العولمة في العصر العربي الإسلامي
بقلم: نصر شمالي
إن ما يتجاهله عتاة هذا العصر الأوروبي/ الأميركي، وأتباعهم في جميع القارات، هو أن العرب والمسلمين لم يكونوا في أي زمن من الأزمنة ضد العولمة الأممية الإنسانية العادلة، بل ضد العولمة الاحتكارية العبودية، فمنذ بدايات العصر العربي الإسلامي، وخلال حوالي سبعين عاماً فقط لا غير، سقطت الحواجز السياسية والجغرافية التي كانت تفصل بين الأحواض البشرية العالمية الثلاثة: حوض منطقة المتوسط، وحوض الهند، وحوض منطقة الصين، وقد تحقق ذلك بفضل التطور النسبي الكافي لوسائل وأساليب وخبرات الإنسان، فغطى ذلك النظام العربي الأممي المتقدم ما بين فرنسا والصين، أي جميع العالم الذي كان معروفاً آنذاك، وكانت الأساطيل التجارية العربية الإسلامية تجوب البحار والمحيطات، فتصل شرقاً إلى إندونيسيا والفلبين واليابان وسواحل الصين الشرقية، بينما القوافل البرية تجوب أصقاع ذلك العالم القديم من أقصى شرقه إلى أقصى غربه، ومن أقصى شماله إلى أقصى جنوبه: من سهول روسيا وأواسط أوروبا إلى أواسط أفريقيا وشرقها وغربها، ومن غرب آسيا إلى أواسطها فإلى الهند والصين، وبذلك انهارت الحواجز السياسية والجغرافية بين جملة الأحواض الثلاثة، وأخذت تلك الأحواض بالتفاعل الإيجابي المتكافئ، السلمي عموماً، لتنتهي إلى حالة من الاندماج العام، أي العولمة في جملة إنسانية واحدة، وهو ما ظهر واضحاً عند بداية نهوض العصر الأوروبي، أواخر القرن الخامس عشر أوائل السادس عشر.
يقول بلاسكو أبانيز: لم تأت النهضة من الشمال مع الجحافل الأوروبية البربرية (الهمجية) بل أتت من الجنوب مع الفاتحين العرب. لقد كانت حملة حضارية، وبفضلها أتت إلينا هذه الثقافة الشابة القوية، السريعة التقدم بطريقة مذهلة، والتي ما تكاد تولد حتى تتفوق، بل إنها (الحملات العربية) جلبت معها التقاليد الهندية العظيمة وتراث الفرس وكثيراً من الأمور المقتبسة من بلاد الصين الغامضة، لقد كان الشرق هو الذي يقتحم أوروبا!
إنه لمن الواضح والثابت أن الثابت أن سبعين عاماً تقريباً كانت كافية لإنجاز مهمات الفتح التقدمي العربي الإسلامي، وتحقيق العولمة بنهوض نظام عالمي جديد كلياً، وذلك بفضل استجابة الشعوب عموماً وانخراطها في بناء ذلك العالم الجديد، في حين رأينا الحملات الفرنجية تتوالى على مدى خمسة قرون قبل أن ينهض العصر الأوروبي الأميركي ونظامه العالمي الظالم، ثم رأينا المحاولات الاشتراكية الحديثة، في بدايات القرن العشرين، التي ظلت محاصرة في مواقعها، من قبل الأنظمة الأوروبية الرأسمالية الاحتكارية، لمدة سبعين عاماً، ثم أبيدت في موقع انطلاقها! وإنه لجدير بالذكر أن الحملات الفرنجية، حين بدأت، كان الفكر العلمي العربي الإسلامي قد بلغ درجة عالية من التقدم والازدهار، تحديداً خلال القرن التاسع والعاشر والحادي عشر، وبهذا الصدد يقول كارل ماركس ورفيقه فريدريك أنجلس: من الأزمنة القديمة بقي لنا إقليدس ونظام بطليموس الشمسي، ومن العرب نظام الحساب العشري، ومبادئ الجبر، والكتابة الحديثة للأعداد، والسيمياء، في حين أن القرون الوسطى المسيحية (يقصد الأوروبية) لم تترك لنا شيئاً، فالذي مهّد السبيل أمام مادية القرن الثامن عشر، والذي أخذ يترسخ ويمد جذوره أعمق فأعمق بين الشعوب الأوروبية، هو الفكر المحيي الذي انتقل من العرب!
ولكن، كيف كان وضع العالم عشية انطلاق الفتوحات العربية الإسلامية، كما رآه كارل ماركس ورفيقه أنجلس؟ لقد كتبا يقولان عن ذلك الوضع ما يلي: لم تعد الزراعة ومانيفاكتورات المدن تدر دخلاً يبرر العمل المبذول، وزال السوق الذي يستطيع استيعاب منتجاتها، أما الزراعة الصغيرة والحرفة الصغيرة، اللتان انحط إليهما الإنتاج الضخم من عهد ازدهار الإمبراطورية الرومانية، فلم يكن ممكناً لهما إيجاد العمل لعدد كبير من العبيد، ولم يبقى في المجتمع مكان إلا للعبيد العاملين في البيوت، وللعبيد الذين يؤمنون حياة الأغنياء الباذخة، لكن العبودية وهي في طور الاحتضار كان لا يزال بمقدورها دعم الفكرة القائلة بأن كل عمل منتج هو من شأن العبيد، ولا يليق بالرومانيين الأحرار، والحال أن جميع المواطنين كانوا قد صاروا يتمتعون بصفة الأحرار، فكانت النتيجة ازدياد عدد المعمرين والأحرار والمفتقرين، وهكذا لم تعد العبودية تدر دخلاً فاضمحلت، لكنها وهي في سبيلها إلى الزوال خلفت وراءها سهمها السام في صورة ازدراء الأحرار للعمل المنتج، فكان ذلك مأزقاً لا مخرج منه انخرط فيه العالم الروماني، فقد أمست العبودية مستحيلة من الناحية الاقتصادية، وظل عمل الأحرار موضع ازدراء من الناحية الأخلاقية، فالأولى (العبودية) لم يعد بوسعها أن تكون الشكل الأساسي للإنتاج الاجتماعي، والثاني (عمل الأحرار) لم يصبح بعد قادراً على أن يكونه، ولم يكن ممكناً الخروج من ذلك المأزق إلا بثورة جذرية!
تلك كانت نهايات عصر الرق ونظامه العالمي حسبما وصفتها الماركسية، فما هي الثورة الجذرية، التي لا مناص منها، إن لم تكن الثورة العربية الإسلامية في القرن السابع، التي اعتمدت كأساس مادي لها الصناعات الحرفية بعد أن حررتها وأطلقتها على أوسع نطاق، والتبادل السلعي الأممي الطليق الذي رعته، والذي شمل بلدان جملة المجتمعات الإنسانية من أقصاها إلى أقصاها؟