إنعاش ذاكرتنا في آنا بوليس!
الإسرائيليون قوة استئصال واستيطان، لا قوة استعمار واستعباد فقط، ولذلك لا تنطبق عليهم الحكمة القائلة أن شعباً يضطهد شعباً آخر ليس حراً، وأنه يتحرر بتحرير ضحيته! لأنهم ليسوا استعماراً استعبادياً استغلالياً تقليدياً يمكن أن يقف عند حدّ في عدوانه وفي علاقته بضحيته، بل يمكن أن يعود إلى بلاده ويقيم علاقة متكافئة حرة مع ضحيته السابقة! إن الإسرائيليين يصرّون على تكرار التجربة الأميركية بإبادة شعب والحلول محله، وبإبادة ثقافة وإحلال ثقافتهم محلها! وقد رأيناهم اليوم، وهم يعدّون للاجتماع الذي دعا إليه الرئيس الأميركي في آنا بوليس، يحاولون أن يجعلوا من الاجتماع خطوة أخرى على طريق محاولة استئصال الشعب الفلسطيني، وذلك بدفع قادته إلى تنازل آخر عن حقوقه الأساسية المتعلقة بوجوده الأصلي، وعندما أصرّت السلطة الفلسطينية على أن الاجتماع لا يجوز أن يبقى مفتوحاً، وينبغي أن يعمل المجتمعون على إقرار برنامج زمني لعملية الحل النهائي بصدد الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، بالاستناد إلى قرارات الأمم المتحدة، عندئذ رأينا الذئبة الإسرائيلية ليفني (وزيرة الخارجية) تكشرّ عن أنيابها معلنة أن "أمن دولة إسرائيل أهم من الدولة الفلسطينية"! أما تفسير هذا القول الذي صدر عن ليفني، فنجده في خطاب ألقاه مناحيم بيغن (رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق) أمام جنوده، وقال فيه ما يلي:" أنتم الإسرائيليون لا ينبغي أن تكونوا رؤوفين حين تقتلون عدوكم. ينبغي أن لا تعطفوا عليه ما دمنا لم نقض بعد على الثقافة العربية، وما دمنا لم نبن بعد على أنقاضها حضارتنا نحن"! أي أن الدولة الفلسطينية سوف تقوم بعد التدمير التام للشعب الفلسطيني وثقافته العربية، أي أنها لن تقوم، وهذا مغزى تصريح ليفني!
إن عمليات الاضطهاد والتنكيل والتشريد، والفصل العنصري مع مواصلة التدمير والقتل، تؤكد على أن الحل السلمي لا يخطر ببال الإسرائيليين إلا في معرض الخداع والتضليل، وتؤكد على أنهم ماضون في محاولاتهم استئصال الشعب الفلسطيني، وهي المحاولات التي بدأت منذ أكثر من ستين عاماً ولم تتوقف لحظة واحدة حتى يومنا هذا، فإذا كانت تبدو اليوم كأنما هي غير فعالة، وكأنما هي مفتوحة على اللانهاية بلا نتيجة واضحة في الأفق، فإن سبب ذلك يعود إلى ما فاجأهم به الشعب الفلسطيني من صلابة وصمود وحيوية لم تكن في حسبانهم عندما انطلقوا لإقامة مشروعهم الاستئصالي الاستيطاني، فهذا الشعب يزداد صلابة وتألقاً وتجدّداً وفعالية كلما أمعنوا أكثر في محاولاتهم استئصاله، وهي المحاولات التي تساندها بجميع الوسائل عواصم الشرّ الاستعمارية الكبرى! فإذا كان الشعب الفلسطيني يعيش مأزقاً تاريخياً خطيراً ينبغي أن يخرج منه حياً، فإن الإسرائيليين يواجهون اليوم المأزق ذاته، فقد كتب الإسرائيلي يونتان روزنبلوم (معاريف – 30/9/2007) يقول أن "إسرائيل" لم تعد كما كانت مصدراً لاعتزاز وفخر اليهود الأميركيين، وأن أكثر من نصف اليهود الأميركيين الشبان لا يعتبرون "تدمير إسرائيل" مأساة شخصية لهم، بل إن الكارثة النازية (الهولوكست) لم تعد تبدو لهم مأساة شخصية! ويقول هؤلاء الشباب اليهود أن "إسرائيل" تعقّد حياتهم الاجتماعية، وتعكر هويتهم السياسية، وأنهم لا يريدون التلوّث بالصبغة الوطنية التي تمثلها "إسرائيل" وهي الدولة التي يرونها كولونيالية قمعية تمارس الفصل العنصري!
لقد نقل الكاتب الإسرائيلي روز نبلوم هذه المعلومات عن دراسة إحصائية ميدانية أعدها مختصان اجتماعيان أميركيان هما سيتفان كوهن وآري كيلمان، ولكن هذه المعلومات والاستنتاجات لا ينبغي أن تفقدنا الحذر، فالكيان الإسرائيلي هو في الحقيقة مجرّد ذراع أميركية في منطقتنا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لنا أن نتصوّر كيف كان حال اليهود في أميركا وغيرها لو أن الإسرائيليين نجحوا في عمليات الاستئصال نجاحاً حاسماً، وذلك بتوقف المقاومة العربية وسيادة الصمت وشيوع الاستسلام! غير أن ما أصبح مؤكداً هو استحالة استئصال الشعب الفلسطيني.
إن إحساس الكثيرين من يهود أميركا والعالم اليوم بأن "إسرائيل" تحوّلت إلى عبء، حسبما ورد في الدراسة المذكورة، يعيد الاعتبار إلى تلك الاعتراضات اليهودية الإنكليزية التي تصدّت لمشروع وعد بلفور حين إعداده، فقد كانت أكثرية اليهود الإنكليز متشدّدة ليس في معارضتها للوعد فقط بل للحركة الصهيونية اليهودية من أساسها، وقد تلخص موقفهم أثناء إعداد تصريح بلفور وقبل إصداره بالنقاط التالية:
1- إن المبدأ الذي يقوم عليه التصريح المقترح يفترض ويتضمن أن اليهود عموماً يؤلفون قومية، وهذا التضمين يلحق أفدح الأضرار بالمصالح اليهودية، كما أنه يثير اشمئزاز عدد ضخم من اليهود!
2- إن التصريح يحرم عرب فلسطين من حقهم في وطنهم، ويعرضهم للطرد والتشريد، وهو موقف غير إنساني ومرفوض، وقد طرح هذا الرأي في مذكرة شديدة اللهجة رفعت إلى الحكومة البريطانية، وجاء فيها أن التصريح يعني بأن على المسلمين والمسيحيين في فلسطين إخلاء المكان لليهود، وهو الأمر الذي لا يتحقق إلا بطرد السكان الحاليين!
3- إن الوطن القومي المقترح سوف يحوّل فلسطين إلى " غيتو" كبير ( حيّ يهودي كبير مغلق) وسوف يتعرض اليهود فيه إلى خطر كبير في يوم من الأيام!
4- إن الوطن اليهودي المقترح سوف يضر بمصالح أتباع الديانة اليهودية في جميع أرجاء العالم، لأنه يقوم على الفرضية الخاطئة بأن اليهود يشكلون قومية واحدة وأن فلسطين وطن لليهود، وهو أمر سوف تنتج عنه أوهام اليهود غير الإسرائيليين بالولاء المزدوج، وسوف تدفع هذه الأوهام أوطانهم إلى النظر إليهم نظرة شك، وسوف تؤدي إلى حرمانهم من حقوق المواطنة الطبيعية!
إن مواقف اليهود الإنكليز عام 1917، ومواقف اليهود الأميركيين عام 2007، تشير بوضوح إلى فداحة الجريمة المركّبة التي ارتكبتها حكومتا لندن وواشنطن بحق العرب وبحق اليهود عموماً، فقد تقرر الاستئصال مصيراً لعرب فلسطين، وتقرّر التنفيذ وظيفة لليهود طوعاً أو كرهاً! وبما أن استئصال عرب فلسطين يبدو اليوم وقد غدا مستحيلاً، فإن السؤال عن مصير اليهود المستوطنين في المستقبل، يطرحه اليهود أنفسهم على أنفسهم، يبدو وارداً وجدّياً!