الاستقلال الفلسطيني برعاية شمعون بيريز!
من عجائب هذه المرحلة من تاريخ النظام الرسمي العربي أن حكام كل قطر يتمادون اليوم في تأكيد استقلاله عن أمته وعن وطنه العربي الكبير، أي التأكيد على اقتطاع الجزء من الجسم الكلي الواحد، مع أن الاستقلال الحقيقي لأي قطر عربي يتحقق بداهة في اندماجه بأمته ووطنه الكبير وليس باستقلاله عنه، فالوطن الكبير هو الذي يتكفل بحمايته من أعدائه الحقيقيين، أما عندما يقتطع بتوجيه من الأعداء، وبما يخدم مصالحهم، فإنه يصبح بحاجة إلى جيش محلي أو أجنبي يحمي "استقلاله" عن أمته ويحمي ارتباطه بالمستعمرين، كما يشرح المرحوم الفريق عفيف البزري في أحد أبحاثه الهامة التي لم تكتب لها رؤية النور!
ومن أعجب العجائب أن نزعة "الاستقلال" عن الأمة ووطنها الكبير لم تعد تقتصر على الأقطار التي تمتلك سيادتها وإن شكلياً، بل هي صارت تظهر في البلدان المحتلة أيضاً، فهي تبرز في فلسطين وياللغرابة المذهلة، حيث هناك من يرجو الدعم العسكري والأمني من الأعداء كي يحمي "استقلاله" عن إخوانه في الداخل وعن أمته في الخارج!
لقد نجح العدو في إرباك الحكام العرب وتشويشهم إلى درجة فقدان الذاكرة، فلو عدنا إلى العام 1947، عشية إعلان اغتصاب فلسطين بتقسيمها أولاً، لوجدنا أن ترتيبات المقاومة العربية التي نفذتها الحكومات قد وضعت من قبل المستعمرين الإنكليز والأميركيين، وأن الغرض منها، بالصورة التي أخذتها، كان تحقيق أطماع الصهاينة تحت ستار التظاهر بإنقاذ فلسطين، وبناء على ذلك لا يصح أن يوجه المؤرخون والمفكرون العرب الانتقاد إلى تلك الترتيبات، بالقول مثلاً أنها كانت مقصرّة في هذه الناحية أو تلك، لأنها لم تكن ترتيبات وطنية بقصد التحرير الحقيقي، بل أريد لها أن تكون مقصرّة وعاجزة لفائدة الأعداء، وبالتالي ينبغي إبراز تطابقها مع مخططات الأعداء، وإن هذا هو عين ما يحدث اليوم في معسكر من يسمون بالمعتدلين العرب!
لقد كان الإنكليز في ذلك العام (1947) يبذلون قصارى جهودهم للاحتفاظ بمواقع استراتيجية هامة، في البلاد العربية وفي مختلف أنحاء إمبراطوريتهم القديمة المتهاوية، وكان جهدهم على الأخص ينصب في بلادنا، حيث سعوا لإخراج الفرنسيين من سورية ولبنان والحلول محلهم، وفشلوا في محاولة إقناع السوريين بتحويل الجيش السوري إلى قوات شرطة وأمن داخلي فقط! لقد كانوا يحاولون الاحتفاظ بأكبر قدر من النفوذ في مواجهة الأميركيين الطامحين إلى قيادة العالم بعد إخضاع المستعمرين القدماء وإدماجهم في استراتيجيتهم!
وكان الإنكليز قد قرروا ترك الصهاينة اليهود للأميركيين، بعد أن انحاز هؤلاء الصهاينة للمعسكر الأميركي بناء على نتائج الحرب العالمية الثانية، وهكذا جاء قرار تقسيم فلسطين، الصادر عن الأمم المتحدة في 29/11/1947، متضمناً أن الجزء المخصص لليهود هو قاعدة أميركية، على أن تتوسع هذه القاعدة في المستقبل، بقدر ما يلزم وبقدر ما يستطيع اليهود توسيعها، على حساب الجزء الذي خصصه قرار التقسيم للعرب!
لقد تقرر بناء على رغبة الإنكليز أن يضمّ ما بقي من فلسطين إلى الأردن الذي كان واقعاً تحت النفوذ الإنكليزي، وذلك لمنع كل تطور قد يحدث في هذا الجزء المتبقي ويضرّ بالوجود الإنكليزي في شرقي الأردن! يقول الفريق البزري أن أولئك المستعمرين البريطانيين، المتحجرّين إلى درجة التبلور، لم يدركوا أن نفوذهم ومواقعهم في المنطقة ستزول وتذروها الرياح لصالح المستعمرين الجدد الأميركيين! وهكذا قبل الأميركيون والصهاينة اليهود بتلك القسمة البريطانية للمواقع الاستعمارية في فلسطين، إنما كخطوة أولى يحققونها في انتظار التطورات المقبلة على أرض الواقع، عندما تأتي لحظة "ملء الفراغ" والحلول محل البريطانيين في جميع مواقعهم! وبالفعل، عندما جاءت اللحظة المواتية، عاد ذلك الجزء العربي الفلسطيني، المخصص للعرب حسب القسمة التي أرادتها لندن في هيئة الأمم، ليصبح بدوره داخل دائرة السيطرة الأميركية المباشرة، وكنتيجة من نتائج حرب عام 1967!
في عام 1947 رفضت الأنظمة العربية قرار تقسيم فلسطين الصادر عن هيئة الأمم بإرادة الأميركيين والبريطانيين، لكنه كان رفضاً نظرياً، فهي وافقت عملياً على التقسيم عندما نصبّت رئيس بلد عربي مغلوب على أمره قائداً عاماً للقوات العربية في معركة إحباط قرار التقسيم، بل هي وافقت على أقل من ذلك عندما لم تأخذ بحسبانها أن الجيش العربي الذي يقوده الجنرال الإنكليزي كلوب يمكن أن يسلّم للصهاينة من دون قتال أقساماً هامة من حصة العرب التي أقرتها الأمم المتحدة!
لقد كان الجيش العربي الأردني تحت السيطرة المطلقة للبريطانيين، فهو يموّن من المخازن الإنكليزية، ورواتبه تصرف من الخزينة الإنكليزية، وقطعاته المؤلفة من ثلاثة ألوية وكتيبة مدفعية يقودها ضباط إنكليز بينهم خمسة ضباط عرب فقط من أصل خمسة وأربعين ضابطاً، فكيف يمكن لجيش عربي هكذا حاله أن يأخذ على عاتقه تحرير فلسطين من براثن الأميركيين والإنكليز واليهود الصهاينة؟
يقول المجاهد المقدم عبد الله التل في كتابه "كارثة فلسطين" ما يلي:" كان الجيش العربي الأردني فرقة بريطانية تعسكر في قلب العالم العربي، وكانت وحداته ترابط في المناطق العربية المخصصة للعرب في قرار التقسيم، الأمر الذي يوضح خطوط المؤامرة التي حاكها الإنكليز لقبول التقسيم وضمّ الأقسام العربية إلى شرق الأردن"!
غير أننا رأينا كيف حسم الصراع الخفيّ الأميركي الإنكليزي لصالح الأميركيين في حرب عام 1967، وانتزعت حصة العرب التي أقرتها هيئة الأمم وألحقت بحصة اليهود، وبناء على ذلك أليس من أعجب العجائب سماع بعض القادة الفلسطينيين، ومن ورائهم بعض القادة العرب، يتحدثون عن دولة مستقلة فلسطينية، مرعية ومحمية من قبل الأميركيين والإسرائيليين؟ أليس عجيباً أن يحدث ذلك بمعزل عن الوقائع التاريخية التي أشرنا إلى أقلّ القليل منها، وأن يجري البحث جدّياً حول إقامة الدولة المستقلة الفلسطينية ومستقبلها بين أحد القادة الفلسطينيين وبين شمعون بيريز (رئيس ما يسمى دولة إسرائيل) في مكتب شمعون بيريز؟!
أخيراً، ينبغي أن لا تفوتنا المقارنة بين مأزق البريطانيين عام 1947 في مواجهتهم للأميركيين الذين حلوا محلهم، وبين مأزق الأميركيين اليوم في مواجهتهم للمقاومة العربية والإسلامية التي تزعزع بعملياتها أسس نفوذهم ووجودهم في بلادنا. لقد أصبح العرب طرفاً ولم يعودوا أداة!