التخبط الأميركي في الشهرين القادمين!
إعلان السناتور الجمهوري الأميركي ريتشارد لوغار عن فشل الاستراتيجية الأميركية في العراق، وعن ضرورة اعتماد استراتيجية جديدة، كان مهماً جداً (26/6/2007) غير أن الأهم منه بما لا يقاس هو قوله:" إذا لم نعدّل استراتيجيتنا في العراق بما يتلاءم مع ظروفنا السياسية المحلية، ومع الحاجات الأوسع للأمن القومي الأميركي، فإننا سنواجه خطر فشل في سياستنا الخارجية يؤدي إلى خفض كبير لنفوذنا في المنطقة (العربية) والعالم"!
لقد شرح السناتور الجمهوري أن آفاق نجاح الاستراتيجية الأميركية الحالية (زيادة عدد القوات) محدودة جداً، وأن مسار العمليات الحربية في العراق "أصبح بعيداً عن مصالح الأمن القومي الأميركي في الشرق الأوسط"! وإنه لمفهوم أن ما يسمى بالأمن القومي الأميركي في المنطقة العربية هو أساس وروح ما يسمى بالأمن القومي الأميركي العالمي.
ويفهم من كلام السناتور لوغار أن الحزب الجمهوري الحاكم قد بدأ يتململ بقوة ويختلف مع رئيسه إلى حدّ كبير، وتقول الأخبار، وهو ما أشار إليه لوغار في تصريحه، أن وفداً نيابياً جمهورياً حاور الرئيس بوش، ونبهه إلى أنه لا يستطيع الاعتماد على دعم حزبه الجمهوري بعد أيلول/ سبتمبر القادم، أي بعد شهرين من الآن، فإذا لم تتحسن الأوضاع في العراق خلال هذه الفترة فإنه سوف يخسر المزيد داخل حزبه، لأن تأييد الجمهوريين عموماً للحرب في العراق آخذ بالانهيار، والبيت الأبيض فقد مصداقيته في صفوف الجمهوريين بسبب هذه الحرب!
من جهة أخرى فإن فوكوياما، صاحب نظرية نهاية التاريخ، وأحد الذين نظّروا للحرب ضدّ العراق ثم بدّلوا موقفهم فيما بعد، يقول: "يجب أن لا نخدع أنفسنا. إن موقفنا في العراق أسوأ بكثير من الموقف الذي واجهناه في فيتنام قبل خمسة وثلاثين عاماً. إننا بحاجة اليوم إلى تصوّر الطريقة التي يمكننا بها الخروج من هذه المنطقة الشديدة التعقيد"!
* * *
نفهم مما سبق أن الانسحاب من العراق صار خياراً وحيداً عند أغلبية الأوساط السياسية الأميركية، بما فيها الحزب الجمهوري الحاكم بالذات، إلا إذا حدثت معجزة خلال الشهرين القادمين وانقلب الموقف رأساً على عقب لصالح الأميركيين، فإذا لم تحدث مثل هذه المعجزة فإن الجهود سوف تتركز حول ما يتوجب فعله في العراق، ومع الدول المجاورة للعراق خصوصاً، وفي المنطقة بمجملها عموماً، كي لا يتحول الانسحاب إلى هزيمة ساحقة وخسارة كاملة!
غير أن أمور الانسحاب، مثل أمور البقاء، لا تبدو متاحة وممكنة بالصورة التي يعبّر عنها ويرغبها الكثير من الأميركيين اليوم، ويعود ذلك، إضافة لشدّة تعقيد المأزق الأميركي في العراق، إلى شخصية الرئيس بوش التي تؤهله لارتكاب الأخطاء الفظيعة، ناهيكم عن إعلانه المكرر قبل سنوات، ومنذ بداية ظهور المأزق، أن حربه على العراق لا مجال فيها للإخفاق! ولذلك يتوقع المراقبون أن يقدم الرئيس الأميركي على عملية هروب إلى الأمام في عدة اتجاهات، أهمها توجيه ضربة عسكرية كبيرة لإيران، وقد قال المحلل السياسي الاستراتيجي سيمور هيرش:" إنهم يستعدون الآن للهجوم على إيران"! بينما صرحت وزيرة الخارجية رايس مؤخراً بما يؤكد ذلك حيث قالت أن الرئيس بوش لم يستبعد من خياراته العمل العسكري ضدّ إيران! فإذا كان مثل هذا العمل العدواني أحد اتجاهات بوش فإن ما يحدث في لبنان وفلسطين هو اتجاه آخر، وإن كان مكوّناً من فرعين متلاصقين!
* * *
لقد ضاقت بالعملاق الأميركي الميادين إلى حد كبير، وانسدّت في وجهه معظم السبل، فهو يتخبط مثخناً بالجراح حتى داخل الولايات المتحدة بالذات، الأمر الذي يجعله خطراً حقاً، ليس على بلادنا وأمتنا فحسب بل على بلاده وأمته أيضاً، غير أن الرئيس الأميركي، مهما كان استعداده لترتيب المغامرات وارتكاب الأخطاء، لا يستطيع الإقدام بلا قدر كاف من تأييد المؤسسات الأميركية القيادية، خاصة العسكرية، بينما المعلومات تقول أن أكثر قيادات أسلحة الجيش تعترض على توسيع نطاق العمليات الحربية في بلادنا، وأن أقلها أو إحداها فقط يحرّضه (قيادة القوات الجوية) فإذا كان الحال كذلك، ناهيكم عن معارضة معظم المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأميركية، فإننا نستطيع، دون أن نتخلى عن الحذر الشديد، العودة إلى مقولة الجنرال الفيتنامي جياب، وهي:" إن الأميركيين الذين يتحدثون كثيراً عن هيبتهم يعرفون إذا آن الأوان كيف يتقبلون هزيمتهم بصمت"!
www.snurl.com/375h