الضمير الفلسطيني النقي والوحدة الوطنية

السّعار الأميركي الصهيوني في فلسطين

ناجم عن الفشل في العراق ولبنان وأفغانستان!

بقلم: نصر شمالي

تستقطب الساحة الفلسطينية اليوم، أكثر من أي يوم مضى، أنظار جميع المعنيين بقضيتها، فالأعداء يتطلعون بفارغ صبر إلى اشتباك واسع النطاق بين أبناء الشعب الفلسطيني الواحد، ويبلغ تطلعهم هذا ذروته بزيارة وزيرة الخارجية الأميركية للمنطقة، والنظام الرسمي العربي المتعاون مع الأميركيين يريد من حركة المقاومة الإسلامية حماس أن تخرج من جلدها وأن تنخرط في المفاوضات مع العدو، لكنه يدرك صعوبة ذلك إن لم نقل استحالته، فينخرط شاء أم أبى في مشاريع العدو لتفجير الحرب الأهلية الفلسطينية، وأبناء الأمة العربية والإسلامية عموماً يتابعون بقلق شديد مظاهر الاقتتال المقصودة وغير المقصودة، ويخشون انفلاتها واتساعها، وليس من شك في أن السّعار الأميركي الصهيوني الكامن خلف هذه المظاهر ناجم عن الفشل الذريع للمشاريع الاستعمارية في العراق ولبنان وأفغانستان والسودان وفي فلسطين أيضاً، فهذا السعار يشتدّ وينتقل من هنا إلى هناك بسبب الفشل هنا أو هناك، وها هو يتركّز اليوم في فلسطين بعد أن تقهقر بالأمس في لبنان مدحوراً مذموماً.

* * *

غير أن استعراض العوامل الخارجية لا يجوز أن يغفل العوامل الداخلية التي تساعد العدو، والتي لا يمكن أن ينجح من دونها، ففي الأقطار الأخرى لم تكن مشاريع المستعمرين خالية الوفاض من العوامل الداخلية الضرورية والمساعدة، وما كان ليقدم لولا وجودها، وبالطبع فإن الأمر نفسه ينطبق على فلسطين أيضاً، بغض النظر عما إذا كانت العوامل الداخلية المؤهلة لمساعدته بريئة أم غير بريئة، ففي فلسطين أوجد الاحتلال وضعاً يتناقض تماماً مع قيام نظام ديمقراطي، حيث المناطق المحتلة في عام 1967 تخضع لإرادة العدو في مرافق حياتها اليومية: الصادرات والواردات المعيشية اليومية التي لا غنى عنها أبداً، والتي تخرج وتدخل عبر مرافئ وطرق يسيطر عليها العدو الإسرائيلي بالكامل، والمياه والكهرباء التي تقع منابعها ومصادرها بدورها تحت سيطرته التامة، ثم الصلة بالمحيط العربي التي يتحكم بها العدو إلى حد كبير جداً، وهكذا، في ظل هذا الواقع، تحوّلت نتائج الانتخابات الديمقراطية التي جاءت بحركة حماس إلى الحكم مجرّد نتائج أخلاقية ومعنوية، وتحوّل النجاح الديمقراطي الكبير إلى مأزق كبير انعكس على دور حماس الكفاحي الميداني من جهة وعلى دورها كإدارة حكومية للمجتمع من جهة أخرى، فكيف كان الشيخ الشهيد أحمد ياسين، مؤسس الحركة، سيتصرف لو أنه كان موجوداً؟

* * *

إن حركة حماس حركة أخلاقية، مبدئية، تلتزم إستراتيجية غير قابلة للتفاوض حول الحقوق التاريخية الثابتة للشعب الفلسطيني، ومجرّد قبولها بالتفاوض مع الإسرائيليين يعني تخليها عن إستراتيجيتها وعن ذاتها وعن الحقوق التاريخية الثابتة لشعبها، والمحيط العربي الرسمي في معظمه يريدها أن تتخلى، وهو باستثناء سورية يفعل حقاً ما يتفق مع إرادته في تخليها عن إستراتيجيتها، ولو أنه كان غير ذلك، وعكس ذلك، لكانت انخفضت كثيراً أهمية السيطرة الإسرائيلية على أسباب الحياة اليومية للشعب الفلسطيني، ولو أن الشيخ ياسين كان موجوداً لأكّد مرة أخرى وأخرى على أن قضية التحرير غير قضية الحكم، وأن الحرية تتناقض مع الاحتلال فلا تعايش بينهما، وهو قال ذات مرة بوضوح: نحن لسنا طلاب سلطة ولا نسعى لها تحت الاحتلال، بل نحن في مرحلة تحرّر وطني، حيث الاحتلال هو المسيطر، ولا سلطة وطنية على الأرض بل احتلال.

كانت رؤية الشيخ ياسين تقوم على احترام ما هو قائم من مؤسسات وطنية فلسطينية وليس على هدمها، بغض النظر عن الممارسات السياسية المتناقضة مع حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية الثابتة والكاملة. وعلى الرغم من أن حماس لم تشارك في هذه المؤسسات فقد كان الشيخ ينظر إليها باعتبارها ليست ملكاً لفصيل بعينه بل للشعب بمجمله، ويرى الدفاع عنها وحفظها وإصلاحها.

* * *

لقد كان الشيخ ياسين يرى بوضوح تام أن تمزّق العرب وضعفهم وتنازعهم أنتج التبعية لواشنطن، وأضرّ بفلسطين وشعبها كما أضرّ بكل مواطن عربي، وكان يدرك أن هذه الحالة هي نتاج مخطط استعماري صهيوني قديم وجديد، فالكيان الصهيوني مشروع استعماري يستهدف الفلسطينيين والعرب والمسلمين عموماً، غير أنه كان يدرك أيضاً بوضوح تام أن مسؤولية المستعمرين لا تعفي النظام العربي والأمة من المسؤولية، بل إنه كان يعظم من شأن المسؤولية الذاتية، الفلسطينية والعربية والإسلامية، وبالطبع فإن الشيخ الشهيد كان يميّز بين مسؤولية الحكام ومسؤولية المحكومين، وفي الوقت نفسه لا يلغي التعامل مع الأنظمة لكنه لا يعوّل عليه، وكان يرى أن تحرير فلسطين كاملة يقتضي تغييراً جوهرياً في الواقع العربي باتجاه التحرير، من دون أن يتوقف الكفاح الفلسطيني، لأن هذا الكفاح عامل مساعد في التغيير العربي المنشود. لقد كان يبني آماله على الجماهير وتوقها للخلاص، وانعتاقها من الاتفاقيات، وانطلاقها لنصرة فلسطين وشعبها، ولذلك كان يلحّ على الوحدة الوطنية الفلسطينية التي تعني أولاً عدم الاقتتال الداخلي، وحق المواطن في حياة داخلية كريمة.

وهكذا، لو أن الشيخ الشهيد كان موجوداً لحرص بالدرجة الأولى على الوحدة الوطنية، وعلى أن تبقى حماس القوة الميدانية المجاهدة والضمير النقي للشعب الفلسطيني، بغض النظر عن موقفها وموقعها من السلطة وفيها، مراعياً التعقيدات الهائلة التي تكتنف القضية الفلسطينية، ومتمسكاً بالأولويات والثوابت التاريخية الإستراتيجية، لا يحيد عنها قيد أنملة.

www.snurl.com/375h     

 

Hosted by www.Geocities.ws

1