الخمس البشري الذهبي المتخم!
يتعاظم القلق حول مصير العالم عموماً وليس مصير منطقتنا وحدها، ويسود الاعتقاد اليوم بأن الأشهر القليلة القادمة مفتوحة على احتمالات خطيرة، عنوانها الدمار الشامل، بسبب السياسات الحربية المختلة التي يمارسها رأس الإدارة الأميركية في بلادنا خاصة، حتى أن هذه السياسات أصبحت الشغل الشاغل على مدار الساعة لأوساط واسعة من القيادات الأميركية التي تحاول تطويقها وضبطها قبل أن تنفلت أكثر وتؤدي إلى كوارث أممية يصعب تقدير مداها وعواقبها.
ويحدث هذا في زمن ترسّخ فيه اعتقاد البشرية بأن الكرة الأرضية أشبه بسفينة فضائية، فهي كوكب محدد الأبعاد والموارد، تماماً كما هو حال المركبة الفضائية المحددة الأبعاد والموارد! وللتذكير نقول أن مساحة الأرض الكلية هي 510 ملايين كيلومتر مربع تشكل مساحة اليابسة منها 148 مليون كيلومتر مربع، أي أقل من 30% من المساحة الكلية، وتشكل مساحة الصحارى القاحلة من اليابسة 40 مليون كيلو، ليبقى 32 مليوناً منها صالحاً للزراعة، ومنها 20 مليوناً غير صالحة تماماً!
وهكذا، فإذا كان الناس قبل عقود من الزمن، في منتصف القرن الماضي مثلاً، عندما كان عددهم حوالي ثلث عددهم حالياً، لا يولون هذه الأرقام ما تستحقه من اهتمام وتركيز، فإنهم اليوم لا يستطيعون تجاهلها، بل لم يعد ممكناً أبداً تجاهل بلد لما يحدث في بلد آخر مهما كان نائياً، فما يحدث في أي بلد يؤثر اليوم تأثيراً مباشراً في حياة ومصير البشرية جمعاء.
الصناعات الحربية قطاع اقتصادي!
غير أن المقصود بما يحدث في بلد ما ليس مجرّد القضايا الحربية العسكرية الميدانية فحسب، بل القضايا الاقتصادية بالدرجة الأولى، وبناء على ذلك فإن الأخطار التي تتمثل حالياً في السياسات الحربية العسكرية الأميركية ليست أحداثاً منفصلة عن طبيعة الحياة الاقتصادية في الولايات المتحدة، وإن كان الاختلال في رأس الإدارة الأميركية قد زادها خطورة، فصناعة أسلحة الدمار الشامل غدت قضية أميركية اقتصادية في المقام الأول ومنذ زمن طويل كما يقول جون ماديلسون عضو جمعية السيطرة على الأسلحة. يقول ماديلسون: إنهم يريدون الاحتفاظ بالقاعدة الصناعية للأسلحة! وتجدر الإشارة إلى أن حصة الولايات المتحدة من سوق السلاح الدولي تزيد على 70%، وهي تدرّ مداخيل فلكية، الأمر الذي يستدعي صناعة الأزمات في مختلف أنحاء العالم، ثم تطويرها إلى حروب عسكرية تلبي احتياجات قطاع الإنتاج الحربي! ولكن، هل تقتصر المسألة على صناعة الأسلحة كفرع رئيس من فروع الاقتصاد الأميركي؟ أبداً! بل تتعداها إلى جميع الفروع ذات الصلة الحميمة بمصير البشرية جمعاء.
الفجور في الإنتاج والاستهلاك!
إن الولايات المتحدة، التي يشكل عدد سكانها 6% فقط من عدد سكان العالم، تستهلك لوحدها أكثر من 30% من الطاقة ومن المعادن المستخرجة في جميع البلدان! إن معدّل استهلاك الفرد الأميركي العادي الواحد من الطاقة خلال أيام يعادل استهلاك أي مواطن فرد في إحدى دول الجنوب لمدة عام كامل!
وبالطبع، فإن هذا التفاوت الخطير في الاستهلاك، المفروض بالقوة لصالح الولايات المتحدة، لا يقتصر عليها وحدها بل يشمل حليفاتها من خمس البشرية الذهبي المتخم، حيث في زمن قريب مضى كانت جميع دول أميركا الجنوبية (على سبيل المثال لا الحصر) تستهلك كمية الأسمدة التي تستهلكها هولندا لوحدها في قطاع الزراعة!
تقول أرقام الأمس القريب أن حوالي ثلث كمية الطاقة المستهلكة في الدول الصناعية، دول الخمس البشري الذهبي المتخم، مخصص للاستخدامات المنزلية، بينما خصص الثلثان للمواصلات والصناعة، ولعل هذه النسب ازدادت عما كانت عليه قبل فترة ولم تنقص، ويحدث هذا بينما التقديرات بصدد احتياطي النفط القابل للاستخراج اقتصادياً تقول بأن هذه الاحتياطيات تشكل أربعين عاماً استهلاكياً فقط، وهذه التقديرات تعود إلى ما قبل سنوات طويلة نسبياً. إنه الفجور في الإنتاج وفي الاستهلاك وقد بلغ درجة تبلّد الأحاسيس الإنسانية!
استهلاك الكهرباء والتفاوت المذهل!
لقد أصبحت التخمة إدماناً مزمناً في حياة الخمس البشري الذهبي، وهذه التخمة المرضيّة، التي يدافعون عنها ويحاربون من أجلها، تعبّر عن نفسها بكمية الطاقة المعدّة لخدمة الفرد من جهة والجماعة من جهة أخرى، فحجم استهلاك الطاقة هو معيار المنجزات المادية ومعيار مستوى حياة وتطور المجتمع من وجهة نظرهم، وقد أصبح معدل الاستهلاك السنوي الفردي من الكهرباء، على سبيل المثال، دليلاً ومؤشراً اقتصادياً هاماً لمستوى تطور الدولة عموماً، وقد يكون الأمر كذلك فعلاً بغض النظر عن العدالة والأخلاق، ولكن دول الخمس المتخم تباهي بتفوقها القسري هذا وتحارب من أجل الحفاظ عليه، وإليكم التفاوت الإجباري في الاستهلاك الكهربائي السنوي الفردي بين دول مختلفة: ففي عام 1970 قفز معدل الاستهلاك الفردي الأميركي من 2400 كيلو واط ساعي عام 1950 إلى 8000 كيلو واط! أما في ألمانيا الغربية فكان الاستهلاك في حدود 4000 كيلو واط (عام 1970) وفي اليابان 3500، وفي الاتحاد السوفييتي 3000، وفي فلسطين المحتلة 2400، وفي إسبانيا 1700، وفي اليونان 1000، ثم يهبط الرقم هبوطاً مروعاً، ففي لبنان كان حجم الاستهلاك الكهربائي للفرد 450 كيلو واط ساعي (مازلنا في عام 1970) وفي تركيا 250، وفي إيران 240، وفي مصر 230، وفي الهند 115 ..الخ!
نعود إلى ما بدأنا به فنقول أن القلق المتعاظم حول مصير العالم يعبّر عن نفسه بحدة في بلادنا، لكنه لا ينبع منها ولا يقتصر عليها، فمصدره الأساس هو قانون التفاوت الاحتكاري الدولي المفروض والمعمول به منذ أزمنة، ومصدره التخمة التي تحوّلت إلى إدمان مرضي في حياة الخمس الذهبي من البشرية.