها سياسات الديكتاتورية الأميركية القائدة التي بدأت تنال من مصالحها الحيوية المباشرة أكثر فأكثر .غير أنها لا تملك موقفاً مستقلاً بديلاً ، ولا تستطيع إلا تأييد واشنطن ودعمها ، مهما تجبرت وتعنتت ، بسبب خشيتها من انفلات زمام الأمم ، وانهيار النظام الاحتكاري العالمي بمجمله . إن الحيلولة دون نهوض الأمم هي الثابت الأول في سياسة أطراف رأس المال الدولي مهما بلغت تناقضاتهم ، بل انهم يقاومون بشراسة أية محاولة لنهوض مركز قوة جديد وان من طرازهم وفي إطار نظامهم . إن هذا يبدو جلياً في موقفهم من روسيا مثلاً . وهكذا فانه لمن الواضح نزوع الأطراف الرئيسية في النظام الدولي إلى الحفاظ على الثوابت مهما بدت غير منطقية ، وعلى استقرار التوازن الدولي مهما بدا هشاً ،فهي تسلم ، وان بغيظ وعلى مضض ، لرأس المال الأميركي في انفراده بالقيادة ، لأنه الأقدر على ضبط الشعوب والأمم التي غدا ضبطها بالغ الصعوبة !
خطت واشنطن منفردة معظم الخطوات على طريق حربها ضد العراق ، فلم يبق أمامها سوى خطوة الاجتياح ، وهي قادرة لوحدها ، بالطبع ، على إلحاق الدمار الشامل بهذا البلد الصغير، المظلوم ، الذي تراهن على نجاحها في تحييد أمته العربية والإسلامية والانفراد به . غير أن تحييد الأمة ليس سوى بداية تحقيق إذعانها واستسلامها بالكامل للمخططات الأميركية ، وخضوعها للإدارة الإقليمية الصهيونية اليهودية ، فهي مستهدفة بمقدار ما هو العراق مستهدف ،والعكس بالعكس .
من جهة أخرى ،تنتظر واشنطن بثقة انخراط حليفاتها معها بالهجوم ، ليس احتياجاً لدعمهم العسكري ، بل لتأكيد تبعيتهم وإذعانهم ،ولتحميلهم أوزار الحرب سياسياً ومادياً ، حتى وان لم تكن لهم مصلحة مباشرة فيها .
إنها تعتمد على حرصهم الذي لا شك فيه في الحفاظ على النظام العالمي بتركيبته الحالية ، حيث بلدان الشمال هي مراكزه الإدارية المهيمنة .
ان واشنطن تتطلع إلى حربها ضد العراق مؤملة أن تكون نتائجها بداية عهد تغدو فيه إمبراطوريتها العالمية أعظم رسوخاً ، وحلفاؤها أكثر إذعانا وطواعية ، وضحاياها أكثر استسلاماً وعبودية ، فكم هم مدعاة للسخرية أو الريبة أولئك الذين يدققون اليوم في ذرائع الحرب ضد ّ العراق ،ويأخذونها على محمل الجدّ مهما كانت صحيحة ؟
غير أن التفاعلات اليومية الناجمة عن هذه الحرب ، في جميع أنحاء العالم ، تشير إلى صعوبة ضبط نتائجها من قبل الديكتاتورية الدولية الأميركية . إنها المخاطرة الأميركية الكبرى ، التي يتعرض لها العالم عموماً والعرب والمسلمين خصوصاً ، يمكن أن تؤدي إلى كارثة كونية ، ويمكن أن تكون فرصة مواتية لخلاص الأمم .