|
تركيا والأكراد : ماذا بعد خسارة الجولة الأولى
د.جبار قادر
خسارة
تركيا للجولة الأولى من حربها الأعلامية ضد كرد العراق
تبدو واضحة للعيان من خلال التصريحات الأخيرة التي أدلى بها أمس
وزير الحرب التركي صباح الدين جكماك أوغلو و نقلتها وكالة
أنباء الأناضول . فبعد تهديداته السابقة لكرد العراق بالويل و
الثبور و عظائم الأمور فيما إذا فكروا بإقامة الدولة الكردية (
وهو أمر لم يطالب به كرد العراق و تنفيه القيادات الكردية بصورة
يومية تقريبا وتعرف تركيا قبل غيرها إستحالة إقدام كرد العراق
بالمغامرة بإقامة دولة كردية محاصرة في ظل الأوضاع الأقليمية و
الدولية الحالية المتشجنة رغم حق الشعب الكردي الشرعي مبدئيا كسائر
شعوب الأرض في تقرير مصيره الأمر الذي تقره القوانين الدولية ).
ووصل الأمر بجقماق أوغلو بالتهديد بإحتلال الموصل و كركوك و
الحديث عن حقوق ( تاريخية !!!) للدولة التركية في كوردستان العراق و
محافظة الموصل وما الى ذلك من الأطماع التي تثيرها بين فينة و
أخرى بعض القوى التوسعية و القومية المتطرفة في تركيا ،حاول
التنصل منها بطريقة تحافظ على ماء الوجه .
يبدو أن ردود
الفعل القوية من جانب الشخصيات و القوى السياسية الكردستانية في الوطن و
في المنافي الى جانب العديد من قوى المعارضة و الشخصيات
العراقية و بعض الأوساط العربية و الأقليمية قد قطعت على الوزير
التركي أحلامه الوردية و أعادته الى واقع تركيا المرير الملئ
بالأحتقانات السياسية و الأجتماعية و الأقتصادية. ولا يستبعد أن
تكون الولايات المتحدة الأمريكية و حليفاتها قد قامت بتوبيخ
الحكومة التركية بسبب تصريحات جكماك أوغلو التي تتقاطع مع خطط
أمريكا وعهدوها بالحفاظ على وحدة الأراضي العراقية ومطالبة رئيس
الوزراء المخرف لوزيره بتكذيب تصريحاته السابقة
.
غير أن قيام
جكماك أوغلو الذي ينتمي الى حزب الحركة القومية الفاشي
بالتنصل من تهديداته السابقة بصورة مباشرة سيؤثر على مكانة
حزبه في أوساط قطعان الذئاب الرمادية وقد دخلت البلاد مرحلة
الدعاية الأنتخابية و ليس لدى الحزب مايقدمه من برامج سوى شحنات
التطرف القومي و العنصري إزاء القوميات الغير تركية في تركيا و
معاداة الشعوب المجاورة بل و البعيدة و إتهام الجميع بتدبير
المؤمرات و الدسائس ضد الأمة التركية و العمل على تقطيع أوصال تركيا .
لذلك لجأ الوزير الى إطلاق تصريحات جديدة (تنسخ) تهديداته
السابقة ولكن دون الأشارة اليها من قريب أو بعيد . فقد أشار الى أن
(( شرعة الأمم المتحدة تنص على أن الدول قادرة على القيام
بعمليات على حدودها من أجل تأمين أمنها )). أين هذا الكلام المؤدب و
المؤسس على شرعة الأمم المتحدة و الحديث عن القيام بعمليات
عسكرية على الحدود الوطنية من التهديد و الوعيد بإحتلال مناطق واسعة
من أراضي دولة مجاورة.
وحديث جكماك
أوغلو عن قيام الجيش التركي في الماضي ب(( عمليات عديدة على الحدود )) و قوله ((
اذا لاحظت تركيا تهديدا محتملا على حدودها فستقوم بعمليات مماثلة
)) يهدفان الى إقناع الناس بأن بلاده وبعكس تهديداته السابقة
شخصيا لا تنوي القيام بعمليات عسكرية واسعة النطاق بل ستحاول
حماية الأمن على حدودها الوطنية و قد تستغل ظروف الهجوم الأمريكي
على العراق وتقوم قواتها العسكرية بشن هجمات ضد مواقع
معينة لقوات مؤتمر الحرية والديمقراطية الكوردستاني (( حزب العمال
الكوردستاني سابقا )) في كوردستان العراق . يعرف وزير الحرب هذا
بأن عمليات التوغل السابقة للجيش التركي كانت تجري ضمن شريط
حدودي ضيق وكانت برضى و أحيانا كثيرة ، ومع الأسف الشديد ، بدعوة
أحد الحزبين الكرديين المتناحرين الذين ساهمت خلافاتهما الى
جانب أوضاع الحصار و تدمير الحكومة العراقية للبنى التحتية في
كوردستان و أسباب أخرى لا مجال للأسهاب فيها هنا الى فسح المجال
أمام تركيا و غيرها للتدخل في الشؤون الداخلية الكردية و ممارسة
الضغوط على الجانبين و دفعهما للتصادم والتناطح العقيم
.
السؤال المهم
الآن و بعد هذه اللطمة التي وجهت لأكثر الأوساط
عنصرية ودموية في تركيا، هل تسكت هذه القوى على مضض و تقبل بالهزيمة
و تصحو من أحلام اليقظة وتلجأ الى سلوك جديد مع الجيران أم
ستحاول الرد و الأخذ بالثأر من الكرد من حيث لا يتوقعون ؟
المتابع
لطبائع الأمور في تركيا لا يساوره الشك بأن القوى القومية
المتطرفة في البلاد و جنرالاتها سوف يعملون كل ما في وسعهم
للأخذ بالثأر و النيل من الكرد و قياداتهم السياسية التي وقفت
بوجه الأبتزاز التركي . يبدو لي أن الرد التركي سيكون على
مستويين داخلي و خارجي . فعلى الصعيد الداخلي و بسبب الهزائم المتتالية
للقوى القومية الفاشية التركية بدء من إضطرار البرلمان التركي
الأعتراف ببعض الحقوق الثقافية للكرد في تركيا و إلغاء حكم
الأعدام ،خاصة و إن حزب الحركة القومية حصل على نسبة عالية من
الأصوات في الأنتخابات السابقة في ظل الهيجان القومي العنصري
الذي رافق إعتقال زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان و ظل
حزب الحركة القومية يطالب بإعدامه على مدى السنوات الثلاث
السابقة،و مرورا بتنامي دور حزب الشعب الكادح وهو الحزب الرسمي الوحيد في
البلاد الذي يعبر الى حد كبير عن التطلعات القومية للكرد في
تركيا ، حتى أن التوقعات تشير الى إمكانية حصول الحزب في
الأنتخابات القادمة على نسبة من الأصوات تصل الى 8 % أو أكثر من ذلك ، و
هي نسبة تشير إستطلاعات الرأي العديدة الى إخفاق العديد من
الأحزاب التركية المؤتلفة في الحكومة الحالية و في المعارضة من الحصول
عليها ، الأمر الذي أدى الى دخول بعض الأحزاب السياسية في تركيا
في مفاوضات مع الحزب لعقد الأتفاق معه لدخول معترك الأنتخابات
. ووصل الأمر برئيس الوزراء الى التدخل السافر في شؤون
الأنتخابات و تخويف الناخبين من حصول حزب الشعب الكادح و حزب العدالة
و التقدم ( التنمية ) الأسلامي من الوصول الى البرلمان و الحكم
، لأن ذلك سيخلق برأيه أزمة في مجمل النظام السياسي التركي .
نقول بسبب تلك الهزائم ستحاول القوى القومية المتطرفة و
الجنرالات من خلال مجلس الأمن القومي ، صاحب السلطة الحقيقة في البلاد
، بعمل من شأنه أن يعيد لهم الأعتبار أمام ناخبيهم . وقد ظهرت
بوادر هذه الخطوة بسرعة غير متوقعة عندما نشرت الصحافة التركية
بالأمس وعلى لسان رئيس المحكمة الدستورية مصطفى يومين إمكانية
منع حزب الشعب الكادح قبل الثالث من نوفمبر القادم وهو موعد إجراء
الأنتخابات البرلمانية في البلاد . وقد هللت الأوساط الحاكمة و
الصحفية في تركيا لقرار منع حزب باتاسونا الباسكي وحاولت جاهدة
مقارنة إرتباط الأخير بمنظمة إيتا و علاقات حزب الشعب الكادح
بحزب العمال الكوردستاني ( كاديك حاليا) رغم الفروق الهائلة بين
الوضعين . إلا أن الأوساط التركية التي واجهت إنتقادات شديدة من
دول الأتحاد الأوربي و البرلمان الأوربي عندما حاولت منع حزب
الشعب الكادح عبر قرار صادر من المحكمة الدستورية تحاول إعتبار
قرار المحكمة الأسبانية على أنه إجراء أوربي عام يمكن للدول
الأعضاء و المرشحة لعضوية الأتحاد الأوربي الأحتذاء به و تطبيقه
دون أن يثير ردود فعل قوية و إدانة من مؤسسات الأتحاد الأوربي . هل
تنجح تركيا على هذا الطريق و تسد جميع الطرق أمام الكرد
لممارسة النشاط السياسي و تدفعهم الى التطرف ، أم ستجبر على التخلى
عن هذا النهج ويتحول حزب الشعب الكادح الى حجر الزاوية في
بناء نظام سياسي جديد في تركيا ؟ هذا ما سنراه في المستقبل القريب
.
أما على
الصعيد الخارجي ستحاول تركيا من جهة إبتزاز
النظام البعثي في العراق للحصول على أكبر قدر ممكن من المنافع
الأقتصادية و إفتعال الأزمات و وضع العراقيل أمام تطور
الأوضاع في العراق و ماحوله لصالح الديمقراطية من جهة أخرى . وتهدف
من وراء ذلك كله الى خلق أوضاع غير مستقرة تتزايد معها مخاطر
الأحتقانات والتدخلات الأقليمية و إندلاع النزاعات المحلية و
تستطيع معها الأحتفاظ بأهميتها و موقعها في الأستراتيجية
الأمريكية و الغربية و التي أعطتها إمكانية إبتزاز الطرفين إقتصاديا
على مدى الخمسين عاما الأخيرة . تدرك تركيا أن قيام نظام موالي
للغرب في عراق غني بالثروات النفطية و الأمكانيات البشرية و
الزراعية و غيرها يعيد الى العراق ثقله السياسي و الأقتصادي في
المنطقة بل و يمكن ان ينقله الى مركز الأحداث و السياسات في
الشرق الأوسط بقوة أكبر حتى مما كان عليه الأمر في عهد نوري
السعيد و قبل ثورة 14 تموز عام 1958 . والنتيجة الحتمية لمثل هذا
التطور الدراماتيكي هو فقدان تركيا لدورها المهم في
الأستراتيجية الأمريكية و الغربية و فقدانها لأوراق الضغط و الأبتزاز و تخويف
الغرب من الحركات و الدول الأسلامية و بؤر التوتر في القفقاس
و أواسط آسيا .
و على
صعيد كوردستان العراق ستلجأ الأوساط الحاكمة في تركيا لكي تعيد
الأعتبار لوزير الحرب و جنرالاته و حزبه المتطرف الى خلط الأوراق
و تحريك البيادق و القوى المرتبطة بالميت التركي مباشرة في المنطقة
لأثارة المشاكل و الفتن لخلق مبررات التدخل . فقد صرح قائد
القوات البرية التركية آيتاج يلمان بالأمس الى أنه (( ستكون هناك
في القريب العاجل تطورات جديدة لمصلحة تركيا في شمال العراق
)) . يجب أن يؤخذ
هذا التصريح بمنتهى الجدية . هل ترتبط تلك التطورات بمحاولات فتح بوابة جديدة بين
العراق و تركيا عبر سوريا و خنق الأدارة الكردية وبخاصة في أربيل و
التي وقفت بوجه التهديدات التركية ؟ أم ستحاول تركيا عبر
عملائها في الجبهة التركمانية وما يسمى بقوات السلام و
غيرهما من المرتبطين بالميت التركي الى إثارة الفتن و الخلافات وصولا
الى توفير المبررات للتدخل ؟ أم العمل على إثارة الخلاف بين
الحزبين الكرديين الرئيسيين الذين يلاحظ التباين في
علاقاتهما بتركيا وصولا الى إيجاد الأرضية المناسبة لأندلاع جولات
جديدة من القتال بينهما و التي ستكون بمثابة الكارثة بالنسبة لكرد
العراق و لن يرحم الكرد و التاريخ من سيقع في هذا المطب القاتل ؟
قد تبدو هذه الأستنتاجات للبعض تهويلا للأمور . ولكن
التجارب علمتنا أن جميع الأحتمالات قائمة و معاداة تركيا للحقوق
القومية المشروعة للكرد لا حدود لها و حالة الأختلاف و الأحتراب
الداخلي الكردي كان ولايزال المصدر الأساسي لكل الكوارث التي
حلت بالشعب الكردي .
لا بد من مواصلة
الضغط على الرأي العام العراقي و العربي و العالمي للتنديد بالتهديدات التركية و و
المطالبة بخروج القوات التركية المتواجدة على أرض كوردستان
العراق وعدم السماح بتواجدها في المنطقة تحت أية مسميات . من الضروري
المطالبة بنزع السلاح عن ما تسمى بقوات السلام و التي يشرف عليها
ضباط أتراك و طردهم من كوردستان و تكليف قوى سياسية كردستانية و
عراقية معروفة بنزاهتها و إخلاصها للتراب الوطني بهذه المهمة
فيما إذا كانت هناك من حاجة أصلا الى مثل هذه القوات خاصة وأن
القيادات السياسية للحزبين المتنافرين تزعم في كل مناسبة أن بناء
الثقة بين الطرفين وصلت الى مرحلة متقدمة و هناك تنسيق بين
الطرفين على مستويات عدة .
وأخيرا لا بد
من ممارسة ضغط شعبي كبير على قيادة الحزبين للتوصل الى إتفاق نهائي وحل جميع النقاط
العالقة من إتفاقية واشنطن و الأسراع في لم شمل البرلمان و
توحيد الأدارتين و توحيد الموقف من التطورات الجارية و من
العلاقات مع القوى الأقليمية و تحميل تلك القيادات مسؤولية أية عثرات
ستحصل للتجربة الكردية .
HOME
|