أوهام تضعف الإلتزام  بالمقاومة ؟

بقلم: نصر شمالي

لم تكن حاجة الأمة العربية والإسلامية إلى الإلتزام بواجب المقاومة ملحّة في أي وقت مضى أكثر مما هي اليوم، فإلحاق العراق بفلسطين خطوة كبرى على طريق محاولة استئصال أمتنا، الأمر الذي يستدعي إعلان النفير العام عربياً وإسلامياً، وأن تكون المقاومة فرض عين على كل فرد، لا فرض كفاية.

غير أن هناك من يعتقد اليوم أن المقاومة لم تعد طريقاً صالحة على الإطلاق، لا لاسترداد الحقوق ولا للدفاع عن النفس، ودليلهم على ذلك، مثلاً، أن المقاومة الفيتنامية كانت تعتمد على الدعم السوفييتي والصيني، أما الآن فإن الولايات المتحدة طليقة اليد في فرض هيمنتها العسكرية والسياسية والاقتصادية، فلا مصادر تسليح ولا دعم سياسي ومعنوي للأمم المظلومة، إضافة إلى أن فيتنام لم تستفد من انتصارها المؤزر، وهي اليوم تتوسل علاقات طبيعية مع الدول الاحتكارية وفي مقدمتها الولايات المتحدة. إنها تعاني من ضروب الفقر والعوز حداً جعل انتصارها يبدو كأنما هو كان وبالاً عليها.. الخ!

عالم واحد، لا عوالم متعدّدة

إن مثل هذا الاعتقاد يقوم على الوهم القائل بوجود عوالم متعدّدة، وأنظمة عالمية متعدّدة، مغفلاً الوحدة الكلية للنظام الاحتكاري الربوي العالمي، ومتعامياً عن رؤية العصر الأوروبي / الأميركي في حجمه التاريخي على مدى خمسة قرون، ولذلك فإنهم ينظرون إلى حرب فيينتام كما لو كانت مجرّد معركة محدّدة نشبت بين الفيتناميين يؤازرهم أصدقاؤهم من جهة وبين الأميركيين يؤازرهم أصدقاؤهم من جهة أخرى!

لقد كانت المخططات موضوعة كي تكون فيتنام القاعدة الرابعة من القواعد الاستيطانية الإبادية الموزعة بعناية في حوض المحيط الهندي، فهناك الكيان الصهيوني المتميز في فلسطين، وهناك استراليا، وجنوب أفريقيا قبل تحررها.وهكذا، فقد كانت حرب فيتنام فصلاً من حرب عالمية هدفت الإدارة الأميركية من ورائها إلى تعزيز وترسيخ هيمنتها على حوض المحيط الهندي، وبالتالي تعزيز وترسيخ نظامها العالمي الكلي، بتوفير المزيد من أسباب ديمومته. غير أنها فشلت في محاولتها، واستغنت بالتالي عن مشروع القاعدة الاستيطانية الرابعة، ولنسجل على الفور أنها تكرر المحاولة اليوم في أفغانستان والعراق، لكنها لم تنس معاقبة الفيتناميين بالحصار السياسي والاقتصادي المحكم، وإغراقهم في العزلة والفقر، كي لا تتكرر المقاومة الفيتنامية في مكان آخر من العالم! ولذلك هي تأمل في أن تستتب لها الأمور في فلسطين والعراق وأفغانستان من دون أن تواجه أية مقاومة!

نظرية القطبين، والقطب الواحد!

كذلك فإن الاعتقاد بلا جدوى المقاومة يقوم على الوهم الآخر القائل بأن المعركة التي تقرر مصير العالم كان متوقعاً لها أن تدور بين واشنطن زعيمة النظام الرأسمالي العالمي وموسكو زعيمة النظام الاشتراكي العالمي، بينما الأمر ليس كذلك إطلاقاً، لأنه لم يكن ثمة عالم اشتراكي، بل معسكر اشتراكي متمرّد على العالم الرأسمالي الكلي. كان معسكراً اشتراكياً متمرداً يأخذ وضعاً دفاعياً أحياناً وهجومياً أحياناً أخرى. وكانت ميزته الوحيدة هي توازنه النووي مع عواصم العالم الرأسمالي الكلي، وهو توازن يمكن أن تحققه وتتحصن خلفه دولة متمردّة صغيرة جداً، مثل كوريا الديمقراطية! والتجربة السوفييتية على ضخامتها لم تكن هي المؤهلة لتقرير مصير العالم حتى وإن استمرت وعاشت، لأن مصير العالم لا يتحقق في الثلاجات السيبيرية النائية، بل في ميادين حوض المحيط الهندي حيث معظم ثروات العالم ومعظم سكان العالم. إذن، فليست المسألة مسألة قطب واحد، أو قطبين اثنين، ينقسم العالم بينهما أو برضخ لأحدهما، فهذه مسألة ثانوية جداً عندما يتناول البحث مصير العالم، أي عملية تغيير النظام العالمي، التي تشترط مكان انطلاق مناسب، وكتلة بشرية مناسبة، وقوى مادية مناسبة!

استقلالات ناقصة، ودول تابعة!

كذلك، فإن الاعتقاد بلا جدوى المقاومة يقوم على الفرضية الوهمية القائلة بوجود دول مستقلة، كاملة الاستقلال، يعتدى عليها من خارجها! بينما واقع الحال يشير بوضوح إلى أن جميع الأمم، في أحسن أحوالها، لا تمتلك القدر الكافي من الاستقلال الحقيقي، حيث شبكة النظام الاحتكاري الربوي تلفها جميعها، وحيث عدد من الأفراد يستأثرون بثروات تفوق ثروات مئات الملايين من البشر. أما المعارك ضدّ هذا الواقع العالمي فقد صارت تتسم بإحدى سمتين: الأولى تحسين شروط الحياة في نطاق النظام العالمي السائد، عبر نضال يشبه النضال النقابي المطلبي، والثانية هي التطلع إلى الخلاص من ربقة عبودية الربا الدولي، إنما من دون يقين متبلور ومن دون جاهزية متوفرة!

إن أصحاب وهم الاستقلال ينظرون إلى عمليات المراكز الاستعمارية ضد بلدانهم باعتبارها عدواناً خارجياً، بينما قادة نظام الربا العالمي ينظرون إلى كل محاولة للتنمية المستقلة والتطور المستقل باعتبارها محاولة تمرّد وعصيان تهدف إلى النيل من "حقوقهم" المكتسبة بقوة الأمر الواقع، ويرونها تستحق القمع، بل الإبادة، بلا أدنى شفقة أو رحمة. أي أن قادة نظام الربا العالمي، بعكس ما يتوهم البعض، يعتبرون أنفسهم في وضعية الدفاع عن عالم يخصهم وحدهم!

وأفظع ما في الأمر أن نضال الأمم على طريقة النقابات، لتحقيق بعض المكتسبات الضرورية، صار يستحق القمع بالأساطيل الحربية! إن العبيد يطالبون بما يستر عوراتهم ويسدّ رمقهم، لكن السادة يحسبون التكلفة فيستعظمونها، ويستنكرون جرأة العبيد، ويستشيطون غضباً، وينهالون عليهم بالصواريخ التي تحمل إشعاعات الدمار الشامل!

سياسات مخاتلة تشيع الأوهام!

لكن إدارة نظام الربا العالمي لا تسمح بأن تبرز العلاقات الدولية على حقيقتها، بل تقنع عبيدها أنهم مستقلون أحرار، وأن الخطر على حريتهم واستقلالهم يكمن بعيداً، خلف المحيطات، أي أنه محتملاً وليس قائماً طوال الوقت، بينما الواقع يقول أن حياة الأمم، في أدق تفاصيلها منتهكة على مدار الساعة، على أراضيها مباشرة.

إن اللعبة تقتضي سياسات مخاتلة، تقول بتعدّدية ظاهرية في الإدارات العالمية، وباستقلال ظاهري للأمم والشعوب المستضعفة، وتقتضي أيضاً تنوّعاً واسعاً في المذاهب والاتجاهات السياسية وغير السياسية، إنما مسيطر عليه سلفاً! أي أن على الأمم المعذّبة هدر الكثير من جهودها ودمائها في خصومات غير حقيقية، وفي تصوّر حلول غير حقيقية!

إن التعدّدية في الإدارات ظاهرياً، والمركزية الدولية الصارمة واقعياً وخفية، هي ما يضلل الأمم، ويوهمها بلا جدوى المقاومة، فيهدر طاقاتها ويبدّد جهودها من جهة، ويطيل عمر نظام الاحتكار والربا العالمي من جهة أخرى. غير أن الإدارة الأميركية، في السنوات الأخيرة، أسفرت عن وجهها الديكتاتوري، وخرجت على أصول اللعبة، ووقفت منفردة في وجه العالم أجمع، وهذا الانفراد ليس في صالحها أبداً، ولم يحدث لأنها أرادته أن يحدث، بل هو محصلة تطور نوعي في أوضاع النظام العالمي، يمكن أن تبنى على أساسه حسابات أكثر واقعية وصحة بالنسبة لأولئك الذين يعتقدون بحتمية خيار المقاومة.

Hosted by www.Geocities.ws

1