الاستئصال بأقل تكلفة وبأقصر وقت!

بقلم: نصر شمالي

قالت وزيرة الخارجية الصهيونية تسيبي ليفني أن بوسع "إسرائيل" التخلي عن أية وثيقة متفق عليها مع الفلسطينيين! ودعت إلى التمييز الواضح بين التحاور والتفاهم وبين التنفيذ الفعلي، فأية وثيقة ليست نهاية المطاف! وقد جاءت أقوال ليفني هذه في معرض الردّ على الهجوم في الكنيست، الذي تعرضت له المحادثات الدائرة بين الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية من أجل الوصول إلى "إعلان مبادئ" مشترك، تمهيداً للمؤتمر أو الاجتماع الدولي المخصص للقضية الفلسطينية، والذي دعا إلى عقده الرئيس الأميركي جورج بوش!

لقد أرادت وزيرة الخارجية الإسرائيلية القول بأن المحاورات والتفاهمات مع الفلسطينيين هي مجرّد كلام فارغ حتى لو جرى توثيقها! وأغرب ما في الأمر أن أعضاء الكنيست الغاضبين يعرفون هذه الحقيقة جيداً، حقيقة تنصّل الإسرائيليين من أي اتفاق في اللحظة المناسبة القادمة، والأكثر غرابة أن وزيرة خارجيتهم تعرف أنهم يعرفون ذلك، وأنهم يوظفون هذه القضية لتحقيق مآرب أخرى خاصة لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالفلسطينيين! وهكذا فقد كان يتوجب عليها أن لا تخطئ وتعلن عن هذه الحقيقة، ولعلّ الذين هاجموها بالذات، ودفعوها لقول ما قالته، هم أول من أزعجه إعلانها، فكأنما هي غفلت وأخذت اعتراضهم ضدّ المحاورات والتفاهمات مع الفلسطينيين على محمل الجدّ!

ثم إن الرئيس الأميركي نفسه لم يدع إلى المؤتمر الدولي، أو الاجتماع الدولي، من أجل معالجة عادلة للقضية الفلسطينية، بل إن الأسباب التي دعته إلى مثل هذه الدعوة لا علاقة مباشرة لها بالقضية الفلسطينية، وإنما لها علاقة بقضايا أخرى تتصل بالعراق وإيران والمملكة السعودية مثلاً، وتتصل أيضاً بوضعه المضطرب أشدّ الإضطراب داخل بلاده!

إن تاريخ الولايات المتحدة بكامله حافل بمثل هذه الألاعيب السياسية، منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا، ففي العام 1942 استقبل الرئيس الأميركي روزفلت الزعيم اليهودي حاييم وايزمان، بحضور معاون وزير الخارجية سمنرويلس، وقد حاول ويلس إثارة عطف الرئيس على فكرة إقامة "دولة يهودية"، لكن روزفلت، الذي لم يكن يحتاج أبداً إلى التحريض، بدا ميالاً إلى تسوية عربية يهودية للمشكلة الفلسطينية! لماذا؟ لأنه كان مهتماً جداً بالمصالح النفطية الأميركية العظمى في السعودية، وكان مهتماً جداً بالحلول محلّ البريطانيين في المنطقة العربية، الأمر الذي يتطلب كسب ودّ العرب! وقد اعترض وايزمان على فكرة الرئيس روزفلت حول التفاهم العربي اليهودي قائلاً:" إذا اعتمد إنشاء الوطن القومي اليهودي على موافقة العرب فإنه لن ينشأ أبداً"! واقترح تجاهل العرب، وإسقاطهم من الحساب، وطالب الرئيس الأميركي باتخاذ موقف قوي وراء إنشاء "الدولة اليهودية" وإجبار العرب على الإذعان لمنطق القوة العارمة, مثلما أجبروا من قبل على الإذعان لتصريح بلفور وما تلاه بواسطة القوة!

لقد كان الرئيس روزفلت وزوجته إليانور من أبرز الشخصيات الأميركية الصهيونية غير اليهودية، ومن أشدّها حماسة لإقامة المشروع الصهيوني اليهودي على أرض فلسطين العربية، وقد أخطأ وايزمان يومئذ في إلحاحه، مثلما أخطأت ليفني اليوم في جوابها التوضيحي، فالرئيس روزفلت، مثله مثل الرئيس بوش اليوم، أراد توظيف القضية الفلسطينية كورقة لتحقيق مآرب أخرى في بلدان أخرى، مزمعاً التنصل سلفاً من أية وثيقة مبرمة مع العرب في اللحظة المناسبة القادمة، بينما اللجاجة جعلت وايزمان ينسى هذه الحقيقة التي يعرفها بدوره جيداً!

كان وايزمان يخشى أن تعيق الاعتبارات الأميركية تحقيق حلمه اليهودي الصهيوني الخاص، أو أن تنعكس سلباً على شكله وحجمه وامتيازاته، فهو يعلم تمام العلم أنه مجرّد مشروع استعماري لا يمكن له أن يقوم من دون رعاية العواصم الاستعمارية، ولذلك راح يوضح لسيده الأميركي أن صداقة العرب أو عداءهم لا يؤثران على المصالح الأميركية الأخرى، كالمصالح النفطية في الجزيرة العربية، بدليل أنهم رضخوا وأذعنوا لتصريح بلفور! غير أن روزفلت واصل محاولاته للتوفيق بين التزاماته الإسرائيلية وبين اتجاهه (بعد مؤتمر يالطا) لتعزيز صلات الحكومة الأميركية بالمملكة السعودية، دون أن يمنعه ذلك من ترسيخ ذلك التقليد في دولته، وهو ما صار يدعى بالتأثير اليهودي على السياسة الأميركية، والذي ترتب عليه أن معظم الحكومات العربية المتعاقبة صارت تجد عذراً للحاكم الأميركي، الذي هو مثل العرب ضحية للنفوذ اليهودي!

إن الرئيس بوش في دعوته لمؤتمر أو اجتماع دولي من أجل معالجة القضية الفلسطينية، بينما هو يتطلع إلى أهداف أخرى، يكرر ما فعله الرئيس روزفلت، بل جميع الرؤساء الأميركيين، ولقد أطلقت وزيرة الخارجية الإسرائيلية ليفني تصريحها أمام الكنيست، حول التنصل من العهود والمواثيق، بناء على معرفتها بالتاريخ الأميركي وبحقيقة السياسات الأميركية في جميع العهود، ففي مراحل تأسيس الدولة الأميركية وقعت الحكومات الفيدرالية المتعاقبة 370 معاهدة مع أصحاب البلاد الأصليين، وهي محفوظة جميعها، وكانت كل معاهدة تبدو مستكملة لجميع الشروط الأصولية والقانونية، وتبدو كأنما هي المعاهدة الأخيرة غير القابلة للانتهاك، غير أنها انتهكت جميعها وتحولت إلى مجرد كلام فارغ وحبر على ورق، أما وظيفة كل من تلك المعاهدات فكانت تثبيت الأمر الواقع والوضع الراهن عند الحد الذي بلغاه، وجعل الضحية تركن للسكون وتفقد الحذر، تمهيداً لجولات قادمة تحقق استئصالها بأقل تكلفة وبأقصر وقت!

[email protected]

Hosted by www.Geocities.ws

1