الأمم تكسر قانون التطور غير المتكافئ!
نصر شمالي- سوريا
يجتاز
العالم اليوم مرحلة تحولات تاريخية نوعية نادرة لن تبقي بعد اكتمالها شيئاً على ما
كان عليه سابقاً! إنها تحوّلات عميقة، غير قابلة للارتداد بسبب ما ترتكز إليه من
تراكم، وهي تدفع حثيثاً باتجاه تغيير موازين القوى الدولية في غير صالح المركزية
الحالية المسيطرة منذ عدة قرون، وهذا التغيير الذي يبدو وشيكاً يؤرق الأمريكيين
والأوروبيين، ويطرح عليهم أسئلة مرهقة لا يملكون أجوبة جاهزة بصددها، فقد مضى ذلك
الزمن الذي كانوا يجيبون فيه بثقة ومسبقاً على جميع الأسئلة! أما المفتاح الأول
لهذه التحولات التاريخية فهو منطقتنا العربية الإسلامية، والعراق منها في القلب،
ومن لم يدرك هذه الحقيقة بعد فإنه لن يفهم شيئاً على الإطلاق في أي وقت من الأوقات!
لقد كانت عملية احتلال العراق، في أحد أهم وجوهها، محاولة لقطع الطريق على هذه التحولات التاريخية الانقلابية التي يعيشها العالم، وللاحتفاظ بموقع الإدارة العالمية للأمريكيين على مدى القرن الحادي والعشرين، وقد كشف تقرير صدر مؤخراً عن مكتب لجنة الموازنة في الكونغرس الأمريكي أن إدارة الرئيس بوش قدّرت أن تكاليف الحرب في العراق لن تتعدى خمسين مليار دولار، وإذا بتكاليفها تبلغ حتى نهاية أيلول 2007 حوالي ستمائة مليار دولار! وكانت إدارة بوش تعتقد جازمة أن الحرب العراقية ستحسم قطعاً لصالحها في عامها الأول (2003) إن لم تحسم في أشهرها الأولى، وإذا بها تمتد لسنوات خمس، وتبدو اليوم كأنما لا تزال في بداياتها! ثم تقول التقديرات الأمريكية الحالية أن هذه الحرب سوف تستمر حتى العام 2017، حيث ستبلغ تكاليفها 9.1 تريليون دولار (أي 9100 مليار دولار!) ولا بدّ من التوقف هنا عند المدلولات الخطيرة للأرقام، فمبلغ الخمسين مليار دولار التي قدّرتها الإدارة الأمريكية في البداية كتكاليف للحرب كله في جولة عسكرية خاطفة سوف تبتلع العراق على الفور، لتحقق السيطرة على منطقة الثروات الشاسعة الواقعة ما بين بحر قزوين والمحيط الأطلسي، إذ ما أن تنتهي الجولة الخاطفة (النزهة) حتى تتدفق آلاف المليارات، ثم التريليونات، مقابل الاستثمار الصغير الذي قدر بخمسين ملياراً! غير أن الأمر لم يكن كذلك، ولم تحسم الحرب في العراق الذي هو بوابة آفاقها الاستثمارية الدولية، وبدلاً من أن تتدفق المليارات كأرباح بدأت تنفق المليارات كخسائر للحيلولة دون هزيمة حاسمة استراتيجية للأمريكيين وحلفائهم في العراق! ولسنا نحن من يقول ذلك، بل الصحافي الأمريكي الشهير سيمور هيرش الذي قال قبل أيام "أن هزيمة الولايات المتحدة في العراق ستخلف آثاراً أسوأ بكثير من آثار هزيمتها في حرب فيتنام، ففي فيتنام كانت الغلطة الأمريكية تكتيكية، لكنها في العراق غلطة استراتيجية"! أما عن مسار الحرب فقد اعتبر هيرش نتائجها محسومة: "هناك خياران واضحان للغاية أمام الأمريكيين، إما إخراج الجميع بأسرع ما يمكن من العراق، وإما إخراجهم لاحقاً"!
ولكن ماذا قصد هيرش بوصفه حرب الأمريكيين في فيتنام "غلطة تكتيكية" وبوصفه حربهم في العراق "غلطة استراتيجية"؟ لقد أراد القول أن الأولى حدثت في ظروف عالمية مستقرة لصالح النظام الدولي الأمريكي/ الأوروبي، ودارت في ميدان لا تشكل نتائج الحرب فيه أياً كانت خطراً تاريخياً استراتيجياً على هذا النظام لأنها ستبقى تكتيكية تفصيلية في حالة النصر وفي حالة الهزيمة، أما في العراق فالظروف العالمية وطبيعة ميدان القتال هي على العكس من ذلك تماماً، بحيث ستكون النتائج كارثية تاريخياً واستراتيجياً في حال هزيمة الولايات المتحدة!
إن مراكز الدراسات الرصينة الأمريكية، مثل مجموعة كتّاب "واشنطن بوست"، تتحدث فعلاً عن الانتقال الوشيك الحاسم لمركز توازن القوة الدولية إلى آسيا، وتطرح جدّياً مسألة ما إذا كانت آسيا ستهيمن على القرن الحادي والعشرين! لقد أصبح نهوض آسيا موضوع اللحظة التاريخية الجيو-ستراتيجي كما يقولون، وتدور الحوارات حول ما إذا كانت الصين والهند هما القوة الدولية العظمى البديلة نيابة عن آسيا ككل، منطلقة من معدّلات النمو الكبيرة التي يحققها هذان البلدان!
إن الأمريكيين، حتى العقلاء منهم، لا يريدون أن يروا من المشهد سوى أن الصين والهند الآسيويتين سوف تحلان في موقع الزعامة الدولية محل أوروبا وأمريكا! ومن الأمثلة التي يقدمونها كدليل على ذلك أن شركة "لاكشمي ميتال" الهندية قدمت عرضاً قيمته 23 مليار دولار لشراء شركة "آرسيلور" التي هي أكبر شركة أوروبية لإنتاج الفولاذ مع أن شركة "ميتال" الهندية تتخذ من هولندا مقراً لها، وتعتبر بوضعها الحالي شركة أوروبية، أو هجينة، تمتد جذورها عميقاً في أوروبا وآسيا! غير أن المسألة ليست كذلك بالطبع، فالبشرية بأكثريتها الساحقة لم تعد تطيق عنصرية هذا النظام العالمي الأوروبي/ الأمريكي الظالم، وهي بالتأكيد لا تسعى إلى استنساخه واستبداله بنظام آسيوي/ أفريقي من الطراز نفسه! إن البشرية على وشك كسر القانون غير المعلن، الذي طبقه الأوروبيون والأمريكيون على مدى القرون الماضية، والذي يمنع تحت طائلة الحرب والإبادة النمو المستقل والتطور المتكافئ بين الأمم، ولا يستطيع الإنسان أن يتخيل الهند والصين، وهما البلدان اللذان عانيا من الاستعمار والإذلال والاستغلال قروناً، وقد تحوّلا إلى بلدين استعماريين ظالمين! لكن الأوروبيين والأمريكيين يتخيلون ذلك بحكم تركيبتهم العنصرية، ولذلك رأينا "المحافظين الأمريكيين الجدد"، وفي مقدمتهم رامسفيلد، يحاولون استدراج الصين وإغرائها بالحلول محلّ "أوروبا العجوز" كشريك لهم في إذلال العالم ونهبه!
نعود إلى ما بدأنا به فنقول أن التحولات التاريخية النوعية النادرة التي يعيشها العالم اليوم تعبّر عن نفسها في هذا القدر الكافي من الاستقلال السياسي والاقتصادي الدولي، الذي كسر قانون النمو والتطور غير المتكافئ الاستعماري العنصري، والذي يتجلى في التعاون النزيه بين الصين وأكثر من أربعين دولة أفريقية، وفي التعاون النزيه بين الهند وروسيا والصين، وفي النهوض الرزين المتصاعد لمجموعة دول آسيان العشر، وفي التحالف الذي أعلن مؤخراً بين دول بحر قزوين الخمس، وفي النهوض السلمي لدول أمريكا اللاتينية، غير أن ذلك كله ما كان ليتحقق بهذه الطرائق السياسية السلمية الهادئة لولا المفاعل البشري العراقي والعربي والإسلامي، الذي يفوق في فعاليته أي مفاعل نووي، فالمقاومة العربية الإسلامية الفعالة، خاصة العراقية، هي التي تشغل الوحش الأمريكي الرهيب وتؤمن للأمم طريق التقدّم بسلام على طريق الخلاص! وبغض النظر عن تخرصات تحالف الخيانة والانتهازية والجهل فإن الأمة العربية والإسلامية سوف تحتل، بناء على دورها الحاسم، مكانتها اللائقة في الوضع الدولي الجديد الذي سوف يترتب على هذه التحولات.