إمبراطورية على وشك الغروب!
?:
نصر
شمالي
في
معرض التبريرات التمهيدية لاجتياح العراق والمنطقة ، قال مايكل ليدين، أحد
أبطال فضيحة "إيران غيت" ما يلي :
"
إن الهدف ليس تحقيق الاستقرار في هذه البلدان، فالبحث عن الاستقرار لا
يليق بالولايات المتحدة الأميركية، بلد التدمير الخلاق (؟! ) نحن لا نريد
الإقامة في إيران والعراق وسورية ولبنان، ولا حتى في السعودية، إن المسألة
هي كيف نحدث الاضطراب والاختلال في هذه البلدان التي يتوجب علينا
تدميرها من أجل تحقيق مهمتنا التاريخية " !
ولكن ، ما هي هذه " المهمة التاريخية" الأميركية، التي ذكرها ليدين؟ إنها
خدمة أوساط راس المال الرّبوي العالمي تحديداً على حساب مليارات البشر. إنها
تأمين الرفاه الوحشي للقصر العالمي، على حساب أكواخ الشقاء العالمية، في
هذه القرية العالمية، وإلا فلماذا يتحدث ليدين عن تدمير بلدان العالم،
وفي مقدمتها البلدان العربية والإسلامية ، التدمير الخلاق، باعتباره يليق
بالولايات المتحدة؟
إن
الوظيفة الدائمة لرأس المال الرّبوي العالمي هي خلق الصراعات والأزمات ، من
العدم أحياناً ، من أجل بيع الحلول لها ! إن وظيفته الدائمة تدمير البلدان ،
بغض النظر عن متانتها وقيمتها التاريخية، كي يعيد بناءها ويجني الأرباح
الفاحشة! إن رأس المال الرّبوي العالمي لا يعطي أبداً ، بل يأخذ ويأخذ،
دائماً ودائماً!
تكرار مهزلة نابليون الثالث :
غير أننا كلما استمعنا إلى خطابات المسؤولين الأميركيين، الحاليين خاصة،
تذكرنا نصيحة روزفلت الأكبر الذي أوصى الإدارات الأميركية المتعاقبة قائلاً: "
تكلموا بهدوء، واحملوا عصا غليظة، وسوف تتوغلون بعيداً " ! إنهم يتقيدون
اليوم بهذه النصيحة وقد فات أوانها، فتراهم يزمّون شفاههم ويحرّكون أساطيلهم
في زمن لم يعد ينفع زمّ الشفاه وتحريك الأساطيل، لماذا؟ لأن عالم روزفلت
الماضي لا علاقة له بعالم بوش الحالي، وهكذا يغدو التقيّد بتلك النصيحة
مضحكاً ومبكياً، يذكرنا أيضاً بأوهام دونكيشوت الفالت من زمن مضى!
لقد
أراد الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث تكرار تجربة نابليون الأول في
احتلال أوروبا، في وقت تبدّلت فيه الظروف الدولية تبدّلاً جذرياً لم يعد
يسمح بالتكرار، وهو من دون أن يأبه للتبدّل بدأ بمهاجمة إيطاليا والدول
الصغيرة فاحتلها، ثم توجه إلى ألمانيا، وإذا به يندحر فيها اندحاراً
مروّعاً غير متوقع! ليس هذا فحسب، بل إن نابليون الثالث وقع في قبضة
الألمان أسيراً ! يقول كارل ماركس في وصف الواقعة ما معناه: بينما كانت
شعوب أوروبا تنتظر محاكمة المجرم ( نابليون الثالث) الذي أغرقها بالدماء من
دون مبرّر، كان القادة الألمان يفكرون بالطريقة التي تمكنهم من إعادته
إلى سدّة الحكم في فرنسا، لماذا ؟ لأنه خير من يقود فرنسا إلى الهلاك! واليوم،
فإنها لحقيقة أن سياسات الإدارة الأميركية، المستوحاة من مراحل تاريخية مضت
وانقضت، والتي تطبق في ظروف دولية مختلفة جذرياً، سوف تسرّع في دمار
الولايات المتحدة بالذات، حيث راس المال الرّبوي الذي تخدمه يقف عارياً
وحيداً في مواجهة جميع أمم الأرض، مستنداً إلى مجرّد القوة العسكرية الصماء
الباغية!
واشنطن مديونـة وليست دائنـة :
عندما ظهرت الولايات المتحدة إلى الوجود كانت القارة الأميركية لا تزال
تشكل الاحتياطي الهائل من الثروات المكتشفة حديثاً، سواء لها أم لحلفائها
الأوروبيين الألداء، وهي دولة نهضت باعتبارها استطالة أوروبية بجميع المعاني،
غير أنها كانت استطالة انجلو سكسونية بالدرجة الأولى، تعتمد العقيدة التلمودية
سواء في بنيتها الداخلية أم في علاقاتها مع الخارج، وهي سرعان ما وضعت
يدها على بلدان أميركا اللاتينية، ثم انطلقت ، في مطلع القرن العشرين ،
تزاحم المستعمرين الأوروبيين في جميع القارات.
وبعد الحرب العالمية الثانية، برزت الولايات المتحدة منتصرة لوحدها تقريباً،
واحتلت مركز القيادة العالمي وحدها تقريباً، من دون منازع جدّي . كانت دولة
قوية، غنية ، حديثة، حتى أن الكثيرين توهموا أنها المثل الذي يحتذى. ولكن
ما أن جاء عام 1968، حتى وجدت هذه الدولة نفسها وقد أصبحت دولة مديونة
بعد أن كانت دائنة، ومستوردة بعد أن كانت مصدّرة ، لقد بدّد الهدر والتبذير
والاتلاف ذلك الاحتياطي العالمي الهائل الذي احتوته القارة الأميركية، وبدأت
منذ ذلك التاريخ سياسة فرض الأتاوات على الحلفاء، ووضع اليد تدريجياً على
ثروات الأمم مباشرة، وفي النهاية، كما نرى اليوم، لم يتبق من أمجاد
الإمبراطورية الغنية سوى أسلحة الدمار الشامل تستعملها خبط عشواء ضدّ الشعوب
في البلقان ، والمنطقة العربية، والبلدان الإسلامية .
تقدم آني وتراجع تاريخي:
والحال أن ما يحدث اليوم هو التقهقر الخفي في معرض التقدم العلني،
فالعمليات الحربية غير المبرّرة على الإطلاق، والعودة إلى أسلوب الاستعمار
العسكري المباشر، سوف يحقق للإدارة الأميركية مكاسب مؤقتة وخلّبية، لكنه سوف
يؤسس قطعاً لانهيارات كبرى، إذا ما أخذنا بالاعتبار تزايد سكان العالم
بوتيرة عالية، وارتفاع سوية الوعي الأممي ارتفاعاً كبيراً، والتقدم المذهل في
وسائل المواصلات والاتصالات ، وأيضاً نضوب الموارد العالمية الاحتياطية أو
الفائضة، الأمر الذي يعني أن المستقبل القريب حافل بالمفاجآت الأممية الكبرى
التي ستحوّل الانتصارات العسكرية غير المنطقية إلى عوامل تراجع كبير.
لا
يتسع المجال هنا لاستعراض الوقائع الكبرى التي تؤيد ما ذهبنا إليه، ولكن
يمكن الإشارة إلى ما ورد في أحدث التقارير، حيث الاستثمارات الأجنبية في
الولايات المتحدة تراجعت مؤخراً بنسبة 85% مترافقة مع تراجع نفقات العائلات،
وانهيار ثقة المستهلكين، وتقلص القطاع الصناعي، وتراجع النمو إلى الصفر خلال
العام الماضي، والركود في سوق الأسهم، والبطالة التي تشمل 6% من الأميركيين
الذين هم في سن العمل. . الخ ، وهذا يحدث في بلد تشكل النفقات العسكرية
فيه نسبة تفوق مجمل ما تنفقه جميع بلدان العالم، أي 191 دولة، في ميدان
النفقات العسكرية، وإن هذا ليذكر بنهاية الإمبراطورية الرومانية القديمة، التي
تداعت تحت وطأة ثقل جيوشها الجرارة ونفقاتها الباهظة المخيفة، ونتيجة
تحوّلها إلى عبء عالمي لا يطاق، فكان انهيارها وانهيار نظامها العالمي
العبودي بكامله !