الاتحاد الضروري في الوقت المناسب

بقلم: نصر شمالي

قبل أيام وجّه الرئيس الفرنسي إلى الإدارة الأميركية جملة من الانتقادات الصريحة القاسية التي لم يحدث أن سمعت مثلها من حلفائها! ويقع ذلك في سياق التعثّر والتخبط الأميركي الذي يتوالى على جميع الجبهات العالمية العدوة والصديقة. ففي أميركا اللاتينية يتسارع اتساع رقعة التحرر على حساب الاحتياطي الاستراتيجي والحديقة الخلفية للولايات المتحدة حتى ليكاد يشملها كلها! وفي آسيا تتقدم الصين حثيثاً لاحتلال موقع عالمي من الدرجة الأولى، وها هي اليابان تتحوّل إلى شريك رئيس للصين، متخطية المعوقات الناجمة عن تحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة! وها هي روسيا، إلى جانب الصين، تحتل موقعاً لا يمكن تجاهله في توجيه السياسة الدولية والتأثير في العلاقات الدولية، كما ظهر ذلك في موقفها من الأزمة الإيرانية، بينما تقف الصين إلى جانب السودان في مواجهته للولايات المتحدة في مشكلة دار فور المصطنعة، وفي تطور معدّل نموّه العام الذي بلغ في السنة الماضية 12%! إن تطوراً صناعياً مهماً يتحقق في السودان بفضل التعاون النزيه مع الصين التي تستورد النفط السوداني، وتساعد في استخراجه وتصنيعه. غير أن الأمر لا يقتصر على السودان، فالصين هي اليوم المساهم الأول في تنمية القارة الأفريقية، وهي المساهمة التي تشمل ثمانية وأربعين دولة أفريقية!

القبضة الأميركية متشنجة ومنهكة!

إن التعثر والتخبط الأميركي يبلغ مداه في إقليم دار فور السوداني، وأيضاً في الصومال، حيث السياسة الأميركية في أفريقيا لا تحقق سوى المزيد من الاضطرابات، ولا تجني سوى الكثير من الخيبات، أما في المشرق العربي فإن المأزق العسكري الأميركي في العراق (وكذلك في أفغانستان) يبدو مستعصياً على أي حلّ في صالح الأميركيين، وبينما يبدو استنفار القادة الأميركيين عموماً للخروج من المأزق العراقي بلا طائل إيجابي، يتوالى فشل السياسة الأميركية في فلسطين ولبنان، وفي سورية وإيران، وفي غيرهما.

إن قبضة الولايات المتحدة تتراخى متشنجة، منهكة، في كل مكان، وهيمنتها حتى على دول أوروبا الغربية الأطلسية الحليفة لم تعد على ما كانت عليه من قوة، ولذلك نرى القادة الأميركيين، من مختلف الاتجاهات، يهبّون لنجدة حكومتهم، ولضمان سيطرة دولتهم واستمرار هيمنتها الدولية.

غير أن القادة الأميركيين يركزون جهودهم المحمومة في منطقة الخليج والمشرق العربي، باعتبارها (المنطقة المفتاح) كما يصفونها في مصطلحاتهم، ولأن الإمساك بزمامها يعني الإمساك بزمام العالم فعلاً، فهم يدركون جيداً أن حربهم في هذه المنطقة دفاعية لا هجومية، لأنها منطقة تابعة لهم، بل يعتبرونها من ممتلكاتهم، لكنهم يحاولون طمس هذه الحقيقة الأساسية، ويتصرفون كأنما هم بصدد مشكلة طارئة اعترضتهم فجأة، فتورطوا فيها بينما كان بإمكانهم تجنبها لو أن رئيسهم كان حكيماً!

حماة الاستبداد والفساد الليبرالي!

لقد وقعت بلادنا في قبضة الأميركيين على مدى العقود الطويلة الماضية من السنين، منذ حلوا فيها خلسة وخفية محلّ جيوش الاستعمار الأوروبي المباشر بعد الحرب العالمية الثانية، وإن ما يحدث في فلسطين والعراق وغيرهما ليس مفاجئاً ولا طارئاً ولا عابراً، بل هو حلقة متقدمة في سلسلة كفاح عربي هجومي لم يتوقف أبداً، يخوضه العرب من أجل استرداد بلادهم التي استقلت ظاهرياً وشكلياً كمناطق مدارة بحكم ذاتي!

إن الأميركيين يتواجدون في بلادنا كقوة فاعلة منذ أكثر من نصف قرن، متخفين وراء الكيان الصهيوني والنظام الرسمي العربي، وعندما اضطروا للحضور العسكري مباشرة وعلناً، نتيجة عجز الكيان الصهيوني والنظام الرسمي العربي، تظاهروا أنهم يتعرفون على المنطقة ويدخلونها لأول مرة، وأن ما دفعهم إلى ذلك هو محاربة الإرهاب، وإنقاذ العرب من الاستبداد، ومساعدة شعوب المنطقة على تحقيق الحرية والتقدم والازدهار!

غير أن الوقائع التاريخية تؤكد أن كل مصيبة حلّت بالعرب كانت من صنعهم بالدرجة الأولى، سواء أكانت داخلية أم خارجية، ابتداء بنكبة فلسطين وانتهاء بمأساة العراق، وأنهم كانوا وما زالوا حماة الاستبداد الفظيع حين يخدم مصالحهم، وحماة الليبرالية والديمقراطية الفاسدة حين تكون في خدمة مصالحهم، وها هم اليوم، في هجومهم الدفاعي المعاكس، يتلهفون للتعاون مع أي كان، عدواً أم صديقاً، وهمهم الوحيد هو الحفاظ على نفوذهم ومصالحهم في هذه المنطقة/ المفتاح، حيث فشلهم في الإمساك بزمامها يعني تلقائياً فشلهم في الإمساك بزمام العالم الذي يكاد يفلت من يدهم، إن لم يكن فلت فعلاً وينبغي استرداده!

القبلات للعدو والاكفهرار للأخ!

لقد قررت الإدارة الأميركية إمداد الجبهة العراقية بعشرين ألف من الجنود يلتحقون بقواتها الضخمة تمهيداً لجولة دموية نوعية تأمل أن تمكنها من بسط سيطرتها على بغداد خلال شهر أو شهرين، لكن عدداً من القادة الأميركيين يتوقعون الفشل لهذه الجولة أيضاً، بينما الإدارة لا تستطيع غير المضي قدماً!

ولكي تنفرد الإدارة الأميركية بالعراقيين، تتظاهر بالحرص على أمنهم واستقرارهم ودمائهم، وبالرغبة في الحوار والتعاون مع السوريين، وبالحفاظ على حرية وأمن اللبنانيين، وبالسعي لنيل الفلسطينيين بعض حقوقهم، ومن المؤسف أن هذا التظاهر الكاذب والقاتل انطلى على البعض، خاصة في فلسطين ولبنان، إلى درجة أن هذا البعض لم يجد ضيراً في تبادل القبلات علناً مع رايس وأولمرت، بينما وجهه يكفهر بحضور أخيه المقاوم إلى جانبه، فتراه لا يستطيع حتى مجرّد النظر إليه!

لقد جنت بعض الأمم فوائد عظيمة بفضل صمود جبهاتنا المقاومة، ونخشى أن نستثنى نحن وحدنا – ويا للعجب – من مثل هذه الفوائد وذلك بأن تفوتنا هذه اللحظة التاريخية النادرة، فتمضي ولا تتكرر في المدى المنظور، وتخلّفنا أسوأ حالاً، لأننا لم نحقق ما يكفي من الاتحاد الضروري في الوقت المناسب!

www.snurl.com/375h   

 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1