الفرنسيون يعلنون نصف الحقيقة العظمى!

بقلم: نصر شمالي

عبّرت الحكومة الفرنسية عن قناعتها بأن عالم ما قبل حرب العراق مختلف عن عالم ما بعدها، والذي هو في طور الولادة! لقد جاء هذا الكلام الهام على لسان وزير الخارجية برنار كوشنير في خطاب له أمام 180 سفيراً فرنسياً اجتمعوا في باريس لتبادل الخبرات ولتنسيق رؤيتهم الجمعية (الصحف - 31/8/2007) وقد أضاف كوشنير أن زمن ما بعد حرب العراق يظهر أن أزمة الهيمنة الأميركية قد بدأت، وأنها أزمة ستدوم زمناً أكثر مما نعتقد بكثير، وأنه لن يحدث انقلاب يخفف من وطأة هذه الأزمة حتى لو تغيّرت الإدارة، وجاء رئيس ديمقراطي إلى البيت الأبيض! واستخلص الوزير الفرنسي أنه ينبغي على الحكومة الفرنسية أن تحسن مواكبة هذه الأزمة المفتوحة، وأن على الدبلوماسية الفرنسية الاستفادة من ذلك في الشرق الأوسط، بصياغة منهج مصلحي لعملها!

لقد كان الخطاب المعلن للوزير الفرنسي مثيراً للدهشة حقاً، فقد اتسم بجرأة غير معهودة في خطابات شركاء الولايات المتحدة التاريخيين، حتى أن احتمال تسديد الوزير ثمن خطابه الخطير وارد جداً سواء أكانت حكومته متفقة معه في ما ذهب إليه أم لا، وهي على الأغلب متفقة معه، حيث يفترض أن طبيعة المؤتمر الدبلوماسي الذي ألقي فيه الخطاب لا تسمح بالاجتهاد الفردي في هكذا مسائل خطيرة.

غير أن الوزير الفرنسي لم يذهب بصراحته إلى مداها الطبيعي المفترض، فاكتفى بإعلان نصف الحقيقة العظمى، وكان يتوجب عليه تحديد الأسباب التي جعلت عالم ما قبل حرب العراق مختلف عن عالم ما بعدها (الذي هو في طور الولادة) لقد أكّد بنبرة قاطعة على ظهور أزمة الهيمنة الأميركية المفتوحة، التي ستدوم طويلاً، والتي لن يخفف من وطأتها تغيّر الإدارة الأميركية الحالية، لكنه لم يحدّد القوة التي أنتجت هذه الأزمة، والتي هي المقاومة العراقية، بل هو لم يشر في خطابه إلى هذه المقاومة وإلى العرب عموماً إلا تلميحاً، فكأنما العرب مجرّد أشياء! كأنما هم مجرّد معّوقات طبيعية وعرة، يفشل الأميركي في التغلّب عليها فيتقدم الفرنسي ليحل محله ويجرّب حظّه معها!

ولكن، لعل السبب الذي جعل الوزير الفرنسي وسفراءه يتجاهلون العرب لا يقتصر على العنجهية المتعالية المتعصبة الأوروبية/ الأميركية، بل يعود أيضاً إلى غياب النظام الرسمي العربي غياباً تاماً عن دائرة الفعل في الأحداث الكبرى التي تشهدها منطقتنا ويشهدها العالم، وإلى اندماجه في السياسة الأميركية سواء أكانت رابحة أم خاسرة، بدليل أن المؤتمر الدبلوماسي الفرنسي تحدّث عن إيران كدولة فاعلة، وعن كونها الوحيدة في المنطقة التي تمتلك رؤية استراتيجية تتسم بالشمولية! وفي هذه الحالة يصبح مفهوماً، بالطبع، أن يتجنب الفرنسيون الحديث عن المقاومة العربية، باعتبارها قوة فاعلة تمتلك رؤية استراتيجية، وباعتبارها العامل الرئيس الذي تسبب في أزمة الهيمنة الأميركية المفتوحة، وفي نهاية عالم قديم وبداية عالم جديد، فمن غير المعقول، في معظم الأحوال، أن يقرّ الرسميون الفرنسيون بهكذا حقائق غير رسمية.

وعلى أية حال، فإن الرسميين الفرنسيين سيقرّون بالحقائق عندما تتحول استراتيجية المقاومة العربية غير الرسمية إلى استراتيجية رسمية، وهم كما يبدو يأملون ويتوقعون أن لا يحدث مثل هذا التحوّل، وأن تنتقل المنطقة العربية من حالة تبعية بهذه الصورة إلى حالة تبعية بتلك الصورة، فتبقى مجرّد مسرح لقوى من خارجها، ومجرّد موضوع لصراع هذه القوى! غير أن الفرنسيين يخطئون في تقديراتهم هذه، فلن ينجح الأوروبيون أو غيرهم حيث فشل الأميركيون، خاصة وأن الأميركيين، الذين هم النسق الاستعماري الأحدث والأخير، نهضوا على أنقاض الأوروبيين الذين تعرّضوا بدورهم لأزمة هيمنة أوروبية في أواسط القرن الماضي!

لقد أكّد الوزير الفرنسي ظهور بدايات تغيير النظام الدولي، وتجاهل دور بغداد المقاومة في التأسيس لهذا التغيير، لكنه تجاهل أيضاً حقيقة أن الولايات المتحدة ليست سوى استطالة تاريخية أوروبية، استطالة اجتماعية وسياسية وعسكرية وجغرافية، وأنها قائدة النظام الدولي القديم الذي هو أوروبي في جوهره وفي عقيدته وفي مكوناته، أي أن أزمة الهيمنة الأميركية المفتوحة هي أزمة الهيمنة الأوروبية في الوقت نفسه، وهي الهيمنة التي مضت وانقضت قبل عقود طويلة، والتي لا مجال إطلاقاً لعودتها، مثلما لا مجال إطلاقاً لعودة عقارب الساعة إلى الوراء!

[email protected]

 

Hosted by www.Geocities.ws

1