الاتحاد الأوروبي أسير الناتو!

بقلم: نصر شمالي

كلما أحرزت الدول الأوروبية نجاحاً على طريق تحقيق حلمها الاتحادي التاريخي وجدت نفسها تصطدم بسقف الناتو، حلف شمال الأطلسي التي هي ضمن تشكيلته، بل هي الكتلة الرئيسة في تشكيلته، ووجدت نجاحها في قبضة قيادة الحلف الأميركية، وهاهم الأوروبيون يحاولون اليوم التغلب على عقبة إقرار دستور الاتحاد وانتخاب رئيسه، غير أن الاختراقات الأميركية لاتحادهم ولبلدانهم، سياسياً واقتصادياً وأمنياً وإعلامياً، تعيق محاولاتهم وتعرضها للفشل، اللهم إلا إذا جاءت متطابقة مع الاستراتيجية الأميركية!

والحال أن حلف شمال الأطلسي، الذي تأسس عام 1949، قد نهض بحجة الدفاع عن أوروبا ضدّ خطر جيوش الاتحاد السوفييتي التي يعود إليها الفضل الأول في حسم نتائج الحرب العالمية الثانية لصالح الحلفاء، غير أن وظائف الأطلسي لم تقتصر على الجانب العسكري الدفاعي بل كانت سياسية بالدرجة الأولى، فترتب على ذلك أن واشنطن صارت معنية بمختلف شؤون الحياة الأوروبية، وسرعان ما ظهر واضحاً أن مهمات الحلف ليست دفاعية وإنما هجومية، وقد تضمنت استراتيجيته مهام مخالفة لمبادئ الأمم المتحدة، وتكفلت واشنطن بالالتفاف على المنظمة الدولية التي هي أول المساهمين في تشكيلها والمتنفذين فيها، على الرغم من امتلاك الاتحاد السوفييتي لحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن!

توسيع دائرة حلف الأطلسي!

في العام 1991، وفي خضم الاضطرابات العظمى التي أودت بالكتلة الاشتراكية وبحلف وارسو وبالاتحاد السوفييتي، تعرضت الهيمنة الأميركية على حلف الأطلسي لبعض الاضطراب، حيث انتعش حلم الأوروبيين في إقامة كتلة اتحادية تشمل البلدان الواقعة ما بين جبال الأورال والمحيط الأطلسي، فقد اعتقد الأوروبيون أن حلف الأطلسي قد فقد مبّرر وجوده بزوال حلف وارسو، وأن الفرصة مواتية للاستقلال عن السياسة الأميركية، غير أن واشنطن نجحت في إبقاء الحلف الأطلسي، مع بعض التعديلات التي تتناسب مع ما ترتب على تلك الاضطرابات والتغييرات العظمى! وبالطبع فإن نجاحها اعتمد على اختراقاتها الواسعة والعميقة للجسم الأوروبي، وعلى عمقها الإنكليزي في بريطانيا، وعندما حلّ عام 1994 فتحت قيادة الحلف الأميركية الأبواب على مصاريعها لخمس وعشرين دولة من أوروبا الوسطى والشرقية للدخول فيه، وهي دول ليست في معظمها سوى ألعوبة بيد السياسة الأميركية، وبالفعل سرعان ما زجّت واشنطن الحلف عام 1995 في عمليات حربية برية في البلقان، للاستيلاء على أشلاء الاتحاد اليوغسلافي، وقد جنّدت لهذا الغرض ستين ألف عسكري توجهوا إلى البوسنة، فكانت وليمة دسمة التهمها الأميركيون تاركين لشركائهم في حلف الأطلسي مجرّد الفتات!

وجدير بالذكر أن قيادة الحلف الأميركية تطلعت إلى توسيع دائرة المتعاونين معها أطلسياً لتشمل دولاً أخرى على الشواطئ الأخرى للمتوسط، مثل الأردن ومصر وتونس والمغرب وموريتانيا، إضافة إلى الكيان الإسرائيلي! وجدير بالذكر أيضاً أنه ينبغي على الأوروبيين، خاصة الفرنسيين والألمان والطليان، المساهمة في هذه النشاطات الأطلسية في المنطقة العربية ولو ضدّ مصالحهم!

قوات أوروبية للتدخل السريع!

لكي نتعرف أكثر على عوامل الهيمنة الأميركية في أوروبا نذكر أن دول أوروبا تنفق سنوياً حوالي 170 مليار يورو على الدفاع، وهذا الحجم من الإنفاق يعادل 40% فقط من حجم الإنفاق الأميركي، أما فعالية العتاد العسكري الأوروبي فلا تتعدّى نسبة 10% من فعالية العتاد الأميركي، وبناء على ذلك، وبإلحاح من الأميركيين، تحاول دول الاتحاد الأوروبي إنشاء قوة ضاربة تتألف من حوالي ستين ألف جندي، تعمل بالطبع تحت إمرة قيادة الحلف الأميركية، على أن تكون هذه القوة جاهزة بحلول العام 2010، وأن تشارك ألمانيا بأربع فرق منها، وهي سوف تكون شكلياً بإمرة الاتحاد الأوروبي، وسوف تقوم بمهام التدخل السريع في أي مكان في العالم، على الطريقة الأميركية وفي نطاق الاستراتيجية الأطلسية!

لقد ذكرنا في البداية أن الاتحاد الأوروبي منهمك اليوم في إقرار دستور الاتحاد، وهذا الدستور هو الذي سيحدّد سياسة الدفاع المشترك الأوروبية، بل والسياسة الأمنية والخارجية للاتحاد، غير أن مثل هذا الدستور لن يمرّ بسهولة، وربما لن يمرّ أبداً، إذا ما تضاربت مضامينه مع المصالح والاستراتيجية الأميركية المضمونة في تشكيلة حلف شمال الأطلسي!

الحلف والقرن الحادي والعشرين!

لقد قرر أعضاء حلف شمال الأطلسي في العام 2005 إسناد خمس مهمات رئيسية للحلف في القرن الحادي والعشرين، وهذه المهمات هي: أولاً، العمل لمصلحة قيام أوضاع أمنية أوربية/ أطلسية مستقرة. ثانياً، أن يكون للحلفاء إطار أطلسي أساسي يتشاورون ضمنه بصدد أية مسألة تمسّ مصالحهم الحيوية. ثالثاً، القيام بمهام الردع والدفاع ضدّ أي تهديد عدواني يتعرض له أي بلد من بلدان الحلف. رابعاً، البقاء في وضعية استعداد لمواجهة كل حالة على حدة، وللمساهمة بفعالية في تفادي النزاعات (أي في ما يسمى الحرب الاستباقية!) والالتزام النشط في إدارة الأزمات (كما هو الحال في السودان ولبنان وفلسطين!) بما في ذلك الإلتزام بعمليات الردّ الميداني على مثل هذه الأزمات. خامساً، التشجيع على قيام علاقات شراكة وتعاون وحوار مع دول أخرى في المنطقة الأوروبية الأطلسية (أي ضدّ روسيا!) للوصول إلى مزيد من الشفافية والثقة المتبادلة والقدرة على العمل المشترك مع الحلفاء (وهذا ما بدا واضحاً في مشروع الجدار الصاروخي الأميركي!).

إن الاستراتيجية الجديدة لحلف شمال الأطلسي تتضمن توسيع مفهوم الأمن بالصورة التي يريدها الأميركيون، أي حق الحلف باستباحة العالم كله عندما تقتضي مصالحه ذلك! لقد اختلف مفهوم الأخطار التي كان الحلف يتصدى لها في الماضي، فأصبحت اليوم كل ما قد يعرّض مستقبلاً المصالح المشتركة الأطلسية للخطر! غير أن الأوروبيين وهم ينخرطون في الاستراتيجية الجديدة يعرفون أن المصالح هي مصالح الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، سواء استكملوا اتحادهم الأوروبي أم لم يستكملوه!

www.snurl.com/375h

 

Hosted by www.Geocities.ws

1