السياسات الحكومية بحق الكرد في كركوك خلال العهد الملكي ( 1921-1958)

2002                                                               الدكتور جبار قادر

 

المقدمة

تهدف هذه الورقة الى إلقاء الأضواء على السياسات الحكومية بحق الكرد في كركوك خلال العهد الملكي و تشخيص الدوافع السياسية و الأقتصادية و الأستراتيجية لتلك السياسات و ابعادها .

 وينطلق معد هذه الورقة في توضيحه لتلك السياسات ودوافعها و ابعادها من إفتراضات تأتي في مقدمتها مايلي :

أولا :انتهجت الحكومات العراقية المتعاقبة ضمن سياساتها العامة إزاء الشعب الكردي في العراق ،والتي تراوحت بين  إنكار الكرد كشعب و كوردستان كوطن قومي لهذا الشعب  و عدم الأعتراف بحقوقه القومية المشروعة ، و قمع حركاته السياسية والمسلحة التي كانت تهدف اساسا الى تحقيق المساواة بين جميع السكان بغض النظر عن انتمائهم القومي و الديني و الطائفي و العدالة في توزيع ثروات البلاد بعيدا عن سياسة النهب و التسلط و إفقار الكرد و تهميشهم في الحياة السياسية و الأقتصادية و الثقافية للبلاد ، انتهجت  سياسة جد خاصة في كركوك اتخذت صيغا مختلفة خلال العقود الثمانية الماضية لتصل الى مرحلة التطهير العرقي على يد الحكومة الحالية .

ثانيا : ورثت الدولة العراقية النهج العام لهذه السياسة من سلطات الأحتلال العثماني التي ادركت منذ وقت مبكر اهمية كركوك و القصبات التابعة لها لوقوعها على الطريق التجاري و الأستراتيجي الذي يربط موانئ البحرين المتوسط و الأسود مع الحدود الأيرانية و ولايتي بغداد و البصرة و ماوالاها . ولم تكن الدولة العثمانية وحيدة في هذا المجال بل ان جميع القوى و الأمبراطوريات التي تعاقبت على احتلال المنطقة منذ العصور القديمة ادركت أهمية هذه المنطقة و حاولت ايجاد مواطئ قدم لها لحماية هذا الطريق . ولكن هذه القوى لم تنجح كما  نجحت كل من الدولتين العثمانية و الصفوية في مهمة اسكان أتباعها و فئات من رعاياها في المدن والقصبات الرئيسية الواقعة على هذا الطريق . يضاف الى ذلك ان الدولة العثمانية في العقود الأخيرة من عمرها انتهجت الى جانب ايجاد مستوطنات لأتباعها في المنطقة سياسة تتريك جزء من السكان المحليين الذين شكلوا الأداة التي اعتمدت عليها الدولة في تنفيذ سياساتها في هذا الجزء من كوردستان .

ثالثا : بذلت سلطات الأحتلال البريطاني من أجل تنفيذ سياساتها الأستعمارية في العراق و كوردستان جهودا كبيرة لأقتطاع هذا الجزء المهم من المنطقة الكردية من الوطن الأم وربطه بالدولة العراقية وقام مستشاروها  السياسيين و العسكريين و  الأقتصاديين اصحاب السلطة العليا في العراق في العهد الملكي بادخال تحويرات جوهرية على تلك السياسات مستفيدين من تجاربهم الغنية في شبه القارة الهندية وبخاصة بعد ان ادركوا حجم بحيرة النفط  التي تعوم عليها كركوك. يضاف الى كل ذلك ان التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها روسيا و تركيا في سني الحرب العالمية الأولى الأخيرة و بعيدها ، اجبرت مخططي السياسات الأستعمارية البريطانية في الشرق الأدنى على اعادة النظر في مجمل استراتيجيتهم  في هذه المنطقة بما فيها سياساتهم الكردية.

رابعا : لتداخل السياسات الحكومية ازاء الكرد مع سياساتها الخاصة بكركوك و التي تشكل اهم عناصر المشكلة الكردية في العراق و احد العراقيل الأساسية امام ايجاد حل سلمي لها ، لا يمكن دراستها و القاء الأضواء عليها بمعزل عن العناصر الأخرى ، لذلك وجب التطرق الى بعض المسائل الأخرى التي قد تبدو للوهلة الأولى خارج نطاق هذه الورقة .

 يعتقد معد هذه الورقة بأنه بدون إلقاء الأضواء على جذور تلك السياسات و تحليل ابعادها و دوافعها السياسية و الأستراتجية و الأقتصادية يصعب علينا فهم السياسات الحكومية اللاحقة في كركوك بما فيها سياسة الحكومة الحالية ، كما لن يكون بالإمكان وضع نهاية لمعضلة كركوك في المستقبل أيضا ، و التي تشكل برأيي برميل بارود قابل للأنفجار دوما . و هنا  بالذات تكمن الأهمية العلمية و السياسية لموضوع ورقتنا هذه.

كركوك عشية تشكيل المملكة العراقية :

 كانت كركوك و منذ منتصف القرن السادس عشر و حتى نهاية الحرب العالمية الأولى تدخل ضمن ممتلكات الدولة العثمانية. وكان عهد السيطرة العثمانية على كوردستان و العراق فترة مظلمة و عهدا للتدهور الأقتصادي و القهر القومي و المذهبي و التراجع الثقافي . وكان التنظيم الأداري العثماني يقوم على اساس الأيالات ( الولايات ) والتي كانت تقسم الى سناجق (ألوية) .فبعد الأحتلال العثماني مباشرة قسمت الأراضي التي تعرف اليوم بالعراق الى اربع ايالات هي : بغداد ، الموصل ، البصرة و شهرزور . وكانت ايالة شهرزور و التي كانت كركوك مركزا لها قد عاشت فترة مضطربة من تاريخها و تحولت الى ساحة كبرى للصراع العثماني - الأيراني . وضمت الايالة في القرن السادس عشر 16 سنجقا ارتفع عددها في منتصف القرن التالي الى 32 سنجقا ، و التي كان اكثرها عبارة عن قلاع على رؤوس الجبال و عند المضايق الجبلية المهمة و قد اندثر معظمها بفعل الحروب المستمرة بين العثمانيين و الأيرانيين أو بين الأمراء الكرد انفسهم. ومن بين اشهر سناجق ولاية شهرزور كركوك و اربيل و حرير و كوي و شمامك و سهل مخمور و شهرزور و شهربازار ، ومركة و شميران و قرداغ و قزلجة و جبل حمرين و غيرها(1).

من الضروري ان نشير هنا الى ان حدود الأيالات العثمانية لم تكن ثابتة بل انها كانت عرضة للتغيير المستمر سواء بسبب التغييرات الأدارية التي كانت تقوم بإجرائها الدولة العثمانية نفسها او نتيجة للحروب و الصراعات المستمرة بينها و بين إيران و التي كانت ايالة شهرزور من بين اهم ساحاتها . و تعرض التنظيم الأداري العثماني الى تغييرات كثيرة الى ان استقرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر فقد اصبحت ولاية الموصل المشكلة عام 1879 تضم ثلاثة سناجق وهي : سنجق المركز الموصل و تتبعه اقضية دهوك ، زاخو ، زيبار ، سنجار ، عقرة وسنجق شهرزور كركوك و تتبعه اقضية اربيل ، رانية ،رزاندوز ، كويسنجق ، صلاحية ( كفري). اما سنجق السليمانية فقد ضمت اقضية بازيان ، شهربازار ، قرداغ ، طلعنبر و مرطة (2) .

 وكان سنجق شهرزور من اكبر سناجق ولاية الموصل من حيث عدد النواحي و القرى التابعة له ،اذ ضم 6 اقضية و 17 ناحية و 1712 قرية ، بينما ضم سنجق الموصل 6 اقضية و 15 ناحية و 1598 قرية و سنجق السليمانية 5 اقضية و 11 ناحية و 1082 قرية (3)  .

وكانت السلطات العثمانية وكما كان شأنها دوما و في جميع المناطق الخاضعة لسيطرتها تنهب موارد هذا السنجق دون ان تقدم من الخدمات  ما يتناسب مع وارداته . فقد بلغت ايرادات سنجق كركوك عام 1888 مثلا سبع ملايين ونصف المليون قرش . وكانت هذه الموارد تأتي من ضرائب العقار ، الأملاك ، الأغنام ، البدل العسكري ، ضرائب الدخل ، الأعشار ، الغابات ، الطابو و رسوم المحاكم .وكانت ضريبتا الأعشار و الأغنام تأتي في المقدمة اذ بلغت حوالي اربعة ملايين ونصف المليون قرش . اما الأموال التي خصصتها السلطات العثمانية للصرف على شؤون السنجق فلم تتجاوز 3 ملايين قرش ، صرف اكثر من نصفها على الجندرمة و البوليس و الضبطية . خصص نصف مليون قرش آخر على المحاكم و رواتب الموظفين في حين لم تكن هناك اية تخصيصات لشؤون التعليم و بناء الطرق و الجسور و تقديم الخدمات الصحية و غيرها من الخدمات التي كان يفتقر اليها اللواء و اقضيته و نواحيه (4) .

 وكانت اوضاع التعليم في حالة مزرية جدا في ولاية الموصل التي كانت فيها في  نفس العام ( اي عام 1888 ) سبع مدارس فقط  موزعة بمعدل مدرسة واحدة على الموصل ، كركوك ، اربيل ، صلاحية ( كفري ) ،عقرة ، رواندوز و السليمانية وكان يتلقى فيها التعليم  318 تلميذا فقط (5) .

وهكذا لم تخلف السيطرة العثمانية على هذه البلاد غير الخراب و التخلف و الفقر و التي شكلت عوائق كبيرة امام اي تطور حقيقي . و الأنكى من ذلك كله ان هذه المنطقة شأنها شأن العديد من مناطق الشرق الأخرى اصبحت في أواخر العهد العثماني هدفا للتوسع الأستعماري الأوربي . وكان هناك تنافس شديد بين الأنجليز و الفرنسيين و الألمان و الروس على السيطرة على الشرقين الأوسط  و الأدنى . وكانت كوردستان كمنطقة غنية و مهمة من الناحية الأستراتيجية تحتل موقعا مهما في هذا التنافس . فقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى بوقت طويل كانت كل من بريطانيا و فرنسا و ألمانيا و روسيا تعمل ما في وسعها لتثبيت مواطئ قدم لها في هذه البلاد و السيطرة على ثرواتها و ربط سوقها بأسواق تلك الدول وكان النفط عاملا مهما في هذا التنافس . فقد بدأ العديد من الجيولوجيين الغربيين و قبل ان ينتهي القرن التاسع يتحدثون عن بحيرات النفط الغير مستخرجة في بابا طورطور ، حتى ان Morgan  الفرنسي تمكن من تحديد حجم حوض نفط كركوك و حتى خانقين و جبل كويخا في قصر شيرين و الذي حدده ب 300 كم تقريبا (6) .

وكانت محاولات الشركات البريطانية للأستحواذ على المناطق النفطية في كوردستان الجنوبية ( كوردستان العراق فيما بعد ) سببا رئيسيا دفع بالحكومة البريطانية على احتلال ولاية الموصل. وعبر ونستون ضرضل في تصريحه الشهير عام 1913 عن هذه التوجهات عندما أعلن دون مواربة بأنه ((  يجب ان نقف عند منابع النفط كأصحاب او مسيطرين على الأقل على جزء من النفط الذي نحن بحاجة اليه ))(7) .

وكانت اتفاقية سايكس - بيكو التي عقدت في مايس 1916 محاولة لتسوية المشاكل المتعلقة بتقسيم ممتلكات الدولة العثمانية بين القوى الكبرى الرئيسية . وبموجب هذه الأتفاقية كانت ميسوبوتاميا الجنوبية مع بغداد منطقة سيطرة بريطانية ، بينما اعتبرت المناطق الداخلية منطقة نفوذ بريطانية ، في حين اعتبرت ولاية الموصل منطقة نفوذ و ليس منطقة سيطرة فرنسية و قد اجبرت بريطانيا فرنسا على التخلي عن المطالبة بالموصل في مؤتمر سان ريمو عام 1920 مع تعويضها ب 25 % من اسهم شركة النفط التركية . وكانت فرنسا قد وعدت بالسيطرة على الجزء الأكبر من كوردستان العراق و كوردستان سوريا و الجزء الجنوبي الشرقي من كوردستان تركيا مع ارمينيا الغربية . بينما دخلت مناطق من كوردستان العراق الى الجنوب من كركوك و جبل حمرين و الجزء الجنوبي الغربي من كوردستان ايران ضمن مناطق النفوذ البريطانية ، و تركت الأجزاء الباقية من كوردستان الشمالية و الغربية الى روسيا . جرى تطبيق الأتفاقية فيما بعد وفق سيناريوهات اخرى بعد قيام الثورة البلشفية في روسيا و سيطرة بريطانيا على ولاية الموصل و ظهور الحركة الكمالية في تركيا .

بدأ الأنجليز نشاطا محموما للسيطرة على كوردستان في العام الأخير من الحرب العالمية الأولى. فقد تقدمت القوات البريطانية باتجاه كركوك و تمكنت في 28 نيسان 1918 من احتلال كفري و في اليوم التالي إحتلت طوزخورماتو  و دخلت كركوك في 7 مايس ( ولكنها إضطرت الى الأنسحاب منها بعد 24 ساعة لتعود اليها القوات التركية و لكن  الأنجليز عادوا اليها واحتلوها قبل عقد هدنة مودروس بخمسة ايام اي 25 تشرين الأول 1918 وطاردوا القوات التركية حتى آلتون كوبري ) . وكان الأنجليز قد ارسلوا منذ احتلال كفري الرسائل الى الزعامات الكردية في كركوك و السليمانية  .

ومنذ أن وطأت أقدامهم المنطقة الكردية بدأ الأنجليز ينتهجون سياسة تقطيع أوصال كوردستان . فقد كانت كوردستان الجنوبية برأي أحد أهم أعمدة الأستعمار البريطاني في العراق  ادموندز  ، تضم الموصل و كركوك و السليمانية . و كانت أربيل و كويسنجق و رواندوز اقضية منفصلة تابعة الى كركوك و قد فصلت عام 1918 من كركوك ليؤلف منها لواء رابع مستقل باسم لواء اربيل ، أما خانقين و مندلي المجاوران اللذان كانا من اعمال ولاية بغداد و أغلبية سكانهما من الأكراد فقد ضمتا الى لواء ديالى الذي تم تشكيله في نفس العام أيضا (8)   .

ضمت المملكة العراقية منذ تأسيسها 14 لواء كان من بينها لواء كركوك الذي ضم اربعة اقضية و 15 ناحية واستمر هذا التقسيم طيلة العقود الخمسة التالية دون تغيير جوهري ، لكن العقدين السابع و الثامن شهدا اوسع عمليات التغيير في تشكيلات العراق الأدارية وطالت تلك التغييرات محافظة كركوك اكثر من اية محافظة عراقية اخرى ، فالى جانب تغيير اسمها الجغرافي ، فقد تم تمزيق اوصالها و تجزئة وحداتها الأدارية و توزيعها علىالمحافظات المجاورة .

وكانت التعليمات الصادرة الى اول ضابط سياسي بريطاني جرى تعيينه في كركوك  خريف عام 1918 الميجر نوئيل تقضي بما يلي (( لقد تم تعيينك بمنصب الضابط السياسي في لواء كركوك اعتبارا من الأول من تشرين الأول. يمتد اللواء من الزاب الأسفل الى ديالى و الى الحدود الأيرانية . و انها تشكل جزءا من ولاية الموصل التي سيتقرر مصيرها النهائي من قبل حكومة صاحب الجلالة . و في الوقت الحاضر يجب اعتبارها تقع ضمن منطقة الأحتلال العسكري و الأداري . وعليك ان تباشر مهامك انطلاقا من هذا الأفتراض …… وعليك ان تشرح للزعماء المحليين الذين ستدخل معهم في اتصالات بانه لا نية هناك لفرض ادارة اجنبية تخالف عاداتهم و رغباتهم و تشجيعهم لتشكيل اتحاد للنظر في تسوية قضاياهم العامة بارشاد الضباط السياسيين البريطانيين )) ( 9) 

 تسببت الأعمال الحربية و تعبئة الناس و زجهم في فرق عمل السخرة و فرض الأتاوات و الضرائب عليهم و سرقتهم في تدهور الوضع الأقتصادي و تردي احوال الزراعة و تربية المواشي و الحرف اليدوية .كما أن الصناعات المحلية كانت تعاني من تراجع كبير و انقطعت سبل الأتصال و طرق التجارة التقليدية بفعل العمليات العسكرية. رافق ذلك كله الحصار و صعوبات النقل و نقص توريد السلع و المنتجات الصناعية و المواد الأولية للمصانع المحلية و التي تسببت بدورها في الأرتفاع الحثيث للأسعار على السلع الغذائية و الصناعية فضلا عن المجاعة و الأوبئة التي كانت تفتك بالالاف من ابناء البلاد . ادى ذلك كله الى اثارة حنق السكان على الأنجليز ، اذا اضفنا الى ذلك كله الدعاية التركية في كركوك و ولاية الموصل عموما يمكن ان ندرك حقيقة مشاعر و مواقف الناس تجاه السادة  الجدد . وبصورة عامة كان موقف سكان كركوك من الأحتلال موقفا معاديا و شارك سكان كركوك في الحركات المعادية للأنجليز ، فقد جرى عشية ثورة العشرين تنظيم تجمع جماهيري كبير في كركوك للتنديد بالسياسات البريطانية كما قام كرد كركوك اثناء ثورة العشرين بقطع خط سكة الحديد(10).   

قرر الأنجليز منذ البداية الأحتفاظ بكركوك مهما كانت نتائج سياساتهم في السليمانية و الألوية الكردية الأخرى. اذ لا نجد اشارات واضحة الى مستقبل كركوك في مجمل المشاريع الأنجليزية الخاصة بالمشكلة الكردية في العراق و كان تنامي الحركة القومية الكردية وراء اجبار السلطات البريطانية على التفكير في ايجاد حل لها يكون في صالح البريطانيين و الحكومة العراقية . ولكن مثل هذه الحلول كانت مرفوضة من قبل الكرد لأنها لم تكن تتجاوب مع أبسط مطاليبهم القومية ، فقد كان الأنجليز يخططون لأقتطاع كركوك من الكيان الكردي الذي كان يجري النقاش حول قيامه ، فقد اوصى المندوب السامي البريطاني باتخاذ نهر الزاب الأسفل حدودا شمالية لدولة العراق المزمع تشكيلها لغنى المناطق الواقعة الى الجنوب منها بالنفط و التبغ و القمح و الفحم و غيرها (11 ).  وفي الأجتماع الذي عقد في وزارة الخارجية و الذي نوقش خلاله المشكلة الكردية اقترح وزير شؤون الهند ئي ، سي ، مونتيجيو بان تكون الحدود بين كوردستان الجنوبية و ميزوبوتاميا الى الشمال من الخط الممتد من خانقين الى كفري - كركوك - التون كوبري - اربيل - زاخو - فيشخابور . وكانت خطته تقضي بضم هذه المدن كلها الى ميزوبوتاميا باستثناء اربيل و التي ترك امر تقرير مصيرها الى حين عرضه على الوجهاء و الزعماء المحليين( 12).  

و للسيطرة على مقدرات البلاد حاول البريطانيون اثارة العداء بين المكونات الأثنية في كركوك و غيرها و خلفوا حتى بعد خروجهم من العراق ركاما من اسباب التوتر و العداء بين الناس. لعل حادثة 4 مايس عام 1924 في كركوك تشكل نموذجا صارخا لمحاولات زرع بذور الشقاق بين ابناء كركوك الذين وصفهم ادموندز بنفسه بانهم كانوا يتصفون بالتسامح . فقد جرت في 4 مايس 1924 اضطرابات في السوق عندما هاجمت قوات الليفي الآثورية المدعومة من السلطات البريطانية التجار وبدأت باطلاق النار على المدنيين . وكان الموقف البريطاني سببا في تمادي قوات الليفي في غيها فقد منعت تلك السلطات تدخل الشرطة لوقف الأضطرابات و قتل بسبب هذا الحادث 50 شخصا و جرح 200 شخص . و أثار هذا الحادث حنق القبائل الكردية التي تهيأت لمهاجمة المدينة و الثأر للمقتولين ، كما ان الشيخ محمود اراد تحرير المدينة و معاقبة المجرمين ( 13). عرفت الحادثة عند اهل كركوك بحرب الأرمن لعدم التمييز بين الآثوريين و الأرمن ، فقد احتج السكان على تصرفات المحتلين الأنجليز و قوات الليفي الآثورية تجاه السكان . حاول بعض افراد الليفي عشية عيد الأضحى الدخول عنوة الى حمام النساء المعروف ب ( جوت حمام ) ، عند ذلك ثارت ثائرة السكان و ردت عليهم قوات الليفي باطلاق النار . اورد ادموندز صورة مشوهة للحادث حينما حاول تصوير الأمر و كأنه خلاف بين افراد الليفي و بعض اصحاب المحلات على سعر بعض السلع ليتوسع الخلاف و يتخذ ابعاد خطيرة ادت الى مقتل هذا العدد الكبير من الناس ، وليقوم المسلمون في اليوم التالي بمهاجمة و نهب بيوت و ممتلكات المسيحيين و كنائسهم . و هناك أدلة و شواهد كثيرة على قيام سلطات الأحتلال البريطانية و المستشاريين السياسيين و العسكريين الأنجليز و شركة نفط العراق بخلق و تعميق النعرات و الحزازات بين المكونات الأثنية المختلفة في كركوك. وكانت هذه الأعمال موجهة بالأساس ضد الكرد لأنهم كانوا يشكلون الخطر الأكبر على المصالح البريطانية في هذه المنطقة الغنية بالنفط ، خاصة و أن الحركة الكردية كانت تطالب آنذاك بإقامة الدولة الكردية المستقلة . و الأنكى من ذلك ان الحكومات العراقية المتعاقبة في العهدين الملكي و الجمهوري لم تدرك مخاطر هذه السياسة على مستقبل العراق بل تمسكت بها و نفذتها بصورة ابشع و نجمت عنها احداث مأساوية اتخذت احيانا ابعادا خطيرة لعل اكثرها دموية و مثارا للجدل كانت احداث تموز 1959 التي لا يدخل امر الدخول في تفاصيلها في نطاق هذه الورقة. 

رغم ذلك كانت الدوائر البريطانية مجبرة أن تتدارس خلال الفترة التي اعقبت احتلالهم لكوردستان الجنوبية فكرة التخلي عن المناطق الكردية الجبلية و التمسك بالمناطق السهلية و بخاصة كركوك بعد ان واجهت سلطات الأحتلال البريطانية العديد من الأنتفاضات الكردية في مختلف مناطق كوردستان ، حتى ان هذا التوجه ساد مؤتمر القاهرة الذي أكد على ضرورة ربط كركوك و الموصل بالعراق و التخلي عن المناطق الأخرى من كوردستان العراق بسبب المقاومة الكردية للأحتلال البريطاني و التي شكلت عبئا كبيرا على كاهل الخزينة البريطانية.  و جرت المطالبة بالأنسحاب من المناطق الكردية في بريطانيا نفسها بسبب التكاليف الباهضة لقمع و مواجهة الحركات الكردية المستمرة . وهكذا نرى بأن كركوك خضعت بعد الأحتلال البريطاني لنظام عسكري صارم و لأدارة خاصة بالأراضي المعادية المحتلة و لحكام عسكريين ( الضباط السياسيين) الذين خضعوا بدورهم للمندوب السامي البريطاني و الذي تجمعت الصلاحيات كلها في يده (14) .

وأشار ادموندز مستشار وزارة الداخلية العراقي الى المحاولات الكبيرة التي بذلتها بريطانيا لأبقاء سيطرتها على ولاية الموصل بما فيها كركوك و ربط الولاية بالعراق ، فقد أكد بأنه (( وليس من شك ساور احدنا في اننا الان نخوض معركة حياة او موت بالنسبة للعراق ذلك ليقيننا ان البصرة و بغداد دون الموصل لا يمكن ان يبنى منها دولة معقولة لأسباب أقتصادية و استراتيجية )) ورغم محاولات أدموندز لأخفاء الأطماع البريطانية في نفط  كركوك و الموصل ، الا أنه كان مجبرا على الأشارة الى أن الصحافة العالمية صورت المعركة على انها معركة على النفط . و قد أجمل الملك فيصل أهمية ولاية الموصل في عبارة بليغة وردت في مذكرته الى لجنة عصبة الأمم الخاصة بمشكلة الموصل والتي قال فيها (( لذلك اعتبر الموصل للعراق بمنزلة الرأس لسائر الجسد . واعتقادي الراسخ هو وان كان الموضوع تعيين الحدود بين العراق و تركيا الا انه في الحقيقة موضوع كيان العراق ككل و لذلك فان سعادة و شقاء اربعة ملايين من البشر هي الان بين يدي لجنتكم العالية )). وتطابقت المصالح العراقية و البريطانية الى حد كبير فيما يخص مصير ولاية الموصل ، وقد أشار أدموندز الى ذلك بوضوح عندما كتب يقول (( وكان هناك اعتبار اخر كان يدفعنا نحن ضباط الأقسام البريطانيين الصغار الذين كنا في موضع افضل لنرى ان لافرق بين المصالح العراقية النهائية و بين مصالح بلادنا المباشرة (15).

وكانت هذه المنطقة تعاني من تكالب قوى عديدة تحاول السيطرة عليها و نهبها ،فقد كان الكماليون يطالبون  بدرورهم بها ، ومما يؤكد الأهمية القصوى لهذه المسألة بالنسبة للكماليين ان  مصطفى كمال اكد في اول زيارة له الى انقرة في31 ديسمبر 1919 على ان ((حدود تركيا تضم كل الأراضي التي كانت تقع فعليا تحت سيطرة قواتنا يوم عقد الهدنة و تبدأ من النقطة الساحلية جنوب خليج الأسكندرونة وتمر بعد ذلك عبر انطاكية و من ثم عبر حلب وعبر محطة سكة الحديد في قطمة و تصل الى ضفة نهر الفرات الى الجنوب من جرابلس . ومن هنا تسير باتجاه الجنوب الى دير الزور و يتجه بعد ذلك نحو الشرق ضامة الى اراضينا الموصل ، كركوك و السليمانية . هذه الحدود  لم تحمى عمليا من قبل قواتنا المسلحة فحسب ، بل انها تضم مناطق من اراضينا التي يسكنها الترك و الكرد. والى الجنوب من هذا الخط يسكن اخوتنا في الدين الذين يتحدثون العربية . نحن نعتبر جميع اجزاء ارضنا الواقعة ضمن هذه الحدود كلا واحدا لايمكن اقتطاع و فصل اي جزء منه )) (16).

وكانت سلطات الأحتلال البريطانية وبموازاة قمعها للحركة القومية الكردية بقوة الحديد و النار تعمل بصورة لا تكل على ربط كركوك ربطا محكما بالعراق ، فقد طرح المندوب السامي البريطاني في نوفمبر 1918 فكرة مد سكة حديد كفري - كركوك - التون كوبري - اربيل - رانية - السليمانية بحجة تطوير هذه المناطق الغنية بالأنتاج الزراعي ، ولكن الهدف الرئيسي للمشروع كان يكمن في تحقيق السيطرة البريطانية على كوردستان لذلك وافقت وزارة الحربية البريطانية على المشروع دون اية شروط . جرى تنفيذ مشروع  سكة حديد بغداد - بعقوبة - كنكربان - كركوك - اربيل بحلول عام 1925 كأفضل و سيلة لربط كركوك و كوردستان الجنوبية عموما ببغداد على حد تعبير ويلسن (17) .

صوت سكان كركوك ضد تنصيب الأمير فيصل ملكا على العراق بسبب السياسات الأنجليزية المعادية للكرد و الدعاية التركية ضد الحاق الموصل بالعراق و لم يحضر اي مندوب من كركوك حفل تنصيب الملك في 23 آب 1921 كما كان شأن السليمانية.ولكن ذلك كله لم يؤثر في مسار الأحداث وفق السيناريو الذي اعده الأنجليز فقد كتبت  المس بيل تقول (( عشنا اسبوعا صعبا و لكننا نملك الآن ملكنا المتوج  )) (18 ) .

سياسات سلطات لأنتداب البريطاني و الحكومة العراقية في كركوك

و شهدت كركوك حركة دائبة لزيارات المسؤولين البريطانيين و الحكومة العراقية خلال فترة مشكلة الموصل الى ان زارها الملك بنفسه في 20 كانون الأول 1924 بهدف حث ابناء المنطقة على المطالبة بالأنضمام الى الدولة العراقية الجديدة و اتخذت الزيارة المذكورة مناسبة لرفع العلم العراقي على مباني الدوائر الرسمية في اللواء ، أي قبل قرار الحاق الموصل وكركوك رسميا بالعراق من قبل عصبة الأمم بعام كامل  . كانت الأدارة في اللواء بيد الضباط السياسيين البريطانيين ، يعاونهم في ذلك الموظفون المحليون الذين كان معظمهم من التركمان السنة (19 ) .

كانت السلطات البريطانية و الحكومة العراقية السائرة في ركبها خلال الصراع على عائدية ولاية الموصل تحاول استمالة الكرد الى جانبها لكسب الصراع و رد الأطماع التركية التي بدأت تفقد مواقعها الواحدة تلو الأخرى بسبب سياساتها الشوفينية ضد مواطنيها الكرد . فقد نشر الجانبان التصريح المشترك الذي اكد على ان ( حكومة صاحب الجلالة البريطانية و حكومة العراق تعترفان بحقوق الكرد القاطنين ضمن حدود العراق لتأسيس حكومة كردية في المناطق التي يؤلف الكرد فيها الأكثرية المطلقة و ترجو من العناصر الكردية المختلفة ان تصل فيما بينها باسرع مايمكن الى اتفاق من شأنه تعيين شكل الحكومة التي يرغبون فيها و حدودها و ان يبعثوا بممثلين رسميين الى بغداد للمداولة بشأن علاقاتهم السياسية و الأقتصادية مع حكومتي بريطانيا و العراق ) (20 ) . هذا فضلا عن تصريحات كبار المسؤولين في العهد الملكي و التي كانت تطلق خلال الصراع على الموصل او عشية حصول العراق على الأستقلال الشكلي و دخول عصبة الأمم و التي كانت تتحول الى فقاعات سرعان مايطويها النسيان بل و انتهاج سياسة مغايرة لروح و مضمون تلك التصريحات.

بدءا حاول الأنجليز و من بعدهم الحكومات العراقية تهميش الكرد في الحياة السياسية و الأدارية و الأقتصادية في كركوك المدينة و اللواء . فقد سمح الأنجليز الذين احتلوا المدينة و القصبات التابعة لها فقط من دون الممتلكات الأخرى للأمبراطورية العثمانية المهزومة لموظفي الدولة المدحورة في الحرب و لجنودها و عوائلهم بالبقاء و الأستقرار في كركوك و القصبات التابعة لها . و الأنكى من ذلك ان سلطات الأحتلال الجديدة استعانت بنفس الموظفين في تصريف الشؤون الأدارية و التعليمية و غيرها في المدينة . ولم يكن هذا حبا برجالات الدولة السابقة بقدر ماكانت محاولة لمنع الكرد من لعب دور كبير في مقدرات كركوك وبخاصة بعد ادراك اهميتها الأقتصادية و الأستراتيجية بالنسبة للمصالح الحيوية البريطانية التي توافقت الى حد كبير مع المحاولات الرامية الى اقامة الدولة العراقية ضمن حدودها المعروفة اليوم . وكان الدافع الرئيسي لذلك هو ان الحركة الكردية كانت ترفع انذاك شعار اقامة الكيان القومي الكردي المستقل ضمن حدودها الجغرافية و التاريخية المعروفة لدى الأنجليز قبل غيرهم . واثبتت تجربة السنوات القليلة التي اعقبت الحرب العالمية الأولى بصورة لا تقبل التأويل ان الدولة الكردية المستقلة المنوي تشكيلها لن تكون صديقة و حليفة للأنجليز بسبب سياساتهم و اجراءاتهم القمعية بحق الكرد و محاربتهم لتطلعات الأخيرين القومية في مختلف ارجاء كوردستان (21).

من المظاهر الأساسية لتهميش الكرد في كركوك هو اسناد الوظائف الرئيسية لغير الكرد رغم انهم كانوا يشكلون وحسب جميع المعطيات الأحصائية اكثر من نصف سكان المدينة و اكثر من ثلاثة ارباع سكان اللواء فقد تسنم منصب متصرف اللواء خلال فترة 37 عاما تناولتها هذه الورقة خمس متصرفين كرد لم يتجاوز مجموع سنوات حكمهم سبع سنوات وهم فتاح باشا الكردي  1922-1924 و تحسين العسكري 1930-1931 و سعيد قزاز 1948-1949  و الشيخ مصطفى القره داغي 1950-1952 ورشيد نجيب 1952 - 1953  ، بينما اسند منصب رئيس البلدية في اكثر الأحوال الى الكرد من ابناء العائلة الطالبانية كمحمد حبيب الطالباني ( 1934 - 1949 ) و فاضل الطالباني في الخمسينات لحين اقالته بعد ثورة 14 تموز 1958  ، في حين تشير المصادر الى قائد واحد للفرقة الثانية من بين الكرد و هو الفريق امين زكي سليمان خلال عام 1936  ومدير شرطة كركوك لعام واحد و هو على كمال خلال عام 1934 ، بينما كان ثلثي ممثلي لواء كركوك في المجلس النيابي العراقي طوال العهد الملكي من الكرد و الثلث الباقي من النواب كانوا من التركمان و العرب . و كان التمثيل النيابي يعبر الى حد ما عن تناسب التكوين القومي لسكان اللواء على حد تعبير الدكتور نوري طالباني رغم عدم أتفاق هذا الرأي مع ماذكره محمد أمين زكي في مذكرته الى الملك فيصل(22) .

وقد أشار المؤرخ و الوزير الكردي محمد امين زكي في مذكرته المشهورة الى الملك فيصل الأول في 20 كانون الأول 1930 الى مسألة تهميش الكرد في الأدارة في العراق و كوردستان و بخاصة في كركوك و الى تنصل الحكومة العراقية عن التزاماتها بموجب قرار عصبة الأمم و الذي وافقت عليه مع حليفتها بريطانيا العظمى و عن تعهدات رئيس الوزراء في مجلس الأمة في 22 كانون الثاني 1926 و التي قدم وزير المستعمرات ملخصا له في 3 أيلول من نفس العام الى عصبة الأمم ، فقد ذكر رئيس الوزراء العراقي في كلمته مانصه (( يجب اعطاء الكرد حقوقهم و تعيين الموظفين من بينهم و ان تكون لغتهم رسمية و يتعلم اطفالهم في المدارس بها )) (23 ).

وتكتسب المعلومات الواردة في هذه المذكرة أهمية كبيرة لأن مرسلها تسنم وزارات الداخلية و المعارف و الأقتصاد و الدفاع و العمل لأحدى عشر مرة خلال الفترة 1925 - 1942 واستقى معلوماته من السجلات والوثائق الحكومية الرسمية و عرف بالنزاهة و التسامح و الموضوعية و كان يخاطب بها الملك و ليس غيره .

ويشير محمد أمين زكي الى عدم تطبيق اية مادة من تلك التعهدات رغم مرور خمس سنوات على اطلاقها ، فقد اظهرت الأرقام بصورة جلية بان عدد الموظفين الكرد في العديد من الوزارات الرئيسية لم يشهد سوى زيادة بسيطة جدا بينما تناقص عددهم في اكثرية الوزارات الأخرى  ، هذا في الوقت الذي ارتفع عدد الموظفين من غير الكرد بنسبة مائة في المئة . وكان ذلك يتناقض كليا مع بيانات وزير المستعمرات البريطاني . ويرد بأدلة قاطعة على خطل التبريرات التي اوردتها الحكومة العراقية و حليفتها و التي كانت تشير الى عدم وجود اشخاص مناسبين و راغبين من بين الكرد لتسنم الوظائف الحكومة في الوزارات و  في الألوية الكردية ، فقد اشار الى ان الموظفين الكرد كانوا يشغلون في العهد العثماني جزءا مهما من الوظائف المدنية و العسكرية في الولايات الثلاث التي شكلت منها العراق فيما بعد . واكد بأن العدد الأكبر من هؤلاء بقوا في المناطق التي الحقت بالعراق و لازالوا موجودين و مستعدين لتولي الوظائف الحكومية لذلك لا يمكن للحكومة الأدعاء بانها لاتجد من بين الكرد اناسا يمتلكون الرغبة و القابلية المطلوبتين لتسنم تلك الوظائف . و كان بنفسه شاهدا على العديد من الحالات لموظفين كبار في الأدارة العثمانية السابقة راجعوا الوزارات المختلفة و ارتضوا بوظائف ادنى من وظائفهم السابقة الا ان مراجعاتهم لم يجري ترويجها ، في حين تسنم زملائهم من غير الكرد اكبر المناصب و جلسوا على كراسي الوزارات (24) .

وعن تهميش الكرد و عدم مراعاة العدالة و المساواة بين اقوام العراق في مسألة التوظيف و بخاصة في كركوك كتب محمد امين زكي في مذكرته المشار اليها مايلي (( و قبل انهي جوابي على السؤال الأول اود ان اضيف نقطة اخرى وهي ان الحكومة لا تراعي العدالة و المساواة بين اقوام العراق في مسألة التوظيف . فاذا دققنا في الوثائق الرسمية نرى بان نسبة الموظفين الكرد في لواء كركوك هي 24,5 % و التركمان 56,5% و العرب و العناصر الأخرى 19% في حين و حسب الأحصاء الكيفي الذي قامت به متصرفية لواء كركوك بنفسها فان نسبة السكان هي كالآتي الكرد 51% التركمان 21,5% و العرب 20% و الأقوام الأخرى 7,5%  .و من هنا وكما يبدو لي فان الحكومة و لبعض الأسباب - غير المعروفة لدي و لا اعتقد بصحتها - تساعد التركمان و تلحق الأضرار بالكرد و العرب . وهذا يثير بدون شك انزعاج الكرد و الشبهات لديهم ازاء عدالة الحكومة التي من واجبها ان تنظر بنفس العين الى كل عناصر العراق )) (25). )) . اي ان 76% من الموظفين في كركوك هم من غير الكرد في حين ان العدالة و المساواة في مسألة التوظيف برأيه كانت تقضي ان تكون النسبة حسب عدد السكان 51 % للكرد و 49 % لغير الكرد.

ومن الضروري ان نشير هنا الى عامل مهم ساهم الى حد ما في تهميش الكرد في إدارة الدولة العراقية وهو ان لغة الأدارة و التعليم في العهد العثماني كانت اللغة التركية و مع تشكيل الدولة العراقية حلت اللغة العربية محل التركية و التي كان معظم الموظفين المدنيين و العسكريين يجهلونها ، لذلك وجدوا انفسهم فجأة مفتقرين الى عنصر مهم من عناصر تسنم المناصب الحكومية . واستعان العديد من كبار الموظفين الكرد العائدين الى العراق بخدمات مدرسين خصوصيين لتعلم العربية ، وكان محمد امين زكي بنفسه واحدا من هؤلاء ، فقد ذكر المؤرخ الكردي الدكتور كمال مظهر أحمد بان محمد امين زكي (( بعد عودته من إسطنبول استعان بمدرسين خصوصيين لتعلم العربية و الأنجليزية ، وقد قطع شوطا كبيرا في تعلم اللغة العربية الفصحى و لكنه و حتى مماته لم يتقن  اللهجة البغدادية الدارجة كما كان يتمنى )) ( 26).

ولم تتخذ الحكومة اية خطوة جدية لأزالة هذا الغبن الذي لحق بالكرد بل ان السياسة التي انتهجتها كان من شأنها ان تعمق من هذه الحالة في المستقبل . فقد بلغ عدد الشباب الموفدين الى خارج العراق للدراسة حتى عام 1929 ( 120 ) شابا لم يكن بينهم سوى اثنان او ثلاثة من الكرد ، لأنه وحسب الشروط التي كانت تطبقها وزارة المعارف كان على المرشح للبعثة ان يكون من خريجي الثانوية ، بينما لم تكن هناك في كوردستان كلها سوى مدرسة ثانوية واحدة ولم يكن بامكان الطلاب القدوم الى العاصمة لأكمال الثانوية لأسباب تتعلق باللغة و الأمكانيات الاقتصادية . وهكذا كانت الحالة تسوء من عام الى آخر .  وكانت الحكومة تدعي بان الكرد يتسنمون الوظائف في الألوية غير الكردية ، لكن واقع الحال كان يشير الى ان نسبة الموظفين الكرد لم تصل الى 5% في اي لواء من الوية العراق ، بينما كان 26% من الموظفين في لواء السليمانية هم من غير الكرد. ولم يكن هناك مدير عام واحد من بين المدراء العامين الذي بلغ عددهم 19 ، كما لم يكن هناك ضابط يقف على رأس احدى دوائر وزارة الدفاع باستثناء واحد وكان الأمر كذلك بالنسبة لأمراء المناطق و الوحدات العسكرية  (27) .

وفيما يتعلق بتمثيل الكرد في البرلمان يقول محمد أمين زكي (( كما ان حقوقهم النسبية في مجلس النواب ناقصة . اذ انه بموجب احد تقارير عصبة الأمم فان نسبة سكان الكرد في الألوية الشمالية فقط تصل الى 18% من مجموع سكان العراق و ليس 17% كما يزعم البعض . وعلى ذلك يجب ان يكون عدد النواب الكرد 16 من مجموع 88 نائبا. واذا قارنا عدد النواب الكرد  في المجلس الحالي- حتى مع الذين سماهم وزير المستعمرات بنفسه بانصاف الكرد -  نرى بان عددهم لا يتجاوز 11 نائبا )) ( 28) .

وكان توزيع الوظائف العدلية من بين المسائل الرئيسية التي اهتمت بها عصبة الأمم عند دراستها لمشكلة الموصل و اقرار الحاقها بالعراق ، فقد اوصت بضرورة تعيين الموظفين الكرد و اجراء المرافعات و المحاكمات باللغة الكردية لعلاقتها المباشرة بحياة السكان . ورغم تعهدات الحكومتين العراقية و البريطانية الا ان هذا الأمر لم يطبق الا في السليمانية و كويسنجق . و يشير محمد أمين زكي بهذا الصدد الى (( ان الكرد يحاكمون في محاكم لواء كركوك باللغة التركية و في اربيل و الموصل و خانقين يضطرون للقيام بالمراجعات و المرافعات باللغة العربية. و تتسبب هذه الحالة في مشاكل و معاناة كثيرة للكرد لأنهم يضطرون الى الأستعانة بالمترجمين لبيان شكاواهم و دعاواهم امام المحاكم و ان يسلموا امر الدفاع عن حقوقهم الى هؤلاء المترجمين و انتظار رحمتهم . وكثيرا مايلحق بهم الغبن في هذا المجال ، لضعف المترجمين او قيامهم بتزوير حقوق المدعي و المدعى عليه بسبب منافع شخصية. وكان هذا المحذور بالذات وراء اقتناع مجلس عصبة الأمم بضرورة استخدام الكرد للغتهم في المحاكم )) (29).

وهكذا نرى بأن وضع الكرد في العراق عام 1930 من حيث المشاركة السياسية و الأدارية أسوأ بكثير من وضعهم عام 1926 وهو عام اطلاق التصريحات و الوعود بشأن حقوق الكرد في ولاية الموصل ، وكانت الصورة في كركوك بالنسبة للكرد أسوأ من ذلك بكثير .

تشكل اللغة القومية و شؤون التربية و التعليم و الحفاظ على التراث القومي و تطويره جوانب مهمة في حياة الأمم و تعد مواقف الحكومة المركزية في الدول المتعددة القوميات من هذه القضايا محكا للأعتراف بالهوية و الحقوق القومية و تبني سيادة العدل والمساواة ازاء جميع المكونات الأثنية . كما أن الأعتراف بالهوية و اللغة و الثقافة القوميتين تشكل عناصر أساسية لتوفير الفرص امام أبناء الأقلية القومية للمشاركة السياسية و الأدارية و الأقتصادية و الثقافية في البلاد ، والا سيكون مصيرهم التهميش و التخلف و طمس الحقوق . لذلك سنركز على هذه الجوانب و نشير الى الأرقام و و المعطيات و السياسات الحكومية في هذه الجوانب ازاء كرد كركوك على وجه الخصوص .

في تقريره عن اوضاع التعليم في العراق أشار المؤرخ و الوزير الكردي  محمد امين زكي الى التفاوت الكبير في نسب التخصيصات المالية للصرف على التعليم في الألوية العراقية في عام 1926 - 1927 . ففي الوقت الذي خصصت نسبة 38 % من واردات لواء بغداد و 19 % من واردات لواء الموصل للصرف على التعليم في اللوائين المذكورين ، بلغت نسبة الصرف في لواء كركوك على شؤون التعليم  9%  من واردات اللواء ، و كانت الحالة في الألوية الكردية الأخرى أسوأ من ذلك بكثير ، فقد كانت نسبة الصرف على التعليم في لواء السليمانية 1% فقط من مجموع واردات اللواء(30) . ويمكن القول بأن حصة الأسد من نسبة ال 9% المخصصة من واردات كركوك للصرف على التعليم في اللواء ذهبت الى المدارس الغير كردية ( لم تكن هناك داخل مدينة كركوك اية مدرسة كردية).

وشكلت سياسات الحكومة العراقية في حقل التعليم نموذجا صارخا لغمط حقوق الكرد و تهميش دورهم في جميع مناحي الحياة السياسية و الأقتصادية و الثقافية . وكان نشر التعليم باللغة الكردية في المناطق الكردية واحدا من الشروط الأربعة التي وضعتها عصبة الأمم و وافقت عليها الحكومة العراقية و (( الحكومة الحليفة )) و تعهدتا بتنفيذها . ولكن و بعد مرور خمس سنوات على تلك التعهدات كانت الصورة لا تثير لدى الكرد غير الحنق و الشكوك . فقد كانت لغة التعليم في مدارس السليمانية فقط هي الكردية ، اما في لواء كركوك ذي الأكثرية الكردية فلم تكن هناك سوى 3 مدارس كردية في حين ان ال 20 مدرسة الباقية باستثناء واحدة او اثنتان منها فانها كانت تستخدم جميعا اللغة التركية في التعليم ، هذا في الوقت الذي لم يتجاوز فيه نسبة المتحدثين بالتركية اكثر من 21% من مجموع سكان اللواء. وأبدى محمد امين زكي أسفه على هذه الحالة و اكد بان الكرد لايرغبون في ارسال ابنائهم الى مدارس تركية لأنهم لايودون تعليم ابنائهم باللغة التركية او يضطرون الى القيام بذلك مجبرين . وإعتبر هذا الأمر مخالفا لمبادئ علم التربية و لايمكن ايجاد تفسير مقبول لها سوى الأضرار بالكرد وتقديم الدعم للآخرين ( 31).

الغريب في الأمر ان عدد المدارس الكردية كان في تناقص مستمر فقد كانت هناك في عام 1923 ست مدارس كردية مقابل 13 مدرسة تركية . وكانت السلطات البريطانية تزعم ان السبب هو وجود نظام تعليمي عثماني جاهز من الضروري الأبقاء عليه لحين تنظيم التعليم في العراق في الوقت الذي كانت تبرر سياساتها ازاء الكرد بقلة عدد المعلمين الكرد و الكتب المدرسية الكردية . ومن الضروري الأشارة هنا الى ان وجود هذا العدد من المدارس التركية في كركوك يجب ان لا يفسر ، كما يتبادر للذهن بوجود جالية تركية كبيرة في المدينة ، بل يمثل صورة النظام التعليمي العثماني الذي كانت اللغة التركية لغة التعليم الرسمية فيه ، وكان الأمر كذلك في الولايات العثمانية الأخرى ايضا.

وهكذا نرى بان الحكومةالعراقية لم تلتزم بتعهداتها التي اعطتها الى عصبة الأمم في حقل التعليم باللغة الأم ،وقد اوردت مجلة ( زاري كرمانجي ) صورة معبرة عن حالة الأحباط التي كان يعاني منها الطلبة الكرد في كركوك ، فقد كتب ع.خ.ي من كركوك الى المجلة المذكورة بتاريخ 19/10/1929 يقول (( تجري التدريسات في كركوك في المدارس  الكلدانية و الأسرائيلية "اليهودية ج.ق  " و الأرمنية بلغات هذه الأقوام ، الكرد وحدهم يجبرون على الدراسة بلغات أجنبية " ، و تسببت حالة التخبط  في التعليم في كركوك في  تخلف الطلبة الكرد عن اقرانهم اذ يشير الكاتب (( أن الطلبة الكرد في كركوك يعانون من التخبط ، اذ يجبرون منذ دخولهم المدرسة و خلال السنوات الأربع الأولى على دراسة اللغة التركية ، وبعد ان يتعلمون شيئا منها دون ان يحصلوا على شئ من العلم تبدأ الدراسة باللغة العربية و بعد ثلاث اربع سنوات وبعد ان يحصلوا على شيء بسيط من المعرفة باللغة الجديدة ، يذهبون الى بغداد و يدخلون امتحانا صعبا لايأخذ بنظر الأعتبار حالتهم ليفشلوا في الأمتحان أو يطردوا بعد ان يفشلوا في الدراسة )) و يشير الكاتب بأن جميع الطلبة الكرد الذين ذهبوا من كركوك الى بغداد عادوا بخفي حنين خلال العامين الماضيين . ليس هذا فقط بل ان المدارس الكردية التي فتحت في كركوك قبل عام 1927 مثل مدرسة تكية ، والتي استبشر الكرد بافتتاحها و أرسلوا ابنائهم اليها سرعان ما اغلقت و لم تسفر جميع المحاولات التي بذلت لأعادة فتحها. و يشير الكاتب في نهاية مقاله الى معاناة الكرد من مراجعة الدوائر الرسمية و الوثائق الحكومية التي لا يفهمون منها شيئا لأنها بغير اللغة الكردية و يضطرون الى مراجعة رجال الدين لتفسير مضمامينها (32).

رغم توصية لجنة عصبة الأمم الخاصة بمشكلة الموصل ب (( بالأهتمام برغبات الكرد حول تعيين الموظفين الحكوميين في مناطقهم من ابناء قوميتهم و وجعل اللغة الكردية اللغة الرسمية في المحاكم و المدارس )) ،فان عدد المدارس الكردية في كركوك كانت 6 مدارس و لم تكن هناك مدرسة كردية واحدة في الموصل ، بينما كانت هناك في كركوك 13 مدرسة رسمية تركية و مدرسة خاصة غير حكومية و في الموصل 4 مدارس آثورية حكومية و مدرسة غير حكومية وكانت الجداول كما يلي: 

المدارس الأبتدائية الحكومية للبنين 

الأعوام                    لواء الموصل                                لواء كركوك   

                   عدد المدارس    : عدد التلاميذ                                   عدد المدارس : عدد التلاميذ

1922/23            68                     6789                                           14                  1369       

1923/24            72                    6417                                             24                  1544 

1924/25           73                     6289                                            24                   1474

 

المدارس الحكومية الأبتدائية للبنات

1922/23       19                      1769                                               3                     169

1923/24       18                      2230                                               2                     92

1924/25      19                        2197                                              2                      95  (33)

ورغم انتهاء مشكلة الموصل و رغم توصية اللجنة بضرورة ايلاء الأهتمام بتدريس اللغة الكردية الا ان الوضع لم يتحسن فقد بلغ عدد المدارس الرسمية باللغة الكردية 41 مدرسة عام 1930 كان يتلقى التعليم فيها 1545 تلميذا ولكن كانت هناك وفي نفس العام 14 مدرسة حكومية تركية يدرس فيها 961 تلميذا و 27 مدرسة مسيحية مع عدد تلاميذ 3303 (؟) و خمس مدارس يهودية مع عدد التلاميذ 58 ) 34) .

وبطبيعة الحال لم يرض هذا الوضع الكرد و اضطرت سلطات الأنتداب البريطاني الى الأشارة في تقاريرها الى عصبة الأمم الى  انزعاج  الكرد من قلة المدارس بالكردية و لكنها بررت الأمر (( بأن الذهاب بعيدا مع الكرد في رغباتهم والتجاوب معها ليس لصالح العراق ككل و لا لصالح الكرد انفسهم )) (35). كيف يمكن ان يكون التعليم باللغة الأم هو امر ليس لصالح العراق ككل و لا لصالح الكرد انفسهم ؟ مع ان ملك العراق نصح رعاه عام 1926 بان (( أحد أهم وظائف كل عراقي مخلص هو تشويق أخيه الكردي العراقي ان يحافظ على عنصره و جنسيته و لا يحيد عنها.  …))، كما ان رئيس الوزراء العراقي عبدالمحسن السعدون خاطب مجلس النواب  في 22 كانون الثاني 1922 قائلا (( اذا اراد العراق ان يعيش فعليه تأمين حقوق جميع العناصر العراقية ، لأننا شاهدنا جميعا بان هذا الأمر كان وراء تشتت وانهيار الدولة العثمانية التي قامت باغتصاب حقوق العناصر التي كانت تتشكل منها وتمنعهم من التطور…)) بل ان المندوب السامي البريطاني نصح بنفسه اصحاب الشأن في العراق و في نفس المناسبة التي القى فيها الملك فيصل كلمته المذكورة قائلا (( يجب ان تكون رغبة الحكومة العراقية في ان تجعل من جميع العناصر العراقية اولادا مخلصين للحكومة و لتحقيق هذا الهدف عليها ان تشجعهم على الألتزام بدينهم و الأعتزاز بعنصرهم وان لايحيدوا عنهما . لن يصبح الكردي عربيا ابدا ، فمثلما لم يصبح الأسكوتلندي انجليزيا فلن يصبح الكردي عربيا ايضا ، ولن يصبح ابدا وطنيا صالحا اذا اجبر على استخدام اللغة العربية والعادات العربية . خلاصة القول يجب ان لا تجري المحاولات لجعله عربيا خالصا بل يجب تشجيعه وتقديم التسهيلات له ليصبح كرديا خالصا )) (36) .

بطبيعة الحال كان الأنجليز يدركون بأنه اذا ما توفرت للكرد فرص التعليم بلغتهم و تمكنوا من تطوير ثقافتهم القومية لن يرضوا باوضاعهم البائسة و سيطالبون بحقوقهم المغتصبة و بالمشاركة في الحياة السياسية و الأقتصادية و الثقافية للبلاد بينما كانت السياسة البريطانية تقوم على اساس تهميش دور الكرد و حرمانهم من المشاركة الفعالة في تقرير السياسات العراقية  .

وظهرت آثار الأهمال الحكومي في حقل التعليم في كركوك فيما بعد بصورة واضحة ، ففي حين بلغ عدد المتعلمين عام 1953 في لواء كركوك 20534 ، كان عدد غير المتعلمين 214980 شخص و كان عدد المدارس الأبتدائية للبنين 71 و البنات 13 و رياض الأطفال 11 و المدارس المتوسطة و الثانوية للبنين 6 و البنات 2 وكانت هذه المدارس متركزة في مركز المدينة و الأقضية و النواحي . وشخص الدكتور شاكر خصباك مشاكل التعليم في كوردستان بصورة موضوعية فبعد سرده للأسباب الأقتصادية وغيرها يشير الى ان (( المناطق الكردية تعاني من مشاكل خاصة و هي مشكلة لغة التدريس . اذ ان الدراسة في المدارس الأبتدائية هي باللغة الكردية في حين الدراسة في المدارس المتوسطة و الثانوية هي باللغة العربية . و مما لا شك فيه ان الأنتقال الفجائي من الدراسة باللغة الكردية الى الدراسة باللغة العربية عملية صعبة بالنسبة للكرد . فالكرد وكما وردت في قرارات عصبة الأمم عام 1926 لهم الحق بالدراسة بلغتهم القومية و يجب على وزارة التعليم وضع الكتب بالكردية و ترجمة الكتب العربية الى الكردية و يمكن ان تدرس العربية في المدارس و المؤسسات التعليمية الكردية كلغة رئيسية لتسهيل الدراسة في الكليات العربية امام الكرد لحين توفير مستلزمات فتح الكليات الكردية .و اهمال اللغة الكردية من قبل الحكومة العراقية كان دائما سببا من اسباب انزعاج الكرد و يجب معاملة سكان البلاد بقومياتهم المختلفة دون تفريق )) (37).

ومن المنطلق نفسه لم تشهد كركوك تطورا يذكر في حقل الصحافة الكردية ، فقد بدأت سلطات الأحتلال البريطاني باصدار جريدة (( النجمة )) في كركوك بعد 20 يوما من احتلالهم الثاني لكركوك اي في 15 / كانون الأول 1918 باللغة العربية ، استبدلت التسمية الى (( كركوك )) عام 1926 و صدر العدد الأول من الجريدة الجديدة في 12 تشرين الأول 1926 و كانت السلطات البريطانية و العراقية ترفض نشر المقالات فيها باللغة الكردية . ولكن عشية المعاهدة البريطانية - العراقية الجديدة و المناورات لقبول العراق في عصبة الأمم نرى بأن الجريدة بدأت و اعتبارا من العدد 302 في 2 مايس 1930 تخصص صفحتان من صفحاتها الست للنشر باللغة الكردية بينما خصصت صفحتان للأعلانات و الأمور الحكومية و الأهلية و صفحتان للنشر باللغة التركية. وقد بررت الجريدة هذا التوجع الجديد على الوجه الآتي (( هذا التشويق و الألهام جاء نتيجة للتوجهات العادلة لحكومتنا الموقرة ، والغاية منها تحقيق الحقوق و افادة الكرد المتواجدين داخل لوائنا )) . وكان تخصيص صفحتان من الجريدة لتصدر باللغة الكردية جزءا من لعبة التمهيد لدخول العراق الى عصبة الأمم و التي شكل تعيين تحسين العسكري ( من أهالي قرية عسكر قرب جمجمال ) متصرفا لكركوك و توفيق وهبي متصرفا للسليمانية و اصدار قانون اللغات المحلية حلقات منها . وقد كتبت الجريدة بعد سردها لحياة المتصرف الجديد و عائلته الكردية المشهورة و المراتب التي تدرج فيها في الجيش العثماني و المناصب التي تسنمها في الدولة العراقية مشيرة الى وصوله الى كركوك و تسنمه لمنصبه الجديد تقول (( ولدى تشريفه كركوك باعتباره وطنا له و قد حاز هو و آباؤه الشهرة الحسنة في هذه المنطقة، فقد استقبل من قبل اهالي المدينة بصورة فائقة للعادة ، و المشار اليه كردي ، وقد حصل على التعليم العالي و خبر الأدارة و السياسة و هو مطلع على الأحوال الروحية لمنطقتنا و بهذا الأعتبار نتمنى ان يكون عاملا على تحقيق الرقي و الخير العميم للوائنا )) . فضلا عن ذلك يبدو ان تعيين تحسين العسكري متصرفا لكركوك كانت محاولة من الحكومة لأزالة الاثار السيئة لسلوك و تصرفات المتصرف السابق عبدالمجيد اليعقوبي 1924-1927 و الذي عرف بتعسفه الشديد و عنصريته المفرطة ازاء الكرد . واشادت الجريدة بزميلاتها (زيان و زاري كرمانجي ) اللتان كانتا تصدران في السليمانية و رواندوز . ولكن سرعان ما قررت السلطات وبعد عام واحد فقط و بعد نقل تحسين العسكري الغاء القسم الكردي من الجريدة لتخوفها من نشر وتطور الثقافة الكردية بين الكرد في كركوك .(38)

ولم تكن الأوضاع في الجوانب الأخرى بأحسن حال من وضع التعليم و الصحافة ، ففي مجال الخدمات الصحية في كركوك كانت هناك 5 مستشفيات عام 1955 و 48 طبيبا للسكان البالغ عددهم انذاك 268005 ، كما ان نسبة الولادات و الوفيات كانت في علم 1953 في كركوك على التوالي 5،5 و 8،2 %  (39) . 

وكانت وسيلة اخرى من وسائل غصب الحقوق الكردية و التنصل من الوعود التي قدمت للكرد خلال الصراع على ولاية الموصل هو(( قانون اللغات المحلية)) الذي اصدره الملك فيصل الأول في 23 مايس 1931  . ويوضح نص القانون الأساليب التي لجأت اليها الحكومة لتهميش اللغة الكردية في كركوك و غيرها من المناطق الكردية . فقد نص القانون في مادته الثانية على (( تكون الكردية لغة المحاكم في الأقضية التالية : لواء الموصل:أ.عمادية ،ب . زاخو ، ج . زيبار ، د.عقرة. لواء اربيل : أ. كويسنجق ، ب . رانية ، ج . رواندوز . لواء كركوك : أ . كيل ، ب . جمجمال .   لواء السليملنية : أ . سليمانية ، ب . هلبجة ، ج . شهربازير) . بينما نصت المادة الثالثة من نفس القانون على (  يجوز ان تكون لغة المحاكم في الأقضية التالية الكردية او العربية او التركية :

   دهوك ، شيخان ، اربيل ، مخمور ، كركوك ، كفري ، ويعطى قرار المحكمة باللغة الأكثر شيوعا )  . فيما أجازت المادة الرابعة للمتهم في الأقضية المذكورة و في جميع الأحوال (      أ . ان يحاكم و يبلغ باللغة العربية اذا كانت لغته البيتية العربية. ب . ان تترجم المرافعات الشفهية الى الكردية او العربية او التركية ، وتعطى له نسخة الحكم المترجم . ويجوز لكل شخص ان يقدم دعواه او استدعاء للمحاكم في الأقضية المذكورة اعلاه او المحاكم اوسع صلاحية بالكردية و العربية و التركية) .

و أجازت المادة الخامسة ان تكون مخابرات الدوائر الفنية و المخابرات بين مراكز الألوية و الوزارة و بين مركز لواء الموصل و الأقضية العربية تكون اللغة الرسمية الكردية : لواء الموصل : عمادية ،  عقرة ،  دهوك ، زاخو ،و  زيبار . لواء اربيل : اربيل ، مخمور ،  كوي سنجق ، رانية ،رواندوز . لواء كركوك : جمجمال ،كيل . لواء السليمانية : السليمانية ، حلبجة ، شهربازير  . و يجوز ان تستعمل الكردية او التركية في قضائي كركوك و كفري ). وكانت نصوص المواد الأخرى على الشكل التالي :

((مادة 6 - تكون لغة التدريس في جميع المدارس الأولية و الأبتدائية في الأقضية المبينة في هذا القانون الكردية او العربية او التركية حسب اللغة الشائعة فيها .

مادة 7 - يستطيع كل شخص ان يراجع المقامات الرسمية باللغة العربية و ان يأخذ الجواب فيها ، وتقبل جميع المخابرات في احدى اللغات الواردة في المادة الخامسة و يجاب عليها بنفس اللغة.

مادة 8 - تستعمل اللغة الكردية في اقضية الوية السليمانية و كركوك و اربيل المبينة في هذا القانون بشكلها الحالي و يجوز ان تستعمل لهجة هذه الألوية في بقية لواء الموصل من تاريخ تنفيذ هذا القانون الى السنة التي يختار فيها اهالي هذه الأقضية بلهجة يتفقون على استعمالها )). وكلف القانون جميع الوزراء كل حسب صلاحيته بتنفيذه . وصدر القانون بتاريخ 23 مايس سنة 1931 بتوقيع الملك فيصل و رئيس الوزراء نوري السعيد ووزير العدل جمال بابان ، و وزير الداخلية عبدالله الدملوجي و وزير الخارجية مزاحم الباجه جي ، و وزير الدفاع  جميل الراوي و وزير المالية رستم حيدر و وزير المعارف عبدالحسين (40).

جاء سن القانون تلبية لقرار عصبة الأمم في 16 ديسمبر 1925 بشأن الحقوق الأدارية و الثقافية الكردية عند الحاق ولاية الموصل بالعراق و التي اخذت الحكومتان البريطانية و العراقية على عاتقهما مهمة تنفيذها . استخدم القانون مصطلح اللغة المحلية بدلا من اللغة الأم او اللغة القومية ووضع قيودا عديدة على انتشار اللغة الكردية. اشار محمد امين زكي في ملاحظاته عن القانون الى عدم التزام الحكومة العراقية بوعودها التي قطعتها لعصبة الأمم و تصرفها بصورة تناقض تلك الوعود فيما يخص الكرد. و يشير الى المادة الرابعة من قانون اللغات المحلية التي تجيز استعمال اللغة التركية في العديد من الأقضية و النواحي الكردية و يؤكد بان هذه المادة جاءت بناء على طلب مجلس ادارة كركوك في حينه . يعتبر محمد امين زكي تمتع جميع العناصر بحقوقها شيئا ضروريا و لكن يجب ان لايجري ذلك على حساب العناصر الأخرى اذ يكمن برأيه هنا الخطأ. و يعطي محمد امين زكي امثلة موثقة على طروحاته . اذ يقول ان تناسب السكان حسب المعطيات الرسمية في لواء كركوك هي 51 % من الكرد و 21 % من التركمان و 20 % من العرب و 8% من غير المسلمين ، رغم انه يؤكد بأنه حصل على معلومات من مصادر موثوقة ومسؤولة عن شؤون الأحصاء و دائرة نفوس كركوك تشير الى ما يناقض الصورة الرسمية اذ المعطيات الاحصائية التي اعتمدها كانت تشير الى ان عدد سكان مدينة كركوك بلغ عام 1930 حسب احصاء بلدية كركوك 35 الفا وكان عدد الكرد هو 22 الف و عدد التركمان 7 آلاف شخص و الف من المسيحيين المحليين و الفين من التياريين و 500 ارمني و 2500 يهودي  .. في حين نجد بأنه من مجموع 24 مدرسة في اللواء هناك 3 مدارس كردية فقط ، أما في مدينة كركوك نفسها فمن مجموع 10 مدارس كانت 6 منها للتركمان و 2 منها للمسيحيين و 2 لليهود ، في حين كان نصيب الكرد في المدينة من المدارس يساوي الصفر.  و كانت نسب الموظفين على الشكل التالي 56% من التركمان و 24 % من الكرد 20 % الباقين من العرب و من غير المسلمين(41).

وكانت سياسات الحكومة العراقية تجاه الكرد في جميع المجالات بما فيها مجالات التوظيف و التعليم و استخدام اللغة الكردية مناقضة لتعهداتها لعصبة الأمم ، فقد تعهد العراق في تصريحه المعلن في 30 مايس 1932 من اجل الحصول على عضوية عصبة الأمم ، و كان قد اقر من قبل المجلس النيابي العراقي في 5 مايس من نفس العام و اعتبر قانونا عراقيا اساسيا ، اقر  بحماية حقوق المواطنين العراقيين بغض النظر عن القومية و الدين ، كما نصت المادة التاسعة بخصوص اللغة الكردية على مايلي (( توافق الحكومة العراقية على ان تكون اللغة الكردية الى جانب العربية اللغة الرسمية في الأقضية التي تقطنها غالبية كردية في كل الوية الموصل و اربيل و كركوك و السليمانية …)) . كما تعهدت الحكومة العراقية بتعيين الموظفين في الأقضية المذكورة من بين من يعرفون اللغة الكردية. ومع ان مقياس اختيار الموظفين للأقضية المذكورة هو الكفاءة و معرفة اللغة قبل العرق كما هو الحال في سائر انحاء العراق ، فان الحكومة وافقت على ان يجري انتقاء الموظفين و بقدر الأمكان من بين العراقيين من ابناء تلك الأقضية) .  و كانت هذه التعهدات ذات صبغة دولية ، اذ نصت المادة العاشرة من التصريح ( القانون ) المذكور على مايلي (( بقدر ما لهذه الشروط مساس بالأشخاص الذين ينتمون الى الأقليات القومية او الدينية او اللغوية فانها تعتبر تعهدات ذات طابع دولي وتقوم بمقام ضمانة توضع لدى عصبة الأمم ، ولايجري اي تعديل عليها الا بمصادقة الأغلبية في مجلس العصبة)) (42).

لاشك ان أسوأ و أقسى السياسات الحكومة في كركوك هي محاولات تغيير الواقع القومي للسكان في هذه المحافظة . ومن الضروري ان نشير الى أن الحكومات العراقية المتعاقبة حاولت تنفيذ هذه السياسة بصيغ مختلفة الى ان وصل الأمر  الى ساسة التطهير العرقي التي تمارسها الحكومة الحالية . فالى جانب الهجرة الطبيعية للسكان الى المدينة و بخاصة الى المدن التي شهدت تطورا اقتصاديا ملحوظا وكانت كركوك في مقدمة تلك المدن بعد البدء باستخراج النفط  عام 1927 ، وقد ترتب على ذلك حدوث تغييرات كبيرة في الوضع الأقتصادي و الأجتماعي و الأثني لسكان المدينة ، فقد استخدمت الشركة اعدادا كبيرة من المستخدمين و العمال ، و قامت بجلب معظمهم من خارج المنطقة . و نتج عن ذلك وخلال فترة قصيرة نسبيا ، نشوء احياء شبه مستقلة ضمن الأحياء القديمة في المدينة ، خاصة بالآشوريين و الأرمن و العرب و غيرهم ، خصوصا في المناطق القريبة من منشآت النفط . وكانت نسبة العمال الكرد المستخدمين في الشركة تأتي بعد الآخرين جميعا . وهكذا ادى استثمار حقول النفط الموجودة في كركوك و في المناطق القريبة منها الى استيطان اعداد غفيرة من ابناء المناطق الأخرى من العراق بصورة دائمية (43). والى جانب جلب العمال و الموظفين و افراد الشرطة جعلت الحكومة من كركوك مقرا للفرقة الثانية من الجيش العراقي.

ولكن الخطوة الأكبر في سياسة تغيير الواقع السكاني في كركوك في العهد الملكي كانت خطة اسكان العشائر العربية  في الحويجة في منتصف الثلاثينات . بدأت حكومة ياسين الهاشمي المشروع  تحت اسم (( مشروع اراضي الوحدات الأستثمارية )) بعد جلب الماء اليها عن طريق شق ترعة كبيرة من نهر الزاب الصغير . وكانت الخطوة الأولى جلب اكثر من 1000 عائلة بدو الى السهول الواقعة عند اقدام جبل حمرين و قد منح العبيد حوالي الف كم2 عند النهر الجنوبي للمشروع و حتى الحدود الأدارية لقضاء مركز كركوك و بلغ عدد القرى التي عمروها خلال 21 عاما أى حتى احصاء عام 1957 ( 124 ) قرية . اما الجبور فقد خصص لهم 900 كم2 و التي تمتد من الزاب الصغير و قد عمر هؤلاء بحلول عام 1957  ( 65) قرية. و خصص لعشائر البوحمدان 200 كم2 و التي تقع بين الزاب و الطريق الرئيسي بين كركوك و الحويجة و  اقاموا فيها 14 قرية لحين اجراء احصاء 1957 ، هذا فضلا عن مجموعات عشائرية عربية اخرى مثل التكارتة و الدوريين و العوائل الكردية التي كانت تسكن هذه المنطقة قبل البدء بمشروع الحويجة من الدزه ئيين و الشوان و الشيخ بزينيين و غيرهم وقد خصص لهؤلاء جميعا 100 كم2 و استقروا في 5 قرى فقط (44) .

 انتهى المشروع عام1937 و كان عبارة عن حفر قناة رئيسية من الزاب الصغير الى الحويجة وقامت الحكومة بجمع جميع السجناء من العراق و تشغيلهم في انجاز هذا المشروع ويروي المؤرخ الكردي ، المقتول مؤخرا في بغداد الملا جميل الروزبياني بانه كان في عام 1937 احد هؤلاء السجناء الذين شاركوا في تنفيذ هذا المشروع . ويؤكد بانه كان من المقرر ان يجري اسكان الكرد والعرب و ان يقوم الجميع باعمار الحويجة ولكن النهر شق بطريقة بحيث لا تمر بالقرى الكردية التي كانت ملكيتها تعود الى السيد احمد خانقاه و الحاج حسن آوجي ، و عائلة النفطجي وعندما تسنم ياسين الهاشمي السلطة قرر ان تكون الحويجة للعرب فقط ، في حين كانت الخطة الأولية تقضي باسكان العشائر الرحل في المنطقة وكان جلها من الجاف و الهموند، حتى ان الجيجان الذين كانوا قد اقاموا عدة قرى عند تخوم جبل حمرين و على نهر زغيتون اجبروا على اخلائها (45).

من المعروف ان التفكير في مثل هذه المشاريع رافق تنامي نشاطات القوميين العرب في العراق و الذين بحكم معاناتهم مع المستعمرين البريطانيين ومعاداتهم لهم وقعوا تحت تأثير الأفكار و الدعايات النازية و الفاشية و كانوا يرغبون في تبني أساليب ألمانيا النازية في السيادة على الآخرين . ويشير الروزبياني الى ان الضباط القوميين  في زمن رشيد عالي الكيلاني الذي لم يدم حكمهم طويلا حاولوا منع انتقال سكان قرى كركوك الكردية الى السكن في المدينة او شراء الآراضي و المساكن فيها .

ويعطي الروزبياني الذي عايش احداث كركوك خلال اكثر من تسعة عقود منذ الحرب العالمية الأولى مرورا بقيام الدولة العراقية و استخراج النفط و غيرها من الأحداث معلومات قيمة عن تواجد العرب في كركوك خلال العهد الملكي ، اذا يشير الى انه و عند تشكيل الدولة العراقية كانت في كركوك محلة واحدة يسكنها 30 عائلة عربية بين المصلى و البيريادي و كانوا يعملون في شراء و بيع المواشي . وكانت هناك بعض الصرائف بين قرية تسعين ، التي  اصبحت الآن تشكل محلة في مركز مدينة كركوك ، وبين الجسر القديم بلغ عددها حوالي الخمسين صريفة . وكانت  تعرف بمحلة الحديديين و جرى نقل هذه العوائل بامر من الملك الى غرب كركوك لأن منظر صرائفهم لم يعجبه اثناء زيارته لكركوك(46) .

واصبحت المسائل المتعلقة بمحاولات تغيير الواقع السكاني في كركوك من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة معروفة ليس على الصعيد السياسي فقط ، بل اصبحت تدخل في صلب الدراسات المتعلقة بالعراق و كوردستان ، حتى ان مصدرا علميا لا يرقى الشك الى موضوعيته كدائرة المعارف الأسلامية كانت مجبرة ان تشير الى هذه المسألة في طبعتها الجديدة و في مادة كركوك اذ أكدت على انه (( تجب الاشارة الى ان السلطات و لسنوات طويلة بذلت جهود كبيرة لأحلال السكان العرب محل الكرد ))( 47)

وتشير المصادر المختلفة الى زيادة كبيرة في عدد سكان كركوك لا تتناسب مع المعايير الديموغرافية للنمو الطبيعي للسكان الأمر الذي يوضح السياسات الحكومية فقد قدر عدد المهاجرين الى كركوك خلال الفترة 1947- 1957 فقط  ب 39 الف مهاجر ( 48).

 وليس أدل من الشريط المسجل بصوت على حسن المجيد في اجتماع له مع مسؤولي حزب البعث و الأمن و  الجيش في كركوك بتاريخ 15 نيسان 1989 و كان خلال العامين الذين سبقا هذا التاريخ حاكما مطلقا في كوردستان ، اذ قال ما نصه عن كركوك (( أود ان اتحدث عن نقطتين الأولى التعريب و الثانية المناطق المشتركة بين الأراضي العربية و منطقة الحكم الذاتي، المسألة التي انا بصددها هي مسألة كركوك . عندما قدمت الى هنا لم يزد عدد العرب و التركمان على 51 % من سكان كركوك . لعلمكم صرفت 60 مليون دينار حتى وصلنا الى الوضع الحالي . كل العرب الذين جلبناهم الى كركوك لم يوصلوا النسبة الى 60 % لذلك منعت كرد كركوك و المناطق القريبة منها من العمل خارج منطقة الحكم الذاتي)) (49).

هذه السياسات التي انتهجتها الحكومات العراقية المتعاقبة في كركوك خلقت حالة من التوجس و الريبة لدى الكرد عموما و كرد كركوك على وجه الخصوص من نوايا الحكومة ازاء هذه المدينة التي اشتهرت بحالة الأنفتاح و التسامح بين مكوناتها الأثنية . و فتحت هذه السياسات الأبواب على مصراعيها لتعقيد الأوضاع في كركوك و حولها خلال العقود التالية حتى تحولت الى احدى العقد الرئيسية للمشكلة الكردية في العراق .

الهوامش و المصادر:

1. خليل علي مراد ، تاريخ العراق الأداري و الأقتصادي في العهد العثماني الثاني 1638-1750 ، رسالة ماجستير غير منشورة ، جامعة بغداد 1975 ، ص 45 ، 60-62.

2. سالنامه دولت علية عثمانيه سنة 1302 هجري ، قرقنجي دفعه ، معارف نظارت جليله سنك اثر ترتيبدر ، در سعادت 1382 ، ص 74-75 . أنظر كذلك : ستيفن هيمسلي لونكريك ، اربعة قرون من تاريخ العراق الحديث ، ترجمة جعفر الخياط ، ط 6 ، بغداد 1985 ، ص 376.

3. موصل ولايتي سالنامه رسميسيدر 1330 سنة هجرية سنة مخصوص اولمق اوزره بشنجي دفعة اوله رق موصل مطبعه سندة طبع اولنمشدر ، ص 17.

4. موصل ولايتي سالنامه سي ، برنجي دفعة 1308 هجري ، موصل مطبعه سنده طبع اولنمشدر 1308 هجري ، 1306 رومي ، ص 107 .

5. سالنامه نظارت معارف عمومية ، ايكنجي دفعه اوله رق ترتيب اولنمشدر 1317 هجري ، ص 1404 ، وللمزيد من المعلومات عن أوضاع كوردستان الجنوبية خلال العقود الأخيرة من الحكم العثماني انظر بحثنا الموسوم : أربيل في السالنامات العثمانية ، بحث مقدم الى ندوة اربيل بين الحاضر و الماضي والآفاق المستقبلية، التي نظمتها جامعة صلاح الدين عام 1990 ، و المنشور في مجلة (( كاروان )) العدد 91 ، أربيل ،كانون الأول 1990 ، ص 116-127.

  6.   Morgan J.de , Mission Scientifique en Perse , Etudes Geographiques , T. II , Paris 1985 , P.86

و: أداموف أ ، العراق العربي ، ولاية البصرة بين الأمس و اليوم ، بطرسبورج 1912 ،ص 26 (( بالروسية)).

نقلا عن : الدكتور كمال مظهر أحمد ، كوردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى ، مطبعة المجمع العلمي الكردي ، بغداد 1975 ، ص 3 (( الطبعة الكردية)).

7.أ. ديني ، الصراع على الأحتكارات النفطية ، موسكو- لينينغراد 1934 ، ص 43 (( بالروسية)).

8. سي . جي. أدموندز ، كرد وترك و عرب - سياسة و رحلات و بحوث عن الشمال الشرقي في العراق 1919-1925 ، ترجمة جرجيس فتح الله ، بغداد 1971 ، ص 12-13 و 32 .

9. الدكتور وليد حمدي ، الكرد و كوردستان في الوثائق البريطانية ، لندن 1992 ، ص 47-48.

10. أ.ف.فيدضينكو ، العراق في النضال من أجل الأستقلال 1919-1969، موسكو 1970 ، ص 19 : فريق المزهر الفرعون ، الحقائق الناصعة في الثورة العراقية سنة 1920 و نتائجها ، بغداد 1952 ، ص 326.

11. FO 371/3407, From Political Commissioner, Baghdad , 15 nov.1918 , Nr.8744

12. م.س. لازريف ، الأمبريالية و المسألة الكردية 1917 - 1923 ، موسكو 1989 ، ص 85-86 (( بالروسية)).

13. عبدالرزاق الحسني ، تاريخ الوزارات العراقية ، الجزء الأول ، صيدا 1953 ، ص 141-142. أنظر كذلك: سي.جي .أدموندز ، المصدر نفسه ، ص 349.

14. عبدالرزاق الحسني ، الثورة العراقية الكبرى ، صيدا 1952 ، ص 24.

15. سي. جي . أدموندز ، المصدر نفسه ، ص 356-357.

16. مصطفى كمال ، طريق تركيا الحديثة - إعداد قاعدة أنقرة 1919-1920 ، ج 2 ، موسكو 1932 ، ص 110 -113 ((بالروسية)) .

17. Wilson.A.T, Mesopotamia 1917-1920 . A clash of loyalities . A personal and historical record. London 1930, p 142.

18. Bell G.L.J , The Letters of Gertrude Bell , vol.2 , London 1927, p. 607.

19. الدكتور نوري طالباني ، منطقة كركوك و محاولات تغيير واقعها القومي ، ط2 ، بلا.م ، 1999 ، ص 49.

20. عبدالرزاق الحسني ، تاريخ الوزارات العراقية ، ج1

21. للمزيد من التفاصيل راجع مقالنا الموسوم : كركوك : قرن ونصف من التتريك و التعريب ، الملف العراقي ، العدد 99 ، آذار 2000 ، ص 42-46.

22. عن هؤلاء و غيرهم من الشخصيات في كركوك انظر :

مير بصري ، اعلام الكرد ، لندن 1991 ، ص 161 - 162 ، 235 ، 240  و: الدكتور نوري طالباني ، المصدر نفسه ، ص 43-44  و : فهمي عرب آغا و فاضل محمد ملا مصطفى ، ماذا في كركوك ، كركوك 1957 و:

 ومجلة (هاواري كركوك ) العدد 3 ، اربيل 1999 ، ص 149-150.

23. مذكرة محمد أمين زكي الى الملك فيصل الأول حول الشأن الكردي العراقي في 20 كانون الأول 1930 ، تقديم و ترجمة الدكتور جبار قادر ، الملف العراقي ، العدد 104 ، آب 2000 ، ص 63.

24. المصدر السابق ، ص 64.

25. نفس المصدر ، ص 64-65.

26. الدكتور كمال مظهر أحمد ، التاريخ - دراسة موجزة لعلم التاريخ و الكرد و التاريخ ، بغداد 1983 ، ص 159 (( بالكردية)).

27. مذكرة محمد أمين زكي الى الملك فيصل الأول ….، ص 65

28. نفس المصدر ، ص 65 .

29. نفس المصدر ، ص 66.

30. جريدة (ذيان) العدد 129 ، 20 أيلول 1928.

31. مذكرة محمد امين زكي .، ص 65.

32. ع . خ . ي . لواء كركوك و جميع اقضيته و نواحيه وقراه من الكرد ، زار كرمانجي ، رواندوز ،  العدد 19 ، 19 / 10 / 1929 :  نقلا عن ممتاز حيدري ، مجلة هاواري كركوك ، العدد 3 ، اربيل ، آذار 1999. ص 65.

33. Report for the period april 1923 - december 1924 , pp 217 - 218   

 انظر كذلك : الدكتور كمال مظهر احمد، حركة التحرر الوطني في كوردستان العراق 1918 - 1932، باكو 1967، ص 62-63 (( باللغة الروسية ).

34. Special report by his Majesty’s Government in the United Kingdom of Great Britain and Northern Ireland to the    Council of the League of Nations on the progress of Irak during the period 1920-1930. London 1931 , p 234 .

انظر كذلك :الدكتور كمال مظهر أحمد ، حركة التحرر الوطني . ، ص 64.

35.Special report , Ibid, P230.

36. مذكرة محمد امين زكي ، ص 67.

37. الدكتور شاكر خصباك ، الكرد و المسألة الكردية ، ترجمة أمجد شاكلي ، السويد 1997 ص 63 -71 ( الطبعة الكردية ) .

38. عن هذه الجريدة وبعض اعدادها الكردية انظر الدراسة الموثقة للكاتب:  أحمد تاقانه ، جريدة (كركوك) الكوردية عام 1930 ، طولان العربي ، العدد 43 ، كانون الأول 1999  ، ص 55 - 59  .

39. الدكتور شاكر خصباك ، المصدر نفسه ، ص 63 - 69.

40. جريدة الوقائع العراقية - العدد 989 بتاريخ 1 حزيران 1931 : انظر كذلك :  مجلة هاواري كركوك ، العدد 3 ، اربيل آذار 1999 ، ص 152 -154 .

41. محمد أمين زكي ، ملاحظاتي حول قانون اللغات المحلية ، في كتاب (( محاولتان غير مجديتين )) ، تقديم و تحقيق صباح غالب ، لندن 1984 ، 103-105.

42. 42.   League of Nations , Series of League of Nations Publications , VII. Political. 1932 .VII. 9,  P.301

43. الدكتور نوري طالباني ، نفس المصدر ، ص51.

44. احمد رحيم أمين ، الحويجة ، مجلة هاواري كركوك ، العدد 4 ، اربيل 1999 ، ص 48-49.

45. مؤرخ كردي ، كركوك - اسمها ، تاريخها القديم ، سكانها و سلطاتها ، مجلة هاواري كركوك ، العدد2 ، اربيل 1998 ، ص 29-30.

46. نفس المصدر ، ص31

47. The Encyclopaedia of Islam , Art. Kirkuk ,vol.V , Leiden 1986 . P145.

48. الدكتور أحمد نجم الدين ، احوال السكان في العراق ، القاهرة 1970 ، ص 109 ، نقلا عن : الدكتور نوري طالباني ، المصدر نفسه ، ص48.

49. Genocide In Iraq . The Anfal Campaign Against The Kurds . HRW/ME , New York 1993 . P. 353

 

Hosted by www.Geocities.ws

1