المستقبل يؤرق يهود الداخل والخارج!
انعقد في فلسطين العربية المحتلة قبل أيام مؤتمر ضم شخصيات يهودية عالمية، من الولايات المتحدة خاصة، عولج فيه مستقبل اليهود في العالم، وما إذا كان الكيان الإسرائيلي هو المحور الذي يتمحور حوله مستقبل اليهود أم أن الولايات المتحدة هي المركز! ومن الأسماء اليهودية المعروفة إعلامياً التي حضرت المؤتمر كان دينيس روس، معاون وزير الخارجية في عهد كلينتون، وأحد الذين زاروا العواصم العربية كثيراً جداً على الرحب والسعة! وكان قد سبق المؤتمر في فلسطين المحتلة مباشرة لقاء تمهيدي في أحد منتجعات الولايات المتحدة عقده اليهود الأميركيون خصوصاً، فما هي طبيعة الظروف الراهنة التي تؤرق الصهاينة وتنعكس على نشاطاتهم الذهنية، وعلى تأملاتهم في مصير اليهود مستقبلهم؟
لقد أعلن الرئيس الأميركي بوش مؤخراً، عبر واحدة من تصريحاته الغريبة، أنه يريد أن يصبح العراق مثل "إسرائيل"! وقد يفسّر الخونة والانتهازيون والجهلة هذا التصريح بأنه يعني جعل العراق ديمقراطياً، غير أن جميع الدلائل تؤكد أنه يقصد جعل العراق قاعدة أميركية مثل فلسطين المحتلة، وبالطبع فإن مصير العراقيين في العراق الديمقراطي الأميركي سوف يكون في أفضل الأحوال كمصير عرب فلسطين المحتلة عام 1948، فالرئيس الحالم جورج بوش يتطلع إلى صهينة بلادنا أو أمركتها، تحت عناوين العولمة والديمقراطية، وهذا يعني تشكيل حكومات وأجهزة حكم من طراز حكومة قرضاي وأجهزتها في أفغانستان، وهو ما نرى بداياته واضحة في العراق ولبنان وفلسطين، فحكومات وأجهزة من هذا الطراز سوف تكون متكاملة مع الإدارة الإسرائيلية وإن بمضامين أسوأ، وإذا سارت الأمور كما يهوى الرئيس الأميركي فإن الولايات المتحدة سوف تكون المحور الذي يقرر مصائر ومستقبل اليهود، حيث يهود الولايات المتحدة سيقفون حتماً مع حكومتهم الأميركية!
غير أن يهود فلسطين المحتلة يرون رأياً آخر، ويعبّرون عن عدم ثقتهم بجدارة الإدارة الأميركية الصهيونية، فهم يتحدثون عن الوحول العراقية التي غرقت فيها هذه الإدارة، وعن الخطر النووي الإيراني، وعن ضعف محور التحالف الغربي (حلف شمال الأطلسي) عموماً، وعن ما ترتب على فشل الإسرائيليين في حرب لبنان الثانية، وحتى عن انفراد حركة حماس بإدارة قطاع غزة الذي يعتبرونه مظهراً حاداً من مظاهر عجز التحالف الغربي، كما كتب الجنرال إيال بن رؤوفين، نائب قائد المنطقة الشمالية السابق، في صحيفة بديعوت بتاريخ 10/7/2007، فإذا كان الحال كذلك، وإذا كان على الإسرائيليين أن يأخذوا مصيرهم ومستقبلهم بأيديهم، فإن ذلك يستدعي إما القدرة على الانتصار والسيطرة الذاتية بصدد المحيط العربي الإسلامي، وإما التعايش مع هذا المحيط، إن لم نقل الاندماج فيه، فهل هذا ممكن؟
بديهي أن الإسرائيليين اليهود لا يستطيعون مواجهة العرب والمسلمين، بل ولا الفلسطينيين فقط، في حال تخلوا عن وظيفتهم كقاعدة حربية للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، أما عن التعايش والاندماج في المحيط فإن ذلك يبدو صعباً جداً، إن لم نقل مستحيلاً، ليس لأن المحيط يرفضهم بل لأنهم بحكم تركيبتهم، وبحكم الدوافع التي جاءت بهم إلى بلادنا، لا يقبلون بالتعايش والاندماج، حيث الارتزاق والخدمة في ركاب مشروع استعماري كان دافعهم الأول للقدوم، وليس انتماءهم إلى فلسطين أو اليهود القدامى.
إن اليهود الأوروبيين في فلسطين لا علاقة لهم أبداً بما يسمى العرق السامي، لا روحياً ولا جغرافياً ولا تاريخياً، وفي كتابه "القبيلة الثالثة عشر" كتب المفكر الصهيوني آرثر كوستلر يقول: "إن الغالبية العظمى من اليهود الباقين في العالم هم من أصل أوروبي شرقي، ومن ثم أصل خزري، وهذا يعني أن أسلافهم لم يأتوا من وادي الأردن بل من الفولغا، ولم ينحدروا من كنعان بل من القوقاز، ويصير من المعتقد أنهم من الجنس الآري، وأنهم أوثق انتماءً وراثياً إلى قبائل الهون والبوجر والمجر منهم إلى ذرية إبراهيم واسحق ويعقوب، وإذا صارت القضية على هذا النحو، ألا يصبح مصطلح معاداة السامية خاوياً من المعنى؟"!
أما عن مستقبل اليهود في فلسطين المحتلة فيقول كوستلر: "رغم أن هذا الكتاب (يقصد كتابه المذكور) يدرس التاريخ الماضي، فلا مفر من أن يحمل تضمينات معينة تنسحب على الحاضر والمستقبل، وأنا أعي الخطر المتمثل في أن يساء بخبث فهم ما جاء في الكتاب، باعتباره إنكاراً لحق دولة إسرائيل في الوجود، ولكن هذا الحق لا يستند إلى الأصول المحتملة للشعب اليهودي، ولا إلى الميثاق الأسطوري بين إبراهيم ويهوه، بل يستند إلى القانون الدولي، أي إلى القرار الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947، القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية ودولة يهودية، وأياً كانت الأصول العرقية للمواطنين الإسرائيليين، وأياً كانت أوهامهم عنها، التي يعللون النفس بها، فإن دولتهم قائمة فعلياً وقانونياً، سواء حملت كروموزومات شعبها جينات من أصل خزري أو سامي، من أصل روماني أو إسباني، فهذا أمر لا صلة له بالموضوع، ولا يمكن أن يؤثر في حق إسرائيل في البقاء، ولا في الالتزام الأدبي لأي شخص متحضر بالدفاع عن هذا الحق، يهودياً كان أو غير يهودي، ولا شأن لمسألة الوجود الخزري منذ ألف عام بإسرائيل الحديثة، مهما كان سحرها"!
جدير بالذكر أن قبيلة خزرية تهوّدت في القرن الثامن الميلادي على شواطئ بحر الخزر، وإلى هذه القبيلة، أو القبائل، تعود أصول اليهود الإسرائيليين الأوروبيين وقادتهم!