استقلال القرار الفلسطيني، والعربي أيضاً!

بقلم: نصر شمالي

ليست فلسطين في أحد أهم تجلياتها سوى  مرآة تعكس الواقع الراهن للبلدان العربية، لكنها تعكسه مجسداً ومجسّماً أضعافاً مضاعفة، حيث الأسس الموضوعة من قبل الأعداء هي ذاتها في كل بلد عربي وإن اختلفت أشكالها وأحجامها، وحيث المصائر المرسومة بأيدي الأعداء هي ذاتها في كل بلد عربي وإن اختلفت أدواتها وسبلها!

ما الذي تعاني منه فلسطين؟ إنها تعاني آفة الاختراق الأجنبي كأساس، أما أدوات الاختراق فهي قطعان الإبادة والاستيطان التي أعلنت منذ عام 1917 عن المصير المرسوم لأرض فلسطين وشعبها،فاتجهت نحوهما مباشرة، وراحت تنخر أعمق فأعمق في شجرة الزيتون الطيبة، معلنة على رؤوس الأشهاد أنها سوف تواصل نخرها حتى نهاية فلسطين!

وما الذي تعاني منه البلدان العربية جميعها إن لم يكن الاختراق والنخر ذاته كما في فلسطين؟ فبغض النظر عن حجم الآلام والتضحيات ، الذي يفوق بما لا يقاس حجمه في أي بلد عربي آخر، تعاني جميع البلدان العربية مثل فلسطين من آفة الاختراق الأجنبي كأساس، ومن النخر كأسلوب، ومن احتمال الفناء بالتبعية والذوبان كمصير!

اليوم يبلغ الاختراق والنخر الصهيوني في الجسم الفلسطيني مرحلة متقدمة، وهو على وشك تحقيق انهدام نوعي عبر اجتماع آنابوليس الأميركي، فقد اشترط الصهاينة على الفلسطينيين الاعتراف بدولة يهودية مقابل بدء المفاوضات معهم بصدد دولة فلسطينية مزعومة على جزء ضئيل من مساحة فلسطين التاريخية، وهذا يعني أن مصير أكثر من مليون عربي، يعيشون في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948،  أصبح في مهب الرياح! غير أن الاختراق والنخر لن يتوقف عند هذا الحد طبعاً، فقد صرحت وزيرة الخارجية الصهيونية ليفني أن الدولة الفلسطينية لن تكون فقط حلاً للفلسطينيين الذين يقطنون الضفة والقطاع، بما فيهم سكان مخيمات اللاجئين، بل أيضاً لأولئك (العرب) الذين هم مواطنون متساوون في الحقوق داخل" دولة إسرائيل" التي هي دولة يهودية، والتي يتعين فيها على كل إنسان منتخب للكنيست الموافقة على المبادئ الأساسية لوجود "دولة إسرائيل"، أما المطالبة بتعبير قومي (عربي) داخل دولة مستقلة (يهودية) فمطلب ممكن، لكنه ينتهي في لحظة إقامة دولة فلسطينية من شأنها توفير حل قومي للفلسطينيين أينما كانوا! هذا ما صرّحت به الأفعى الصهيونية ليفني! أي أنه ينبغي على أكثر من عشرة ملايين فلسطيني العيش في دولة الضفة والقطاع المزعومة التي لا تتجاوز مساحتها ستة آلاف كيلو متراً مربعاً (إن قامت مثل هذه الدولة!) بينما تنهض الدولة اليهودية على معظم مساحة فلسطين التاريخية وهي في حدود واحد وعشرين ألف كيلو متر مربع، ليعيش فيها حوالي أربعة ملايين يهودي، أكثر قليلاً أو أقل كثيراً إذا ما أخذنا بالاعتبار مدى صحة يهودية الكثيرين من المهاجرين الروس وغير الروس!

بالطبع لا يجوز أن نأخذ كلام ليفني على محمل الجد، أو كمناورة أخيرة، أي أن الاختراق والنخر لن يتوقفا عند هذا الحدّ، فقد علّق الصهيوني الآخر المدعو آرييه إلداد محتجًا على تصريحات ليفني بالقول: "هناك دولة للفلسطينيين قائمة في الأردن، حيث 70% من سكان الأردن هم من الفلسطينيين، وليفني تريد منح الفلسطينيين دولة أخرى" !

وهكذا فإن اجتماع آنابوليس الأميركي سوف يكون جولة من جولات الاختراق والنخر الصهيوني المستمر للجسم الفلسطيني (والعربي أيضاً) يدفع فيه أكثر من مليون عربي في الأراضي المحتلة عام 1948 إلى مصير مجهول، وتحذف فيه جموع الفلسطينيين المشردين في الشتات وعددهم أكثر من أربعة ملايين، وبعد أن يفرض التسليم بمبدأ الدفع والحذف، بصورة أو بأخرى، تبدأ المماحكات حول إمكانية قيام الدولة الفلسطينية على أرض الضفة والقطاع، إلى أن يفرض التسليم مرة أخرى بأن الدولة ستكون مجرّد مخيمات أو كانتونات أو معسكرات محتواة ومسيطر عليها من قبل الإسرائيليين!

اليوم، في هذا المنعطف الخطير في تاريخ فلسطين والعرب، يكتب الإسرائيليون أنه ليس مبالغة القول بأن الحركة الوطنية الفلسطينية لم تعد موجودة، فالسلطة الفلسطينية في الضفة وغزة بالكاد تؤدي عملها، وفي الوقت الذي يبدو فيه المشروع الوطني الفلسطيني مفلساً ليس من الممكن القول أن المشكلة الفلسطينية قد اختفت (صحيفة هآرتس – 6/11/2007) ويعيد الإسرائيليون بداية الفشل الفلسطيني إلى مرحلة ما بعد حرب عام 1973، حين رفعت منظمة التحرير شعار "القرار الوطني الفلسطيني المستقل" ثم وقعت اتفاقات أوسلو، ليتضح في ما بعد أن الفلسطينيين لا يستطيعون وحدهم التوصل إلى سلام مع "إسرائيل"، ولذلك سيدعى العرب، وعلى رأسهم السعودية، إلى قمة آنا بوليس، وليس فقط الفلسطينيين الذين فشلوا (المرجع ذاته).

إن الإسرائيليين، أو الأميركيين في الحقيقة، يريدون الاستعانة بالأنظمة العربية لاستكمال ابتلاع فلسطين، ويريدون الاستعانة بالفلسطينيين لاستكمال اختراق البلدان العربية ونخرها وإلحاقها بهم أكثر فأكثر، وبالطبع فإن القرار الوطني الفلسطيني المستقل هو القرار المرتكز إلى المقاومة المستقلة، وعندما تضمحل المقاومة يضمحل القرار، وبما أن مصالح الأنظمة العربية بأوضاعها الراهنة تتناقض مع حالة المقاومة فقد صار ممكناً الاستعانة بهذه الأنظمة على المقاومة الفلسطينية! ومن جهة أخرى، عندما تبلورت السلطة الفلسطينية بوضعها الراهن المعوّق للمقاومة صار ممكناً الاستعانة بها لابتزاز الأنظمة العربية ولاختراقها أكثر فأكثر، حيث أصبحت هذه السلطة صمام أمان ضدّ تجدّد الثورة الفلسطينية التي تخشاها الأنظمة العربية مثلما يخشاها الأميركيون والإسرائيليون! وهكذا من أجل أن يسود الهدوء المنطقة، ومن أجل الحفاظ على الأوضاع الراهنة في البلاد العربية، لن تتردّد الأنظمة العربية في تلبية الدعوة إلى آنا بوليس!

لا يمكن للقرار الوطني الفلسطيني أن يكون مستقلاً إلا إذا استند إلى مقاومة فلسطينية مستقلة، وهذه المقاومة المحكومة بمحيطها العربي تحتاج إلى هذا المحيط مقتنعاً بها وحاضناً لها، وهو كي يكون كذلك لابد وأن يمتلك قراره المستقل، ولقد كان مؤملاً في مراحل مضت أن يكون الحال العربي كذلك، وأن تساهم الثورة الفلسطينية في جعله كذلك، لكنه انتكس ومازال منتكساً، والأمل لا يزال قائماً وقوياً بأن تكون هذه الانتكاسة على خطورتها مؤقتة وعابرة، وأن يتبلور من جديد القرار الفلسطيني والعربي المستقل، المستند إلى مقاومة فلسطينية وعربية مستقلة.

[email protected]

 

Hosted by www.Geocities.ws

1