الأمن الأميركي والنفط العراقي!

بقلم: نصر شمالي

شهدت الأشهر القليلة التي سبقت احتلال العراق نشاطاً محموماً غير معلن لشركات النفط العالمية، فقد انهمك خبراؤها في التحضير للوليمة النفطية العراقية الدسمة، وبوضع التقديرات والتقييمات عن بعد للمخزون المحتمل من النفط الخام، الذي توقعوا له أن يبلغ أكثر من 350 مليار برميل، بينما المؤكد والمثبت منه يبلغ أكثر من 112 مليار برميل! وكانوا يعتقدون أنهم، في أشدّ حالات التحفظ، سوف يرفعون الإنتاج إلى خمسة أضعاف أو ستة أضعاف، أي إلى ستة ملايين برميل خلال فترة لا تتجاوز السبع سنوات! وكانوا يرون أن الوليمة جاهزة وشبه مجانية، لا تحول دون التهامها سوى خطوة واحدة هي إسقاط نظام الحكم الوطني في العراق واستبداله بنظام تابع، أي أن المسألة كانت مسألة أشهر فقط!

ومن غرائب ما كان يجري حينئذ أن الشركات العالمية كانت تخشى أن تختطف الشركات الأميركية العقود الكبيرة وتحرمها من حصتها قبل أن يتاح المجال للتنافس المنظم! وبالفعل، ما كاد الأميركيون يقدمون على فعلتهم العسكرية الإجرامية ويحتلون العراق حتى بدأوا يصرّحون بأن الدولة التي بادرت وقادت العمل العسكري (أي الولايات المتحدة) يجب أن تحظى بالأفضلية عندما تنطلق عملية توقيع العقود!

من الحماسة إلى الخيبة!

عشية الاحتلال مباشرة كانت شركة "بريتش بتروليوم" الإنكليزية، على سبيل المثال، قلقة إزاء نوايا الاحتكار الأميركي، وقد طالب رئيسها التنفيذي اللورد جورج براون بإتاحة الفرص أمام جميع  الشركات الدولية لتقديم عروضها في عراق ما بعد الاحتلال! قال براون يومئذ:" لقد أعلمنا الجميع بأن الأمر الذي نرغب التأكد منه هو أن مجال التنافس أمام الشركات العالمية سيكون على مستوى واحد بعد تغيير النظام العراقي"!

ولكن، بعد مضي بضعة أشهر على الاحتلال، انقلب الموقف رأساً على عقب، فقد أثار اللورد براون الهلع في لندن وواشنطن عندما أعلن أن شركته لا ترى دوراً لها في العراق، لا في المدى القصير ولا في المستقبل القريب، بسبب تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية في البلد المحتل! قال براون:" نحن نحتاج إلى حكومة في العراق، وإلى قوانين وتشريعات وقرارات، ولا يوجد شيء من هذا بعد"!

لقد كان الأمر مرهوناً باستتباب الأمن في العراق لصالح قوات الاحتلال الأميركي وحلفائها، فلا نفط من دون هذا الأمن الذي بدا تحقيقه أقرب إلى الاستحالة، وهكذا تقهقرت الشركات غير الأميركية تاركة قوات الاحتلال لمصيرها، بعد أن انقلبت حماستها للوليمة العراقية الدسمة خيبة ويأساً بسبب انطلاق عمليات المقاومة على أوسع نطاق منذ الأيام الأولى لاحتلال بغداد!

الوزّة العراقية تبيض ذهباً!

غير أن حال العراقيين المتعاونين مع الاحتلال كان مختلفاً، فالشركات العالمية تستطيع أن تدير ظهرها وتمضي خائبة، أما هم فإن مصيرهم مرتبط بمصير الاحتلال، وهكذا راح أحد الوزراء العراقيين المعيّن من قبل الأميركيين يتوسل أمام هيئة البنك الدولي لإقناعها بالعمل على ضخ الرساميل في القطاع النفطي كأولوية رئيسة في لائحة أولويات "إعادة تأهيل العراق"! قال ذلك العميل: "إن النفط العراقي هو الوزّة التي تبيض ذهباً، وهذه الوزّة جائعة في هذه المرحلة"! لقد راح يستجدي الاستثمارات في قطاع صناعة النفط العراقي واعداً الوحوش بنتائج إيجابية وفوائد جمة خلال فترة تتراوح من ثمانية عشر شهراً إلى سنتين! لكنه اعترف بأن التقدّم الفعلي في عملية تأهيل قطاع النفط العراقي، أو في أي قطاع اقتصادي آخر، لن يتحقق قبل تثبيت الأمن في سائر أنحاء العراق، وأن تحقيق ذلك هو الأولوية الأولى للحكومة العراقية!

في ذلك الوقت، كانت تجري محاولات إعادة تأهيل قطاع النفط العراقي بوساطة شركة "كيلوغ براون أندروت" وهي فرع من فروع مجموعة هاليبرتون الأميركية العملاقة التي يعود إليها بالدرجة الأولى قرار احتلال العراق، والتي كان يتولى إدارتها نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني في الفترة 1995 – 2000، غير أن تلك المحاولات باءت بالفشل التام أمام فعالية عمليات المقاومة العراقية الباسلة.

مهمة مجلس التنسيق العالمي!

لقد استمات الأميركيون وعملاؤهم، بعد انقلاب الوضع ضدّهم منذ الأيام الأولى للاحتلال، من أجل إقناع الدول الثرية بضخ الأموال في العراق "لإعادة إعماره وتأهيله"! أي لإخضاعه والسيطرة التامة عليه واستثماره! وعلى هذا الأساس عقد مؤتمر مدريد للدول المانحة، وحاول الأميركيون إقناع هذه الدول بأن برنامجاً لأربعة أعوام يكفي لتحقيق إخضاع العراق واستثماره! وقد قال مسؤول التعاون مع المانحين، المدعو غولد زينوفسكي، أن الفكرة تتلخص في ضخ الأموال بسرعة كي يشعر الناس بالفائدة المباشرة، وبأن الأمن والاستقرار سيحل، وأن الديمقراطية ستترسخ في العراق! وكان قد تشكل مجلس تنسيق عالمي ضمّ 23 سفيراً مهمته التأكد من استخدام الأموال في المجال الصحيح، ويومئذ صرح دبلوماسي ياباني مقيم في بغداد أن بلاده صرفت 120 مليون دولار في ميدان إعادة الإعمار من أصل 1.5 ملياراً سوف يتواصل صرفها حتى آذار/ مارس 2005، وأن طوكيو سوف تقرض العراق مبلغ 3.5 مليار دولار حتى العام المالي 2007!

مصير برنامج السنوات الأربع!

غير أن استجابة الآخرين لم تكن مثل استجابة الحكومة اليابانية المنضبطة، إن لم نصفها بالحكومة المغلوبة على أمرها! وهاهي السنوات تمرّ، وهانحن في العام 2007 لا ندري إن كانت اليابان قد منحت القرض للعراق أم لا، وإذا فعلت فماذا حلّ به وما جدواه! وكان المشاركون في مؤتمر مدريد قد تعهدّوا بمنح العراق أو إقراضه مبلغ 33 مليار دولار من أجل تحقيق برنامج السنوات الأربع، حتى عام 2007، لإخضاع العراق والسيطرة عليه واستثماره بالراحة (تحت عنوان: إعادة إعماره وتأهيله!) ونحن لا ندري أيضاً ماذا حلّ بتلك التعهدات أو المنح أو القروض، لكننا ندري أن الأمن الأميركي لم يتحقق حتى اليوم، وأن إنتاج النفط العراقي في أدنى مستوياته، وأن واشنطن تعاني من حالة اختناق حقيقية نتيجة ذلك، بينما المقاومة العراقية في تصاعد مستمر أعظم فعالية.

www.snurl.com/375h

 

Hosted by www.Geocities.ws

1