استحالة التفريط بتاريخ فتح ومآثرها!

بقلم: نصر شمالي

في نهاية الحرب العالمية الأولى، في 9/12/1917 تحديداً، وصل الجنرال البريطاني الصهيوني اللنبي إلى مدينة القدس، فترجّل من سيارته أمام مدخلها وأطلق جملته الشهيرة: اليوم انتهت الحروب الصليبية! غير أن ذلك الجنرال الهمجي أطلق جملته العنصرية المنتشية في وقت كانت فيه رسائل حكومته تنهمر بوعود الاستقلال الكاذبة على الشريف حسين قائد الثورة العربية الكبرى، وإننا لنخشى أن تتكرر اليوم تلك المأساة ونحن نتابع وعود الاستقلال الكاذبة التي تنهمر على رام الله!

والحال أن النقص في رؤية حقيقة الوضع الدولي، أو عدم أخذه بالحسبان، كان واضحاً في جميع مراحل المقاومة العربية، منذ إطلاق وعد بلفور عام 1917 وحتى انطلاقة حركة فتح في العام 1965، فالمقاومة كانت تنطلق في مواقفها دائماً من الأوضاع العربية الراهنة وبالاستناد إليها، جاهلة أو متجاهلة أن تلك الأوضاع هي من صنع العدو الاستعماري، وقد يتوجب علينا أن لا نستغرب ذلك طالما أن نهوض المقاومة كان يتحقق دائماً تحت رعاية وإشراف الجامعة العربية التي أسسها الإنكليز وطالما أن الإنكليز بالذات، الذين أصدروا وعد بلفور، عوملوا من قبل القادة العرب في معظم المناسبات باعتبارهم طرفاً ثالثاً، وسيطاً!

لقد كان تحرر إرادة الأمة من سطوة ونفوذ العدو هو الخطوة الأولى والمدخل الوحيد لتحرير فلسطين، فإذا كان النظام الرسمي العربي، وكذلك البنى العربية الفوقية التي يرتكز إليها، جزءاً لا يتجزأ من الشبكة الاستعمارية، طوعاً أو كرهاً، فكيف يمكن الإنطلاق لتحرير فلسطين بإشرافه وبرعايته وبالاعتماد عليه؟ وهل بالإمكان نهوض أي عمل جدّي على طريق التحرير من دون إشاعة رؤية صحيحة عن طبيعة العالم الذي نعيش فيه؟

في عام 1947، عشية النكبة، كانت المقاومة العربية بعيدة جداً في مواصفاتها عن مواصفات المقاومة المرجوة المجدية، وكانت الجامعة العربية، العاجزة والمتناقضة، تقود المقاومة نظرياً، بينما النظام الرسمي العربي بوضعيته التي أشرنا إليها يقودها عملياً، أما الجماهير المستعدّة للعطاء والبذل بلا حدود فكانت تفتقر إلى الدعوة التي تبين لها حقائق ما يجري على الساحتين العربية والدولية، وخاصة موقع عملية سلب فلسطين في الاستراتيجية الاستعمارية عموماً وفي تطور وصعود الاستعمار الأميركي خصوصاً، ولم يكن ممكناً حينئذ، للأسف الشديد، رؤية البعد الدولي والتاريخي للنظام الرسمي العربي في تركيبته الإجمالية، وهكذا تبدّد ذلك المناخ الجماهيري الثوري الواسع النطاق، الذي عبّر عن فعاليته الهائلة في ما تلا نكبة عام 1948 من أحداث جسام تناولت البلاد العربية جميعها.

لقد أدى عدم توفر العقيدة الصحيحة إلى تبدّد ذلك المناخ الجماهيري، وأدى إلى ذلك الكمّ الكبير من المواقف الخاطئة النابعة من سوء التقدير، حيث غابت الرؤية الاستراتيجية الصائبة للواقع العربي والدولي، فشاعت الأوهام إلى الحدّ الذي جعل بعض تلك القيادات تفاضل بين الاستعمار البريطاني والاستعمار الفرنسي، ثم ترى في الاستعمار الأميركي غير المباشر محرّراً من الاستعمار القديم، وعوناً على إحراز الأمن والتقدم والرخاء!

غير أن الوضع اختلف كلياً وجذرياً منذ حرب عام 1967، أقله على صعيد الوعي بحقيقة أوضاع المنطقة العربية والعالم، حتى أننا يمكن أن نعتبر الرئيس جمال عبد الناصر بعد تلك الحرب غير ما كان عليه قبلها تماماً، أما حركة فتح القائدة للثورة منذ عام 1965 فلعلها كانت مدركة لأوضاع العالم ولطبيعة النظام الرسمي العربي منذ تأسيسها، أي قبل حرب عام 1967، فما الذي حدث اليوم لتنكفئ قيادتها إلى ما قبل عام النكبة؟ وهل يعقل أن تكون مواقفها الراهنة مجرّد غفلة؟ وهل ستقود هذه الغفلة إلى ظهور جنرال جديد، كالجنرال اللنبي، يقف في رام الله ويعلن: اليوم انتهت القضية الفلسطينية!

عبر أربعين عاماً من الكفاح المرير المجيد تعرضت حركة فتح لأهوال تفوق الوصف، وخاضت حروباً خارجية وداخلية لا مثيل لفظاعتها، وعانت من المؤامرات الرهيبة ما لم تشهد مثله أية حركة تحرير أخرى، وتعرض قادتها الكبار تباعاً للاغتيال، فكان أبرزهم وليس آخرهم الرئيس الشهيد ياسر عرفات الذي دفع حياته ثمناً لرفضه المساومة على أساسيات القضية، وإن في حدود الضفة والقطاع، فما بال قادة فتح اليوم يفرّطون بما استشهد في سبيله ياسر عرفات؟

يستطيع القادة الحاليون لحركة فتح التوقف عن الكفاح المسلح، لكنهم لا يستطيعون بل لا يحق لهم إدانته ومحاربة قواعدهم في حركة فتح وإخوانهم في حركة حماس لأنهم يتبنونه ويمارسونه!

أن ينسلخوا عن تاريخ حركتهم ويتنصلوا من مآثره فذلك شأنهم يتحملون وحدهم نتائجه وتبعاته، أما أن يستغلوا مواقعهم فيدينوا ويحاربوا من يتمسك بذلك التاريخ، بل يستقووا عليه بالأعداء، فذلك أمر خطير، وأما عن التفريط بتاريخ فتح، وهو فصل هام من تاريخ الشعب الفلسطيني والأمة العربية، فذلك هو المستحيل بعينه!

[email protected]

 

Hosted by www.Geocities.ws

1