المصير المقرّر لقطاع غزة تحديداً؟

بقلم: نصر شمالي

يبرز المشهد الفلسطيني اليوم كواحد من المشاهد التي تدمي القلوب، فالمعارك الداخلية تخاض تحت عناوين لا علاقة لها بجوهر الصراع العظيم ولا باحتياجاته الفعلية، وإن هي كانت من نتاجه، وهذه المعارك خاسرة سلفاً بجميع المعايير لأنها عبثية، وهي عبثية لأنها تدور في ظل الاحتلال والاستيطان الصهيوني وتحت سيطرته شبه المطلقة! وسواء شاء المتصارعون أم أبوا، أدركوا خطورة ما يفعلونه أم لم يدركوا، فإن هذه المعارك العبثية تساعد الأعداء في تأكيد واقعية الصورة التي يعممونها، وهي تشبيه العرب والمسلمين بمعوقات الطبيعة التي لا بد من ترويضها أو استئصالها لتحقيق التقدم البشري، أي تشبيههم بالأدغال والصخور والذئاب والأفاعي!

***

إن مصير أراضي قطاع غزة والضفة الغربية مقرر ومحدد في المشروع الصهيوني الإنكليزي الأميركي منذ عام 1850، أي منذ مائة وسبعة وخمسين عاماً! ففي ذلك التاريخ جاء إلى فلسطين الكابتن البريطاني وليام آلان، الموظف في جمعية المهندسين الملكية البريطانية، وأعد دراسة عن إمكانية ربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الميت بواسطة قناة تصل ما بين خليج حيفا ووادي الأردن، وتؤمن للإنكليز طريقاً إلى الهند بدلاً من قناة السويس التي يملكها الفرنسيون، حيث يمكن أيضاً وصل البحر الميت بخليج العقبة على البحر الأحمر! لكن احتلال الإنكليز لمصر أجّل تنفيذ المشروع إنما إلى حين.

وفي عام 1899 أعدّ المهندس السويسري ماكس بوركارت دراسة عرضها على رئيس المؤتمر الصهيوني اليهودي تيودور هرتزل تدعو إلى مشروع من قناتين مائيتين تزودان الدولة اليهودية بعد نشوئها بالكهرباء: قناة من حيفا إلى البحر الميت، وثانية من جنوب بحيرة طبريا إلى البحر الميت أيضاً، وقد تبنى هرتزل المقترحات وراح يتحدث عن عنفات مائية تقام قرب البحر الميت على مساقط المياه المجرورة من المتوسط، تنتج كمية من الكهرباء تغذي المنطقة الصناعية التي ستنهض على سواحل البحر الميت!

وفي عام 1938 أوفدت الحكومة الأميركية خبير الريّ لوذر ميلك إلى فلسطين حيث أمضى عاماً كاملاً في إعداد تقرير لصالح الوكالة اليهودية تضمّن، في ما تضمّن، الفقرة التالية:" هناك أدلة كثيرة تؤكد أن استغلال منخفض وادي الأردن سيجعل مع الوقت أربعة ملايين مهاجر يهودي من أوروبا أمراً ممكناً"!

***

لن نسترسل في استعراض المشاريع الإنكليزية الأميركية الصهيونية المائية، التي تتصرف بفلسطين كأنها أرض بلا شعب، وننتقل إلى ما استقرت عليه الدراسات بصدد ربط المتوسط بالميت، حيث تبين أن الانطلاق بالقناة من قطاع غزة هو القابل للتنفيذ أكثر من غيره. ففي 24/8/1980 أقرت الحكومة الإسرائيلية اعتماد الطريق التي تبدأ من منطقة القطيف قرب خان يونس، وتمر في النقب الشمالي جنوب بئر السبع، وتصل إلى بوكك على البحر الميت، فعلى هذه الطريق تشق قناة مفتوحة بطول 22 كيلومتراً، يليها ويكملها أنبوب قطره خمسة أمتار وطوله 80 كيلومتراً، وقرب المصب على البحر الميت تقام بحيرتان أو ثلاث لخزن المياه التي ستدير أربعة توربينات كهربائية قبل أن تواصل مياه المتوسط طريقها إلى الميت!

لقد قدم وفد فلسطين إلى المؤتمر الثاني عشر لوزراء خارجية الدول الإسلامية الذي انعقد في بغداد (1-6 حزيران/يونيو 1981) مذكرة أجملت قضية المشروع الصهيوني لربط المتوسط بالميت بكل ما يعنيه ذلك وما يترتب عليه من أخطار تتناول وجود العرب ومصير فلسطين.

وكان مستثمرون من الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا قد أعلنوا عن استعدادهم لتمويل وتنفيذ المشروع الذي ينطلق من قطاع غزة، وقد شكلت لجنة قانونية صهيونية أفتت بتجاهل العرب أصحاب البلاد، وجاء في فتواها ما يلي:" كان قطاع غزة تحت الحكم المصري حتى حرب عام 1967 حيث احتله الإسرائيليون، وانتهى الحكم المصري بمجيء اتفاقية كامب ديفيد التي أزالت صفة الاحتلال، فأصبح القطاع يتمتع بالحكم الذاتي، ولذلك فإنه لا يوجد في القانون الدولي ما يمنع إسرائيل من تمرير القناة المقترحة عبر أراضي القطاع، لأن القانون الدولي ينطبق فقط على حالة وجود الاحتلال الذي لم يعد موجوداً، فلا مجال لتطبيق القانون الدولي عليه .. الخ"!

إنها الفتوى المهزأة كما وصفها أكرم زعيتر، غير أن الصهاينة عودونا على تحويل السخافات إلى وقائع، وهاهي مجلة "يو.س.نيوز" الأميركية تقول:" إن القناة ستحول البحر الميت إلى بحيرة لإنتاج الطاقة الكهربائية التي ستكفي استهلاك الأردن وسوريا والعراق وفلسطين"!

لا ندري لماذا استثنت المجلة الأميركية لبنان كي تشمل أنوار المشروع الصهيوني كامل المشرق العربي، بمساحته التي تزيد على 755 ألف كيلومتر مربع وعدد سكانه الذي يقارب الثمانين مليوناً! لكننا نعلم علم اليقين أن المشروع اليوم قيد التنفيذ، لا تعيقه سوى العقبات الطبيعية المتمثلة بالعرب، والتي يتوقع الصهاينة أن يذللها تطور المعارك الداخلية العبثية في ما بينهم، فيتحقق الحكم الذاتي لقطاع غزة تحديداً ويصبح مجرد منطقة مدارة، مثله مثل بقايا كامبات الهنود الحمر في أميركا وكندا، وهو ما سيكون عليه حال الضفة أيضاً في حال نجاح المشروع الصهيوني، هذا إذا لم نأبه لمصير المشرق العربي بمجمله!

www.snurl.com/375h   

 

Hosted by www.Geocities.ws

1