بين تركية العلمانية وتركية العثمانية !
طوال ثمانين عاماً تقريباً ، واظبت تركية الرسمية على تأكيد علمانيتها وديمقراطيتها وأوروبيتها ، وهي في سبيل حسم انتمائها للعصر الحالي لم تتردّد في تقديم أعظم التضحيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ولم تتردّد في وضع قواتها المسلحة في صالح جبهات الحرب الأوروبية الأميركية .
لقد دفعت تركية والشعب التركي غاليا ًثمن تلك التضحيات الكبرى ، غير أن قادة العصر الأوروبي الأميركي واظبوا من جهتهم على تجاهل تضحياتها وأمانيها ، ولم يسمحوا لها بتجاوز حدّ معين في اقترابها منهم !
الروح التركية التاريخية الحبيسة :
ليس من شك في أن الشعب التركي ، مثل أي شعب آخر لا يمانع في اللحاق بركب الحضارة الأوروبية الأميركية ، وخاصة في ما يتعلق بإنجازاتها العلمية الحديثة ، ولا يرفض الإصلاحات السياسية الحديثة التي تنظم العلاقات الداخلية بين قوى المجتمع المختلفة ، غير أن ما فات قادة الشعوب المظلومة هو أن الإدارات الأوروبية والأميركية لا تريد لهم ذلك ، فالحداثة بجميع معانيها هي احتكار لبلدان الشمال ، يعمل بها هناك ولا يسمح بالعمل بها جدّياً في بلدان الجنوب ، ففي بلدان الجنوب يتوجب أن يقتصر استعمال الحداثة على قشورها ، وأن ينحصر استعمال القشور بالنخب المتفرنجة ، حيث على بلدان الجنوب أن تبقى مجرّد حقول للمواد الرخيصة ، ومجرّد أســـواق استهلاكية لمنتجات الشمال الغالية ، وبالتالي مجرّد مجتمعات ناقصة ، تابعة ، يسهل التحكم بها الى حدّ إفنائها إذا اقتضت المصلحة ذلك !
وهكذا ، بعد صبر طويل جميل ، أدرك الشعب التركي أن المسألة ليست مسألة رغبات وتمنيات طيبة بل هي أعقد وأخطر من ذلك بما لا يقاس ، فبدأ بالعودة الى روحه التاريخية الحبيسة محاولاً إطلاقها كشرط لتأكيد ذاته ووجوده من جهة ، ولإبداع طريقه الخاص الى الحداثة التي لا تعطى بل تؤخذ ، وها هو الشعب التركي على السنوات الطويلة الماضية يخوض الانتخابات النيابية لصالح روحه التاريخية ( الإسلامية العربية ) فيوصل ممثليها الى سدّة الحكم ، ولو لفترة قصيرة ، بأكثرية كبيرة من أصوات الناخبين الذين بلغ تعدادهم في الجولة الأخيرة أربعين مليوناً !
نحن معنيون بمصير الشعب التركي :
ان العرب ، وعلى الأخص سورية والعراق ، معنيون تماماً بمصير الشعب التركي الذي تربطنا به أوثق الصلات الروحية والتاريخية ، اضافة الى الجوار الجغرافي و الهموم المشتركة ، فما يجمعنا معه ماضياً وحاضراً ومستقبلاً أكبر بكثير جداً مما يمكن أن يفرقنا ، بل اننا بأمس الحاجة الى وقوفه معنا ، ولمثل هذا الوقوف أسسه الموضوعية ، مثلما هو بأمس الحاجة لوقوفنا معه .
غير أننا ، بدلاً من الانشغال الجدي العملي ، بالحقائق التاريخية العظمى التي أودت بنا جميعاً وما زالت على مدى القرون الخمسة الماضية ، ننشغل تماماً باجترار أخبار مظالم بعض الحكام العثمانيين ، وهي المظالم التي لا تختلف عن مظالم بعض الحكام العرب قبل العهد العثماني وبعده ، والتي يوجد مثلها ، أكثر أو أقل ، عند جميع الأمم في جميع العصور . بل ان الأمر لا يقتصر على مجرّد اجترار أخبار المظالم ، انما يذهب الى حدّ اعتبار العهد العثماني عهداً استعمارياً واطلاق صفة الامبراطورية ، أي الامبريالية ، على الدولة العثمانية ، وهي الدولة اللامركزية استناداً الى المنهج الاسلامي في الحكم ، بغض النظر عن مدى التقيد بهذا المنهج في هذه الفترة أو تلك ! ثم ان الاستعمار بمعانيه الصحيحة مصطلح أوروبي محض ، له فلسفته الأوروبية وتطبيقاته الأوروبية التي أنتجت المعمرين و المستوطنين الإباديين في الجزائر وأميركا واستراليا ونيوزيلاندا وفلسطين ،اضافة الى الاستعمار العسكري لعدد كبير جداً من بلدان العالم ، فأين من كل هذا وضع الدولة العثمانية ومنهجها وسياساتها ، وهي الدولة التي ظهرت تقريباً محتواة من العصر الاوروبي منذ خمسة قرون ، والتي كانت طوال القرنين الاخيرين من عمرها دولة مرهقة بالديون والابتزازات الاوروبية !
خلط فظيع في المسألة العثمانية :
لقد تأخر كثيراً احتلال الاوروبيين عسكرياً لبلدان المشرق العربي عن احتلالهم لبلدان المغرب العربي ، ان لم يكن بفضل الدولة العثمانية فبسبب وجودها ، غير أن هذا الاحتلال المتأخر للمشرق أصبح ، وياللعجب ، كأنما هو بداية امكانية خلاص العرب ، وبداية تحقيق ماتوهموا أنه يمكن أن يكون استقلالاً ، علماً أن روّاد الحركة القومية العربية ، في أكثريتهم ، ومنهم من أعدمه جمال باشا السفاح ، لم ينظروا الى المسألة من هذه الزاوية وبهذه الطريقة !
لقد ناضل رواد الحركة القومية العربية أولاً من أجل تطوير الدولة العثمانية باعتبارها دولتهم ، باعتبارها الرابطة العثمانية ، ثم بدأوا بالالحاح على اللامركزية التي تنهض عليها الرابطة بعد ظهور الحركة الطورانية المتصلة بالدول الاوروبية ، ثم انتقلوا الى التفكير بالاستقلال القومي والعمل من أجله بعد تفاقم أوضاع الرابطة / الدولة ، وظهور بوادر وعوامل انهيارها من داخلها ومن خارجها .
غير أن خلطاً فظيعاً ، حول المسألة العثمانية ، حدث في أهوال الحرب العالمية الاولى ، ترتبت عليه توصيفات ومفاهيم خاطئة تحوّلت الى مايشبه القناعات العامة ، وان المرء ليذهل حين يستمع الى أولئك الذين يتحدثون عن مآسي الحرب كأنما هي كانت مآسيهم وحدهم ، وكأنما أهوالها اقتصرت عليهم وحدهم ، أي كأنما هي لم تكن حرباً عالمية !
ان الاتراك ، وليس غيرهم ، من حسم مصير الدولة العثمانية وحكم عليها بالزوال ، أي أن العدو الاول لتلك الدولة كان داخلياً تركياً تحديداً وليس من شعوبها الاخرى ، فهل نحن ضدّ الاتراك ، أم ضدّ الدولة العثمانية ؟
اذا كنا ضدّ الدولة العثمانية ، فأن ذلك يعني أننا ندين لأولئك الاتراك الشجعان الذين نجحوا في تحريرنا منها ! أما اذا كنا ضدّ الاتراك فذلك يعني أنهم أعداؤنا مثلما هم أعداؤها ، وأننا ضحيتهم مثلما هي ضحيتهم !
آن آوان تجاوز الأخطاء :
على أية حال ، فأن هذا الخلط والابهام ، والتشويش على التاريخ ، اذا كان مبرراً ومفهوماً في فترة مابعد الحرب العالمية الاولى وما نجم عنها من انقلابات مدوّخة حقاً ، فان استمراره لم يعد مبرّراً ولا مفهوماً ، فهو بمجمله ، وفي أفضل حالات سوء النية ، يعود الى القصور الخطير في مداركنا وفي فهمنا لحقائق العصر الاوروبي الاميركي منذ بداياته قبل خمسة قرون وحتى يومنا هذا . ويفترض أنه آن أوان تجاوز القصور ، واعادة النظر في ماشاع من مفاهيم وأحكام خاطئة صار التخلص منها ضرورياً اذا ما أردنا الخروج من حالة اضطراب الاولويات ، ومن حالة المراوحة في المكان .
لايجوز أبداً أن يستمر تاريخ الهيمنة الأوروبية على بلادنا مقترناً في أذهاننا بتواريخ الاحتلالات العسكرية الأوروبية لهذه البلاد ، وهي الاحتلالات التي بدأت في القرن التاسع عشر فقط ، بينما ثغورنا البحرية (مضيق جبل طارق وباب المندب ومضيق هرمز ) أغلقت منذ أوائل القرن السادس عشر ، وقد حاولت الدولة العثمانية اعادة فتحها فلم تنجح ، كذلك طرقنا الملاحية الدولية قطعت تماماً في ذلك التاريخ فانقطعت معها صلتنا الحميمة ببلدان حوض المحيط الهندي . لقد وضعت الامة العربية والاسلامية ، ومعها الدولة العثمانية ، تحت الحصار المحكم منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا ، بينما بعض عرب المشرق يعتبرون معاناتنا مسؤولية عثمانية فقط حتى انهيار الدولة العثمانية ، فهل هذا معقول ؟ ! ثم اليست صورة الدولة العثمانية هي ، في الاساسيات ، صورتنا نحن العرب خلال القرون الطويلة تلك ؟ وما الذي كان سيتغير ، في الاساسيات ، لو أن السلاطين العثمانيين كانوا عرباً أقحاحاً ؟ !
الدولة العثمانية والدولة السوفياتية :
لقد ترافق وجود الدولة العثمانية على مدى أربعة قرون مع السيادة العالمية للعصر الأوروبي الأميركي ، فهي لم تكن نداً مكافئاً لهذا العصر ، ولا عالماً قائماً بذاته في وجهه ومنفصلاً عنه ، بل هي كانت جزءاً منه وان ظلت ضدّه ، مثلما كانت الدولة السوفياتية التي نهضت ضدّه لكنها بقيت بدورها جزءاً منه !
إننا ، سواء درسنا تاريخ الدولة العثمانية أم تاريخ الدولة السوفياتية ، سوف نرى بوضوح تام مقدار نفوذ النظام العالمي ، الأوروبي الأميركي ، في كلا الدولتين . انه النفوذ الذي يظهر في حالة الحذر الدائمة التي سادتهما ، قلقاً وتأهباً واستنفاراً طوال الوقت ، وانصياعاً لنمط العلاقات السائد دولياً ، وعجزاً اقتصادياً مزمناً ، وقروضاً ربوية سرطانية ، وميزانيات ضخمة مرصودة للأمن والدفاع على حساب قطاعات الحياة الأخرى ! هكذا كان حال الدولتين دائماً ، فهما كلتاهما ، العثمانية والسوفياتية لم تكونا أكثر من اختراقين كبيرين في هيكلية النظام العالمي الأوروبي . لقد كانت الأولى العثمانية ، مستمرة من الماضي بعد فوات الآوان ، والثانية ، السوفياتية ، قادمة من المستقبل قبل الأوان ! ولقد رأينا كيف أمكن في النهاية رتق الاختراقين الشاذين بمعايير النظام العالمي السائد ، وانه لمن المثير حقاً أن نلاحظ الشبه الكبير بين حكومة كمال اتاتورك بعد انهيار الدولة العثمانية وحكومة بوريس يلتسين بعد انهيار الدولة السوفياتية !
اغفال الأحياء ومحاربة الأشباح :
ثم ان الدولة العثمانية مضت وانقضت وزالت من الوجود الى الأبد ، وبالتالي فنحن لسنا بحاجة اليها وهي ليست بحاجة إلينا ، فما معنى اصرار البعض على التصعيد المستمر ضدها . كأنما هي خطر داهم ؟ ألا يكفينا أن حكومات تركيا العلمانية تتكفل بها على أكمل وجه ، وتطارد أشباحها طوال الوقت ؟
وأغرب ما في الأمر أن الحملة ضدّ الشيوعية والدولة السوفياتية توقفت بعد زوالها مباشرةً ، بل عادت الأحزاب الشيوعية للاشتراك في الحياة العامة والوصول الى سدّة الحكم ، فلماذا تستمر الحملة بلا توقف ضدّ الدولة العثمانية وقد كاد قرن يمرّ على انهيارها وزوالها ولماذا يمنع حزب الرفاه ، أو العدالة ، من الوصول الى الحكم ديمقراطياً ؟
اسمحوا لنا أن نقول أن هذه الحملة المستمرة ضدّ أشباح الدولة العثمانية ، التي تستهدف بطرق مخاتلة الاسلام والحضارة الاسلامية بحجة النيل من العثمانيين ، سوف تنسحب تلقائياً على القومية العربية أيضاً لتنال منها ، وكذلك على كل قومية تنتسب الى الحضارة الاسلامية، بل لعل ذلك بدأ حقاً وفعلاً ؟
وما الذي يتبقي من القومية العربية ، وغيرها ، اذا ما جرّدت من حضارتها الاسلامية ؟ ما هو الفارسي ، أو التركي ، من دون الحضارة الاسلامية ؟ وهل يمكن للمسيحي العربي أن يكون عربياً من دونها ؟
حذار ! فهم يريدون تجريدنا من ثقافتنا الوطنية والقومية ، ليس لإحلال ثقافتهم محلها فحسب ، بل لإحلال مستوطنيهم وعبيدهم محل شعوبنا ! حذار ، وانظروا جيداً في العمق الى ما يحدث في فلسطين والعراق والسودان وغيرها !
عودة الى نقطة البداية :
لقد استنفد الشعب التركي جميع الوسائل " الديمقراطية " الحديثة لتحرير روحه التاريخية الحبيسة والانطلاق حراً على درب التقدم بمعاييره العصرية ، غير أن طغاة العالم وخدمهم يقفون له بالمرصاد ، فهم لن يسمحوا له أبدأً بتأكيد ذاته ووجوده سلمياً ، حتى وان سعى الى تحقيق ذلك مستخدماً أدواتهم . ان الجولة الانتخابية الديمقراطية الأخيرة سوف تنتهي مثل سابقاتها ، باجراءات تعسفية تلغي نتائجها ، غير أن أوضاع العالم لن تستمر على ما هي عليه من طغيان وتعسف ، ولسوف ننجح نحن والشعب التركي والشعوب الاسلامية والشعوب المظلومة عموماً في اعادة الاعتبار الى الروح التاريخية للأمم كخطوة كبرى على طريق الخلاص .
4/11/2002