عود الى موضوعة التركيب
الأثني لسكان كركوك تعقيبا على كركوكيات الدكتور توفيق آلتونجي
02/06/2002
أثارت كتابات الدكتور توفيق آلتونجي،التي تهيأت لي
فرصة الأطلاع على بعضها و رغم عدم اتفاقي
معه في العديد
من آرائه و طروحاته و التي تفتقر برأيي الى الدقة و الموضوعية في نقل النصوص و
المعطيات الأحصائية، أثارت إنتباهي كونها حملت في ثناياها روحا جديدة قلما نتلمسها
في كتابات الكتاب
التركمان التي تتسم عموما،مع وجود استثناءات بسيطة،بالتشنج الواضح و الأفتقار الى
المعلومات
التاريخية و
الجغرافية و الأجتماعية و السياسية و الثقافية و محاولة إنكار الآخر الأمر الذي
يتقاطع مع
حقائق التاريخ
و الجغرافيا،و هي عناصر تحدد مسبقا عدم موضوعية النتائج و التحليلات التي تؤسس
على
تلكم المقدمات.
يدعو الدكتور توفيق آلتونجي في كتاباته الى التعايش بين المكونات الأثنية المختلفة
في كركوك و الأبتعاد
عن
إثارة الكراهية و الحقد و العنصرية بين أناس جمعتهم الجغرافيا الواحدة و القيم
السماوية و الأنسانية
و
الأعراف الأجتماعية قبل أن تتسلل الأفكار المتطرفة و مثيروا الفتن الى صفوفهم و
تحاول ان تنال من
جمالية
التنوع الثقافي و الأثني و اللغوي للمجتمع الكركوكي. وهذه دعوة لا يجد أي شخص يؤمن
بالقيم
الأنسانية و لم
تعمه الأفكار العنصرية عن رؤية الحقائق بد من التضامن معها و الدعوة الى تبنيها و
إحلالها
محل الأفكار المتطرفة التي لم تجلب غير الشقاء و المآسي على البشرية و أكتوينا نحن
بنارها أكثر
من الآخرين.
جاء المقال الأخير للدكتور توفيق آلتونجي و الذي حمل عنوان (التركيب الأثني لمدينة
كركوك بين البحث العلمي
و
الطروحات القومية - التاريخية)،و يبدو أنه تعقيب على مقال لي نشرته مجلة (كولان
العربي) التي تصدر
في
أربيل في عددها الأخير لشهر نيسان تحت عنوان (التركيب الأثني لسكان كركوك خلال قرن
1850 - 1958)
ليلقي بظلال من الشك على التوجهات الحقيقية للكاتب. وورد في مقاله هذا بعض الآراء و
الأفكار التي تحتاج الى
التوضيح
و التعقيب.
بدءا أود ان أشير الى أنني مع الحوار العلمي الموضوعي و الهادئ الذي يهدف الى توضيح
الحقائق بعيدا عن التشنج
و
الأهواء السياسية خدمة للقراء و من أجل بناء علاقات صحية بين البشر عموما و
المكونات الأثنية في العراق
و بخاصة
في كركوك المدينة و اللواء.
يجد المرء صعوبة في فهم الأمر الذي دفع بالدكتور التونجي الى الحديث عن
البيريسترويكا و زوال الأتحاد السوفيتي
و
التحولات الفكرية التي أعقبت ذلك و غير ذلك من الأمور التي وردت في مقدمة المقال.
إذا كان الهدف هو إيجاد
رابط
بين ما أطرحه من آراء في كتاباتي و بين حقيقة كوني أكملت دراستي للدكتوراه في
الأتحاد السوفيتي السابق
و درست
الفلسفة الماركسية كجزء من متطلبات دراسة الدكتوراه،وهو أمر لازلت أؤمن بأنه أفادني
كثيرا في
حياتي العملية
و العلمية دون أن أكون ماركسيا بمعناه السياسي في يوم من الأيام،فإني لا أعتبر هذا
أمرا يه
م القارئ الذي
يود ان يطلع على حقائق تتعلق بالتركيب الأثني لسكان كركوك خلال القرنين الماضيين
كما
أنني سأتجاوز الفقرات المطولة التي كرسها الدكتور آلتونجي للحديث عن سيرتي الشخصية
و تاريخ عائلتي
،وهو
أمر لا أجد له مبررا على الأطلاق.فنحن بصدد موضوع التركيب الأثني لسكان كركوك.
ماعلاقة هذا
الأمر بسيرتي
الشخصية و تاريخ عائلتي و من أين جاءت و أين سكنت ؟. يعلم الله أن أكره الأمور الى
نفسي
هو الحديث عن
الذات،و أشعر بالغثيان حقا عندما أرى أناسا لايملون من الحديث عن تاريخهم الشخصي و
يخترعون
القصص و الأساطير عن أصولهم و تأريخ عوائلهم و بطولاتهم
!!
أشير فقط في هذه المناسبة الى ان أكثر المعلومات التي أشار اليها الدكتور آلتونجي
عن مواطن عائلتي و تاريخ
قدومها
الى كركوك غير صحيحة
لم يرد
في مقالي ما يشير الى أنني ذكرت أن إسم كوردستان استخدم في العصور القديمة. كل من
له إطلاع بسيط
على التاريخ
الكردي و تاريخ المنطقة يعرف ان السلجوقيين اطلقوا اسم كوردستان لأول مرة على إحدى
مقاطعات
امبراطوريتهم
المترامية الأطراف في عهد السلطان سنجر. و قبل هذا التاريخ كانت كوردستان تعرف
بأسماء أخرى
مثل كوهستان و
أقليم الجبال و بلاد الكرد. أما في العصور القديمة فكانت البلاد المعروفة اليوم
بكوردستان تحمل
أسما
أخرى و تدخل شأنها في ذلك شأن البلدان الأخرى في عداد الأمبراطوريات المعروفة في
التاريخ. هل يعرف
الدكتور
آلتونجي متى بدأ استخدام إسم تركيا من قبل الأوروبيين و من ثم الأتراك ؟ أو متى طلب
رضا شاه رسميا
من الدول
الأخرى استخدام اسم ايران بدلا من بلاد فارس ؟.ان ما قلته في مقالي هو أن منطقة
كركوك كانت
على مدى
التاريخ المعروف لدينا تدخل ضمن الدول و الكيانات التي قامت في كوردستان من قبل
الأقوام التي
سكنت كوردستان
و ساهمت فيما بعد في تشكيل الأمة الكردية أو امبراطوريات سيطرت على كوردستان
ما
علاقة اسم كوردستان بما كتبه الكاتب الألماني كارل ماي ؟ كان الأجدر ان نتحدث عن
رحلة ماركو بولو
و غيره.
يعيب علي الدكتور التونجي استخدامي لمصطلح (العثمنة) و هو مصطلح شائع في الأوساط
العلمية و المهتمين
بالتاريخ العثماني. كانت الأوساط الحاكمة في الدولة العثمانية تتحدث عن الأمة
العثمانية. ألم يقرأ الدكتور عن
محاولات
السلطان عبدالحميد الثاني و عدد من كبار رجال الدين لأقامة الجامعة العثمانية ؟ ألم
تحاول الدولة
العثمانية خلق
أمة عثمانية لمواجهة نزعة الأستقلال لدى شعوب الأمبراطورية و الوقوف بوجه زحف الدول
الأوربية ؟. ألا يعرف الدكتور ان لفظة التركي كانت تطلق في الدولة العثمانية على
فلاحي الأناضول حصرا
و
للسخرية من الناس ؟.
أما عن حركة تركيا الفتاة و جمعية الأتحاد و الترقي التي قامت بثورة 1908 و جمعية
التعاون و الترقي الكردي
و ليس
(كردية الفتاة) كما يذكر الدكتور التونجي،و غيرها فهو خارج عن موضوع بحثنا و هناك
دراسات
علمية كثيرة و
بمختلف اللغات يمكن للمرء الرجوع اليها.
إنه لأمر غريب حقا ان يشكك الدكتور آلتونجي بنزاهة و موضوعية المؤرخ محمد أمين زكي
الذي يشهد له غير
الكرد
قبل الكرد بالموضوعية و النزاهة و التسامح. وقد بدأ محمد أمين زكي بتأليف كتبه قبل
ان تظهر الحركة
النازية
بأكثر من عقد من السنين و قبل وصول الحزب النازي الى دست الحكم في ألمانيا بعقدين
من الزمن
و نشر أكثر
دراساته قبل ان يسمع العالم بهتلر و حزبه. يبدو أنه لم يكلف نفسه بالأطلاع على
مؤلفات
محمد أمين زكي
و يردد هنا رأي كويتب لا ترقى مستوى معلوماته عن المنطقة و التركمان الى مستوى
معارف
تلميذ في الثانوية. الآراء التي أسسها الكاتب على افتراضاته السابقة لا تستطيع
الصمود أمام النقد العلمي
إذا كان
الدكتور آلتونجي مطلعا على بعض ما نشرته في هذا المجال لا بد أنه مدرك لحقيقة أنني
أعتمد في دراساتي
على
المصادر العلمية و بخاصة الأجنبية المحايدة في المسائل الشائكة لمعرفتي المسبقة
بالتهم الجاهزة لكل رأي
لا
ينسجم و رغبة هذا الطرف او ذاك. و يبدو ان السيد آلتونجي يتناول مواضيع وردت في
مقال آخر لي دون أن
يشير
اليه و قد أشرت هناك و في موضوع أصول العوائل الكركوكية الى رأي المستشرق الجورجي
ألبرت مينتاشيفيلي
و
أدموندز و غيرهما.
أما حقيقة بناء الكوتيين لمدينة كركوك و قلعتها فقد أصبحت من الحقائق التاريخية
المعروفة التي لا يتجادل المؤرخون
و علماء
الآثار بشأنها. و كون كركوك كانت جزءا من الدولة الميتانية و الهورية و الميدية و
غيرها ايضا أصبحت
حقائق
معروفة لدى القاصي و الداني. و لا يتجادل أثنان حول كون هذه الشعوب و الأثنيات
أجدادا للكرد الحاليين و
شاركوا
في تشكيل الأمة الكردية في الربع الأول من الألفية الأولى
لم
يتمكن الدكتور التونجي بالأستناد الى مصدر علمي موثوق و حتى غير موثوق ان يطعن في
صحة و موضوعية اية
معلومة
واردة في مقالى المنشور في مجلة كولان العربي و لم يقتبس من المقال ولو لمرة واحدة
نصا أو معلومة
بصورة دقيقة،بل تصرف وفق قاعدة ((ولا تقربوا الصلاة ….)) دون ان يشير ((و أنتم
سكارى)). فقد اشار مثلا
الى عدد التركمان (و ليس عدد السكان الذين اعتبروا اللغة التركمانية أو التركية
لغتهم الأم كما وردت في
أحصاء
عام 1957) في مدينة كركوك حسب إحصاء عام 1957 كما ورد في مقالي المنشور كحقيقة
مطلقة
لأنه وجد أن
الرقم هو لصالح طروحاته. لا يمكن التعويل كثيرا على مبدأ اللغة الأم لتحديد
الأنتماء القومي للسكان
و يعرف
الدكتور الذي قضى سنوات طويلة في تركيا أن مبدأ اللغة الأم هو المبدأ المتبع في
تركيا لتحديد انتماء الناس
القومي.
كم يبلغ عدد الذين يعتبرون لغتهم الأم التركية في تركيا ؟؟؟ أترك حرية الجواب على
هذا السؤال للدكتور
التونجي،لنعرف هل هناك كردي أو عربي أو لاظي،أو يوناني ….الخ واحد في تركيا
ولم يشر
الدكتور الى تحليلي لنتائج إحصاء 1957 و قصة ال 5284 شخصا الذين لم تعرف لغتهم الأم
في كركوك
عام 1957!!! و
قصص تزوير العدادين لحقيقة اللغة الأم للسكان والتي أشغلت محاكم كركوك و دوائر
النفوس فيها
!!!
في النهاية أضم صوتي الى صوت الدكتور ألتونجي للدعوة الى التسامح و إجراء الحوار
البناء وأخذ العبر من الماضي
القريب
و عدم تحميل الأجيال الحالية أخطاء الأجيال السابقة و التحرر من شباك الأفكار
المتطرفة التي لن تجلب سوى
الشقاء و
العذابات للجميع.
