الوظائف الإنسانية تصنع الأمم العظيمة
من الوسائل الفعالة لجعل الأمم المغلوبة تستمر في الخضوع والانصياع حرمانها من ذاكرتها التاريخية، وإقناعها عنوة أن لا فضل لها في الماضي والحاضر، ولا قدرة لها على المساهمة في بناء المستقبل البشري، أي طمس دورها التاريخي الحضاري في نطاق جملة المجتمعات الإنسانية، وإن هذا هو عين ما تتعرض له أمتنا العربية اليوم في هذه الحرب المدمّرة التي اشتد أوارها، حرب تدمير الذاكرة العربية وطمس التاريخ العربي، وفرض استمرار خضوع العرب وانصياعهم! وبالطبع ينبغي على الأمة مواجهة وإفشال هذه الحرب التدميرية الإبادية التي تشن ضدها، وإن الحفاظ على الذاكرة التاريخية لأبنائها متوهجة هو أحد السبل الرئيسية لخوض هذه الحرب بنجاح، إضافة إلى إبراز التاريخ الحضاري العربي الإنساني أمام الأمم الأخرى التي يحاول الأعداء طمسه وجعله يغيب عن أعينها وأذهانها!
لقد أخذ العرب على عاتقهم عبء قيادة عملية انتقال عالمية تقدمية من عصر إلى عصر، وقد انطلقت العملية من الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي محققة وضع العالم بمجمله (العالم الذي كان معروفاً آنذاك) على عتبة العصر المتقدم الجديد خلال حوالي سبعين عاماً فقط، وما كان لتلك العملية التاريخية العظمى أن تنجح بتلك السرعة والسلاسة لولا أن الفاتحين العرب كانوا يرفعون رايات قضية إنسانية للشعوب جميعها مصلحة فيها، فقد كانت وظيفة عظيمة حققتها أمة عظيمة، وعلى سبيل المثال فإن العرب عبروا مضيق جبل طارق بعدد قليل من الجنود لا يتجاوز بضعة آلاف، فاشتبكوا مع النظام بينما الجماهير الإسبانية تعاضدهم وترحب بهم، أي أن الشعب الإسباني كان شريكاً في ذلك الفتح، ومن المعروف أن اتصالات تمهيدية تمت بين قياداته وبين القيادة العربية قبل قرار عبور المضيق!
لقد حكم الرومان إسبانيا حتى القرن الخامس الميلادي، واضمحلت إسبانيا مع اضمحلال الإمبراطورية الرومانية، فهاجمتها قبائل الوندال والآلين والسويف من برابرة الشمال، واستولت عليها بعد أن خرّبت في طريقها بلاد الغال (فرنسا) ثم لم يلبث القوط البرابرة ان استولوا على إسبانيا في القرن السادس، وحكموها أقل من قرن من الزمان، حتى فتحها العرب!
وتجدر الإشارة إلى الأصول الفينيقية لتلك المجتمعات الإسبانية عموماً، وهي مجتمعات كانت تعتنق المسيحية، أما القوط فقد كانوا وثنيين عند استيلائهم على إسبانيا. لقد كانوا قبائل بدائية، محاربة، ساذجة، تقاتل خلف أصنامها، ثم اعتنقت المسيحية دين الإسبانيين بعد أن حكمتهم! وكما يحدث عادة، عانى المجتمع الإسباني المتقدم من قسوة حكم القوط وسذاجتهم وبدائيتهم، ولقد كان متوقعاً طرد هؤلاء الغزاة أو احتوائهم في نهاية المطاف، بالفتح العربي أو بغيره، ولذلك نستطيع أن نتصور مقدار حماسة المجتمع الإسباني لمجيء أبناء عمومته المشرقيين ومساعدته على التحرر من حكم القوط، أما الذي حدث بعد ذلك في إسبانيا العربية فلندع الحديث عنه للكاتب الألماني ليون فويشت مانغر.
يقول الكاتب الألماني أنه، في العام الثمانين للفتوحات العربية، عبر العرب المضيق إلى إسبانيا وأسقطوا دولة القوط، وتقدموا بسرعة حتى جبال الألب، وهم تقدموا بحضارة متفوقة جعلت من إسبانيا أجمل وأرتب وأغنى بلدان أوروبا، فقد ولدت مدن كبيرة مزدهرة لا مثيل لها على الأرض، خططها وشيدها مهندسون معماريون واسعي الاطلاع، ونفذها بناؤون حكماء، حتى اعتبرت قرطبة مقر الخلافة عاصمة بلاد الظلام (أوروبا) قاطبة، لقد حول العرب الأراضي الزراعية المهملة إلى أراض صالحة للاستثمار بعد أن أكسبوها خصوبة لم يسبق لها مثيل، وذلك بوساطة نظام ري حكيم، وحققوا تقدماً كبيراً في مضمار تقنية المعادن، أما حائكوها المهرة فقد نسجوا أغلى أصناف السجاد وأبهى أنواع الأقمشة، وأما خياطوها البارعون فقد صنعوا أجمل أصناف الألبسة الفرائية والعادية، وأبدع حدادوها المميزون أدوات معدنية مختلفة دقيقة للأغراض السلمية والحربية. لقد ابتكروا أسلحة ذات فعالية عالية، وقذائف بعيدة المدى، وصنعوا مادة تحدث انفجاراً مدمراً أطلقوا عليها اسم (النار السائلة!) وعلى صعيد الملاحة كانت سفن العرب الإسبان سريعة وأمينة، يقودها رياضيون وفلكيون أفذاذ، بحيث كانت تتعامل تجارياً مع مختلف موانئ وأسواق العالم، وبمختلف البضائع والمنتوجات!
الفنون والعلوم الإنسانية تتفاعل!
يتابع الكاتب الألماني قائلاً: أما الفنون والعلوم فقد ازدهرت تحت سماء الأندلس بصورة لم يسبق لها مثيل، وقد تميزت منازل الأندلس بذلك الطابع الخاص الطريف، وكان باستطاعة أي من سكانها التثقف والتعلم حسب هواه، وكانت في مدينة قرطبة وحدها ثلاثة آلاف مدرسة، وكان لكل مدينة كبيرة جامعتها ومكتبتها. كذلك وسع الفلاسفة العرب حدود القرآن، وترجموا حسب تفكيرهم الخاص أعمال الحكماء والفلاسفة اليونان، فصاغوها بقالب جديد. وكان فن الشعر متألقاً زاهياً فتح للخيال آفاقاً واسعة جداً. كان هناك شعراء كبار أضفوا على اللغة العربية الغنية أسلوباً جديداً جعلها أكثر قدرة في التعبير عن مختلف أنواع المشاعر والأحاسيس. وقد ترجم العرب الكتاب المقدس المسيحي إلى العربية، وأعطوا اليهود حق المساواة الاجتماعية، وهم الذين كانوا في عهد القوط تحت الحكم العرفي! لقد عاش اليهود في ظل الإسلام حياة سعيدة لم يسبق لهم أن عاشوها في أي مكان آخر، فظهر منهم الوزراء والأطباء، وأسسوا المعامل والمراكز التجارية الكبرى، وأرسلوا سفنهم التجارية في بحار الأرض السبعة، كذلك طوّر اليهود، دون أن ينسوا ثقافتهم العبرية، نظماً فلسفية في اللغة العربية، وترجموا مؤلفات أرسطو، وصهروا تعاليمه مع تعاليم كتابهم وتعاليم علماء الحكمة العرب، وخلقوا نقداً حراً جريئاً للكتاب المقدس اليهودي، وجددوا فن الشعر العبري..الخ!
ذلك ما كتبه الألماني، أما الفرنسي غوستاف لوبون فقد شرح كيف أن العدل كان دستور العرب، وأنهم تركوا الناس أحراراً في أمور دينهم. لقد كانت الإمامة الثقافية للعرب، وكان باب المناصب مفتوحاً للنصارى، وكانوا يخدمون في الجيش، ولم يكن تزاوجهم والمسلمين قليلاً، وكانت أم الخليفة عبد الرحمن الثالث نصرانية، والكنائس المسيحية الكثيرة التي شيدت في العهد العربي دليل على احترام العرب لمعتقدات الناس، وقد اعتنق الإسلام كثير من النصارى، لكنهم لم يفعلوا ذلك طمعاً في كثير شيء وهم الذين استعربوا، وكذلك اليهود، فغدوا مساوين للمسلمين وقادرين مثلهم على تقلّد مناصب الدولة العليا. وقد واصل أساقفة المسيحية عقد مؤتمراتهم بكامل حريتهم، مثل مؤتمر إشبيلية الذي عقد عام 782، ومؤتمر قرطبة الذي عقد عام 852، بل إن أحد باباوات روما تخرّج من جامعة قرطبة!
الخلاص الخاص والخلاص العام
لقد أشرنا في هذه العجالة مجرّد إشارة إلى الوظائف الإنسانية العظيمة التي جعلت من العرب أمة عظيمة، وليس من ريب في أن نهوض أمة العرب مرة أخرى، يقتضي بلورة وظائف إنسانية عظيمة ينهضون بأعبائها، وتلبي احتياجات جميع الأمم، فلا خلاص خاص من دون أفق إنساني للخلاص العام!