الترجيحات الفقهية عند الإمام الشوكاني

في كتابه " نيل الأوطار" – قسم المعاملات –

دراسة تحليليّة مقارنة

  إعداد

معلمين محمد شهيد

 بحث تكميليٌّ لنيل درجة الماجستير في الفقه وأصول الفقه

   أغسطس 2003 م

المحتويات

ملخَّص البحث                                

ملخَّص البحث باللغة الإنجليزية                       

صفحة القبول APPROVAL PAGE

DECLARATION

الإقرار

شكر وتقدير

محتويات البحث

الفصل الأول التمهيدي :

المقدمة

مشكلة البحث

أهمّية البحث

أسئلة البحث

أهداف البحث

الدِّراسات السابقة

منهجيَّة البحث

 

الفصل الثاني : الإمام الشوكاني ومنهجه في الترجيح

المبحث  الأول: نبذة عن الإمام الشوكاني وعصره

أولاً    : نبذة عن الإمام الشوكاني                           

     ( أ )   ميلاده ونشأته ووفاته

     (ب)  شيوخه

     (ج )  تلاميذه

ثانياً    : عصر الإمام الشوكاني

المبحث الثاني: نيل الأوطار ومكانته بين كتب أحاديث الأحكام.

أولاً: التعريف بكتاب "نيل الأوطار"

     ( أ )  أصل الكتاب

     (ب)  تاريخ تأليفه

     (ج )  أسباب تأليفه

ثانياً: مكانة كتاب (نيل الأوطار) بين كتب أحاديث الأحكام وثناء العلماء عليه

المبحث الثالث: منهج الإمام الشوكاني في الترجيح وخصائصه

أولاً: منهج الإمام الشوكاني في كتاب نيل الأوطار

ثانياً: منهج الإمام الشوكاني في الترجيح

     ( أ )  تحديد المراد بمصطلح الترجيح

     (ب) منهج الإمام الشوكاني في الترجيح وأسسه

     (ج ) خصائص ترجيحات الإمام الشوكاني ومصطلحاتها 

الفصل الثالث: دراسة تحليلية مقارنة لنماذج من ترجيحات الإمام الشوكاني في نيل الأوطار – قسم المعاملات -

المبحث الأول: ترجيحات الإمام الشوكاني في عقود المعاوضات

أولاً: مسألة بيع الحاضر للبادي

     ( أ )  تحديد المراد ببيع الحاضر للبادي

     (ب) آراء الفقهاء في مشروعية هذا البيع

     (ج ) رأي الإمام الشوكاني وترجيحه في المسألة، ومنهجه فيه    

ثانياً: بيع العربون     

     ( أ )  تحديد المراد ببيع العربون

     (ب) آراء الفقهاء في مشروعية هذا البيع 

     ) ترجيح الإمام الشوكاني في المسألة ومنهجه في ذلك

ثالثاً: بيع الثمرة قبل بدو صلاحها                   

     ( أ )  تحديد المراد ببيع الثمرة قبل بدوّ صلاحها          

     (ب) آراء الفقهاء في حكم بيع الثمرة قبل بدوّ صلاحها

     (ج ) ترجيح الإمام الشوكاني في المسألة

     ( د ) منهجه في الترجيح وموقفه من بقية الأقوال

المبحث الثاني: ترجيحات الإمام الشوكاني في عقود الخيارات

أولاً: أحكام خيار المجلس

     ( أ )  تحديد المراد بخيار المجلس

     (ب) آراء الفقهاء في ثبوت خيار المجلس

     (ج ) موقف الإمام الشوكاني من الآراء وتعليقه عليها

     ( د ) ترجيح الإمام الشوكاني ومنهجه فيه

ثانياً: خيار العيب وعلاقته ببيع المصرَّاة

     ( أ )  تحديد المراد بالمصرّاة

     (ب) آراء الفقهاء في حكم بيع المصرّاة

     (ج ) ترجيح الشوكاني ومنهجه فيه

المبحث الثالث: ترجيحات الإمام الشوكاني في عقود التبرعات

أولاً: قبول هدايا الكفار والإهداء لهم

     ( أ )  تحديد المراد بالهدية

     (ب) حكم الهدية

     (ج ) حكم قبول الهدية من الكافر

     ( د )  اختيار الإمام الشوكاني والجمع بين الأحاديث ومنهجه فيه

 ثانياً: التسوية بين الأولاد في العطية

     ( أ )   تحديد المراد بالتسوية والعطية

     (ب) حكم التسوية في العطاء

     (ج ) الأدلة في المسألة

     ( د )  ترجيح الإمام الشوكاني ومنهجه فيه

ثالثاً: حكم الوقف

     ( أ )   تحديد المراد بالوقف

     (ب) آراء الفقهاء في مشروعية الوقف ولزومه

     (ج ) ترجيح الإمام الشوكاني ومنهج فيه

المبحث الرابع: ترجيحات الإمام الشوكاني في مسائل الربا

 أولاً: القياس على الأجناس المذكورة في أحاديث الربا غيرها

     ( أ )  التعريف بالمسألة

     (ب) آراء الفقهاء في علّة تحريم الزيادة في الأشياء المذكورة في الأحاديث ليقاس عليها غيرُها.

     (ج ) الأدلة في المسألة

     ( د ) ترجيح الإمام الشوكاني ومنهجه فيه

 ثانياً: حكم بيع العينة

     ( أ ) تحديد المراد بالعينة

     (ب) آراء الفقهاء في حكم بيع العينة

     (ج ) الأدلة في المسألة

     ( د ) ترجيح الإمام الشوكاني ومنهجه فيه

 

الفصل الرابع: ترجيحات الإمام الشوكاني وأهمّيتها في الاجتهاد والتجديد والتقريب بين المذاهب.

مقدمة

المبحث الأول: ترجيحات الإمام الشوكاني وأهميتها في الاجتهادات الفقهية

أولاً: ترجيحات الإمام الشوكاني وأهميتها في الاجتهادات الفقهية في عصره

ثانياً: أهمية ترجيحات الإمام الشوكاني في الاجتهادات الفقهية المعاصرة

المبحث الثاني: ترجيحات الإمام الشوكاني وأهميتها في تجديد الفقه الإسلامي.

أولاً: مفهوم تجديد الدين في الفقه الإسلامي

ثانياً: دواعي التجديد

ثالثاً: أهمية ترجيحات الإمام الشوكاني في تجديد الفقه الإسلامي

المبحث الثالث: ترجيحات الإمام الشوكاني وأهميتها في التقريب بين المذاهب الفقهية

أولاً : تحديد المراد بالتقريب بين المذاهب الفقهية

     ( أ ) معنى التقريب في اللغة

     (ب) معنى التقريب في الاصطلاح

ثانياً : أهمية التقريب بين المذاهب الفقهية وأثره على وحدة الأمة

ثالثاً : الدعوة إلى التقريب بين المذاهب وكيفية تطبيقها

رابعاً: أهمية ترجيحات الإمام الشوكاني في التقريب بين المذاهب

المبحث الرابع: مدى إمكانية الاستفادة من ترجيحات الإمام الشوكاني في العصر الحاضر

المسألة الأولى: الاحتكار حرام في الأقوات وفي سواها

المسألة الثانية: التلفّظ بالتراضي في عقد البيع

المسألة الثالثة: البيع في الطرقات 

الخاتمة

ثبت المراجع

 

المقدمة :

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم الصلاة والسلام على نبينا محمد الذي أرسله المولى تبارك وتعالى لجميع البشرية بشيرا ونذيرا وهاديا بإذن الله وسراجاً منيرا، وليخرج الناس من ظلمات الشرك والكفر والضلال إلى نور التوحيد والإيمان والهداية، أما بعد.

فإن السنة - وهي المصدر الثاني للإسلام- كانت ولاتزال الموردَ العَذْبَ الذي يَرِدُه المسلمون ليتزودوا منه مع القرآن الكريم لدنياهم وآخرتهم.

ولقد اشتغل العلماء من الفقهاء والمحدِّثين بِجَمْع وشرح الأحاديث النبويَّة الصَّحيحة المنتقاة ،فقاموا بشرح معانيها وفكِّ غموض ألفاظها وتجلية صعوبة مصطلحاتها بالإضافة إلى تناولها بالشرح الفقهي حيث بينوا مذاهبَ الفقهاء في المسائل الفقهية اعتمادا على الاستنباطات الفقهية المأخوذة من السنة النبويّة.

ومن أولئك العلماء شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- الذي قام بجمع أحاديث الأحكام من السنة النبوية في كتابه المسمى بـ" منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار". وامتاز هذا الكتاب بكونه كتابا جمع فيه أحاديثَ الأحكام بطريقةٍ فريدة، حيث جَمَعَ فيه من السنة المطهرة أحاديثَ الأحكام التي شملت من دلائل الأحكام جملةً نافعة وصار مرجعاً لجلّة العلماء عند الحاجة إلى طلب الدليل.

ورغبةً في خدمة السنة المطهَّرة من خلال هذا السِّفْرِ الفريد قام الإمام الشوكاني بشرح أحاديثه في كتابه المسمى بـ" نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار"، وقد شمل الشرحُ أنواعاً عديدة من خدمة الكتاب وتحقيقه، حيث قام بتخريج الأحاديث وبيان طُرُقِها واختلاف ألفاظها، وما قيل من صحّةٍ أو ضعفٍ، وأقوال أئمَّة الحديث مع إبداء رأيه في ذلك، كما قام بكشف معاني ألفاظ الحديث  وأقوال علماء اللغة فيها، وبيان اشتقاقها مع إيضاح معناها الاصطلاحي والشرعي. وأهمُّ من ذلك كله عنايتُه باستنباطِ أحكامِ الفقه وكيفية الدلالة عليها وذكر أقوال مذاهب العلماء وحجَّة كلٍّ منهم مع بيان الراجح من الآراء بدون تعصُّبٍ أو تعسُّفٍ.

 

مشكلة البحث :

إن القضية الأساسية لهذا البحث هي دراسة المسائل الفقهيَّة المختلف فيها في كتاب "نيل الأوطار" – قسم المعاملات- وترجيحات الإمام الشوكاني فيها من خلال آرائه التي تمسَّك بها فيما يراه صواباً من أقوال العلماء بعد ذكر الأدلَّة والحجج، مع التركيز على بيان منهج الشوكاني في هذا الترجيح وخصائصه، وكذا الدراسة المقارنة للمسائل الفقهية الواردة في الكتاب بالإضافة إلى دراسة أهمية هذه الترجيحات في الاجتهادات المعاصرة، والتجديد، والتقريب بين المذاهب الفقهية.

 

أهمية البحث:

ولما كان كتاب "نيل الأوطار" من الكتب المشهورة في شرح الحديث، وله ميزةٌ قلَّ أن توجد في غيره من الكتب، الأمر الذي جعله من أهمِّ كتب فقه الحديث، فقد كان لترجيحات الإمام الشوكاني في كتابه منـزلةٌ كبرى وشأن عظيمٌ لا يستغني عنه طلاب العلم، وينبغي لفقهاء العصر الحاضر النظرُ فيها والرجوع إليها.

والشوكاني-كما هو معروف- إمامٌ في الفقه وأصوله، إلى جانب إمامته في التفسير والحديث. فمنـزلته في كثير من أنواع العلوم والفنون لا يُشَقُّ له فيها غبارُها، واشتهرت براعتُه في العلم بين علماء عصره والذين جاؤوا من بعده وعُرِفَ بأنه إمامٌ من أئمة الإسلام.

وتتجلَّى أهمِّيةُ هذا البحث في أنّه سيخدم الكتاب في جانبٍ لم يُحْظَ بعنايةٍ كافيةٍ من  الكُتَّاب والمؤلفين ، وهو جمعُ المسائل الفقهية التي وردت فيها ترجيحات الإمام الشوكاني في كتابه "نيل الأوطار" –خاصَّةً فيما يتعلَّق بقسم المعاملات- ودراستُها دراسةً تحليليَّة نقديَّة، بالإضافة إلى دراسة المسائل الفقهيَّة المختلف فيها وذلك من خلال تتبُّع نصوص الكتاب مع ذكرِ منهجه في الترجيح وخصائصه. وتكملةً لهذا، ستكون في آخر البحث دراسةٌ عن أهمية الترجيحات الشوكانية في الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي، ومحاولة التقريب بين المذاهب الفقهية الموجودة في العالم الإسلامي.

 

أسئلة البحث:

يطرح هذا البحثُ الأسئلةَ الآتيةَ:

1-             ما المسائل الفقهية المختلف فيها – ضمن قسم المعاملات - والتي وردت فيها ترجيحات الشوكاني؟

2-             ما منهجُ الإمام الشوكاني في ترجيحاته الواردة في كتاب "نيل الأوطار"، وما خصائص هذا المنهج؟

3-             ما أهمية وأثر ترجيحات الشوكاني على الفقه الإسلامي وتجديده، والاجتهادات الفقهية، والتقريب بين المذاهب؟

4-             ما مدى إمكانيَّة تطبيق هذه الترجيحات في المسائل الفقهيَّة المعاصرة، والاستفادة منها.

 

أهداف البحث:

أولاً    : محاولةُ جمعِ وتفحُّصِ الترجيحات الفقهية التي وردت في كتاب نيل الأوطار –قسم المعاملات-، ودراسة المسائل الفقهية الواردة فيها دراسةً مقارَنةً.

ثانياً    : دارسة منهجِ الإمام الشوكاني في الترجيح على ضوء المسائل الواردة في كتاب نيل الأوطار (قسم المعاملات)، وذلك بذكر شروطه، وضوابطه، وخصائصه.

ثالثاً    : ذِكْرُ الخصائص والمميَّزات الموجودة في ترجيحات الإمام الشوكاني ومقارنتها بآراء الفقهاء الآخرين. ومن خلال معرفة هذه المميزات، سيتجلى مدى قوة علمِ الشوكاني في الفقه وإلمامه به وكذا منـزلته بين الفقهاء.

رابعا   : معرفة أهميَّة وأثر الترجيحات الفقهية عند الإمام ا لشوكاني على الفقه الإسلامي والاجتهادات الفقهية المعاصرة، وكذا التقريب بين المذاهب. وسيتمُّ ذلك من خلال دراسة منهجه الترجيحي وآرائه الفقهية الواردة في الكتاب.

خامساً : بيان مدى إمكانية تطبيق ترجيحات الشوكاني في المسائل الفقهية المعاصرة ومدى الاستفادة من هذه الترجيحات في القضايا الفقهية المختلف فيها في العصر الراهن.

 

الدراسات السابقة:

لقد ورد عددٌ من الدراسات حول الإمام الشوكاني، وعُنيت شخصيتُه العلمية بالكثير من الدراسات القيِّمة التي تركَّزت في جوانب علميَّة عديدة، منها: التفسير، والفقه، والحديث، والتربية، والفلسفة وعلم الكلام.

لم تكن هذه الدراسات مقتصرةً على مجرَّد ذكر ترجمة شخصيَّة الإمام فحسب، بل اشتملت أيضًا على دراسات عن بعض مؤلَّفاته. إلا أنه لم تكن هناك دراسةٌ مستقلَّةٌ وكافية لكتابه المسمى بـ" نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار" خاصّةً فيما يتعلق بالترجيحات الفقهية من حيث استخراجها وجَمْعِها من ضمن المسائل الواردة في الكتاب. لذا، فإنَّ هذه الدراسة تروم خدمةَ الكتاب من خلال دراسة الترجيحات الفقهية التي وردت في المسائل الفقهية الموجودة في الكتاب (قسم المعاملات).

وبما أن الدراسات والبحوث حول كتاب نيل الأوطار لم تتوفَّر بشكل كافٍ، خاصةً فيما يتعلّق بجانب الترجيح بينها -، فإن معظم الدراسات الموجودة والمتوفِّرة حالياً ينحصر في دارسة عن المؤلف من خلال ذكر ترجمته ودراسة عن شخصيَّته بوصفه فقيهاً، محدِّثاً، مفسِّرا، ومربِّياً، وذلك من خلال البحوث المختصرة، أو من كُتُبِ المؤَلِّف المحقَقَّة. وسوف يأتي ذكر بعض هذه الكتب في الفقرات الآتية.

أما عن الدراسات حول المؤلف وترجمته، فقد تيسَّر للباحث الاطلاعُ على كتب الدكتور حسين بن عبد الله العمري. ويعتبر هذا الدكتور من أكثر المؤلِّفين المعاصرين اشتغالاً بكتب الإمام الشوكاني -تحقيقاً ودراسةً وتعليقاً-. وقد اهتمّ المؤلفُ بالإمام الشوكاني وكُتُبِه اهتماماً كبيرا حيث تمّ له تحقيق بعض مؤلَّفات الإمام، أهمّها: كتاب البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع.

ففي الكتاب المسمى بـِ: الإمام الشوكاني رائد عصره - دراسة في فقهه وفكره[1]، قام الدكتور حسين العمري بدراسةٍ مفصَّلةٍ عن الإمام الشوكاني، -وحسب ظن الباحث -والله أعلم- أنها أحسن وأوفى دراسةٍ لهذا الإمام. قسَّم المؤلفُ الكتاب إلى ستَّة أقسام، القسم الأول: ذَكَرَ سيرة الشوكاني بالتفصيل بدئاً من ذِكْرِ ترجمته الذاتية، نشأته، اشتغاله بالعلم والقضاء إلى ذكر الحالة الاجتماعية والدينية في عصره مثل ظهور التمذهب والتعصب وغير ذلك. القسم الثاني: تحت عنوان "الشوكاني مجتهدا وفقيها". وهذا القسم من الكتاب هو موضِع الاستفادة لموضوع البحث، إذ إنَّ الموضوعات الواردة فيه يمكن الاستعانة بها في ذكر منهج الشوكاني في الترجيح، موقفه من الاجتهاد والتقليد ومنهجه الفقهي. أما بقيَّة أقسام الكتاب فتدور حول: الشوكاني محدِّثاً، والشوكاني مفسراً، والشوكاني مؤرخاً. واختتم المؤلف كتابَه بخاتمةٍ جعلها في القسم الأخير من الكتاب وذكر فيه دراسة عن الإمام الشوكاني شاعرًا وأديِبْاً، وكذا قراءة في ديوان الشوكاني.

والكتاب الآخر الذي له علاقةٌ وتيدةٌ بترجمة الشوكاني ويمكن الاستفادة من خلال عرض فقراته، كتابُ: " نيل الوطر من تراجم رجال اليمن في القرن الثالث عشر من هجرة سيد البشر e" [2]، تأليف محمد بن محمد بن يحيى الحسني. ذكر المؤلفُ في هذا الكتاب ترجمةَ الإمام الشوكاني، حياته، شيوخه، وتلاميذه، وكذا أقوال العلماء عن الشوكاني، كما أنَّه وضع قائمةً للكتب المشهورة التي ألَّفها الإمام الشوكاني. وبما أن الكتاب يدور بحثُه حول تراجم رجال اليمن عامَّةً و لم يقتصر على دراسةٍ عن الشوكاني، فليس بالغريب أن يكون تَنَاوُلُ المؤلِّف حول الشوكاني مختصراً. وبالرغم من ذلك، إلا أن ذكره لترجمة الشوكاني يمكن أن يكون عوناً للباحث في بحثه خاصَّةً فيما يتعلّق بالدراسة حول شخصية الإمام الشوكاني.

وهناك كتاب آخر حول الشوكاني ألَّفه الدكتور حسين عبد الله العمري المسمى بـِ:" المؤرخون اليمنيون في العصر الحديث بحث في التاريخ والمؤرخين"[3]. فقد ذكر المؤلف في القسم الثاني من الكتاب موضوع " مؤرخو المرحلة الثانية " تكلَّم فيه عن أحوال الإمام الشوكاني بصفته مؤرخاً، وذكر ترجمته باختصار وأقوال العلماء حوله. وتكون الاستفادة من هذا الكتاب في بحثي من خلال فقراته التي ذكرت ترجمة الشوكاني مؤرِّخاً.

وقبل ذلك كله، فقد ذكر الشوكاني في كتابه المسمى بـِ: "البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع" ترجمةَ نفسِه مطوَّلاً مفصَّلاً [4]، كما أنه ذكر ترجمة والده بالتفصيل[5]. ذكر الشوكاني في هذا الكتاب تاريخَ ولادته، نشأته، طلبه للعلم، مشايخه، ومؤلفاته، وغير ذلك. ولا شك أن الاستفادة من هذه الترجمة في بحثي أولى من الكتب الأخرى إذ إن الكتاب من تأليف صاحب الترجمة نفسه.

هذا ما يتعلَّق بالدراسات حول الإمام الشوكاني، أما الدراسات الأخرى التي لها علاقة بالجانب الآخر من البحث - وهو الدراسة المقارنة للمسائل الفقهية الواردة في كتاب نيل الأوطار- فإن كتب شروح الحديث التي تحتوي على ذكر المسائل الفقهية وكتب الفقه المقارن ستكون خيرَ عونٍ لي في بحثي، ومن أمثال تلك الكتب :كتاب "فتح الباري شرح صحيح البخاري" [6]  لابن حجر العسقلاني، حيث يُعتبر من أشهر كُتُبِ شرح صحيح البخاري. وقد حوى الكتاب جملةً عظميةً من المسائل الفقهيَّة ضمن شرح أحاديثه. ويمكنني الاستفادة من هذا الكتاب من خلال عرض المسائل الفقهية المختلف فيها.

كما أن أمثال كتاب " الفقه الإسلامي وأدلته"  تأليف الدكتور وهبة الزحيلي، له فوائدُ جمَّةٌ  يمكن الاستعانة بها من خلال عرضه للمسائل الفقهية المقارنة، ذلك لأن هذا الكتاب من أحسن كتب الفقه المقارن التي جمعت المسائل الفقهية المختلف فيها وشملت الدراسة المقارنة فيه لجميع أبواب الفقه على المذاهب الفقهية المختلفة مقرونةً بالأقوال والأدلَّة وحجيَّة كلِّ مذهب مع أسباب الاختلاف في شكل مفصَّلٍ ورائع [7].

ومن الكتب التي لها طابعُ عرضِ المسائل الفقهية على شكل الدراسة المقارنة كتاب: "الفقه على المذاهب الأربعة" [8] تأليف عبد الرحمن الجزيري. تناول الكتاب المسائل الفقهية الخلافية في كل باب، ويمتاز بأنه جمع فيه أقوال الفقهاء من المذاهب الأربعة واختيار الأقوال المعتمد عليها في كل مذهب، بحيث يكون القول المختار هو المعتمد عليه في المذهب لأنه أُخِذَ من أهمِّ مراجع المذهب –كما ذكر ذلك المؤلف في مقدمة الكتاب-. ويمكن للباحث أن يستفيد من هذا الكتاب في بحثه من خلال المسائل الفقهية المعروضة والتي ذُكر فيها أقوال كلِّ مذهب ونسبة الأقوال وأدلَّة كل قول مع بيان وجوه الاختلاف.

وأما بالنسبة للدارسات والبحوث حول الترجيح، فإن كتب الأصول هي خير عونٍ للباحث في بحثه، وذلك من خلال موضوع الترجيح الذي من عادة علماء الأصول أن يضعوه في أواخر كتبهم. من تلك الكتب كتاب: " روضة الناظر وجنة المناظر "  تأليف الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي [9]. فقد خصّص المؤلف بحثاً مفصلاً في الجزء الثاني من الكتاب عن تعارض الأدلة والترجيح، فذكر من خلال فصول الكتاب: ترتيب الأدلة ومعرفة الترجيح، وجوه الترجيح في الأخبار، وترجيح المعاني.[10] ونظراً إلى تعَلُّق البحث بدراسة حول الترجيح، فإن هذا الكتاب جدُّ مهمٍّ ومفيد يمكنني الرجوع إليه للاستفادة في موضوع ترجيحات الإمام الشوكاني.

منها أيضا كتاب: "شرح الكوكب المنير" لمحمد بن أحمد بن عبد العزيز المعروف بابن النجار، ذكر المؤلف في المجلد الرابع في آخر أبواب الكتاب باباً بعنوان: ترتيب الأدلة والتعادل والتعارض والترجيح. لقد فصَّل المؤلف تفصيلاً بديعاً موضوعاتٍ أصوليةً، منها: معنى ترتيب الأدلة، تعريف التعارض، تعريف الترجيح وأقسامه.[11] أوفى المؤلف دراسة هذا الموضوع وأشفى غليل طلاب علم الأصول خاصةً في باب الأدلة والتعارض والترجيح، وسوف يكون موضوع هذا الباب عونًا للباحث فيما يتعلَّق بموضوع الترجيحات الفقهية.

وهناك دراسة أخرى حول قضية الترجيح في كتابٍ تيسَّر للباحث الاطلاع عليه وهو الكتاب المسمى بـِ: "كتاب الجدل -على طريقة الفقهاء-" أَلَّفه عالمٌ حنبلي أبو الفداء علي بن عقيل البغدادي الحنبلي. لقد ذكر المؤلف باباً خاصاً في الترجيحات بين الأدلة [12] حيث ذكر في هذا الباب: تراجيح الظواهر من كتاب الله، تراجيح العلل، وسائل الخلاف في الترجيح. ومن خلال تفاصيل هذه المواضيع الأصولية، يمكن للباحث الاستفادة في بحثه بخصوص دراسة المنهج الترجيحي عند الإمام الشوكاني.

ومن الكتب التي تكلمت عن موضوع الترجيح كتاب: " التعارض والترجيح عند الأصوليين وأثرهما في الفقه الإسلامي " تأليف محمد إبراهيم الحفناوي. فالكتاب -كما يظهر من عنوانه- يدور معظم الدراسة فيه حول التعارض والترجيح بين الأدلة، بالإضافة إلى البحث في أثر ذلك في الفقه[13]. وكسابقه من الكتب الأصولية، فإن الباحث سوف يحتاج إلى أن يرجع إليه عند كتابة موضوع الترجيحات الفقهية، المراد بمصطلح الترجيح نفسه وحكمه عند العلماء والمنهج الترجيحي عند صاحب كتاب نيل الأوطار.

تلك هي الدراسات والبحوث التي لها علاقة مباشرة وغير مباشرة بموضوع البحث. وقد بذل الباحث جهداً لا بأس به للبحث عن الكتب التي أُلِّفت في دراسة كتاب نيل الأوطار أو ترجيحاته، فلم يسعني العثور عليها. ولعلَّ من أقرب دراسةٍ عن الإمام الشوكاني لها علاقة ببعض مواضيع البحث –خاصَّةً فيما يتعلق بدراسة آثار ترجيحات الشوكاني في تجديد الفقه الإسلامي- هي دراسة الطالبة حليمة بوكروشة في رسالتها بعنوان "معالم تجديد المنهج الفقهي، أنموذج الإمام الشوكاني".[14] فقد كانت الدراسة منصبّةً على بحثِ معالم تجديد المنهج الفقهي متخذةً الإمام الشوكاني كنموذج. ذكرت المؤلفة في رسالتها -من خلال فصولها الخمسة- ترجمة الشوكاني، جياته وفقهه، ومنهجه التجديدي في الفقه. ومن المواضيع التي ذكرتها الباحثة " أسس التجديد الفقهي عند الشوكاني"، حيث أوردت فيها تحريمَ التقليد والدعوة إلى الاجتهاد، تحقيق الحق من علم أصول الفقه، وتجديد منهج الدراسات الفقهية. فأمثال هذه المواضيع سوف تساعدني في بحثي خاصّةً فيما يتعلق بمبحثٍ حول علاقة ترجيحات الشوكاني بالتجديد الفقهي من خلال فقه المعاملات وأثر هذه الترجيحات في ضوء الواقع المعاصر.

 

منهجيَّة البحث:

نظرًا إلى طبيعة موضوع البحث، فإن المنهج الذي يرى الباحث استخدامَه في بحثه هو المنهج الاستقرائي والتحليلي، وكذا المقارن.

أما المنهجان: الاستقرائي والتحليلي فسوف يستخدمهما الباحثُ في دراسة كتاب نيل الأوطار – قسم المعاملات- ،حيث يقوم بقراءةٍ مُوَسَّعةٍ ومدقَّقةٍ لنصوص الكتاب ومسائله الفقهية - خاصةّ المختلف فيها-، ثم يقوم بجمع المسائل التي رجَّح المؤلف فيها وأَبْدَى رأيه وميوله إلى قول من الأقوال، ثم يدرسُ منهجَ الشوكاني في ترجيحه لكل مسألة، وذلك بعد عرض المسألة عرضا مفصلا مع ذكر أقوال العلماء فيها.

وأما المنهج المقارن، فإن الباحث سوف يستخدمه في عرض المسائل الفقهيَّة المختلف فيها والتي ذكرها الشوكاني في كتابه – في قسم المعاملات-. وبالرغم من أن عرض الشوكاني في كتابه للمسائل الفقهية يُعتبر شاملاً وواسعاً، إلا أن هناك حاجةً إلى معالجة المسائل من وجهة نظر فقهاء المذاهب الفقهية.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

 

الإمام الشوكاني ومنهجه في الترجيح

 

ويشتمل على ثلاثة مباحث:

 

v                          المبحث الأول: نبذة عن الإمام الشوكاني وعصره

v                          المبحث الثاني: نيل الأوطار ومكانته بين كتب أحاديث الأحكام

v                          المبحث الثالث: منهج الإمام الشوكاني في الترجيح


 

المبحث الأول

نبذةٌ عن الإمام الشوكاني وعصره

 

أولاً: نبذة عن الإمام الشوكاني

(أ) ميلاده، نشأته، ووفاته

الإمام الشوكاني هو: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني ثم الصنعاني[15]. إمامٌ من أئمّة الإسلام، العلاّمة الربّاني، إمامٌ في الفقه وأصوله، وفي التفسير والحديث. وُلِدَ في يوم الاثنين الثامن والعشرين من شهر ذي القعدة عام 1173 هـ هجريّة (1760م) في بلد شوكان.[16]

نشأ الإمامُ الشوكاني بصنعاء وتربَّى في حجر أبيه على العفاف والطهارة، وبدأ منذ صغره في طلب العلم وسماع العلماء الأعلام وفرّغ نفسَه للطلب وجدَّ واجتهد فيه. قرأ القرآنَ على جماعة من المعلمين وخَتَمَه على الفقيه حسن بن عبد الله الهبل، وحفظ كثيرًا من الكتب والمختصرات. كان كثيرَ الاشتغالِ بالدراسة والتدريس حتى بلغت دروسه في اليوم والليلة إلى نحو ثلاثة عشرة درساً. وكان في أيام دراسته وتدريسه يُفْتِي أهلَ مدينة صنعاء ومن رحل إليها حتى كادت الفُتيا تدور عليه من عوامِّ الناس وخواصِّهم، واستمرَّ يُفتي من نحو العشرين من عمره فما بعد ذلك. وولي القضاء في مدينة صنعاء بعد موت من كان متولِّياً للقضاء بها وهو الإمام المنصور علي بن المهدي عباس، وكان إذ ذاك بين الثلاثين والأربعين من عمره، وكان لا يزال يشتغل بالعلم رغم اشتغاله بالقضاء.

توفِّي الإمام الشوكاني رحمه الله في ليلة الأربعاء السابع والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة 1250 هـ (1834م)، ودُفن بمقبرة حزيمة المشهورة بصنعاء.[17]

 

(ب) شيوخه

تتلمذ الإمام الشوكاني ودرس على المشايخ الكبار في بلاد اليمن وبرع في كل ما أخذه عنهم. لقد أخذ عنهم وقرأ عليهم مختلف الفنون من فقهٍ وأصول، وفرائض وتفسير ومصطلح، ونحو وصرف، ومنطق وبلاغة وما إلى ذلك. ومن أولئك المشايخ: العلامة أحمد بن عامر الحدائي (ت 1198هـ)، أحمد بن محمد الحراني (ت 1227هـ)، السيد إسماعيل بن الحسن بن أحمد بن الحسن (ت 1206)، عبد الرحمن بن قاسم الداني (ت 1211هـ)، العلامة علي بن إسماعيل النهمي (ت 1228هـ)، علي بن محمد الشوكاني (ت 1211هـ) – والد الإمام -، القاسم بن يحيى الخولاني (ت 1209هـ)، ويحيى بن محمد الحوشي، الحسن بن إسماعيل المغربي (المتوفى سنة 1207هـ/1783م )[18].

 

(ج) تلاميذه

أما التلاميذ الذين أخذوا عن الإمام الشوكاني وتتلمذوا على يديه وصاروا علماء بارزين في زمانهم، فهم كثيرون أشهرهم: أحمد بن حسين الوزان الصنعاني (ت 1238هـ)، أحمد بن زيد بن عبد الله الكبسي (ت 1271هـ)، إسماعيل بن إبراهيم المهدي (ت 1227هـ)، السيد حسن بن أحمد يوسف الرباعي (ت 1276هـ)، والحسين بن محمد العنسي (ت 1235هـ).[19]

وبالرّغم من اشتغاله بالتدريس والقضاء، لم يترك الإمام الشوكاني بالعلم، فكان جادّاً ومجتهدا في التأليف وأنتج أكثرَ من مائتي مؤلَّف في مختلف الفنون. وقد اهتمَّ العلماء بمؤلفاته واشتغلوا بدراستها وتحقيقها. ومن أشهر مؤلفات الإمام: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار (في الفقه والحديث) – الذي نحن بصدد دراسته -، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن التاسع (في ترجمة الرجال)، الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة (في الحديث)، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من التفسير (في التفسير)، السيل الجرّار المتدفق على حدائق الأزهار (في الفقه)، إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول (في أصول الفقه)، القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد، تحفة الذاكرين في شرح عدة الحصن الحصين، الدراري المضيئة في شرح الدرر البهية، رسالة القول المحرر في حكم لبس المعصفر وسائر أنواع الأحمر، وغير ذلك كثير.

 

ثانياً: عصر الإمام الشوكاني

عاش الإمامُ الشوكاني في العصر الذي وقعت فيه الفوضى السياسيّة والقبلية في اليمن وذلك في القرن الثاني عشر والثالث عشر الهجري. فقد ساعد على هذه الفوضى استمرارُ الدُوَيْلات الكثيرة في محاربة اليمن والنـزاع بين أفراد زعماء  الدولة الزيدية، ووقوع المصادمات والفتن بين الدولة ورؤساء العشائر وبين أصحاب المذاهب والفرق المختلفة حتى شاعت الفُرقة وأسباب الخلاف بين أبناء الوطن الواحد والدين الواحد. ولم تكن الفوضى ولا الصراعات السياسية شائعة في عصره فحسب، بل شهدت اليمن في عصره صراعات دينية بين الفرق الدينية وخاصّةً بين أهل السنة والزيدية وبعض الطوائف. وكان الإمام الشوكاني يعالج هذه الحالة بحكمةٍ وبما أوتي من بُعد النظر وحنكة. ومن تلك الفرق التي كانت حاضرة ومنتشرة في عصره: أهل السنة، والباطنية، والزيدية، والمعتزلة، والأشاعرة، والصوفية.

لقد أثَّرت الحالة السياسية والدينية تأثيراً سيئاً على الحياة العامّة في اليمن، ونتيجة ذلك انقسم أهلُ اليمن إلى فرق وقبائل مما أدّى إلى وقوع مزيد من الفتن والمنازعات بينهم، ونتيجة لهذه الصراعات الدينية اعتنق أغلبُ أهل الجزء الساحلي المذهب الشافعي في الفروع والمذهب الأشعري في الأصول، بينما اعتنق أهل الجزء الجبلي والنجدي من اليمن المذهب الزيدي في الفروع والمذهب المعتزلي في الأصول. وتأثَّر الإمام الشوكاني ببيئته بمذهب الإمام زيد، إذ عاش في بيئية زيدية وتفقّه على هذا المذهب وبرع فيه.[20]

وعلى الرغم من تأثّره بالفقه الزيدي [21] إلا أنه لم يتأثر بمنهج الزيدية في الأخذ بالأحاديثَ عن محض طريق أهل البيت، فالإمامُ كان من منهجه أنه يأخذ الرواية الواردة عن السلف دون تخصيص أيِّ واحد منهم. لذا، قال في مقدمة كتابه (فتح القدير): "....وبهذا تعرف أنه لا بُدَّ من الجمع بين الأمرين وعدم الاقتصار على مسلك أحد الفريقين.." [22]. كما أنه لم يتأثر في عقيدته بآراء المعتزلة رغم تأثّر الزيدية بتعاليهم، فعقيدته عقيدة السلف الذين يحملون صفات الله تعالى الواردة في القرآن والسنة على ظاهرها من غير تأويل ولا تحريف. وقد ألّف في بيان عقيدة السلف كتاباً سمّاه: "التحف بمذهب السلف".[23]


 

المبحث الثاني

نيل الأوطار ومكانته بين كتب أحاديث الأحكام.

           
سيحاول الباحثُ إلقاءَ الضوءِ في هذا المبحث على بعض النقاط المهمَّة تتعلَّق بكتاب "نيل الأوطار"، وذلك من خلال ذكر التعريف بالكتاب، وأصله، وتاريخ تأليفه، وأسباب التأليف، ثم ذكر مكانة هذا الكتاب بين كتب أحاديث الأحكام.

 

أولاً: التعريف بكتاب "نيل الأوطار"

(أ) أصل الكتاب

أصل هذا الكتاب هو شرح كتابٍ حديثيٍّ جمعَ عدداً من أحاديث الأحكام من السنة النبوية الصحيحة، ألَّفه العلامة ابن تيمية الحراني [24]، واسم الكتاب:  "منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار". يُعتبر هذا الكتاب من أحسن الكتب المؤلفة في هذا الفن، ذلك لأسباب من أهمِّها أنه جمع وانتقى أحاديث الأحكام، وأنه اعتمد فيه على أمهات مصنَّفات الحديث المشهورة وهي صحيح البخاري، وصحيح مسلم، ومسند أحمد، وسنن ابن ماجه، سنن أبي داود، سنن النسائي، سنن الدارقطني، وجامع الترمذي.

جعل العلامة ابن تيمية هذه الكتب الحديثية مصادرَ أساسيَّةً لكتابه (منتقى الأخبار)، حيث انتقى منها مجموعَ الأحكام، ورتَّبها على أبواب الفقه مبتدئاً بكتاب الطهارة، ومنتهياً بكتاب الأقضية والأحكام، بعد أن حذف أسانيدها. وبالرغم من أن الكتاب تلقى قبولاً حسنا لدى العلماء وأشادوا بمؤلِّفه، إلا أنهم وجَّهوا  له نقداً، وذلك أنه لم يتعرَّضْ لذكر أحوال الأحاديث الواردة في الكتاب من حيت التصحيح والتحسين والتضعيف، أي بعبارة أخرى أنه لم يتعرض لنقد مادَّة الكتاب الحديثية ببيان درجات الحديث. فتعليقًا وبياناً لهذا الأمر، قال الإمام الشوكاني (شارح الكتاب) في مقدمة كتابه "نيل الأوطار:"... ما أحسنه لو لا إطلاقُه في كثيرٍ من الحديث العزو إلى الأئمة دون التحسين والتضعيف، فيقول مثلاً :رواه أحمد، رواه الدارقطني... ويكون الحديث ضعيفاً، وأشدُّ من ذلك كونُ الحديث في جامع الترمذي مُبيَّنا ضعفُه، فيعزوه إليه من دون بيان ضعفه.." [25].

(ب) تاريخ تأليفه

وبناءً على ما حكاه الإمام الشوكاني عن تأليفه لكتاب "نيل الأوطار" في البدر الطالع [26]، يمكننا القول أنه ألَّف كتاب "نيل الأوطار" في عام 1207هـ (1792م) وأَتَمَّهُ في عام 1209هـ (1794م ) وذلك أثناء شبابه، قبل اشتغاله بتولِّي منصب القضاء، وقبل تأليفه لكتبه الأخرى مثل إرشاد الفحول، والسيل الجرار، وفتح القدير، ودرّ السحابة، والبدر الطالع. فإن كلَّ هذه الكتب ألفّها الشوكاني في كهولته وسنّ نضجه العلمي والفكري، خلافًا لـِ"نيل الأوطار" الذي يُعتبر باكورة نتاجه العلمي إذ إنَّ تأليفَه كان عندما لم يزل الشوكاني متفرغاً لطلب العلم وقبل الانشغال بالقضاء، وعندما لم تزل إرشاداتُ شيوخه موجَّهةً إليه. [27] وفي ذلك قال الشوكاني-واصفاً أحد مشايخه وهو الحسن بن إسماعيل المغربي (المتوفى سنة 1207هـ/1783م)- "...إنه كان يقبل عليَّ إقبالاً زائداً، ويعينني على الطلب بكتبه، وهو من جملة من أرشدني إلى شرح المنتقى وشرعتُ في حياته، بل شرحتُ أكثره وأتْمَمْتُه بعد موته.." [28]

 

(ج) أسباب تأليفه

من الجدير بالذكر أن الإمام الشوكاني لم يكن فقيهاً مجتهداً  فحسب، بل كان محدثاً كبيراً أسهم في مجال علم الحديث وميدانه بمؤلفاتٍ أثبت فيها غزارة علمه وعلوِّ كعبه في هذا الفنِّ، وإحاطة معرفته العميقة والشاملة بمختلف علوم الحديث وفنونه، وهو إلى ذلك مفسِّرٌ جليل له شأن عظيم في هذا العلم.

        ومن أهمِّ ما يدلُّ على تضلُّعِه في الحديث تأليف كتابه الموسوعي، وهو شرح أحاديث الأحكام المجموعة في كتاب منتقى الأخبار، وسماه "نيل الأوطار". ذلك لأن الكتاب ضمَّ فوائد كثيرة متعلقة بأنواع عديدة من الفنون؛ كالفقه (المقارن)، وأصول الفقه، وشرح معاني الحديث وذكر فوائده الفقهية والحديثية، ومصطلح الحديث، حيث ذكر –بالتفصيل- بيان درجات الأحاديث الواردة.

        ومن أسباب تأليف الإمام الشوكاني لهذا الكتاب:

1-             إعجابُه بكتاب منتقى الأخبار لحسن ترتيبه، وجودته محتواه، وإحاطته. وفي ذلك قال معبِّراً عن إعجابِه بالكتاب: "... لما كان الكتاب الموسوم بالمنتقى من الأخبار في الأحكام مما لم ينسج على بديع منواله ولا حرّر على شكله ومثاله أحدٌ من الأئمة الأعلام، قد جمع من السنة المطهرة ما لم يجتمع في غيره من الأسفار وبلغ إلى غايةٍ في الإحاطة بأحاديث الأحكام تتقاصر دفاترُ الكبار وشمل من دلائل المسائل جملةً نافعة تفنى دون الظفر ببعضها طوال الأعمار.."[29]. رأى الإمام الشوكاني أن العلاّمة ابن تيمية قد ألّف كتابا فريداً في نوعه وجمع فيه أحاديثَ الرسول بطريقةٍ لم يسبق أحدٌ من العلماء إلى كتابة مثلِه. هذا ما حمله إلى القيام بشرح أحاديثه بطريقة فريدة حيث أتى بأنواع من البيان والشرح- ابتداءً من ذكر معاني مصطلحات الحديث مقرونةً ببيان طرقها وأحوالها، إلى ذكر الشرح الفقهي المفصَّل والمقارن-. وعلاوةً على ذلك قام بإيراد آرائه الحديثية والفقهية وبيان ترجيح الأقوال وأدلَّة الترجيح دون تعصّب ولا تقيّد بمذهب من المذاهب.

2-             رغبتُه في خدمة كتاب (منتقى الأخبار) وتحقيقه وإزاحة تردّد الناس في صحّة مسائله وتشكُّكهم في الراجح والمرجوح عن تعارض بعض مستندات مسائله.

3-             تشجيع واقتراح العلماء له في زمانه ومنهم شيوخه، والْتِمَاسهم منه القيام بشرح كتاب (المنتقى). وفي ذلك قال الإمام الشوكاني: ".. حمل حسنُ الظنّ في جماعة من حَمَلَةِ العلم بعضهم من مشايخي على أن التمسوا مني القيام بشرح هذا الكتاب". [30]

 

تلك هي أهم الأسباب التي تحمل الإمام الشوكاني على القيام بشرح كتاب منتقى الأخبار والذي أكمله وأتمّه في أحسن وجه، وأعلى جودةٍ وأرفع قدرٍ حتى نال الإعجاب من كثير من العلماء في عصره والذين جاؤوا من بعده.

 

ثانياً: مكانة كتاب (نيل الأوطار) بين كتب أحاديث الأحكام وثناء العلماء عليه

إن المُطّلِعَ على كتاب نيل الأوطار يجد نفسه أمامَ كتابِ شرحٍ فقهيٍّ وموسوعةٍ ضخمةٍ في دراسات فقهيَّة، وحديثيَّة في نفس الوقت. ولا يتردَّد في أن يقول أن مؤلِّفَه قد ألـمَّ إلماماً واسعاً بمختلف فنون العلم، أهمّها الفقه وأصوله، والحديث ومصطلحه. هذا لأن (نيل الأوطار) جمع أنواعاً متعدَّدة من الشرح، حيث شمل بيانَ معاني الحديث وفوائده وأحواله والاستنباطات الفقهية وأقوال العلماء من المذاهب المختلفة في المسائل الفقهيَّة العديدة بالإضافة إلى إيراد الترجيحات والاختيارات الفقهية المبنية على الدليل، بدون تعصّب وتقيّد بمذهب مُعيَّن – كما سبق ذكر ذلك بالتفصيل في منهج وميزة الكتاب –.

حظي نيل الأوطار بإعجاب وثناء كثيرٍ من العلماء، وذلك لأهميَّتِه، وحسن عرضه، وشموليَّة شرحه من الناحية الفقهية والحديثية. وفيما يلي محاولة الباحث لذكر ثناء بعض العلماء للكتاب، منهم بعض تلاميذه وبعض العلماء  المعاصرين:

أما الثناء من تلاميذه، فقد قال القنوجي (ت 1307هـ) في أبجد العلوم عن الشوكاني وكتابه نيل الأوطار:" له المؤلفات في أغلب العلوم، ومنها كتاب نيل الأوطار  شرح منتقى الأخبار لجدِّ ابن تيمية رحمه الله في أربع مجلدات كبار، لم تكتحل عين الزمان بمثله في التحقيق أعطى فيه المسائل حقها في كل بحث على طريق الإنصاف وعدم التقيُّد بمذهب الأسلاف، وتناقله عنه مشائخه فمن دونهم، وطار في الآفاق في حياته، وقرئ عليه مرارا وانتفع به العلماء، وكان يقول "إنه لم يرض عن شيء من مؤلفاته سواه" لما هو عليه من التحرير البليغ، وكان تأليفه في أيام مشائخه فنبَّهوه على مواضع منه حتى تحرَّر..". [31]

قال ابن بدران الدمشقي (ت 1346هـ): "..لم يزل هذا الكتاب (أي منتقى الأخبار) بكرا يتجوَّل في الأقطار حتى حطَّ ركابه في البلاد اليمانية، فاشتهر هناك كالشمس في رابعة النهار، فتصدَّى لشرحه مجتهدُ القطر اليماني محمد بن علي بن عبد الله الشوكاني... فيسَّر الله له إتمام شرحه في ثمان مجلدات، وسماه نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار، وهو على اختصاره وافٍ بالمرام، قد جرَّده عن كثير من التفريعات والمباحث، خصوصًا في المقامات التي يقلّ فيها الاختلاف، وأطال في المواطن التي يحتدم فيها الجدال وبين مذاهب..". [32]

ومن المعاصرين، قال الدكتور حسين العمري: "لقد اتّسم (نيل الأوطار) بالجهد الكبير الذي بذله الشوكاني في تقصِّيه الأدلة في مختلف المسائل باجتهادٍ متحرِّرٍ من التعصُّب المذهبي أو النظرة الضيقة البعيدة عن المقاصد العامّة للشريعة، وهذا ما جعله مقبولاً بل ومعتمدًا منذ بداية هذا القرن في مختلف الأوساط العلمية والجامعية العربية والإسلامية".[33] وقال محقق كتاب نيل الأوطار – نقلا عن تلميذ الشوكاني العلامة حسين بن محسن السبعي الأنصاري اليماني-: "امتاز هذا الكتاب بكونه كتاباً جمع فيه أحاديث الأحكام بطريقة لم يسبق إلى مثلها أحد من العلماء، فقد جمع فيه من السنة المطهَّرة مالم يجتمع في غيره، وبلغ إلى غاية في الإحاطة بأحاديث الأحكام وشمل من دلائل المسائل جملة نافعة وصار مرجعا لجلّة العلماء عند الحاجة إلى طلب الدليل".[34]

أما فيما يتعلّق بمكانته بين كتبٍ أخرى أُلِّفت في هذا الفنِّ، فقد تجلَّتْ في أنه يتضمَّن على الخصائص والميزات التي قلّت أن توجد في غيره من الكتب. وقد اهتمَّ العلماء بالكتاب وجعلوه أهمَّ المراجع والمصادر في كتبهم ونقلوا آراءه فيها.

ومن هؤلاء: شارح سنن أبي داود أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم الآبادي حيث أشار في كثير من مواضع شرحه للأحاديث إلى كتاب نيل الأوطار. نذكر على سبيل المثال قوله: ".. وقال في نيل الأوطار، قال المؤلف رحمه الله واختيار هؤلاء يعني الصحابة الذين ذكر بهم الاستفتاح بهذه الكلمات.." [35]، وقال في موضع آخر عند ذكره للخلاف في مسألة اعتداد الركعة بإدراك الركوع:".. وحقَّق العلامة الشوكاني في الفتح الربَّاني في فتاوى الشوكاني خلاف ذلك، ورجح مذهب الجمهور وهذه عبارته.." [36]

ومنهم شارح سنن الترمذي المباركفوري الذي أحال في كثير من مواضع الشرح إلى أقوال الشوكاني. ومن أمثلة ذلك قوله: ".. قلت وقد أنكر القاضي الشوكاني أيضا على تقسيم البدعة إلى الأقسام الخمسة في نيل الأوطار في باب الصلاة في ثوب الحرير والقصب.." [37]، وقال في موضع آخر: "..قال القاضي الشوكاني في نيل الأوطار هذا الحديث أخرجه الخمسة إلا النسائي..". [38]

ومنهم أيضاً محمد منير عبده أغا النقلي الدمشقي الأزهري (معلِّق كتاب إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد). وقد اعتمد في هذا التعليق على كتاب نيل الأوطار. وفي هذا، يقول في مقدمة الكتاب "..وقد اعتمدت في تعليقي هذا على الكتب التي سأذكرها ....إلى أن قال: .. وقد أقول (قال شارح المنتقى) تارةً، وتارةً أقول (قال شارح منتقي الأخبار)، وتارة أقول (قال العلامة الشوكاني) كل ذلك أعني به كتاب نيل الأوطار للشوكاني..". [39]

هذا، وقد اهتمَّ العلماءُ وطلاب العلم به بحثاً ودراسةً وتحقيقاً، ولقي قبولاً واسعا في كثيرٍ من البلاد الإسلامية، فيجعلونه كتاباً مقرّراً ومرجعاً في الجامعات والمدارس ويتداولونه بالدراسة كمصدرٍ مهمٍّ في الفقه والحديث ودراسة مقارنة فقهية. ونذكر -على سب㻮ل المثال- أن بعض الجامعات الإسلامية جعلت نيل الأوطار كتاباً مقرَّراً لمادة "دراسة فقه الأحكام " على جميع الطلبة لأربع سنوات، ومثال ذلك الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. [40] وفي بلد الباحث الذي يعتبر أكبر البلاد الإسلامية في عدد سكانها (إندونيسيا)، لقد جعل بعضُ المراكز التعليميّة الإسلامية كتابَ (نيل الأوطار) كتاباً أساسيًّا ومرجعاً مهماًّ لاستنباط الأحكام، وإصدار الفتاوى الشرعية، ولدراسة الفقه المقارن وأحاديث الأحكام.[41]

وإضافةً إلى ما سبق، فقد صدر عددٌ من الدراسات حول شخصيَّة الإمام الشوكاني (فقهه، وتفسيره، وحديثه) مما يدلُّ على علوِّ مكانته العلميَّة المتمثِّلة في مؤلَّفات تراثيَّة ذات مكانة عالية، وفي مقدِّمتها: كتاب نيل الأوطار، كما تَمَّ-أيضاً- تحقيق أكثر مؤلفاته تحقيقاً علميًّا. ومن أمثلة تلك الدراسة: دراسة الدكتور حسين العمري، في كتابيه "الإمام شوكاني رائد عصره –دراسة في فقهه وفكره" و"الإمام الشوكاني مفسِّراً"، ودراسة عادل علي محمد في كتابه المُعَنْوَن بـ"الإمام الشوكاني، سيرته وفكره"[42]، ومقالة الدكتور محمد الدسوقي بعنوان:"الإمام الشوكاني فقيها ومحدثا من خلال كتابه نيل الأوطار".[43] وقام بعض العلماء باختصار (نيل الأوطار)، منهم: العلامة الشيخ فيصل بن عبد العزيز آل مبارك في كتابه المسمى بـ"بستان الأخبار مختصر نيل الأوطار"، طبع عام 1374هـ بالمطبعة السلفية- القاهرة. [44] وهناك خدمة أخرى لكتاب نيل الأوطار، وهي فهرسة الكتاب، قام بكتابتها ربيع أبو بكر عبد الباقي حيث وضع فهارس مواضع نيل الأوطار لتيسير استخدام الكتاب وبيان موضع الحديث، في كتابٍ سماه بـِ" فهارس نيل الأوطار".[45]

 


 

المبحث الثالث

منهج الإمام الشوكاني في الترجيح وخصائصه

 

أولاً: منهج الإمام الشوكاني في كتاب نيل الأوطار.

لقد قام الدكتور حسين العمري بدراسة مفصَّلةٍ عن منهج الإمام الشوكاني في كتابه نيل الأوطار. وفيما يلي ذكر أهمّ الأمور التي تدل على هذا المنهج:[46]

 

§       بيان حال الحديث وتفسير غريبه، وما يستفاد منه بكل الدلالات.

لا يبدأ الشوكاني بشرح الأحاديث إلاَّ بعد ذكر دراسةٍ مفيدةٍ لأحوال الحديث الذي هو بصدد شرحه [47]، حيث جاء ببيان درجات الحديث من صحَّة، وحسن، وضعف، و ثم تطرَّق بعد ذلك إلى ذكر أحوال رجاله. ولم يتوقف عند هذا الحد، بل واصل الكلام في ذكر تفسير غريب الحديث ببيان معاني مصطلحاته وفوائده.

 

§       الإشارة إلى بقية الأحاديث الواردة في الباب (مما لم يذكر في متن المنتقى).

هذا ما فعله الشوكاني واتّبعه أثناء قيامه بالشرح، حيث أشار –قبل الخوض في شرح الحديث من الناحية الفقهية- إلى روايات أخرى وردت في الباب الذي هو بصدد شرح حديثه، ولم يذكره صاحبُ منتقى الأخبار في كتابه. ونضرب على ذلك مثالاً: أنه بعد ذكره لحديث النهي عن التسعير[48] أورد تعليقا قبل الشرح قائلا: " ...وفي الباب عن أبي هريرة، ثم أحمد وأبي داود قال: (جاء رجل فقال يا رسول الله سعر، فقال: بل ادعوا الله، ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله سعر، فقال: بل الله يخفض ويرفع) قال الحافظ وإسناده حسن.." [49]، ومن ذلك أيضًا قولُه في باب الرخصة في بيع العرايا: "وفي الباب عن أبي هريرة ثم الشيخين (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رخص في بيع   العرايا  بخرصها فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق)".[50]

 

§   لم ير فائدةً في ذكره تراجم الرواة لتوفُّر ذلك في كتب التراجم، لكنه ضبط الأسماء وصحّح ما كان مظنّة تحريف أو تصحيف، مع بيان حال من وُجد منهم في حاجة إلى التنبيه.

ومثال ما جاء في ضبط الأسماء وتصحيح ما كان مظنَّة التحريف والتصحيف، بيانُ الشوكاني لاسم راوي حديث الرهن [51] وهو نصر بن عاصم الأنطاكي، حيث إن الصحيح هو " عبد الله بن الأنطاكي"، قائلاً فيه: "... وتعقَّبه الحافظ بأن قوله نصر بن عاصم   تصحيف،  وإنما هو عبد الله بن الأنطاكي وله أحاديث منكرة..". [52]

§   جعل ما كان لابن تيمية من الكلام على فقه الأحاديث، وما يستطرد إليه من الأدلة في غضونه من جملة الشرح في الغالب، إلا أنه كان ينسب ذلك إليه، ثم يتعَقّب ما ينبغي تعقُّبه عليه، وتكلَّم فيما رأى أنه لا يحسن السكوت عليه، ومما لا يستغني عنه.

من خلال الاطِّلاع على أحاديث الكتاب – خاصَّةً فيما يتعلَّق بقسم المعاملات- وجد أن ابن تيمية (صاحب المنتقى) لم يكتفِ بمجرَّد ذكر متون أحاديث الأحكام فحسب، بل وفي بعض الأحيان جاء بالكلام المتضمِّن لفقه الأحاديث، حيث ذكر ذلك في الغالب بعد ذكر متن الحديث. مثال ذلك ما جاء في كتاب السلم بعد ما أورد حديث: "من أسلف شيئا فلا يشرط على قضائه"، واللفظ الآخر: " من أسلف في شيء فلا يأخذ إلا ما أسلف فيه أو رأس ماله"[53]، قال ابن تيمية: " واللفظ الأوَّل دليل امتناع الرهن والضمين فيه، والثاني بمنع الإقالة في البعض".[54] والإمام الشوكاني أثناء شرحه للحديث أدرج قول المصنِّف ضمن الشرح ونسب إليه، لذا قال –مثلاً- شرحاً للحديثين السابقين: "...واستدلَّ به المصنِّف على امتناع الرهن..". [55]، وقال أيضا بعد ذكر لفظ الحديث (فلا يشرط على صاحبه غير قضائه):"فيه دليلٌ على أنه لا يجوز شيء من الشروط في عقد السلم غير القضاء". هذا، بيانٌ من الشوكاني لموضعٍ تركه المصنِّف، ورأى الشوكاني أنه لا ينبغي السكوت عليه دون البيان.

§         مراعاته الشديدة للاختصار بقدر الإمكان.

هذا انطلاقًا من نصيحة شيخه  العلامة عبد القادر بن أحمد (ت 1207هـ/1792م) الذي أرشده إلى الشروع في تأليف الكتاب أن يراعي في ذلك الاختصار وعدم الإطالة. [56] ومع ذلك، فقد جمع الشوكاني-رغم مراعاته للاختصار عند الشرح- كمًّا كبيرًا من الشرح حتى بلغ كتابُه حجماً كبيرًا [57].

ومن الأمثلة على مراعاة الإمام الشوكاني للاختصار في كتابه ما يأتي:

ترك الإمام بيانَ الخلاف في الأصول أثناء استدلاله في مسألةٍ بدليل أو قاعدة أصوليَّة، واكتفى بالإشارة إلى أن الخلاف أو بيان ذلك مشهور أو معروف في كتب الأصول. ومن ذلك قوله في مسألة جواز استعمال المشترك في معنييه أو معانيه:".. والخلاف في جواز استعمال المشترك في معنييه أو معانيه معروف في الأصول".[58] وقال في موضع آخر:" كما تقرَّر في الأصول".[59]

ومما يدلُّ على مراعاته للاختصار بصراحةٍ قولُه في بعض المواضع: "وأحكام المضاربة مبسوطة في كتب الفقه فلا نشتغل بالتطويل بها، لأن موضوع هذا الشرح الكلام على ما يتعلق بالحديث.." [60]، وقال في موضع آخر: " ونشير إلى ما ذكره (أي صاحب فتح الباري) باختصار"[61]، وقوله أيضا: "فمن أحبّ الاستيفاء فليرجع إلى المطولات..." [62].

تلك هي بعض الأمور التي  يمكن أن تكون منهجاً سلكه الإمام الشوكاني في كتابه نيل الأوطار. -وإضاف㶡ً إلى ما سبق ذكره- هناك أمور أخرى تدل على منهج الشوكاني في الكتاب وتنمُّ عن خصائص هذا الكتاب وتميُّزه عن غيره من الكتب في مجال شرح الحديث. وفيما يلي ذكر أهمِّ تلك الأمور مع ذكر بعض الأمثلة البيانية التي وردت في محتويات الكتاب. وستقتصر الأمثلة على ما ورد في قسم المعاملات من الكتاب، وذلك تفادياً من الإطالة وتماشيا مع حدود البحث التي تُركّز على قسم المعاملات كنموذجٍ  للبحث.

 

§   أنه تعرّض لتخريج الحديث وبيان طرقه واختلاف ألفاظه وما قيل فيه من صحّة أو ضعف، وسبب ضعفه، وأقوال أئمّة هذا الشأن فيه، وإبداء رأيه في ذلك.

ومثال ذلك ما قاله في بيان حديث النهي عن بيع العربون[63] بعد إيراده للفظ الحديث كاملاً:"... الحديث منقطع لأنه من رواية مالك أنه بلغه عن عمرو بن شعيب ولم يدركه، فبينهما راو لم يسم، وسماه ابن ماجه فقال: عن مالك عن عبد الله بن عامر الأسلمي وعبد الله لا يحتج بحديثه وفي إسناد ابن ماجه هذا أيضا حبيب كاتب الإمام مالك وهو ضعيف لا يحتج به. وقد قيل: إن الرجل الذي لم يسم هو ابن لهيعة. ذكر ذلك ابن عدي، وهو أيضا ضعيف ...، وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن زيد بن أسلم أنه سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن العربان في البيع فاصله وهو مرسل وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى وهو ضعيف".[64]

 

§   كشفُ معاني ألفاظ الحديث وأقوال علماء اللغة فيها وبيان اشتقاقها إذا احتاج الأمر إلى ذلك مع إيضاح معناها الاصطلاحي الشرعي.

مثال ذلك أن يذكر الشوكاني معنى لفظ العربون:"... العربان بضم العين المهملة وإسكان الراء ثم موحدة مخففة، ويقال فيه (عربون) بضمِّ العين والياء ويقال بالهمزة مكان العين.      قال أبو داود: قال مالك وذلك فيما نرى والله أعلم، أن يشتري الرجل العبد أو يتكارى الدابة، ثم يقول أعطيك دينارا على أني إن تركت السلعة فما أعطيتك لك".[65]

 

§   استنباطُ القواعد الأصولية وتطبيق الأحكام الجزئية الفرعية عليها مع ذكر أقوال فُحول علماء الأصول في ذلك.

وذلك بذكر هذه القواعد وتطبيقها على مسالة فقهية قام بشرحها، ومثال ذلك قوله  عندما أورد رأيه الترجيحيَّ في مسألة " النهي عن بيع العربون":

"...والأولى ما ذهب إليه الجمهور، لأن حديث عمرو بن شعيب قد ورد من طرقٍ يقوي بعضها بعضا ولأنه يتضمن الحظر وهو أرجح من الإباحة كما تقرر في الأصول.."  [66]. وأما ذِكْرُه لأقوال علماء الأصول، فمثال ذلك نقلُه عن ابن حجر العسقلاني في الجواب عن دعوى النسخ في مسألة خيار المجلس: "... لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال والجمع بين الدليلين مهما أمكن لا يصار معه إلى الترجيح، والجمع هنا ممكن بين الأدلة المذكورة بغير تعسّف ولا تكلّف..". [67]

§   وأهمُّ هذه المزايا استنباط أحكام الفقه وكيفية دلالتها عليها وأقوال مذاهب علماء الأمصار فيها مع بيان مذاهب علماء الصحابة والتابعين ومن وافق منهم الحديث ومن خالفه وحجَّة كلٍّ مع بيان راجحيّة الحكم في ذلك.[68]

سيأتي بيان ذلك بالتفصيل في الفصل الثالث من هذا البحث عند دراسة لنماذج من ترجيحات الإمام الشوكاني في نيل الأوطار –قسم المعاملات-. وسيتناول الباحث هذه الترجيحات الفقهية مركِّزاً على عقود المعاوضات، والتبرعات، والخيارات، بالإضافة إلى مسائل الربا، حيث تميَّز الإمام الشوكاني بنهجه في كل ذلك منهج الاجتهاد في اختياراته الفقهية، معتمداً فقط على الدليل وترك التعصُّب والتقيّد بالمذاهب. فلوجود هذه الخصائص والمزايا في هذا الشرح، يُعدّ (نيل الأوطار) من أحسن الكتب المؤلّفة في هذا الفنِّ ونال الإعجاب من الناس.

 

ثانياً: منهج الإمام الشوكاني في الترجيح

سيتناول الباحث في هذا المبحث بيانَ منهج الإمامِ الشوكاني في ترجيحاته واختياراته الفقهية من خلال كتابه (نيل الأوطار) – قسم المعاملات -. ذلك لأنه مما لا شك فيه أن الإمام الشوكاني سلك مسلكاً خاصّاً ونهج منهجاً متميِّزاً في اختياراته وترجيحاته وميوله إلى قولٍ من الأقوال ورأيٍ من الآراء التي أوردها في كتابه (نيل الأوطار). و-كما هو واضحٌ في منهجه في تأليف (نيل الأوطار)- أن من أهمّ ما لُوْحِظَ من خلال منهجه في الترجيح أنه لم يتقيَّد بمذهبٍ مُعَيَّن في اخيتار الآراء، ولا يتعصّب بواحدٍ من المذاهب الفقهية الموجودة – بالرغم من أنه تأثّر بمذهبٍ زيدي -. وسيتم بيان هذا المنهج من خلال النقاط التالية:

 

أ- تحديد المراد بمصطلح الترجيح

وقبل أن نخوض في ذكر ذلك المنهج يحسن لي أن أعرض نبذة سريعة عن الترجيح من خلال بيان مراده في اللغة والاصطلاح وحُكْمِه بالإضافة إلى أقوال العلماء فيه.

فمعنى الترجيح في اللغة: مصدر باب التفعيل مِنْ رَجَّحَ – يُرَجِّحُ – تَرْجِيْحاً، ويقال: رجَّح الميزان أي جعله راجحًا وأَثْقَلَه حتى مال، ورجَّح الشيءَ بيدِه أي وزنه بيده ونظر ما ثقله، ورجَّحْتُ الشيء بالتثقيل فضَّلْتُه وقوَّيْتُه؛ ورجح الرأي إذا غلب على غيره.[69] وجاء في قول الرسول r لزوجته جويرية بنت الحارث [70]: " لقد قلت بعدك كلمات لو وزن لرجحن بما قلت: سبحان الله عدد ما خلق الله سبحان الله رضاء نفسه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله مداد كلماته " [71] وقوله (لرجحن بما قلت) أي أفضل وأثقل من حيث الأجر والمثوبة. وقال سعد الدين التفتازاني [72]: "الترجيح في اللغة جعلُ الشيء راجحاً أي فاضلا زائداً ويطلق مجازاً على اعتقاد الرجحان".[73] ومن خلال التعاريف السابقة يتَّضِحُ أن الترجيح من حيث اللغة يدور معناه حول التمييل والتثقيل والتغليب والتفضيل والتقوية.

أما في الاصطلاح: فقد اختلف علماء الأصول في تحديد معنى الترجيح من حيث الاصطلاح إلى ثلاثة اتجاهات. الاتجاه الأول: أن الترجيح عبارةٌ عن فضل أحد المتساويين على الآخر وصفاً".[74] وقيل: أنه عبارة عن اقتران أحد الصالحين للدلالة على المطلوب مع تعارضهما بما يوجب العمل به وإهمال الآخر" [75]. والاتجاه الثاني، أن الترجيح: "عبارة عن تقديم أحد الظنّيين على الآخر"، وقيل: "أنه تقوية أحد الطرفين على الآخر ليعلم الأقوى فيعمل به ويطرح الآخر" [76]. أما الاتجاه الثالث، فهو أن الترجيح يعني بيان الرجحان أو القوة التي لأحد المتعارضين على الآخر".[77]وقيل: أنه جعل أحد جانبي المتعادلين راجحا بإظهار فضلٍ فيه لا تقوم به المماثلة".[78]

وبناءً على عرض التعريفات السابقة، يمكننا القول أن التعريف المختار والأحسن هو: أن الترجيح يعني تقديم المجتهد أحدَ الإمارتين المتعارضتين لما فيها من مزية مُعْتَبَرَة مما يوجب العمل به ويطرح الآخر. [79]

        ومما يستفاد من التعريف المختار السابق:

1-             أن الترجيح هو طريق لتقديم أحد الدليلين المتعارضين على الآخر في العمل لما فيه من مزية معتبرة من الشارع.

2-     لا ترجيح بين قطعيين أو بين قطعي وظني، وإنما الترجيح بين ظنّيَيْنِ، وجوب العمل بالدليل الراجح وترك المرجوح.

قال الإمام الغزالي: "... اعلم أن الترجيح إنما يجري بين ظنيين لأن الظنون تتفاوت في القوة ولا يتصور في معلومين إذ ليس بعض المعلوم أقوى وأغلب من بعض.." [80]

تلك هي إطلالةٌ سريعة على المراد بمصطلح الترجيح. وفي هذا المبحث، لسنا في صدد الكلام حول الترجيح وأحكامه مفصَّلاً، إذ الأمر الذي يهمُّنا هو معرفة المنهج الذي سار عليه الإمام الشوكاني في ترجيحاته الفقهية في نيل الأوطار –قسم المعاملات-.

 

ب- منهج الإمام الشوكاني في الترجيح وأسسه.

لقد تيسّر للباحث جمع منهج الإمام الشوكاني في الترجيح والأسس التي بُني عليها. هذا، وقد جُعل قسم المعاملات من كتاب نيل الأوطار نموذجاً للدراسة في هذا المنهج، ورغم ذلك، فإن هذا النموذج يمكن أن يكون مثالاً نموذجيًّا لجميع أجزاء الكتاب. وفيما يلي بيان تلك الأسس – وبالله التوفيق- في النقاط الآتية:

 


 

(1)"عدم أخذ الرواية التي فيها راوٍ تكلّم فيه المحدثون".

فقد قال مثلاً – عند ترجيحه لمذهب الجمهور في مسألة بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النَّسَاء- في باب (بيعتين في بيعة) " ... وهو الظاهر، لأن ذلك المتمسّك هو الرواية الأولى من حديث أبي هريرة وقد عرفت ما في راويها من المقال..." [81].

 

(2)" الاعتبار بالحديث (الضعيف) الذي ورد من طُرُقٍ يقوى بعضها بعضا، والأخذ بقواعدَ أصوليَّةٍ معتبرة ".

ومثال هذا، قال الإمام الشوكاني في باب (النهي عن بيع العربون) "... والأولى ما ذهب إليه الجمهور، لأن حديث عمرو بن شعيب قد ورد من طرق يقوى بعضها من بعض، ولأنه يتضمن الحظر وهو أرجح من الإباحة.." [82]. وقوله أيضاً في باب النهي عن تلقي الركبان: "... وهو الظاهر، لأن النهي هاهنا لأمر خارج وهو لا يقتضيه كما تقرر في الأصول.." [83]. هنا أخذ الإمام الشوكاني قاعدتين فقهيتين هما: (أن ما يتضمن الحظر أرجح مما يتضمن الإباحة)، و(هل النهي يقتضي الفساد أم لا؟).

 

(3)" الميل إلى رأيٍ من الآراء والانتصار له مع بيان قوة هذا الرأي والردّ على المخالفين ردًّا مقنعاً".

ومن ذلك: مَيْلُه إلى رأي الجمهور في مسألة بيع الحاضر لبادٍ وانتصارُه له في عدم جواز هذا البيع، حيث أورد ردوداً على حجية القائلين بجواز هذا البيع وهم عطاء، مجاهد، أبو حنيفة والهادي مستدلين بأحاديث النصيحة والقياس على توكيل البادي للحاضر والنسخ. وتفصيل هذا الردّ هو: (1) أن أحاديث النصيحة عامّة مخصَّصة بأحاديث الباب – وهو باب (النهي أن يبيع حاضرٌ لباد)ٍ -، (2) أن دعوى النَّسْخِ لا تَصِحُّ، إذ إن النسخ لا يصح إلا إذا عُلم بتأخّر الناسخ ولم ينقل، (3) أن القياس فاسد الاعتبار لمصادمته النصّ على أن أحاديث الباب أخصّ من الأدلة القاضية بجواز التوكيل مطلقاً فيبنى العامّ على الخاصِّ. [84]

        كما استخدم الإمام الشوكاني مصطلحات "والحاصل"، " وفي الحديث دليلٌ على"،و "اِعْلَمْ أنّ" وغير ذلك، للدلالة على تنبيه أمرٍ مهمٍّ وذِكْرِ فوائدَ حديثيَّةٍ واردةٍ في الكتاب. فقد قال مثلاً في باب (الرخصة في بيع العرايا): "... والحاصل أن كل صورة من صور العرايا ورد بها حديث صحيح أو ثبت عن أهل الشرع أو أهل اللغة فهي جائزةٌ لدخولها تحت مطلق الإذن والتنصيص في بعض الأحاديث على بعض الصور لا ينافي ما ثبت في غيره" [85]. ففي هذا الأمر سلك الإمام الشوكاني مسلك التوفيق والتحقيق للأقوال الواردة في مسألةٍ من المسائل الفقهية. وفي قوله (وفي الحديث دليل على...) منهجه في هذا أنه ذكر فوائد الحديث وعلامَ يُستدلُّ بالحديث. مثال ذلك قوله في باب (جواز التفاضل والنسيئة في غير المكيل والموزون) "... وفي الحديثين دليل على جواز بيع الحيوان بالحيوان متفاضلاً إذا كان يداً بيدٍ، وهذا مما لا خلافَ فيه..." [86]. أما مصطلح (واعلم أنّ) فإنه يُستعملُ في ذكر الفوائد المهمّة المتعلقة بالحديث الذي قام الإمام الشوكاني بشرحه وإيراد الأقوال والآراء حوله. ومن ذلك قوله: "... واعلم أنّ العلماء قد عظّموا هذا الحديثَ فعدّوه رابع أربعةٍ تدور عليها الأحكام" [87] عند شرحه لحديث (الحلالُ بيّنٌ والحرام بيّنٌ ...) في باب ما جاء في الشبهات.

        ومما سبق عرضه، نستطيع القول أنّ الإمام الشوكاني اتبَّع في ترجيحاته الفقهيَّة منهجاً خاصاًّ مراعيًا في ذلك الأُسُسَ الترجيحية المبنيَّة على طُرُقِ الاستدلال الصَّحيحة، من تلك الأسس ما يتعلق بجانب الرواية الحديثية حيث تمسَّك بعدم أخذ الرواية التي فيها راوٍ تكلّم فيه المحدِّثون، والاعتبار بالحديث (الضعيف) الذي ورد من طُرُقٍ يقوى بعضها بعضا، ومنها الاهتمام بالأخذ بقواعد أصوليَّة معتبرة وجعلها أدلَّةً مدعِّمةً للترجيح، ومنها أيضاً ما له علاقة بقوة الأدلة وضعفها، وفي هذا، اتَّبع الشوكاني طريقة انتقاء آراء العلماء التي رأى أنها قوية وقام بالانتصار لهذه الآراء بذكر الردود على الرأي المخالف. هذا بالإضافة إلى ذكره في مواضع كثيرة فوائدَ حديثيَّةً والحِكَم التي لا ينبغي ترك بيانها عند شرح الأحاديث، والأهمُّ من ذلك كلِّه أنه ربط البحثَ الفقهي – عند شرحه للأحاديث وترجيحه لأحد الآراء- بالحديث وعلومه. هذا، مما جعل ترجيحاته الفقهية في هذا الكتاب (نيل الأوطار) لها مكانتها وشأنها العظيمين.

 

ج- خصائص ترجيحات الإمام الشوكاني ومصطلحاتها.

        قد سبق أن ذكرنا منهجَ الإمام الشوكاني في كتابه (نيل الأوطار) وخصائصَ هذا الكتاب وميزاتِه التي جعلته من أحسن الكتب المؤلَّفة في شرح أحاديث الأحكام. والآن سنتطرّق إلى ذكر منهج الإمام في الترجيح والاختيار الفقهي.

        مرّ مَعَنَا في النِّقاط السابقة أن من أهمِّ ميزات (نيل الأوطار) أن الإمام الشوكاني ذكر فيه الاستنباطاتِ الفقهيَّةَ مع راجحيَّة الأقوال بدون تعصّب ولا تقيّد بمذهبٍ من المذاهب الفقهية، وذلك بناءً على إيمانه وتمسّكه بمبدأ الاجتهاد المتحرّر وعدم التقيد بالمذاهب والاعتماد فقط على الأدلة متى صحّت ولو كان رأيه يخالف الجمهور.

        ذكر الإمام الشوكاني هذا المبدأ قائلاً: "... يمشي على سَنَن الدليل وإن خالف الجمهور، وإني معترفٌ بأن الخطأ والزلل هما الغالبان على من خلقه الله من عجل، ولكني قد نصرتُ ما أظنّه الحق بمقدار ما بلغت إليه الملكة ورضيت النفسُ حتى صفت عن قذر التعصّب الذي هو بلا ريب هلكة...".[88]

        ومن خلال نظرةٍ عامّةٍ لكتاب (نيل الأوطار) وتتبُّع النصوص الواردة في قسم المعاملات من الكتاب، يتجلّى لدى الباحث منهجُ الإمام الشوكاني في الترجيح والاختيار الفقهي والمصطلحات التي استخدمها في ذلك. وَرَدَ عددٌ كبيرٌ من ترجيحات الإمام الشوكاني في مسائل فقهيَّة في الكتاب، إلا أنه من الملاحَظ أن الإمام الشوكاني ما كان يرجّح في كل مسألة أوردها في كتابه (نيل الأوطار)، ذلك لأنه في بعض الأحيان ترك المسألة على حالها، أي بأن ذكر الأقوالَ الواردة فيها مع دليل كلِّ قول.

        أما المصطلحات التي استعملها كثيرًا في هذه الترجيحات، فمنها:

- قوله: " والظاهر". من أمثلة ذلك قوله "... والظاهر عدم ثبوت الخيار مع علم المشتري بالتصرية لانتفاء الغرر الذي هو السبب للخيار".[89]

- قوله: "والراجح". هذا من المصطلحات الترجيحية التي استخدمها الشوكاني في أغلب الأحيان. ومن ذلك ما جاء في باب الثمرة المشتراة يلحقها جائحة عندما رجَّح القول بالوضع مطلقا إذا بيعت الثمرة التي لحقتها جائحة، حيث قال: "والراجح الوضع مطلقا من غير فرق بين القليل والكثير، وبين البيع قبل بدو الصلاح وبعده".[90]

- "المشهور الراجح من مذاهب العلماء" و"والذي يظهر لي". هذان المصطلحان أوردهما الشوكاني كثيرا عند نقله للترجيح الذي ذكره العلماء الآخرون، والذي رأى الشوكاني أنه الصواب. من أمثلة ذلك: ما قاله الشوكاني في ترجيحه لمسألة (هل التفرق بالأبدان له حدٌّ ينتهي إليه أم لا): " والمشهور الراجح من ذاهب العلماء على ما ذكره الحافظ أن ذلك موكول إلى العرف، فكل ما عُدَّ في العرف تفرقا حكم به، وما لا فلا".[91] وقوله: "...قال في الفتح والذي   يظهر لي  أنه صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يخص الأنصار بما يحصل من البحرين.." [92] .ويلاحظ هنا أن الإمام الشوكاني يعتمد في ترجيحاته الفقهية - بعض الأحيان- على آراء العلماء غيره كابن حجر العسقلاني – حيث نقل الشوكاني رأيه كثيراً-.

- قوله:" والحق", ومثال ذلك ترجيحه في مسألة (بيع الثمر قبل بدو صلاحه) حيث رجَّح عدم جوازه مطلقا قائلا: ".والحق ما قاله الأولون من عدم الجواز مطلقا".[93]

- قوله: "هذا هو الراجح عندي". ومن ذلك ما جاء في مسألة الرضاع، قال الإمام الشوكاني: "..وهذا هو الراجح عندي، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث..." [94].

- قوله: " الأَوْلى ". مثال ذلك ما جاء في باب النهي عن بيع العربون، حيث رجح الشوكاني القول بتحريم البيع مع العربان قائلا: "... والأولى ما ذهب إليه الجمهور لأن حديث عمرو بن شعيب قد ورد من طريق يقوي بعضها بعضا.."[95].

- قوله: " الحق ما قدّمنا". انظر مثلا قول الشوكاني في الخلاف في رضاع الكبير: ".. والحق ما قَدَّمْنَا من أن قضية سالم مختصٌّ بمن حصل له ضرورة بالحجاب لكثرة الملابسة فتكون هذه الأحاديث مخصصة بذلك النوع...". [96]

 

فهذه المصطلحات الترجيحيَّة هي من أَهَمِّ المصطلحات المُستعمَلة في مسائل الكتاب (نيل الأوطار) والتي تدل على الترجيح عند الإمام الشوكاني، وهي ليست خاصَّةً في قسم المعاملات، بل وفي غيره من الأقسام.


 

 

 

 

 

الفصل الثالث

 

 

دراسةٌ تحليلية مقارنة لنماذجَ من ترجيحات الإمام الشوكاني في كتابه

"نيل الأوطار" - قسم المعاملات -.

 

 

ويحتوي هذا الفصل على أربعة مباحث:

 

الأول: ترجيحاته في عقود المعاوضات

الثاني: ترجيحاته في عقود الخيارات

الثالث: ترجيحاته في عقود التبرعات

الرابع: ترجيحاته في مسائل الربا


 

المبحث الأول

ترجيحات الإمام الشوكاني في عقود المعاوضات

 

يتناول هذا المبحثُ دراسةً تحليليَّة ومقارنة لبعض المسائل الواردة في عقود المعاوضات التي احتوى عليها كتابُ "نيل الأوطار"، والتي ورد فيها رأي الإمام الشوكاني مع ترجيحه وتعليقه الفقهيين. وقد تَوَخَّيْتُ انتقاءَ بعض المسائل الواردة في عقود المعاوضات التي رأيت أنها تصلح للبحث فيها وإبداء منهج الشوكاني في الترجيح والاختيار، وهذا عرض تلك المسائل:

 

أولاً: مسألة بيع الحاضر للبادي.

هذه المسألة من المسائل الفقهية التي اختلف العلماء في حكمها. فقد ذهب جمهور الفقهاء [97] من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، إلى عدم جواز هذا البيع وفقاً للشروط التي تنوَّعَ وتفاوت في ذكرها كلُّ مذهبٍ. وخالف في ذلك عطاء ومجاهد ورواية عن أبي حنيفة [98]. وفيما يلي ذكر تلك الأقوال مع أدلة كل قول، و تحديد المراد بهذا البيع.

 

( أ ) تحديد المراد ببيع الحاضر للبادي:

يراد بهذا البيع: أن يتولى شخصٌ من سكّان الحضر السلعة التي يأتي بها البدوي من البادية بقصد بيعها دفعة واحدة، فيبيعها الحضري (السمسار) على مثله تدريجيا فيضيق على الناس ويرفع ثمن السلعة.[99]

كما يراد أيضا: ألاَّ يبيع الواحدُ من أهل البلد (الحاضر) ما عنده من طعام ونحوه إلا لأهل البادية طمعا في زيادة الثمن.[100]

 

(ب) آراء الفقهاء في مشروعية هذا البيع

تفاوتت أقوال الفقهاء في هذه المسألة، حيث اختلفوا فيها على خمسة أقوال وهي:

القول الأول: ذهب المالكية إلى أنه لا يجوز أن يتولى أحدٌ من سكان الحضر بيع السلع التي يأتي بها سكان البادية في حالتين:

§       أن يكون البيع لحاضر، فإذا باع لبدوي مثله فإنه يجوز.

§       أن يكون ثمن السلعة غير معروف بالحاضرة، فإن كان معروفا فإنه يصح.

قال الإمام ابن جزي[101]:".. النوع الرابع بيع حاضر لباد من الذين لا يعرفون الأسعار وقيل لكل وارد على مكان وإن كان من مدينة وتعريفه بالسعر كالبيع له فلا يجوز.." [102]. وقال الدردير أبو البركات: "..وكبيع حاضر سلعا ولو لتجارة لعمودي قدم بها الحاضرة ولا يعرف ثمنها بالحاضرة وكان البيع لحاضر فلا يجوز، للنهي عن ذلك، بخلاف ما لو باع لبدوي مثله أو كان العمودي يعرف ثمنها، فيجوز تولي بيعها له.." [103]

القول الثاني: وذهب الحنابلة إلى أن بيع الحاضر للبادي حرام ولا يصح. وإنما يحرم ولا يصح بخمس حالات:

§       أن يكون البادي قد حضر بالسلعة ليبيعها

§       أن يقصد البدوي بيع سلعته بسعر يومها

§       أن يكون البدوي جاهلا بالسعر

§       أن يكون المشتري من أهل الحاضرة

§       أن يكون الناس في حاجة  إلى سلعته.

وقد أشار الإمام المرداوي إلى هذه الشروط في إيضاحه، فقال ما نصُّه: ".. فعلى المذهب يشترط لعدم الصحَّة خمس شروط كما ذكره المصنف، وهو أن يحضر البادي لبيع سلعته بسعر يومها جاهلا بسعرها، ويقصده الحاضر، وتكون بالمسلمين حاجة إليها. فاجتماع هذه الشروط يحرم البيع ويبطله..". [104]

 

القول الثالث: أما الشافعية فذهبوا إلى أن بيع الحاضر للبادي حرام. وفي هذا يقول الإمام الشيرازي ما نصه: "...ويحرم أن يبيع حاضرٌ لبادٍ، وهو أن يقدم رجل ومعه متاع يريد بيعه ويحتاج الناس إليه في البلد.." [105].

 

القول الرابع: وأما الحنفية فقالوا إن هذا البيع مكروه تحريما، فهو صغيرة من الصغائر. ويكون مكروهاً إذا كان الناس في حالة قحط واحتياج. وفي هذا يقول الحصكفي صاحب الدر المختار: "...وكره بيع الحاضر للبادي وهذا في حالة قحط وعوز وإلا فلا، لانعدام الضرر..". [106]

ومن خلال ما سبق، لاحظنا أن العلماء اتفقوا في أن بيع الحاضر للبادي غير جائز، إلا أنهم اختلفوا في شروط عدم الجواز. وقد استدلوا لعدم جواز هذا البيع بأدلة أهمّها الأحاديث الآتية:

1-             ما روي عن ابن عمر، قال: نهى النبي r أي يبيع حاضر لبادٍ.[107]

2-             ما رواه جابر أن النبي r قال: لا يبع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض.[108]

3-             ما روي عن أنسٍ رضي الله عنه قال: "نهينا أن يبيع حاضر لباد وإن كان أخاه لأبيه وأمه".[109]

القول الخامس: يجوز بيع الحاضر للبادي مطلقا. وهذا هو مذهب الأئمة كعطاء، مجاهد، ورواية عن أبي حنيفة . وقد استدلوا بأدلة، منها:

·       أحاديث النصيحة، منها: ما روي عن تميم الداري أن النبي صلى اللهم عليه وسلم قال: الدين النصيحة قلنا لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامَّتهم" [110]

·       أن أحاديث النهي عن هذا البيع منسوخة.

·       قياساً على جواز توكيل البادي للحاضر. [111]

 

(ج) رأي الإمام الشوكاني ووترجيحه في المسألة، ومنهجه فيه:

تَمَسَّكَ الإمام الشوكاني بالأحاديث الواردة في النهي عن بيع الحاضر للبادي، فقال: "وأحاديث الباب تدل على أنه لا يجوز للحاضر أن يبيع للبادي من غير فرق بين أن يكون البادي قريبًا له أو أجنبيًا، سواء كان في زمن الغلاء أو لا، وسواء كان يحتاج إليه أهل البلد أم لا وسواء باعه له على التدرج أم دفعةً واحدة".[112] هذا بخلاف ما ورد من أقوال المذاهب حيث ذكروا شروطاً يختلف بعضها عن الآخر في بيان كون بيع الحاضر للبادي حرامًا.

وقد اشترط جمهورُ العلماء بأن النهي للتحريم إذا كان البائع عالماً والمبتاع مما تعمُّ الحاجة إليه – كما سبق ذكره في أقوال الفقهاء -. قال الشوكاني تعليقًا على هذا: " ... ولا يخفى أن تخصيص العموم بمثل هذه الأمور من التخصيص بمجرد الاستنباط...، فاتِّباع اللفظ أولى، ولكنه لا يطمئنّ الخاطر إلى التخصيص به مطلقا، فالبقاء على ظواهر النصوص هو الأولى، فيكون بيع الحاضر للبادي محرماً على العموم، وسواء كان بأجرة أم لا".[113] وأما القائلون بالجواز وهم عطاء، ومجاهد، ورواية عن أبي حنيفة –وهو القول الخامس-، فقد ردَّ الشوكاني أدلتهم وأورد أجوبةً أهمّها:

(1)           أن أحاديث النصيحة عامّةٌ مخصَّصة بأحاديث الباب (أحاديث النهي عن هذا البيع).

(2)           أن دعوى النسخ إنما تصحّ عند العلم بتأخر الناسخ، ولم يُنقل ذلك.

(3)           أما الاستدلال بالقياس، فإنه فاسد الاعتبار لمصادمته النصّ على أن أحاديث الباب أخص من الأدلة القاضية بجواز التوكيل مطلقا، فيُبنى العام على الخاص.

كما نبَّه الشوكاني على شيء مهمٍّ وهو أنه كما لا يجوز أن يبيع الحاضر للبادي كذلك لا يجوز أن يشترى له. وأَوْرَدَ قول أنس بن مالك الذي رواه أبو داود [114]: "كان يقال لا يبع حاضر لبادٍ، وهي كلمة جامعة لا يبع له شيئاً ولا يبتاع له شيئا". وذكر أيضا: "أن هذا المعنى يقَوّيه العلة التي نبّه عليها النبي r بقوله:" دعوا الناس يرزق الله بعضهم بعضا"، فإن ذلك يحصل بشراء من لا خبرة له بالأثمان، كما يحصل ببيعه، وعلى فرض عدم ورود نصٍّ يقضي بأن بينهما، كما أن لفظ الشراء يُطلَق على البيع لكونه مشتركا بينهما".[115]

وبهذا، فقد تجلى لنا منهجُ الإمام الشوكاني في اختياره الفقهي، وذلك أنه اعتنى كثيراً بالتمسُّك بأحاديث متى صحّت عنده، ولا يلتفت إلى قول مذهبٍ من المذاهب. ففي هذه المسألة رأى الشوكاني أن التمسُّك بظاهر الحديث أولى ما لم يرد تخصيصٌ أو تقييدٌ، وأن التخصيص الذي لا يسانده دليلٌ لا ينبغي أخذُه. وبناءً على هذا رجَّح أن بيع الحاضر للبادي محرَّم على العموم، وليس كما يراه الجمهور حيث قيدوا التحريم بحالات وشروط معيَّنة.

 

ثانياً: بيع العربون

في هذه المسألة، سوف يتناول الباحثُ الأمور الآتية:

( أ ) تحديد المراد ببيع العربون:

في اللغة: "العربون" وردت فيه ست لغات، وهي: (عَرَبون) بفتح العين والراء وهي الفصيحة، و(عُرْبُون) بضم العين وإسكان الراء، و(عربان) بالضم والإسكان وإبدال العين همزة مع الثلاثة وهو أعجمي معرب وأصله في اللغة التسليف والتقديم.[116] وقال ابن قدامة: "... يقال عربون وأربون وعربان وأربان".[117]

وفي الاصطلاح، وردت تعريفاتٌ مختلفة في كتب الفقه وكلها عبارة عن صور هذا البيع، منها ما يلي:

1-             هو أن يشتري شيئًا ويُعطي البائع درهمًا ويقول إن أخذتُه وإلاّ فالدِّرهمُ لك.[118]

2-             أن يشتري الرجل العبدَ أو يتكارى الدابّة، ثم يقول: أعطيك دينارا على أني إن تركت السلعة أو الكراء فما أعطيتك لك. والمراد أنه إذا لم يخترا السلعة أو اكترى الدابّة كان الدينار أو نحوه للمالك بغير شيء وإن اختارهما أعطاه بقية القيمة أو الكراء.[119]

3-                           أن يشتري سلعةً ويُعطيه دراهمَ مثلا لتكون من الثمن إن رضي السلعة وإلا فهبة.[120]

4-             هو أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع درهما أو غيره على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن وإن لم يأخذها فذلك للبائع. [121]

 

(ب) آراء الفقهاء في مشروعية هذا البيع

اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: ذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية إلى أن البيع مع العربون حرام بنص الحديث.[122] أما المالكية، فقد نقل الزَّرقاني في شرحه عن الإمام مالك بعد ذكر المراد ببيع العربون: " ...وهو باطلٌ عند الفقهاء لِمَا فيه من الشرط والغرر وأكل أموال الناس بالباطل..." [123]، وقال النووي من الشافعية: "...فرع في مذاهب العلماء في بيع   العربون  قد ذكرنا أن مذهبنا بطلانه إن كان الشرط في نفس العقد.." [124].

وقد استدلُّوا على عدم جواز هذا البيع بأحاديث النهي عن بيع العربون، منها: "ما روي أن النبي r نهى عن بيع العربان".[125]

 

القول الثاني: أجاز الإمام أحمدُ هذا البيع، فقال: "لا بأس به". وفي هذا قال البهوتي في الروض المربع ما نصُّه: "... بيع العربون بأن يدفع بعد العقد شيئا ويقول إن أخذتُ المبيع أتممت الثمن وإلا فهو لك فَيَصِحُّ لفعل عمر رضي الله عنه والمدفوع للبائع إن لم يتم البيع والإجارة مثله.."[126].

أما مستند هذا القول فهو ما يلي:

(أ)     حديث زيد بن أسلم أنه سئل رسول الله r عن العربان في البيع فأحلَّه.[127]

(ب)   ما روي فيه عن نافع بن عبد الحارث أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أميَّة فإن رضي عمر وإلا فله كذا وكذا. [128]

(ج) ترجيح الإمام الشوكاني في المسألة ومنهجه في ذلك.

ذهب الإمام الشوكاني إلى قول جمهور العلماء في عدم جواز بيع العربون ورجّحه على القول بالجواز قائلا: "والأولى ما ذهب إليه الجمهور". وقد دَعَّمَ ترجيحَه بأدلةٍ، منها:

1-             أن حديث النهي؛ بالرغم من كونه منقطعاً [129] إلا أنه ورد من طريق يقوي بعضُها بعضًا، وعليه فالحديث صالحٌ للاحتجاج والاستدلال به.

2-             أن الحديث يتضمَّن الحظر والنهي، وكما هو المقرّر في أصول الفقه أن الحظر أرجح من الإباحة. وعلى هذا الأساس، فحديث النهي ينبغي أن يُرَجَّح ويُقدَّم على حديث الإباحة الذي تمسك به أحمد وهو رواية زيد بن أسلم، فضلاً عن أنه مرسل.

وذكر الشوكاني - إتماماً لراجحية قول الجمهور- أن العلّة التي من أجله نُهي هذا النوع من البيع هي: أنه اشتمل على شرطين فاسدين، أولهما: شرط كون ما دفعه إليه يكون مجاناً إن اختار ترك السلعة، وثانيهما: شرط الرد على البائع إذا لم يقع منه الرضا بالبيع. [130]

مما سبق ذكرُه تجلَّى لنا منهجُ الترجيح الذي سار عليه الإمام الشوكاني في مسألة بيع العربون، وذلك أنه مال إلى التمسُّك بالحديث الذي استوفى شروطَ القبول وإن كان الحديث فيه علَّة الضعف – الانقطاع مثلا – ، لأنه ارتفع إلى درجة القوي بسببٍ من أسباب التقوي، كأن يَرِدَ الحديثُ من طريقٍ يقوي بعضها بعضا، وقد تقرّر ذلك في علم مصطلح الحديث [131]، كما أنه تمسَّك بقاعدةٍ أصوليَّةٍ وجعلها مستنداً لترجيحه، وهي" الحظر أرجح من الإباحة". وقد ذهب أكثر الأصوليين إلى القول بأن الحظر أرجح من الإباحة، منهم الإمام الكرخي، والإمام الرازي، والإمام الشيرازي، وغيرهم.[132]

 


 

ثالثاً: بيع الثمرة قبل بدو صلاحها

 

( أ ) تحديد المراد ببيع الثمرة قبل بدوِّ صلاحها

يراد ببيع الثمرة قبل بدول صلاحها: أن يبيع أحدُهم الثمرةَ قبل ظهور صلاحها أي حمرتها وصفرتها. وفي رواية مسلم: بدوُّ الصلاح أي ذهاب العاهة.[133]

 

(ب) آراء الفقهاء في حكم بيع الثمرة قبل بدو صلاحها

اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال، هي:

القول الأول: ذهب المالكية[134] الشافعية[135] والحنابلة[136] إلى أنه يجوز هذا البيعُ إذا شرط القطع، وإلا فلا.

وفي هذا يقول أبو البركات الدردير من المالكية في شرحه الكبير ما نصُّه: "..وصحَّ بيع ما ذكر قبله أي قبل بدو صلاحه في ثلاث مسائل .. إلى أن قال: " أو بيع ما ذكر منفردا قبل بدو  صلاحه على شرط قطعه في الحال أو قريبا منه بحيث لا يزيد ولا ينتقل عن طوره إلى طور آخر.." [137]

قال الغزالي من الشافعية: "... امتناع بيعه إلا بشرط القطع، فإن أذن في البيع بشرط القطع جاز..." [138].

وقال ابن مفلح من الحنابلة في فروعه ما نصُّه: "... بيع الثمرة قبل بدو صلاحها لمالك الأصل شرط القطع هل يصح أم لا ... أحدهما يصح وهو الصحيح من المذهب، صححه في المستوعب والتلخيص والرعاية الكبرى والحاوي الصغير وغيرهم.." [139]

وقد استدلَّ هؤلاء بدليلٍ عقليٍّ [140] وهو أن المنع إنما كان خوفاً من تلف الثمرة وحدوث العاهة عليها قبل أخذها. واستدلوا أيضا بحديث أنس بن مالك أن النبي r نهى عن بيع الثمار حتى تزهو، قال: أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه. [141]

 

القول الثاني: ذهب الحنفية إلى أنه يجوز هذا البيع مع شرط التبقية (أي عدم القطع). [142]

وفي هذا يقول ابن عابدين في حاشيته: "..والخلاف إنما هو في بيعها قبل بدوّ الصلاح  على الخلاف في معناه لا بشرط القطع، فعند الشافعي، ومالك، وأحمد لا يجوز، وعندنا إن كان بحال لا ينتفع به في الأكل ولا في علف الدواب فيه خلاف بين المشايخ، قيل: لا يجوز ونسبه قاضيخان لعامة مشايخنا، والصحيح أنه يجوز لأنه مال منتفع به..". [143]

واستدلَّ هؤلاء بدليلين هما:

1-             تفسير معنى حديث النهي عن هذا النوع من البيع وحملُه على بيع الثمار قبل أن توجد أصلاً.

2-             عموم قوله تعالى : (( وأحلَّ الله البيع )).[144]


 

القول الثالث: أن بيع الثمار قبل بدوِّ صلاحها باطلٌ مطلقاً.[145]

وأدلة هذا القول هي: أحاديث النهي عن هذا النوع من البيع، منها حديث: " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع"[146].

 

(ج) ترجيح الإمام الشوكاني في المسألة

فقد رجَّح الإمامُ الشوكاني القولَ الأخير، وهو النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها مطلقاً، أي أنه باطل سواء كان مع شرط القطع أو التبقية. ويقول في ذلك ما نصُّه: " ... فالحقُّ ما قال الأولون من عدم الجواز مطلقاً" بدليل ظاهر أحاديث الباب [147] وغيرها الذي يدل على المنع من بيع الثمار قبل بدو الصلاح وأن وقوعه في تلك الحالة باطلٌ كما هو مقتضى النهي. [148]

 

( د ) منهجه في الترجيح وموقفه من بقية الأقوال.

        ومما لا يخفى أن الإمام الشوكاني ممن لا يرون التمسّك بالمذاهب والسير على منهاجها والتَّقَوْقُع في أقوالها. وقد سبق الكلام عنه في الباب الثاني من هذا البحث أنه جعل الأدلة الصحيحة من القرآن والسنة عمدةً لترجيحاته واختياراته الفقهية. لذا، قال في بيان موقفه من هذه المسألة (بيع الثمار قبل بدو صلاحها): "...ومن ادّعى أن مجرَّد شرط القطع يُصحِّح البيعَ قبل الصلاح فهو محتاجٌ إلى دليل يصلح لتقييد أحاديث النهي..".[149] وفصّل الكلام في تحقيق الخلاف في هذه المسألة وتصويب بعض دعاوى العلماء قائلا: ".. ودعوى الإجماع [150] على ذلك لا صِحَّةَ لها لما عرفت من أن أهل القول الأول يقولون بالبطلان مطلقا.."، وأجاب عنهم بجواب قويٍّ ومقنعٍ قال ما نصُّه: "..وقد عوَّل المجوزون مع شرط القطع في الجواز على عللٍ مستنبطة فجعلوها مقيَّدة للنهي وذلك مما لا يفيد من لم يسمح بمفارقة النصوص لمجرد خيالات عارضة وشُبَه واهية تنهار بأيسر تشكيك..!".[151]

        لقد أورد هذا الكلام – الذي يمكن أن يوصف بالصلابة والنقد الثاقب- تحقيقاً لمقولته المذكورة في مقدمة كتابه "نيل الأوطار" وتنبيهاً للناس على اعوجاج مثل هذا المنهج (دعوى بغير دليل) وعدم صحَّة السلوك والسير على منواله.

        ولم يتوقف الشوكاني في القول بمجرَّدِ عدم صحة دعوى الإجماعات، بل دعَّم كلامه هذا بحججٍ مُقنعة وأقوال أهل العلم الآخرين، كما ظهر ذلك جلياً في قوله: " وأما دعوى الفساد بشرط البقاء -كما سلف- فدعوى فاسدة، فإنه قد حكى صاحب الفتح [152] عن الجمهور أنه يجوز البيع بعد الصلاح بشرط البقاء ولم يُحْكَ الخلافُ في ذلك إلا عن أبي حنيفة. [153]

        ويلاحظ مما سبق أن الشوكاني اتّبع أسسًا في منهج ترجيحه وذلك أنه أخذ بظاهر الحديث واستدلَّ به ما لم يرد فيه تقييدٌ أو تخصيصٌ، واعترض على ما قيل بالإجماع على مسألةٍ دون أن يأتي بدليلٍ أو بتحقيق في ذلك.


 

المبحث الثاني

ترجيحات الإمام الشوكاني في الخيارات

 

يتطرّق هذا المبحثُ إلى دراسة ترجيحات الإمام الشوكاني في عدد من المسائل المتعلقة بالخيارات، وخاصَّةً خيار المجلس، وبيع المصرَّاة الذي كثر فيه الخلاف بين أهل العلم من الفقهاء والأصوليين.

 

أولاً: أحكام خيار المجلس

( أ ) تحديد المراد بخيار المجلس.

الخيار هو طلب خير الأمرين من الإمضاء أو الإلغاء. ويراد بخيار المجلس: أنه إذا حصل الإيجاب والقبول من البائع والمشتري وتَمَّ العقد فلكلِّ واحدٍ منهما حق إبقاء العقد أو إلغائه ما داما في المجلس (أي محل العقد) ما لم يتبايعا على أنه لا خيار. [154]

 

(ب) آراء الفقهاء في ثبوت خيار المجلس

اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: ذهب جمهور العلماء منهم الشافعية[155] والحنابلة[156] إلى أن خيار المجلس ثابتٌ بعد تمام العقد.[157]

وفي هذا يقول الإمام الشيرازي[158] في مُهَذَّبِهِ: "...ويثبت فيه خيار المجلس لقوله صلى الله عليه وسلم المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا [159]، ولا يثبت فيه خيار الشرط لأنه لا يجوز أن يتفرقا قبل تمامه.." [160]. و يقول صاحب إعانة الطالبين[161] : ".. أن الشارع أثبت فيه الخيار رفقا بالمتعاقدين، وهو نوعان خيار تشبه وخيار نقيصة أي عيب والأول ما يتعاطاه المتعاقدان باختيارهما..." [162]

وقال ابن قدامة في المغني: ".. والعقود على أربعة أبواب أحدها يثبت فيه الخياران؛ خيار المجلس وخيار الشرط..." [163]، وقال البهوتي في الروض المربع: "..يثبت خيار المجلس في البيع لحديث ابن عمر يرفعه إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار مالم يتفرقا وكانا جميعا أو يخير أحدهما الآخر فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع".[164]

واستدل الجمهور على ثبوت خيار المجلس بجملة من الأحاديث النبوية الدالة على ثبوت خيار المجلس، كما وردت في المنتقى وشرحها الشوكاني في النيل. [165]

 

القول الثاني: أن خيار المجلس باطلٌ، فإذا وجب البيع فلا خيار. وقد ذهب إلى هذا القول الحنفية[166] والمالكية[167].

وفي هذا يقول الكاساني[168] في بدائعه: "...أن خيار المجلس  ليس بثابتٍ عندنا".[169] وقال ابن الجزي في قواننيه: ".. خيار المجلس باطل عند مالكٍ والفقهاء السبعة بالمدينة وأبي حنيفة، فالبيع عندهم يتمُّ بالقول وإن لم يفترقا من المجلس".[170]

واستدل القائلون بعدم ثبوت خيار المجلس وهم الحنفية والمالكية، بأدلة من أهمها:

1-             حديث: " المسلمون على شروطهم" [171]، قالوا: إن الخيار بعد العقد يفيد الشرط.

2-             حديث التحالف [172] عند اختلاف المتبايعين لاقتضائه الحاجة إلى اليمين، وذلك يستلزم لزوم العقد، ولو ثبت خيار المجلس لكان كافياً في رفع العقد.

3-             أجابوا عن الأحاديث القاضية بثبوت خيار المجلس، أنها معارضة لما هو أقوى منها نحو قوله تعالى: (( وأشهدوا إذا تبايعتم)) [173]، قالوا: ولو ثبت خيار المجلس لكانت الآية غير مفيدة، لأن الإشهاد إن وقع قبل التفرق لم يطابق الأمر، وإن وقع بعد التفرق لم يصادف محلاًّ. وقوله تعالى: ((وتجارةً عن تراضٍ)) [174] فإنها تدل على أنه مجرد الرضا يتم البيع، وقوله تعالى: (( أوفوا بالعقود)) [175] لأن الراجع عن موجب العقد قبل التفرق لم يف به. كما استدل بعضُهم بأن أحاديث خيار المجلس منسوخة بالأدلة السابقة الذكر. [176]

 

(ج) موقف الشوكاني من الآراء وتعليقه عليها.

لقد ذكر الإمام الشوكاني هذا الخلاف مفصَّلاً في النيل وأورد أدلَّة المانعين النافين لثبوت خيار المجلس والأجوبة على تلك الأدلة.

أما بالنسبة لبعض الأدلة السابقة، قال الشوكاني جوابًا عنها: ".. ولا يخفى أن هذه الأدلة على فرض شمولها لمحلِّ النـزاع أعمُّ مطلقاً، فيُبنى العام على الخاصّ.." وواصل الكلام قائلاً: ".. والمصير إلى الترجيح مع إمكان الجمع غيرُ جائزٍ كما تقرّر في موضعه"[177].

وفيما يلي ذكرُ الأجوبة على أدلة النافين لثبوت خيار المجلس كما ذكرها الإمام الشوكاني نقلاً عن ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري[178]، من أهمِّها:

1-                 الجواب على دعوى النسخ: أنه لا حجة في شيء من ذلك، لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال والجمع بين الدليلين مهما أمكن لا يصار معه إلى الترجيح والجمع هنا ممكن بين الأدلة المذكورة بغير تعسف ولا تكلُّف.

2-                 الجواب على دعوى مخالفة الحديث للقياس الجلي في إلحاق ما قبل التفرق بما بعده: أن هذا القياسَ قياسٌ مع وجود النص، وعليه فهو فاسد الاعتبار.

3-                 الجواب على دعوى أن التفرق بالأبدان محمولٌ على الاستحباب تحسينا للمعاملة مع المسلم لا على الوجوب أو هو محمول على الاحتياط للخروج من الخلاف: "أن هذه الدعاوى على خلاف الظاهر فلا عبرةَ لها".

4-                 الجواب على قولهم أنَّ المراد بالتفرق في الحديث التفرق بالكلام كما في عقد النكاح والإجارة والعتق: " أن ذلك قياسٌ مع ظهور الفارق، لأن البيع ينقل فيه ملك رقبة المبيع ومنفعته بخلاف ما ذُكِرَ.

 

(د) ترجيح الإمام الشوكاني ومنهجه فيه:

رجَّح الإمام الشوكاني قول الجمهور، وهو ثبوت خيار المجلس، واختار القول بأن المراد بالتفرق في الحديث التفرّق بالأبدان وليس بالكلام، مستدلاً بأدلَّةٍ ذَكَرَهَا بعد شرح أحاديث الباب، من تلك الأدلة ما يأتي:

1-   الرواية المذكورة في الباب عن ابن عمر حمل التفرق على التفرق بالأبدان، ولا يعرف له مخالفٌ. [179]

2-   قوله صلى الله في رواية أخرى: " ما لم يتفرقا وكان جميعاً"، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب.

3-   أن هذا (أي حمل التفرق على التفرق بالأبدان) في عرف اللغة وظاهر الكلام، إذ لو قيل: تفَّرق الناس، يُفْهَمُ منه التمييز بالأبدان. ولو كان المراد تفرّق الأقوال لخلا الحديث عن الفائدة وسقط معناه.

4-   لقد ثبت أن المتبايعين هما المتعاقدان، والبيع من الأسماء المشتقَّة من أفعال الفاعلين، ولا يقع حقيقته إلا بعد حصول الفعل منهم كقولهم: زان، سارق، وإذا كان كذلك، فقد صحَّ أن المتبايعين هما المتعاقدان وليس بعد العقد تَفَرُّقٌ إلا التمييز بالأبدان.[180]

كما رجّح الشوكاني – اعتماداً على قول ابن حجر في الفتح-[181] كون التفرَّق بالأبدان هل له حدٌّ ينتهي إليه أم لا؟ " أن ذلك موكولٌ إلى العرف، فكلُّ ما عُدَّ في العرف تفرقاً حُكِمَ به، وإلاَّ فلا".[182]

من هنا يمكننا التعرف على المنهج الترجيحي للإمام الشوكاني وذلك أنه نقل من بعض العلماء الموثوقين لديه – كالحافظ ابن حجر- آراءهم وأقوالهم دعماً لاختياراته الفقهية بعد ذكر الحجج والأدلة المقنعة. ولا يخفى أنه اعتمد كثيراً على أقوال ابن حجر ورجع في أكثر من موضعٍ إلى كتابه "فتح الباري شرح صحيح البخاري"، حيث أَكْثَرَ من قول: " قال في الفتح".

ويُلاحَظُ من خلال مطالعة الباحث لكتاب نيل الأوطار، أن الشوكاني وافق ابن حجر في منهج الاختيارات والترجيحات الفقهية، حيث  تمسّك بالأدلة الصحيحة واعتبرها هي الأَوْلى بالأخذ دون الالتفات إلى مذهب معيّن أو التقيّد بقول صاحب المذهب، كما شوهد ذلك في أثناء معالجتنا للمسألة السابقة.

 

ثانياً: خيار العيب وعلاقته ببيع المُصَرَّاةِ

( أ ) تحديد المراد بالمصرّاة

المصراة (في اللغة) من صرَّيت اللّّبَنَ في الضرع إذا جمعته. قال الشافعي: "التصرية هي ربط أخلاف الشاة أو الناقة وترك حلبها حتى يجتمع لبنها فيكثر فيظن المشتري أن ذلك عادتها فيزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها".[183] وأصل التصرية حبس الماء، يقال منه صرَّيت الماء إذا حبسته. قال ابن قدامة: " التصرية  جمع اللبن في الضرع يقال صرى الشاة وصرى اللبن في ضرع الشاة بالتشديد والتخفيف".[184] وقال الشوكاني: قال أبو عبيدة وأكثر أهل اللغة: " التصرية حبس اللبن في الضرع حتى يجتمع وإنما اقتصر على ذكر الإبل والغنم دون البقر لأن غالب مواشيهم كانت من الإبل والغنم والحكم واحد".[185] عرّفه صالح الفقه على مذاهب الأربعة الجزيري: " التصرية جمع اللبن وحبسه في ضرع الحيوان بفعل البائع ليكبر الضرع، فيغترّ المشتري بذلك ويشتريها ظنّاً منه أن عظم الضرع لسبب كثرة اللبن كثرةً طبيعيّةً".[186]

 

(ب) آراء الفقهاء في حكم بيع المصرّاة

وقبل التطرّق إلى ذكر المسائل الخلافية المتعلقة بهذه المسألة، يحسن بنا معرفة حكم التصرية، وهو أنها منهيٌّ عنها شرعاً للأحاديث الناهية عن ذلك، منها: حديث الباب " عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا تُصَرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردَّها وصاعا من تمر".[187] وقال الشوكاني: "(قوله إن رضيها أمسكها)، اُسْتُدِلَّ بهذا على صحَّة بيع المصراة مع ثبوت الخيار" [188]

أما الخلاف في بيع المصرّاة، فيكون من حيث الرد وعدمه، وقد اختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال: ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية -والحنابلة في الجملة- إلى أنه إذا وقع هذا البيع، فللمشتري ردُّ المبيع ومعه بدل اللبن خلافا للحنفية. وتفصيل الخلاف كما يلي:

القول الأول: ذهب الشافعية إلى أنه إذا اشترى المصراة فحلبها فإن له ردَّها مع ردِّ صاع من تمر معها.[189]

في هذا، يقول الشيرازي في مهذبه:".. إن اختار ردَّ المصرَّاة ردَّ بدل اللبن.. وقال أبو إسحاق الواجب صاع من التمر لحديث أبي هريرة".[190]

وقال إبراهيم بن علي الشيرازي في التنبيه ما نصه"..إذا اشترى ناقة أو بقرة أو شاة مصراة وتبين فيه التصرية فهو بالخيار بين أن يمسك وبين أن يرد ويرد معها صاعا من تمر بدل اللبن..". [191]

القول الثاني: أما المالكية فقد ذهبوا إلى أنه إذا اشترى المصرَّاة فإن له ردَّها بشرط أن يردَّ معها صاعًا من غالب قوت بلده، ولا يشترط ردّ صاع التمر بخصوصه ويحرم أن يرد اللبن فقط. [192]

يقول الإمام مالك في ذلك ما نصه: ".. أرى لأهل البلدان إذا نزل بهم هذا أن يعطوا الصاع من عيشهم ومصر، الحنطة هي عيشهم.." [193]

 

القول الثالث: وذهب الحنابلة إلى مثل مذهب الشافعية قائلين: إنه إذا اشترى المصراة فإن له ردها بذلك العيب وعليه أن يرد معها صاعا من تمر عملا بالحديث المذكور. وإذا عجز عن التمر يلزمه قيمته بأقرب البلاد التي فيها التمر إليه. [194]

وفي ذلك قال ابن قدامة في الكافي ما نصُّه:".. ويلزم مع ردها صاعا من تمر بدلا عن اللبن الموجود حال العقد للخبر.." [195]، وقال في المغني: " وهو (أي الردُّ) مقدَّر في الشرع بصاعٍ من تمرٍ كما في الحديث الصحيح".[196]

لقد استدل هؤلاء الجمهور بأحاديث النهي عن بيع المصراة مثل حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي ورد في ردِّ المبيع ومعه صاع من تمر. قال ابن حجر في الفتح بعد ذكر مذهب الجمهور في استدلالهم بظاهر الحديث: ".. وأفتى به ابن مسعود وأبو هريرة ولا مخالفَ لهما في الصحابة، وقال به من التابعين ومن بعدهم من لا يحصى عدده ولم يفرقوا بين أن يكون اللبن الذي احتلب قليلا كان أو كثيرا ولا بين أن يكون التمر قوت تلك البلد أم لا..".[197]

القول الرابع: خالف الحنفيةُ المذاهبَ الثلاثة وقالوا: إنه إذا اشترى المصرّاة فليس له ردُّها بذلك العيب مطلقا، وإنما له المطالبة بالتعويض عما نقص من  قيمتها بذلك العيب.[198]

وفي هذا يقول السرخسي[199] في مبسوطه ما نصُّه: ".. لو اشترى ناقةً فوجدها مصراة وهي التي سد البائع ضرعها حتى اجتمع اللبن فيه فصار ضرعها كالصراة وهي الحوض، فليس له أن يردَّها، والتصرية ليست بعيبٍ عندنا.." [200]

أما دليلهم، فإنهم ردُّوا حديثَ المصراة واعتذروا عنه بأعذار. وقد استدلَّ الحنفية بأدلة من القياس وأجابوا عن أدلة الجمهور –كما بسط ذلك صاحب المبسوط (السرخسي) عندما تكلَّم حول حكم المصراة [201]. وسيأتي بيان هذه الأعذار مقرونةً بالأجوبة عنها في النقطة التالية.

 

(ج) ترجيح الشوكاني ومنهجه فيه

وبعد اطِّلاع ما ورد في نصوص باب " ما جاء في المصراة " من نيل الأوطار، تبيّن للباحث أن الشوكاني مال إلى رأي جمهور العلماء وذهب إلى مذهبهم في القول برد المصراة ورد الصاع معها، وفي ذلك يقول ما نصُّه: "..وقد أخذ بظاهر الحديث الجمهور.." [202]، كما أنه حاول أن يدافع عن هذا المذهب بإيراد بعض الأعذار التي تمسَّك بها الحنفية في ردِّ حديث التصرية، وأجاب عن هذه الأعذار مصطحباً في ذلك كلام بن حجر العسقلاني في فتح الباري.

ويحسن لنا هنا أن نذكر تلك الأعذار لنرى قوة مذهب الجمهور -الذي مال إلى القول به الشوكاني- وضعف ما ذهب إليه المخالفون (وهم الحنفية). فمن أهمِّ تلك الأعذار: [203]

1-  طعنوا في الحديث الذي رواه أبو هريرة، قائلين: إنَّه لم يكن مثل ابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة، فلا يؤخذ بما يرويه إذا كان مخالفا للقياس الجلي.

الجواب: وبطلان هذا العذر أن الأمر ليس كما قالوا، بل إن أبا هريرة رضي الله عنه من أحفظ الصحابة وأكثرهم حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن لم يكن أحفظهم على الإطلاق وأوسعهم رواية لاختصاصه بدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له بالحفظ كما ثبت في الصحيحين وغيرهما في قصة بسطه لردائه بين يدي رسول الله r.[204] ومن كان بهذه المنـزلة لا ينكر عليه تفرده بشيء من الأحكام الشرعية. ويؤيد ذلك قوله رضي الله عنه معتذرا عن تفرُّدِه بكثير مما لا يشاركه فيه غيره: "إن أصحابي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا".

2-  الاضطراب في متن الحديث، حيث ذُكر التمر فيه تارةً، والقمح أخرى، واللبن أخرى، واعتبار الصاع تارة، والمثل أو المثلين أخرى.

الجواب: أن الطرق الصحيحة لا اختلاف فيها، والضعيف لا يعل به الصحيح.

3-  أن الحديث معارضٌ لعموم قوله تعالى: ((وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ)) [205].

الجواب: أنه من ضمان المتلفات لا العقوبات، ولو سُلِّمَ دخولُه تحت العموم، فالصاع مِثْلٌ لأنه عوض المتلف وجعله مخصوصا بالتمر دفعا للشجار، ولو سُلِّم عدمُ صدق المثل عليه، فعموم الآية مخصَّصٌ بهذا الحديث.

4-  أن الحديث منسوخ.

الجواب: أن النسخ لا يثبت بمجرد الاحتمال ولو كفى ذلك لرد من شاء ما شاء.

وفيما يتعلََّق بمنهج الشوكاني، فقد لوحظ – مما سبق – أن من منهج ترجيح الشوكاني أنه ذكر المسألة بأدلة كلِّ قول ثم دَعَّمَ القولَ الذي مال إليه بذكر الجوابِ عَنْ شُبهاتِ وأدلَّةِ المخالفين لبيان ضعف قولهم. ففي هذه المسألة (بيع المصرَّاة)، بسط الشوكاني أعذار المخالفين (وهم الحنفية) وشبهاتهم وردَّ عليهم بذكر الأدلة التي نقلها عن صاحب فتح الباري. ومن منهجه أيضاً: بالرغم من أنه ينقل كلام العلماء في دعم ترجيحه، إلا أنه يختصر هذا النقل وزاد عليه فوائدَ لم يذكرها أولئك العلماء. قال الشوكاني في ذلك ما نصُّه: ".. وسنشير إلى ما ذكره باختصار ونزيد عليه ما لا يخلو عن فائدة.." .[206]


 

المبحث الثالث

ترجيحات الإمام الشوكاني في عقود التَبَرُّعَاتِ

 

لئن كان ما سبق توضيحاً لترجيحات الشوكاني في بعض مسائل عقود المعاوضات، فإن هذا المبحث يأتي تتمَّةً لبيان ترجيحاته لبعض مسائل عقود التبرعات.

 

أولاً: قبول هدايا الكفار والإهداء لهم.

( أ ) تحديد المراد بالهدية

قال صاحب لسان العرب الفيروزآبادي: "والهَدِيَّةُ: ما أَتْحَفْتُ به، يقال: أَهْدَيْتُ له وإِليه. وفـي التنزيل العزيز: ((وإِني مُرْسِلة إِليهم بهَدِيَّةٍ)).[207] وفي مختار الصحاح: الهَدِيَّةُ واحدة الهَدَايا، يقال: أَهْدَى له وإليه، و التَهَادِي: أن يهدي بعضُهم إلى بعضٍ، وفي الحديث تَهَادُوا تَحابُّوا.[208]

 

(ب) حكم الهدية

والهدية أمرٌ مسحبٌّ في الإسلام، حثَّ عليه النبي r حيث قال: " تَهَادُوا تَحابُّوا " [209]. إن كان بالتشديد (تحابُّوا) فمن المحبَّة، وإن كان بالتخفيف (تحابُوْا) فمن المحاباة، ويشهد للأول خبر البيهقي (تهادوا يزيد في القلب حُبًّا)، وذلك لأن الهدية خُلُقٌ من أخلاق الإسلام دلَّتْ عليه الأنبياءُ وحثَّ عليه خلقٌ وهم الأولياء، تؤلِّف القلوب وتنفي سخائم الصدور. وقال الغزالي: وقبول الهدية سُنَّةٌ لكن الأولى ترك ما فيه منَّة.." [210].

وشُرِعَ قبولُ الهدية، لحديث النبي r أنه قال: " لو دُعِيْتُ إلى كراع أو ذارع لأجبت ولو أهدى إلى كراع أو ذارع لَقَبِلْتُ".[211] وقال: "من بلغه معروف عن أخيه من غير مسألة ولا إشراف نفسٍ، فليقبله ولا يرده، فإنما هو رزق ساقه الله عز وجلّ إليه".[212] وقد قَبِلَ النبي r الهدية ورفض الصدقة كما ورد ذلك في أحاديث، منها: ما أخرجه الترمذي في كتاب الزكاة: " كان رسول الله r إذا أُتِيَ بشيءٍ سأل أ صدقة هي أم هدية، فإن قالوا صدقة لم يأكل وإن قالوا هدية أكل".[213]

وروى أحمد من رواية أبي الطفيل عن سلمان قال: " كان النبي r يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة".[214]

ومن الحكمة في قبول النبي الهدية وعدم قبوله للصدقة أن الصدقة فَارَقَتْ الهديةَ، لأن القصد من الصدقة ثوابُ الاخرة وذلك يُنبىء عن عِزِّ المُعطي وذُلِّ الأخذ في احتياجه إلى الترحُّم عليه والرفق إليه، ومن الهدية التقرُّب إلى المُهْدَى إليه وإكرامه بعرضها عليه، ففيها غاية العزَّة والرفعة لديه، وأيضًا فمن شأن الهدية مكافأتها في الدنيا ولذا كان عليه الصلاة والسلام يأخذ الهدية ويثيب عوضها عنها[215] فلا منة البتة فيها بل لمجرد المحبة كما يدل عليه حديث ((تهادوا تحابُّوا))، وأما جزاء الصدقة ففي العقبى ولا يجازيها إلا المولى.[216]

 

(ج) حكم قبول الهدية من الكافر

وردت أحاديثُ كثيرةٌ في قبول النبي r الهدية من الكافر[217] مثل ما روي عن علي رضي الله عنه قال: أهدى كسرى لرسول الله r فقبل منه، وأهدى له قيصر فقبل، وأهدت له الملوك فقبل منها. [218] وتدل هذه الأحاديث على جواز هذا الأمر. إلا أن هناك حديثاً يعارضها في الظاهر ويدلّ على عدم جواز ذلك. وهذا الحديث هو: حديث عياض بن حمار أنه أهدى للنبي r هديةً أو ناقةً، فقال النبي r " أسلمتَ؟، قال: لا، قال: إني نُهِيْتُ عن زبد المشركين".[219]

وبناءً على هذا، اشتبه على العلماء حكمُ قبول هدية الكافر، حيث وقع التعارض بين الأحاديث في هذه المسألة. وقد تكلَّم العلماء من المحدثين والفقهاء حول هذه المسألة وبسطوا الكلام في كتبهم حيث بَيَّنُوا الموقفَ الصحيح من المسألة وذكروا الجمع بين الأحاديث المتعارضة بِطُرُقٍ مختلفة. وفيما يلي ذكر تفصيل المسـألة ورأي الإمام الشوكاني مع اختياره وتعليقه فيها.

 

(د) اختيار الشوكاني، و الجمع بين الأحاديث، ومنهجه فيه.

أورد العلماء وجوهاً متعدِّدة للجمع بين الأحاديث المتعارضة، من تلك الوجوه:

1-             أنه يشبه أن يكون هذا الحديث (أي حديث النهي) منسوخا (أي بأحاديث الجواز)، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم قد قبل هديةَ غيرِ واحدٍ من المشركين.[220]

2-                 أن ردَّ النبيِّ لهدية المشرك لأجل أن يغيظه بردِّ الهدية، فيمتغص منه فيحمله ذلك على الإسلام.

3-             أن للهديَّة موضعًا من القلب، وقد روي ((تهادوا تحابُّوا))، ولا يجوز عليه صلى الله عليه وآله وسلم أن يميل بقلبه إلى مشرك، فردَّ الهدية قطعًا لسبب الميل.

4-             لا تعارض بين الأحاديث، لأن في حديث عياض بن حمار، أنه رجلٌ من أهل الكتاب، ليس بمشرك، وقد أبيح لنا طعام أهل الكتاب ونكاحهم وذلك خلاف حكم أهل الشرك.[221]

5-             أن امتناع النبي فيما أُهْدِيَ لَهُ خاصَّةً، أما ما أهدي للمسلمين فإنه يقبله.[222]

6-             أن الامتناع في حق من يريد بهديته التودُّد والموالاة والقبول في حقِّ من يُرجى بذلك تأنيسه وتأليفه على الإسلام.[223]

وقف الإمام الشوكاني موقف الناقد والمُنْتَقِي من وجوه الجمع السابقة، حيث نهج في ذلك منهج سابقه (ابن حجر العسقلاني) واختار الأصحّ وأجاب عن الوجوه الضعيفة بذكر أوجه الضعف. أما فيما يتعلق بترجيحه في المسألة، فإنَّه بالرغم من عدم التصريح بذلك، إلا أننا نستطيع التعرُّفَ على اختياره وترجيحه الفقهيين من خلال بسطه ونقله لرأي ابن حجر حيث سلَّم مذهبه ورأيه دون أيِّ انتقادٍ أو تعليق. قال الشوكاني في ذلك: "... قال الحافظ وهذا أقوى من الذي قبله.."، وهذا الجمع القوي هو: الوجه الأخير، وهو (أن الامتناع يكون في حق من يريد بهديته التودُّد والموالاة والقبول في حقِّ من يُرجى بذلك تأنيسه وتأليفه على الإسلام).

أما فيما يتعلق بالجواب على بقية وجوه الجمع السابقة، ففيما يلي بيان ذلك – كما اختصره الشوكاني في النيل-:

·       أن القول بالنسخ لا يثبت بمجرد الاحتمال، وكذلك الاختصاص (أي اختصاص بأهل الكتاب)، وذلك لأن البخاري قد أورد في صحيحه حديثا استنبط منه جواز قبول هدية الوثني. فلا يصح قول من حمل رد الهدية على الوثني دون الكتابي.[224]

·       لا يصحُّ ما ذهب إليه الطبري (الوجه الخامس)، لأن من جملة أدلة الجواز ما وقعت الهدية فيه للنبي r خاصّةً.[225]

 

ثانياً: التسوية بين الأولاد في العطية.

( أ ) تحديد المراد بالتسوية والعطية

التسوية مصدر سوّى- يُسَوِّي على وزن (فَعَّل)، والسَّوَاءُ: العدل، قال الله تعالى فانبذ إليهم على سواء وسواء الشيء وسطه. وسَوَّيْتُ الشيء تَسْوِيَةً فاستَوَى وقسم الشيء بينهما بالسَّويَّةِ.[226]

أما العَطِيَّةُ، فهي من (أعطى-يُعطي) معناها الشيء المُعْطَى، والجمع العَطَايا.[227] وقال الفيروزآبادي [228]: "والعَطاءُ والعَطِيَّة: اسمٌ لما يُعْطَى، والجمع عَطايا و أَعْطِيَة، و أَعْطِياتٌ جمعُ الجَمع. ويقال: إِنَّه لجَزيلُ العَطاء، وهو اسمٌ جامِعٌ، فإِذا أُفرِد قيلَ  العَطِيَّة، وجمعُها العَطايا، وأَمَّا الأَعطية فهو جَمْع العَطاء. يقال: ثلاثةُ أَعْطِيةٍ، ثم أَعْطِياتٌ جمعُ الجمع. وأَعطاه مالاً، والاسمُ العَطاء، وأَصله عَطاوٌ.

 

(ب) حكم التسوية في العطاء

ورد عددٌ من الأحاديث في الحثِّ على التسوية والتعديل في العطية بين الأولاد، من تلك الأحاديث:

1.   عن النعمان بن بشير قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم".[229]

2.   عن جابر قال: قالت امرأة بشير " نحل ابني غلاما وأشهد لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن ابنة فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي، فقال: له إخوة؟ قال: نعم، قال: فكلهم أعطيت مثل ما أعطيته؟، قال: لا، قال: فليس يصلح هذا وإني لا أشهد إلا على حق" [230]

3.   عن النعمان بن بشير أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أَكُلُّ ولدِك نحلته مثل هذا، فقال: لا، فقال: فَأَرْجِعْهُ". (متفق عليه). [231]

 

دلَّت الأحاديثُ السابقةُ على طلب التسوية بين الأولاد في الهبات، والحكمة في ذلك أنَّ التفضيل يؤدي إلى الإيحاش والتَّباغض وعدم البر من الولد لوالده أي الولد المفضل عليه. [232]

ووقع الخلاف بين أهل العلم من الفقهاء في حكم التسوية بين الأولاد في العطية. وفيما يلي ذكر تفصيل ذلك:

القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن التسوية مستحبَّةٌ وليست واجبةً.[233]

في هذا، يقول ابن عبد البر في تمهيده ما نصّه: ".. واختلف الفقهاء في هذا المعنى (أي التسوية)، هل هو على الإيجاب أو على الندب، فأما مالك والليث والثوري والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه، فأجازوا أن يخص بعض ولده دون بعض بالنحلة والعطية على كراهية من بعضهم..، والتسوية أحبُّ إلى جميعهم.." [234].

ويقول ابن قدامة في المغني ما نصّه: ".. وليس عليه التسوية بين سائر أقاربه ولا إعطاؤهم على قدر مواريثهم،... ولنا إنها عطية لغير الأولاد في صحته فلم تجب عليه التسوية"..[235]

القول الثاني: أن التسوية في العطية بين الأولاد واجبةٌ، وإلى هذا القول ذهب طاوس والثورى وأحمد وإسحاق وبعض المالكية.[236]

وفي ذلك يقول الزرقاني في شرحه ما نصُّه: "...وتمسَّك به من أوجب التسوية في عطية الأولاد كطاوس وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق والبخاري وبعض المالكية..". [237]، وقال ابن عبد البر في تمهيده: ".. واختلف في ذلك عن أحمد بن حنبل وأصحُّ شيء عنه في ذلك ما ذكره الخرقي في مختصره عنه قال: وإذا فاضل بين ولده في العطية أمر برده كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن فات ولم يردده فقد ثبت لمن وهب له إذا كان ذلك في صحته وقال طاوس لا يجوز لأحد أن يفضل بعض ولده على بعض، فإن فعل لم ينفذ وفسخ، وبه قال أهل الظاهر منهم داود وغيره وروى عن أحمد بن حنبل مثله".[238]

 

(ج) الأدلة

ومن أهمِّ أدلة القائلين بعدم وجوب التسوية، ما جاء في رواية أبي بكر الصديق في أنه رضي الله عنه قد نحل عائشة دون سائر ولده". [239]

يقول ابن عبد البر: "..قال الإمام الشافعي إن ترك التفضيل في عطيّة الأبناء فيه حسن الأدب، واستدل بأنَّ هذا الحديث (حديث التسوية) على الندب بنحو ما استدل به مالك رحمه الله من عطية أبي بكر عائشة. وقال الإمام مالك إنما معنى هذا الحديث الذي جاء فيه فيمن نحل بعض ولده ماله كله قال: وقد نحل أبو بكر رضي الله عنه عائشة دون سائر ولده" [240].

أما القائلون بوجوب التسوية في العطيَّة بين الأولاد وأن التفضيل محرَّم، فقد استدلوا بحديث النعمان بن بشير وحديث جابر، وهو ما رواه داود بن أبي هند عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال: نحلني أبي نحلا وانطلق بي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشهده على ذلك، فقال: أكلُّ ولدك نحلته مثل هذا، فقال لا، قال: أيسرُّك أن يكونوا لك في البر كلهم سواء، قال نعم، قال: فاشهد على هذا غيري".[241]

والجمهور لمَاَّ استدلوا برواية أبي بكر السابق (عمل الصحابي) والأحاديث الأخرى، فإنهم استنبطوا حُكْمَ عدم وجوب التسوية بحمل الأمر (في تلك الأحاديث) على الندب، والنهي على التنـزيه.[242] قال الشوكاني في ذلك ما نصُّه: ".. وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبَّة، فإن فضَّل بعضا صحَّ وكره، وحملوا الأمر على الندب، وكذلك حملوا النهي الثابت في رواية لمسلم بلفظ (أيَسُرُّك أَنْ يَكُوْنُوا لَكَ فيِ البِرِّ سَوَاءٌ قَالَ: بلى، قال: فَلا إِذَنْ) على التنـزيه." [243]

أما الكيفية في هذه التسوية، فقد اختلف العلماء فيها أيضاً، فبعضهم قالوا: التسوية بينهم أن يعطى الذكر مثل ما يعطى الأنثى، قال بذلك سفيان الثوري وابن المبارك.[244] وقال الآخرون: التسوية أن يعطى الذكر مثل حظ الأنثيين، قياسًا على قسم الله الميراث بينهم، فإذا قسم في الحياة قسم بحكم الله عز وجل. وممن قال هذا القول عطاء بن أبي رباح.[245]

 

(د) ترجيح الشوكاني ومنهجه فيه

وقد رجَّح الإمام الشوكاني في مسألة التسوية بين الأولاد القولَ الثاني، وهو القول بأن التسوية واجبةٌ. وفي ذلك يقول في النيل ما نصُّه: "..فالحق أن التسوية واجبةٌ وأن التفضيل مُحَرَّمٌ".[246] وأما كيفية التسوية، فلم يأت الشوكاني بالترجيح بين القولين المذكورين في النيل، حيث قال: "اختلف الموجبون في كيفية التسوية، فقال محمد بن الحسن وأحمد وإسحاق وبعض الشافعية والمالكية: العدل أن يعطى الذكر حظين كالميراث، واحتجوا بأن ذلك حظه من المال لو مات، وقال غيرهم: لا فرق بين الذكر والأنثى، وظاهر الأمر بالتسوية معهم ويؤيده حديث ابن عباس".[247]

وقد دعَّم الشوكاني ترجيحه هذا بذكر الردود على أدلة الجمهورِ القائلين بعدم وجوب التسوية. هذا، وقد أجابوا حديثَ النعمان بن بشير بأجوبةٍ نقلها عن صاحب فتح الباري. قال الشوكاني: ".. وأجابوا عن حديث النعمان بأجوبةٍ عشرة ذكرها في فتح الباري وسنوردها ههنا مختصرةً مع زيادات مفيدة.."[248].

ولم يترك الشوكاني هذه الأجوبة دون الردّ عليها. لذا، بعد ذكر تلك الأجوبة، قام بردِّ كلِّ واحد منها. وفيما يلي ذكر بعض تلك الأجوبة مع تعقيب الشوكاني لها:

1-             التمسُّك بقوله (ألا سوَّيْتَ بينهم)، على أن المراد بالأمر الاستحباب، وبالنهي التنـزيه.

الجواب: قال الحافظ (ابن حجر): "وهذا جيد، لولا ورود تلك الألفاظ الزائدة على هذه اللفظة ولا سيما رواية (سَوِّ بينهم)."

2-             أن المحفوظ في حديث النعمان (قاربوا بين أولادكم) لا (سوّوا).

الجواب: يقال لهم: بأنكم لا توجبون المقاربة كما لا توجبون التسوية!.

3-             أن التشبيه الواقع بينهم في التسوية منهم في البر قرينة تدل على أن الأمر للندب.

الجواب: لقد ورد بأن إطلاق الجور على عدم التسوية والنهي عن التفضيل يدلان على الوجوب فلا تصلح تلك القرينة لصرفهما.

4-             ما تقدم عن أبي بكر من نحلته لعائشة يدل على عدم وجوب التسوية.

الجواب: قد ورد الجواب على ذلك، حيث أجاب عروةُ عن قصة عائشة بأن إخوتها كانوا راضين، وعلى أنه لا حجة في فعلهما، لا سيما إذا عارض المرفوع.[249]

5-             أن الإجماع انعقد على جواز عطية الرجل ماله لغير ولده، فإذا جاز له أن يخرج جميع ولده من ماله لتمليك الغير، جاز له أن يخرج بعض أولاده بالتمليك لبعضهم.

الجواب: إنه هذا ضعيفٌ لا يخفى، لأنه قياس مع وجود النص.[250]

 

ومما سبق ذكره، لاحظنا أن الشوكاني لم يذهب بعيداً عن ديدنته ودأبه الدَّؤوب في التمسُّك بظاهر الأحاديث عند ترجيحه للمسائل الخلافية ما لم يرد دليل مخصِّص. فقد أخذ الشوكاني بظاهر الأحاديث الدالة على الأمر بالتسوية ما لم يصرفها صارفٌ. وإضافةً إلى ذلك أورد أجوبةً وردودًا على أدلة الجمهور لأجل تأييد ما ذهب إليه. هذا، وإن لترجيح الإمام الشوكاني في هذه المسألة – كما يراه الباحث – قُوَّةً وميزةً ينبغي الاهتمام بها، ذلك لأن في التسوية في العطايا بين الأولاد أمراً يؤدِّي إلى العدالة، والمساواة، والسعادة، والسكينة في داخل الأسرة المسلمة. هذا، فضلاً عن وجود عددٍ من الأحاديث الدالة على وجوب التسوية.

 

 

 

ثالثاً: حكم الوقف.

 

( أ ) تحديد المراد بالوقف

الوقف في اللغة بمعنى الحبس، يقال: وقفت كذا أي حبسته. والوقف مصدر (وقف-يقف)، يقال: وقف الشيء وأوقفه وحبسه وأحبسه وسبله، كله بمعنى واحد، ووقف الأَرضَ على المَساكين، و للمساكين، وقْفاً أي: حبسَها. ويقال: وقف فلان أَرضه وقفاً مؤبَّداً إِذا جعلها حبيساً لا تُباع ولا تورث" [251]

وفي الاصطلاح الشرعي، يراد بالوقف: "تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة" [252]، أو "تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة على بر أو قربة" [253]، ويراد أيضاً: "حبسُ مالٍ يمكن الانتفاعُ به مع بقاء عينه فتكون التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود" [254]، ويراد أيضاً: "حبسُ العينِ على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة. أو حبس العين على حكم ملك الله تعالى أو صرف منفعتها على من أحبَّ" [255]، ويُراد أيضا: "إعطاء منفعةِ شيءٍ مدَّةَ وجودِه[256]، أو إعطاء منفعة شئ مدة وجوده لازما بقاؤه في ملك معطيه ولو تقديرا واسما [257]".

والتعريف المختار هو: "حبس الملك في سبيل الله تعالى للفقراء وأبناء السبيل يصرف عليهم منافعه، يبقى أصله على ملك الواقف".[258]

 

 

(ب) آراء الفقهاء في مشروعية الوقف ولزومه

        اختلف الفقهاء في مشروعية الوقف على قولين:

القول الأول: ذهب جماهير العلماء [259] (من المالكية، والشافعية، والحنابلة) إلى جواز الوقف ولزومه وأنه مندوب إليه. في هذا، قال العبدري المالكي : "..في حكم الوقف الصحيح صح وقف مملوك.."، [260]، وقال ابن مفلح في فروعه :".. وهو (أي الوقف) مندوب إليها".[261] وقال الشيرازي في مهذَّبه: "..الوقف قربة مندوب إليها" [262].

واستدلّوا على ذلك بأدلة من السنة النبوية، منها:

-       ما روى عبدُ الله بن عمر قال: أصاب عمرُ أرضًا بخيبر فأتى النبي r يستأمر فيها فقال: يا رسول الله إني أصبت مالا بخيبر لم أصب قط مالا أنفس عندي منه فما تأمرني فيه؟، قال: "إن شئت حبست أصلها وتصدَّقْتَ أنه لا يباع أصلها ولا توهب ولا تورث". قال: فتصدق بها عمرُ في الفقراء وفي القربى والرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل بالمعروف أو يطعم متموِّل فيه وفي متأثِّل"، (متفق عليه)[263]. قال ابن حجر في الفتح: ".. وحديث عمر هذا أصلٌ في مشروعية الوقف.[264]

-       ما روي عن أحمد عن نافع عن ابن عمر قال: أول صدقةٍ كانت في الإسلام صدقة عمر، فقال له رسول الله صلى اللهم عليه وسلم: " احبس أصولها وسبل ثمرتها".[265]

-       حديث "وأما خالدٌ فإنكم تظلمون خالدا، قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله". [266]

-       حديث أبي هريرة " أن رسول الله صلى اللهم عليه وسلم قال: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة، إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له".[267] قال الشوكاني: "أن قوله (صدقة جارية) يشعر بأن الوقف يلزم، ولا يجوز نقضه، ولو أجاز النقض لكان الوقف صدقة منقطعة وقد وصفه في الحديث بعدم الانقطاع".[268] وذكر أدلَّة أخرى تُؤَيِّدُ صِحَّةَ ما ذهب إليه الجمهور، فليرجع من رغب في الاطلاع عليها إلى كتابه " النيل".

 

القول الثاني: وذهب أبو حنيفة وبعض أصحابه مثل زفر وصاحب المبسوط (السرخسي) إلى عدم لزوم الوقف.[269] وأنكر شريحٌ الوقفَ (الحبس) ولم يره.[270]

قال السرخسي في مبسوطه ما نصُّه: ".. وظن بعض أصحابنا رحمهم الله تعالى أنه جائز على قول أبي حنيفة وإليه يشير في ظاهر الرواية، فنقول: أما أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه فكان لا يرى ذلك، ومراده أن لا يجعله لازما ..". [271]

واستدلُّوا بأدلَّة، منها:

1.   أن قوله r "حبس أصلها" لا يستلزم التأبيد، بل يحتمل أن يكون أراد مدَّةَ اختيارِهِ.

2.   حديث ابن عباس أن النبي r قال لما نزلت آية الفرائض " لا حبس بعد سورة النساء".[272]

3.   ما رُوِيَ أن عمر قال: "لو لا أني ذكرت صدقتي لرسول الله r لرددتها"،[273] قالوا: وهو يشعر بأن الوقف لا يمتنع الرجوع عنه، وأن الذي منع عمر من الرجوع كونه ذكره للنبي r.[274]

لقد أورد العلماء القائلون بلزوم الوقف أجوبةً على تلك الأدلة، وفيما يلي تفصيل ذلك:

أما الدليل الأول، فقد أجاب ابن حجر عليه بقوله: " ولا يخفى ضعف هذا التأويل، ولا يفهم من قوله (وقفت وحبست) إلا التأبيد حتى يصرّح بالشرط عند من يذهب إليه.[275]

والجواب على الدليل الثاني، قال الإمام الشوكاني: " أن في إسناده ابن لهيعة، ولا يحتج بمثله، وأن المراد بالحبس المذكور توقيف المال عن وارثه وعدم إطلاقه إلى يده"، وقال: ".. وأيضاً لو فرض أن المراد بحديث ابن عباس الحبس الشامل للوقف لكونه نكرةٌ في سياق النفي، لكان مُخَصَّصًا بالأحاديث المذكورة في الباب (أي أحاديث مشروعية الوقف)".[276]

وردَّ الإمام الشوكاني الدليل الثالث بقوله: " أنه لا حُجَّة في أقوال الصحابة وأفعالهم إلا إذا وقع الإجماع منهم"، وقال:"... وأيضًا أن هذا الأثر منقطعٌ، لأن الزهري لم يدرك عمر".[277]

وبالإضافة إلى الأجوبة السابقة، يحسن لنا أن نذكر أقوال الأئمة الأعلام فيمن يردُّ لزوم الوقف، منها ما قاله الإمام أحمد: "من يردُّ الوقف إنما يرد السنة التي أجازها النبي r وفعلها أصحابه".[278] وأورد الشوكاني قولي الإمام القرطبي، وأبو يوسف، كما يلي: [279]

-       قال القرطبي[280] : "رادُّ الوقف مخالفٌ للإجماع، فلا يُلْتَفَتُ إليه".

-       وقال أبو يوسف: " لو بلغ أبا حنيفة (أي حديث عمر الذي فيه أصل الوقف) لقال به".

 

(ج) ترجيح الشوكاني ومنهجه فيه.

بعد أن بسط المسألة بالتفصيل، أبدى الإمامُ الشوكاني اختيارَه الفقهِيَّ قائلاً:"..فالحق أن الوقف من القربات التي لا يجوز نقضُها بعد فعلها، لا للواقف ولا لغيره".[281]

لم يكن اختيارُ الشوكاني ومَيْلُهُ إلى قول الجمهور في حكم الوقف لمجرَّد كونه قولاً ذهب إليه الجمهور، وإنما رجّح هذا القولَ ورآه حقاًّ وصواباً بعد أن عَرَضَ المسألةَ وبسطها مُنْتَقِداً ومُحَلِّلاً فيها بذكر أدلِّة كلِّ قول وبيان ضعف حجج المخالفين.

أما منهجه الترجيحي في المسألة، فقد تبيَّن لنا ذلك من خلال عرض الشوكاني لأقوال الفقهاء أدلَّة كلِّ قول مع الأجوبة عليها. لقد بحث الشوكاني في المسألة بالتحليل والنقد حيث ذكر أَوْجُهَ الضعفِ لأدلة المخالفين للوقف قبل أن يرجِّح القول الصحيح، وإضافةً إلى ذلك لاحظنا تَمَسُّكَهُ بالاستدلال بأحاديثَ صحيحةٍ بالرغم من ورودِ مُخالفةِ بَعْضِ الصحابةِ [282]، وردَّهُ للاستدلال برواياتٍ ضعيفة. لذا قال – جواباً على استدلال المخالفين برواية عمر-: " ..وأيضا أن هذا الأثر منقطعٌ، لأن الزهري لم يدرك عمر".[283] وهذا أقوى شاهدٍ على تبحُّر الشوكاني في علم مصطلح الحديث وتضلُّعه وإلمامه بعلم الروايات، لذا، فلا غرابة أن يكون اهتمامُه كبيراً ببيان أحوال الأحاديث الواردة في المنتقى وطرقها قبل أن يخوض في شرحِ معانيها وذكرِ المسائل الفقهيَّة.

 


 

المبحث الرابع

ترجيحات الإمام الشوكاني في مسائل الربا

 

سوف يتناول الباحثُ في هذا المبحث نماذجَ من ترجيحاتِ الإمام الشوكانيِّ في أبواب الربا التي احتوى عليها كتابُ "نيل الأوطار". وقد حاولتُ انتقاءَ مسألتين من أهمِّ المسائل الواردة فيها والتي رأيت أنها تصلح للبحث وإبداء منهج الشوكاني في الاختيار الفقهي ذاكراً فيها الدراسةَ المقارنةَ لمسائله الفقهية الخلافية. وهذا عَرْضٌ لِتَيْنَكُمَا المسألتين وهما:

 

أوَّلاً: القياس على الأجناس المذكورة في أحاديث الربا غيرُها؟.

 

(أ) التعريف بالمسألة.

قبل الخوض في ذكر الخلاف في هذه المسألة، يحسن للباحث ذكرُ نوعين من الربا, وهما : ربا الفضل وربا النسيئة. أما ربا الفضل فهو: أن يبيع أحد الجنسين بمثله متفاضلاً بدون تأخيرٍ في القبض، وهو حرام عند جماهير العلماء. قال الشوكاني: ".. قوله (من زاد إلخ) فيه تصريح بتحريم ربا الفضل وهو مذهب الجمهور..". وذُكر أن عبد الله بن عباس أجازه، إلا أنه نقل أنه رجع عن رأيه وقال بحرمته.[284]

قال الجزيري: " .. على أن ربا الفضل ليس له كبير الأثر في المعاملة لقلَّة وقوعه، لأنه ليس من مقاصد الناس أن يشتري الواحد شيئاً بجنسه أو يبيعه إلا إذا كان في أحد الجنسين معنى زائد يريد كل واحد من المتعاقدين أن ينتفع به. وإنما حُرِّم ذلك لما عساه أن يوجد من التحايل والتلبيس على بعض ضعاف العقول.."[285].

وأما ربا النسيئة فهو: بيع الجنس الواحد ببعضه، أو بجنسٍ آخر مع زيادةٍ في نظير تأخير القبض.[286] وقد وردت أحاديثُ كثيرةٌ في تحريم هذين النوعين من الربا، منها:

1.   قوله r :"لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثلٍ ولا تَشُفُّوا بعضها على بعضٍ ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منهما غائبا بناجز".[287]

2.   قوله r :"الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدًا بيدٍ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطى فيه سواء" [288].

3.   قوله r : "لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء" [289].

4.   حديث أبي هريرة: قال رسول الله r :"التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه" [290].

5.   عن عبادة بن الصامت عن النبي r قال: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدًا بيدٍ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد".[291]

 

وفيما يتعلق بربا النسيئة، فإنه لا خلاف بين الأئمة الأربعة على أن الربا يدخل في أجناس أخرى غير التي ذُكِرَت في الأحاديث قياساً عليها. والخلاف بينهم إنما يكون في عِِلَّةِ تَحْرِيْمِ الزيادة في الأشياء المذكورة في الأحاديث ليُقاس عليها غيرُها متى وُجدت تلك العلَّة. وقد خالف الظاهريةُ الجمهورَ حيث قالوا: إنه لا يلحق بها غيرها في ذلك.[292] قال ابن حزم –بياناً لمذهبه في عدم إلحاق غير الأصناف الستة-: ".. فصحَّ أنَّ ما فصَّل لنا بيانه على لسان رسوله عليه السلام من الربا أو من الحرام فهو ربا وحرام، وما لم يفصَّلْ فهو حلالٌ، لأنه لو جاز أن يكون في الشريعة شيءٌ حرَّمه الله تعالى ثم لم يفصِّلْه لنا ولا بينه رسوله عليه السلام لكان تعالى كاذبًا في قوله تعالى: ((وَقَدْ فصَّل لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ)) [293]، وهذا كفرٌ صريحٌ ممن قال به، ولكان رسول الله r عاصيًا لربِّه تعالى إذ أمره بالبيان فلم يُبَيِّنْ، فهذا كفر متيقِّن مِمَّنْ أجازه..."، وواصل الكلام قائلاً: ".... وأعجب شيء مجاهرةً من لا دين له بدعوى الإجماع على وقوع الربا فيما عدا الأصناف المنصوص عليها وهذا من قريب والله ما صحَّ الإجماع في الأصناف المنصوص عليها فكيف في غيرها..."، وقال: ".. ولا دليل على وجوب الربا فيما عدا ما ذَكَرْنَا..".[294]

 

(ب) آراء الفقهاء في عِِلَّةِ تَحْرِيْمِ الزيادة في الأشياء المذكورة في الأحاديث ليُقَاسَ عليها غيرُها.

        اختلفت المذاهب الأربعة في عِِلَّةِ تَحْرِيْمِ الزيادة في الأشياء المذكورة في الأحاديث ليُقَاسَ عليها غيرُها متى وجدت تلك العلَّة، على أربعة أقوال:

القول الأول: ذهب الحنفيَّة إلى أن علَّة تحريم الزيادة هي الكيل والوزن، والقدر الذي يتحقَّق فيه الربا من الطعام هو ما كان نصف صاع فأكثر، أمَّا إذا كان أقلَّ من ذلك فإنه يصحُّ فيه الزيادة.[295]

وفي ذلك يقول الكاساني في بدائعه ما نصه: ".. قال أصحابنا علَّة ربا الفضل في الأشياء الأربعة المنصوص عليها الكيل مع الجنس، وفي الذهب والفضة الوزن مع الجنس، فلا تتحقَّق العلَّة إلا باجتماع الوصفين وهما القدر والجنس، وعلَّة ربا النساء هي أحد وصفي علَّة ربا الفضل..". [296]

القول الثاني: والحنابلة ذهبوا إلى مثل ما ذهب إليه الحنفية، إلا أنهم ما حدّدوا الكثرة أو القلة في الكيل والوزن. فيدخل الربا أيضاً فيما لا يتأتى كيله كتمرة بتمرتين، أو ما لا يتأتى وزنه كقدر الأرزة من الذهب، أو ما هو مطعوم كالأرز والذرة، أو غير مطعوم كبذر القطن والكتان والحديد. أما ما ليس بمكيل أو موزون، فلا يجري فيه الربا.

وفي ذلك يقول ابن مفلح في مبدعه ما نصه: "... والأشهر عن إمامنا ومختار عامَّة الأصحاب أن علَّة الربا في النقدين كونه موزون جنس، وفي الأعيان الباقية كونه مكيل جنس، فعليه يجري الربا في كل مكيل أو موزون بجنسه مطعوما كان أو غيره.."  [297].

 

القول الثالث: وذهب المالكية إلى أن علة تحريم الزيادة في الذهب والفضَّةِ النَّقْدِيَّةُ، أما في الطعام فإن العلة في ربا النسيئة: المطعومية، وفي ربا الفضل: الاقتيات والادخار. [298]

وفي ذلك يقول قال ابن جزي في قوانينه ما نصه:".. مذهب مالك وأصحابه منعوا التفاضل فيها وقاسوا عليها كل مقتات مُدَّخر واشترط بعضهم أن يكون متخذا للعيش غالبا..، وقال: ".. فالعلَّة في تحريم التفاضل عند مالك الاقتيات والادخار" [299].

 

القول الرابع: وأما الشافعية، فقالوا: إن كل ما وُجِدَ فيه النقدية (أي كونه ثمناً) والطُّعمية (أي كونه مطعوماً) فإنه يدخل فيه الربا. واشترطوا في المطعوم أن يكون: للاقتيات كالأرز والذرة، والتّفكُّه كالزبيب والتين، وأن يكون لإصلاح الطعام والبدن كالحلبة اليابسة قياسا على الملح المنصوص في الحديث.

وفي ذلك يقول الشيرازي في مهذبه ما نصُّه: ".. فأما الذهب والفضة فإنه يحرم فيهما الربا لعلة واحدة وهو أنهما من جنس الأثمان فيحرم الربا فيهما ولا يحرم فيما سواهما من الموزونات..، وقال: فأما الأعيان الأربعة ففيها قولان قال في الجديد العلة فيها أنها مطعومة..". [300]

وقال الخطيب الشربيني: ".. واختلف قول الشافعي رضي الله تعالى عنه في علة الربا في المطعومات فقال في القديم الطعم مع التقدير في الجنس بالكيل والوزن فلا ربا فيما لا يكال ولا يوزن كالسفرجل والرمان والبيض وفي الجديد - وهو الأظهر- العلة الطعميَّة لقوله r (الطعام بالطعام)، فدل على أن العلة الطعم وإن لم يكل ولم يوزن لأنه علق ذلك على الطعام وهو اسم مشتقٌّ وتعليق الحكم على الاسم المشتق يدل التعليل بما منه الاشتقاق.."[301].

 

(ج) الأدلة

استدل عامَّة الفقهاء (القائلون بإلحاق غير الأشياء المذكورة في الأحاديث بالأشياء المذكورة من حيث دخول الربا) في علة التحريم بنصوص الحديث الواردة في تحريم الربا في الأصناف الستة التي ذُكرت في الأحاديث السابقة وغيرها من الروايات.

أما تفصيل ذلك، فإن الدليل عند الشافعية القائلين بأن العلة هي الثمنية والطعمية هو: قوله r:"الطعام بالطعام مثلا بمثل" [302] حيث قالوا: والطعام اسم لكل ما يتطعم، والدليل عليه قوله تعالى ((وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم))، وأراد به الذبائح.[303] قال الشيرازي في دليل علة الثمنية: ".. والدليل عليه أنه لا يجوز أن يكون تحريم الربا لمعنى يتعداهما إلى غيرهما من الأموال، لأنه لو كان لمعنى يتعداهما إلى غيرهما لم يجز إسلامهما فيما سواهما من الأموال، لان كل شيئين جمعتهما علة واحدة في الربا لا يجوز إسلام أحدهما في الآخر كالذهب والفضة والحنطة والشعير فلما جاز إسلام الذهب والفضة في الموزونات والمكيلات وغيرهما من الأموال دل على أن العلة فيهما لمعنى لا يتعداهما وهو أنه من جنس الأثمان".[304]

وعند الحنابلة، فإن ابن مفلح قال –بعد ذكره أنَّ العلة هي الكيل والوزن-: "..لأن الكيل والوزن يسوي بينهما صورةً والجنس يسوي بينهما معنىً فكانا علَّةً ولا يجري في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالمعدودات".[305]

وأما عند الشافعية والمالكية، فأدلتهم ما يأتي:

·       في كون العلة (الثمنية في النقدين)، لأنهما أثمان المبيعات وقيم المتلفات، فلا يقاس عليهما شيءٌ من الموزون لعدم العلة في شيء منها، والقياس إنما هو على العلة لا على الأسماء.

·       وفي كون العلة (الاقتيات والادخار والإصلاح –عند المالكية، والطعمية عند الشافعية) لأنه r نصَّ على أعلى القوت وهو البر وعلى أدناه وهو الشعير تنبيهًا بالطرفين على الوسط الذي بينهما كسلت وأرز ودخن ذرة. وإذا أريد ذكرُ شيءٍ جملةً فربما كان ذكرُ طرفيه أدلُّ على استيعابه من اللفظ الشامل لجميعه،.. وذكر التمر وإن كان مقتاتًا لأن فيه ضربًا من التفكُّه حتى أنه يؤكل لا على جهة الاقتيات تنبيهًا على أن ذلك المعنى لا يخرجه عن بابه، ولإدخال ما شابهه وهو الزبيب، ولمَاَّ عُلِمَ أن هذه الأقوات لا يصلح اقتياتُها بلا مصلح حتى أنها دونه تكاد أن تلحق بالعدم ذكر الملح، ونبه به على ما هو مثله في الإصلاح ولا يقتات منفردًا..". كما استدل الشافعية على اعتبار الطعم بقوله r " الطعام بالطعام" [306].

 

 

(د) ترجيح الشوكاني ومنهجه فيه.

وفيما يتعلق بقضية هل يُلحق بهذه الأصناف الستة المذكورة في الأحاديث غيرُها، فإن الشوكاني ذهب إلى مذهب جماهير العلماء ورجّحَ القولَ بإلحاقه. لذا، قال في النيل ردّاً على الظاهرية النافين للإلحاق والقائلين بالاقتصار على الأصناف الستة فقط دون غيرها: "..فأشعر بأن الاتفاق في أحدهما مع اتحاد النوع موجب لتحريم التفاضل بعموم النص لا بالقياس، وبه يُرَدُّ على الظاهرية، لأنهم إنما منعوا من الإلحاق لنفيهم للقياس.."[307]

وأما موقفه من خلاف الفقهاء في علَّة التحريم، فإنه لم يُظْهِرْ تَمَذْهُبَهُ ولا مَيْلَهُ إلى واحدٍ من الأقوال، وإنما بسط المسألة بسطاً بدون الترجيح الواضح وذكر عِلَلَ الفقهاء دون اختيار أي واحدة منها. إلا أنه جاء بتعليقٍ وانتقادٍ من عنده قائلاً: "ولم يعتبر أحدٌ منهم العَدَدَ جُزْءًا من العلة مع اعتبار الشارع له كما في رواية من حديث أبي سعيد (( ولا درهمين بدرهم))[308] وفي حديث عثمان عند مسلم: ((ولا تبيعوا الدينار بالدينارين))".[309]

من هنا، لاحظنا منهجه في اختياره الفقهي ونقده وتعليقه، وذلك أنه يَهُمُّهُ كثيراً الاعتبارُ بالنص والتمسُّكُ به قبل أن يَلْتَفِتَ إلى أقوال المذاهب. لذا لا غَرَابَةَ أن يَتَأَسَّفَ من الفقهاء في عدم اعتبارهم العلَّةَ الأخرى وهي "العدد" لكونه مذكورا ومُعْتَبَرًا أيضا في الشرع بالنَّصِّ الحديثيِّ.[310]

 

ثانياً: حكم بيع العينة

(أ) تحديد المراد بالعينة.

العِيْنَةُ في اللغة: (العِيْنَةُ) بالكسر: "السلف"، و اعْتَانَ الرجل أي اشترى بنسيئة.[311] قال ابن المنظور: "العِيْنَةُ، خيار الشيء، جمعها عِيَنٌ؛ اعْتانَ الرجلُ إِذا اشترى الشيء بنَسِيئة".[312]

في الاصطلاح الشرعي، وردت تعريفات مختلفة عن كل مذهب، وفيما يلي ذكر ذلك:

عرَّف الحنفية بيع العينية بأن يأتي الرجلُ المحتاجُ إلى آخرٍ ويستقرضه عشرةَ دراهم ولا يرغب المُقْرِضُ في الإقراض طمعًا في فضلٍ لا يناله بالقرض، فيقول: لا أُقْرِضُك، ولكن أبيعك هذا الثوبَ إن شِئْتَ باثني عشر درهمًا وقيمته في السوق عشرةٌ ليبيعه في السوق بعشرة فيرضى به المستقرض، فيبيعه كذلك، فيحصل لرب الثوب درهمان وللمشتري قرض عشرة. [313]

والتعريف عند المالكية: أن بيع العينة هو أن يظهرا فعلَ ما يجوز ليتوصَّلا به إلى ما لا يجوز، فيُمنع للتهمة سدًّا للذرائع خلافًا لهما. وهي ثلاث صور:

1-             أن يقول رجل لآخر: اشتر لي سلعةً بكذا وأربحك فيها كذا، مثل أن يقول: اشترها بعشرة وأعطيك فيها خمسة عشر إلى أجلٍ. وحكمه: أن هذا يؤول إلى الربا، لأن في المذهب "أن ينظر ما خَرَجَ عن اليد ودخل به ويلغي الوسائط بالحق، هذا الرجل أعطى لأحدٍ عشرة دنانير وأخذ منه خمسة عشر دينارا إلى أجلٍٍ والسلعة واسطة ملغاة.

2-             أن يقول له اشتر لي سلعةً وأنا أربحك فيها ولم يسم الثمن. وحكمه: أنه مكروه وليس بحرام.

3-             أن يطلب السلعة عنده فلا يجدها ثم يشتريها الآخر بأمره ويقول قد اشتريتُ السلعة التي طلبت مني فاشترها مني إن شئت. وحكمه: أنه يجوز أن يبيعها منه نقدًا أو نسيئةً بمثل ما اشتراها به أو أقل أو أكثر.[314]

وعند الشافعية، يراد ببيع العينة: أن يبيع غيرُه شيئا بثمن مؤجل ويسلمه إليه ثم يشتريه قبل قبض الثمن بأقلّ من ذلك الثمن نقدًا. [315]

أما الحنابلة، فإنهم عرَّفوا بيع العينة بأن يبيع سلعةً بثمنٍ مُؤَجَّلٍ ثم يشتريها منه بأقل من الثمن حالاًّ. [316]

(ب) آراء الفقهاء في حكم بيع العينة.

اختلف الفقهاء في حكم بيع العينة إلى قولين:

القول الأول: ذهب جمهور العلماء من الحنفية[317] والمالكية[318] والحنابلة[319] إلى عدم جواز بيع العينة.

وفي ذلك قال ابن عابدين في حاشيته ما نصه: "...وقال محمد (أي محمد الشيباني) هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال ذميم اخترعه أكلة الربا وقد ذمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.." [320]

وقال ابن قدامة في الكافي – بعد ذكر تعريف بيع العينة-: "..فلا يجوز.." [321]

القول الثاني: وذهب الشافعية إلى الجواز.

وفي ذلك يقول الإمام النووي في مجموعه ما نصُّه: "..فصلٌ ليس من المناهي بيع العينة ...كذا يجوز أن يبيع بثمن نقدا ويشتري بأكثر منه إلى أجل سواء قبض الثمن الأول أم لا وسواء صارت العينة عادة له غالبة في البلد أم لا، هذا هو الصحيح المعروف في كتب الأصحاب"[322].

 

(ج) الأدلة

استدل الجمهور في عدم جواز بيع العينة بالأحاديث الواردة في النهي عن هذا البيع، منها:

§       قوله r: "إذا تبايعتم بالعينة واتَّبَعْتُمْ أذناب البقر وتركتم الجهادَ في سبيل الله، أرسل اللهُ عليكم ذُلاًّ لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم".[323]

§       قالوا: " قوله (حتى ترجعوا إلى دينكم) فيه زجرٌ بليغ، لأنه نزل الوقوع في هذه الأمور منـزلة الخروج من الدين".

§       عن ابن عمر أن النبي r قال: "إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتَّبَعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاءً فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم".[324]

§       ما وري عن الأوزاعي عن النبي r أنه قال: "يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع".[325]

وقد بيَّن ابنُ القيم الجوزية [326] عدم جواز هذا البيع مستدلاً بقوله r: "يأتي على الناس زمانٌ يستحلون الربا بالبيع"، أن هذا الحديث دالٌّ على تحريم العينة، فإنه من المعلوم أن العينة عند من يستعملها إنما يسميها بيعاً، وقد اتفقا على حقيقة الربا الصريح قبل العقد، ثم غيَّر اسمها إلى المعاملة..، وإنما هو حيلة ومكر وخديعة لله تعالى... وقوله (إنما الأعمال بالنيات) [327] أصلٌ في إبطال الحيل..، وجعل صورة القرض وصورة البيع محللاً لهذا المحرم. ومعلومٌ أن هذا لا يرفع التحريم ولا يرفع المفسدة التي حرم الربا لأجلها..".[328]

كما استدل بعضُهم بأن بيع العينة هو بيعتان في بيعة. و قال r: " لا يحلُّ سلفٌ و بيعٌ و لا شرطان في بيع و لا ربح ما لم يضمن و لا بيع ما ليس عندك"[329]، فحرَّم النبيّ r أن يبيع الرجل شيئًا و يقرضه مع ذلك، فانه يحابيه في البيع لأجل القرض حتى ينفعه، فهو ربا.[330]

وأما الشافعية فقد استدلُّوا في جواز بيع العينة بأدلة منها:

(1)           ما وقع من ألفاظ البيع التي لا يراد بها حصول مضمونه. قال النووي في المجموع: "..لأن الاعتبار عندنا بظاهر العقود لا بما ينويه العاقدان، ولهذا يَصِحُّ بيع العينة".[331]

(2)           طَرْحُ الأحاديث التي ورد فيها النهي عن بيع العينة، قالوا: إنَّ دلالة الحديث على التحريم غير واضحة، لأنه قرن العينة بالأخذ بأذناب البقر والاشتغال بالزرع، وذلك غير مُحَرَّم وتوعَّد عليه بالذل، وهو لا يدلُّ على التحريم. [332]

(د) ترجيح الشوكاني ومنهجه فيه.

من خلال الاطلاع على شرح الشوكاني لحديث ابن عمر y في ذكر النهي عن بيع العينة، تبيَّن للباحث أنه رَجَّحَ مذهبَ الجمهور في القول بعدم جواز بيع العينة، ودافع عن هذا القول بإيراد الردود على أدلة الشافعية القائلين بجواز بيع العينة. كما أنه دعَّم مَيْلَهُ إلى هذا القول باستدلال ابن القيم الجوزية على تحريم بيع العينة.[333]

أما جوابه عن دليل الشافعية، فقال: ".. ولكنه لا يخفى ما في دلالة الاقتران –وهو دليل الشافعية الثاني- من الضعف. ولا نسلِّم أن التوعُّد بالذلّ لا يدل على التحريم، لأن طلب أسباب العزة الدينية وتجنب أسباب الذلة المنافية للدين واجبان على كل مؤمن، وقد توعَّد على ذلك بإنزال البلاء وهو لا يكون إلا لذنبٍ شديدٍ..".[334]

وفيما يتعلّق بمنهجه في ترجيح قول الجمهور، لاحظ الباحث أن الإمام الشوكاني سلك مسلكين؛ يمكن أن يُعْتَبَرَا من خصائص ترجيحات الشوكاني الفقهية، وهما: التمسُّك بالنصوص الحديثية الصحيحة أو التي يصح الاستدلال بها، والرجوع إلى قاعدة أصولية معتبرة.

أما الأول فهو التمسّك بحديث ابن عمر y السابق. فالحديث - وإن كان يُتَكلَّم في إسناده -، [335] إلا أنه عَضَدَتْهُ روايةٌ أخرى وهي حديث عائشة [336]. لذا، تمسَّك الجمهورُ به واستدلُّوا به في عدم جواز بيع العينة.

وقال الشوكاني – دعماً للقول بعدم جواز بيع العينة-: " .. وليس في حديث الباب (أي حديث عائشة) ما يدلُّ على أن النبي r نهى عن هذا البيع، ولكن تصريح عائشة بأن مثل هذا الفعل موجبٌ لبطلان الجهاد مع رسول الله r يدلُّ على أنها قد علمت تحريمَ ذلك بنصٍّ من الشارع، إما على جهة العموم كالأحاديث القاضية بتحريم الربا الشامل لمثل هذه الصورة، أو على جهة الخصوص كحديث العينة ..". [337]

وأما الثاني – من منهجه الترجيحي- الرجوع إلى قاعدة أصولية، فيتجلَّى ذلك في ردِّه لمن استدلَّ بدليل الاقتران (دليل الشافعية الثاني)، حيث قال إن دليل الاقتران دليل ضعيفٌ – كما ذهب إليه الجمهور- [338]، فقولهم بأن الحديث لا يدلُّ على تحريم العينة بدليل الاقتران مردودٌ لضعف هذا الدليل.


 

 

 

 

 

الفصل الرَّابع

 

 

ترجيحات الإمام الشوكاني وأهميِّتها في الاجتهاد والتجديد

والتقريب بين المذاهب

 

 

ويحتوي هذا الفصل على أربعة مباحث:

 

 

الأول : ترجيحات الإمام الشوكاني وأهميِّتها في الاجتهادات الفقهية في عصره

الثاني  : ترجيحات الإمام الشوكاني وأهميِّتها  في تجديد الفقه الإسلامي

الثالث : ترجيحات الإمام الشوكاني وأهميِّتها في التقريب بين المذاهب الفقهية

الرابع  : مدى الاستفادة والتطبيق من ترجيحات الشوكاني في العصر الحاضر


 

مقدمة

يُعَدُّ الإمام الشوكاني إماماً مُجَدِّداً ومجتهداً في زمانه، انتهت إليه رئاسة العلوم كلها؛ معقولها ومنقولها، وقد كان مدرسةً للكتاب والسنة والعمل بهما، ودعا إلى المنهج السليم في الأخذ بما دل عليه القرآن والسنة الصحيحة. وفي المجال الفقهي، كان نموذجاً فريداً في إبراز منهج تجديد الفقه الإسلامي من خلال دعوته إلى الاجتهاد والعودة بالإسلام إلى ينابيعه الصافية الأولى؛ الكتاب والسنة، ونبذ الجمود والتعصّب المذمومين. ولقد شهدت مؤلَّفاتُه على عمق معارفه العلمية، وفهمه الثاقب وشخصيته الفذّة ومنهجه الفريد في استنباط الأحكام والاختيار الفقهي المتميِّز. وهذا التميُّز يتمثّل في قوة طرق استدلاله وحجِّيته التي تخالف الجماهير في كثيرٍ من الأحيان وخَرَجَت من دائرة المذاهب والتَّمَذْهُب. كل هذا انطلاقًا من إيمانه بمنهجِ عدَمِ التقيُّد بأقوال أئمة المذاهب وعدم الالتزام بأحد المذاهب الفقهية.

وبعض مؤلفاته التراثية -مثل "القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد" و"قطر الولي على حديث الولي"- دلَّت على سعيه في إعادة الإسلام إلى منابعه الصحيحة الصافية، ومحاولته في حثِّ العلماء على الاجتهاد لأجل تجديد طرق استنباط الأحكام، ومن ثَمَّ تجديد الفقه الإسلامي. وبما أن عملية الاجتهاد تحتاج إلى منهج خاصٍّ، فقد بسط هذا المنهجَ وأدواتِه في أهمِّ مؤلفاته في مجال أصول الفقه ألا وهو: "إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول".

وفيما يلي - من خلال المباحث الثلاثة -، سوف يحاول الباحث التعرُّض إلى قضايا متعلًّقةٍ بدراسة عن أهمية ترجيحاتِ الإمام الشوكاني في عصره وفي ضوء الواقع المعاصر الذي نعيشه، وذلك من خلال عرض أهمية ترجيحاته في تجديد الفقه الإسلامي، وفي الاجتهادات الفقهية المعاصرة، ومدى الاستفادة والتطبيق من ترجيحات هذا الإمام في الوقت الحاضر.


 

المبحث الأول

ترجيحاتُ الإمام الشوكاني وأهمِّيتها في الاجتهادات الفقهية

 

قال جمهور الأصوليين: إن الاجتهاد واجبٌ على كل من توفَّرت فيه شروط الاجتهاد، فإنه حينئذ يصير مُكلَّفا شرعا باستنباط أحكام جميع المسائل المستجدَّة [339]، والوقائع المستحدثة التي يراد حكم الله فيها، سواء أكان ذلك لنفسه أم لغيره، فإذا لم يفعل هذا كان آثما، ولا يسقط عنه الإثم إلا إذا قام به غيره. وقد استدلَّ علماء الأصول على وجوب الاجتهاد بالكتاب والسنة والنظر العقلي. ونعى بعض العلماء التقليد في الحجج والآراء على المقلدين، وذكروا أن الأئمة المجتهدين كانوا يحذرون من أن يقلِّدهم الناس، وأوجبوا على كل مسلم أن ينظر في أمور دينه، وأن يستعمل عقله وفكره فيما خلق من أجله، وأن يكون ذا شخصيّةٍ مستقلة، فلا يكون إمعة يتبع الناس، فإن أحسنوا أحسن، وإن أساءوا أساء. [340]

ويراد بالاجتهاد في الاصطلاحات الأصولية: استفراغ الوسع في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية [341]. والذي يحدّد مفهوم الاجتهاد تبعاً لذلك هو الاستنباط من الأدلة، وإن وسّع بعضهم هذا الحدَّ فجعله يشمل تخريج أو تحقيق مناط ما تمَّ استنباطه سابقاً.[342] وقد عدَّ بعضُهم أن المصدر الثالث من مصادر التشريع هو الاجتهاد والذي تتفرع منه مصادرُ أخرى هي: الإجماع، والقياس، والاستصحاب، والاستصلاح، وسد الذرائع.

ومما قرّره كثيرٌ من العلماء أن الاجتهاد ضرورة إسلامية – خاصَّةً في هذا العصر الذي يموج بتطوّرات ومستجدّات بسبب التقدّم في جميع مجالات الحياة. فالحاجة إليه حاجة دائمة ما دامت وقائع الحياة تتجدد وأحوال المجتمع تتغير وتتطور، وما دامت الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان وحاكمة في كل أمر من أمور الإنسان.[343]

وعليه، فالدعوة إلى سد باب الاجتهاد – التي ظهرت في أواخر القرن الثالث الهجري، والتي ردّدها بعض المتأخرين- دعوى غير رائجة وليس لها مُؤيِّدوها لكونها مخالفةً للواقع المعيش وتضييقاً على المسلمين الذين يخاطبهم الإسلامُ بقدر عقولهم ويريد الله بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، كما قال تعالى: âيُرِيْدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيْدُ بِكُمُ الْعُسْرَá[344].

فمعنى إبطال الاجتهاد هو إلغاء العقل وقتل الملكات الإنسانية والتحول بالإنسان من كائن مكلَّف أي مستقل بإرادته وتفكيره بما يأتي وما يدع من أمور دينه ودنياه إلى كائن آلي يتحرَّك بغريزته دون تفكير ولا تقدير. بل إن إبطال الاجتهاد مخالفة صريحة لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ومنهج الصحابة والتابعين من بعده الذين اجتهدوا في التعرُّف على كل ما يعرض لهم من محدثات الأمور إلحاقها بالشريعة أو إبعادها عنها. [345]

وفي الفقرات الآتية سيذكر الباحث أهمية ترجيحات الإمام الشوكاني في الاجتهادات الفقهية في عصره والعصر الحاضر.

 


 

أولاً: ترجيحات الإمام الشوكاني وأهميتها في الاجتهادات الفقهية في عصره.

        ساد في عصر الإمام الشوكاني  المذهبُ الزيديُّ [346]– الذي عُرِفَ بتفتُّحه في العقائد على مذهب المعتزلة، وفي الفروع على مذاهب أهل السنة[347]. وبالرغم من ذلك فقد شاع في هذا العصر التقليد لأئمة المذهب، والتعصّب لآرائهم والتزام التخريج على أقوالهم. وقد ساعد هذا الجوُّ على نموّ طبقة طفيلية من المتفقهين تجاري العامّة في معتقداتهم كسباً لودّهم, أو تملّقاً لصاحب سلطان. [348] وقد ذكر الشوكاني أن المتمذهبين والمقلدين والمتأخرين قد وقعوا فيما وقع فيه غيرهم، ومن هؤلاء أتباع الهدوي من الزيدية، وهو المذهب الذي أسسه الإمام يحيى بن الحسين (ت 297هـ/910م) باتوا مقلِّدين له متبعين لمذهبه مع أنه معروف عندهم تصريحه بمنعه التقليد له، قال الشوكاني في ذلك: "...بأنهم قلدوه، وإن كان لا يجوز ذلك، أو أنه يجوز تقليد الإمام الهادي وإن منع من التقليد".[349]

        ومن المعروف أن العالم الإسلامي في العصور التي سبقت عصر الشوكاني شهد فترة ضعفٍ بالنسبة لتطور الفقه الإسلامي. ويتمثّل ذلك جليًّا في ظهور التعصب والتقليد للمذاهب والدعوة إلى غلق باب الاجتهاد خاصَّة في القرن الرابع الهجري.  وفي هذه الفترة أصبح مبدأ التقليد يحل محلّ الاجتهاد في الفقه، وابتعد الفقهاء عن الاستقلال الفكري وانتظموا في المذاهب الفقهية الموروثة وعكفوا على نشر آرائها والدفاع عنها، وانحصر نشاطهم في خدمة الفقه المذهبيِّ عن طريق تعليل الأحكام التي قال بها الأئمَّة لتوظيفها في عملية التخريج [350] و الترجيح بين الآراء في المذهب الواحد وبدراسة علم الخلاف بين الفقهاء. وفي أواخر القرن الرابع، دخل في ميدان الاجتهاد الفقهي بعضُ النَّاس الذين لم يكتسبوا المؤهلات العلمية، مما دفع بعضَ أهل العلم بالحكم بغلق باب الاجتهاد .[351]

وفي العصر الذي عاش فيه الشوكاني، كان المذهب الزيدي يُفرَض على الطلبة رغبةً ورهبةً، ويُفرض كحكم، فلم يستطع أي قاض أن يحكم بغيره، وكان كل طالب يقرأ المذهب الزيدي يتشجّع بالمال صغيرا، وبالحكم كبيرا، وكل طالب لا يدرسه يُحَارَبُ في رزقه وأهله، ويطرد من الدراسة..". [352]

ففي مثل هذه الحالة، من السهولة أن تنمو ظاهرة التقليد والتعصُّب لدى الناس، وتموت حركة التحرّر الفكري وتنسدُّ أبواب الاجتهاد الفقهي بسبب الحالة المفروضة على الناس. ومن المعروف أن الإمام الشوكاني كان متأثّراً بالمذهب الزيدي - الذي عرف بالتفتح الفكري - بسبب ا䃜بيئة التي أحاطت به. وبناءً على هذا الأمر، يمكن أن يقال أن البيئة الدينية التي عاش فيها الإمام الشوكاني كانت بيئة المتناقضات: أصول تُبيح الاجتهاد وتقرّه، وواقعٌ يفرض التقليد والتعصُّب المذهبي. أصولٌ تقوم على العلم، وواقعٌ يُبنى على الأهواء، إذ كثيرا ما انساق العوامّ لتحريض بعض العلماء من خصوم أهل الاجتهاد، فيقومون بثورات جماعيّة ضدَّهم، مثلما حدث مع محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني[353] والإمام الشوكاني.[354]

كما أن هناك أسباباً أخرى لسيطرة التعصب المذهبي على المنطق الفكري والديني اليمني في عصر الشوكاني، وهي: ظهور فرق وطوائف دينيّة مختلفة ومتصارعة منها: المعتزلة، والإسماعيلية، والصوفية، وغيرها. ولقد سجل الإمام الشوكاني مواقفه الواضحة من كل فرقة في كتب ورسائل علميَّة أبرز فيها جوانب الصواب والخطأ في فكرها ومعتقداتها. [355]

        تلك هي حالة العصر الذي عاش فيه الشوكاني وحالة الفقه ومسيرته التي حرّكت شخصيةَ هذا الإمام لكي يخرج بمبدأٍ فقهي جديد بالنسبة للناس في عصره – وهو الاجتهاد وعدم التقليد والتعصب بالمذاهب-، ويسعى إلى تصحيح اعتقادهم المعوجّ نحو الفقه الإسلامي، فقاد حركة الاجتهاد، وحارب التقليد والتعصب الممقوتَيْن، وتبنى فكرة الاجتهاد وفتح بابه،فألَّف لأجل ذلك كتباً في فروع العلم من فقه، وحديث، وتفسير، وعقيدة، وغير ذلك. ومن أمثلة تلك الكتب: نيل الأوطار -التي ورد فيه كثير من اجتهاداته في الفقه وأصوله- إلى جانب إرشاد الفحول، والقول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد، وأدب الطلب ومنتهى الأرب.

ويقول الشوكاني عن الاجتهاد وفتح بابه: " فإن هذه المقالة أعني انسداد باب الاجتهاد لو لم يحدث من مفاسد التقليد  إلا هي، لكان فيها كفاية ونهاية. فإنها حادثة رفعت الشريعة بأسرها، استلزمت نسخ كلام الله ورسوله وتقديم غيرهما، واستبدال غيرهما بهما". ويقول أيضا: "ويا الله العجب من مقالات وضلالات، فإن هذه المقالة تستلزم رفع التعبد بالكتاب والسنة، وأنه لم يبق إلا تقليد الرجال الذين هم متعبدون بالكتاب والسنة كتعبُّدِ مَنْ جاء بعدهم على حد سواء. فإن كان التعبد بالكتاب والسنة مختصًّا بمن كانوا في العصور السابقة ولم يبق لهؤلاء إلا التقليد لمن تقدَّمهم ولا يتمكنون من معرفة أحكام الله من كتاب الله وسنة رسوله، فما الدليل على هذه التفرقة الباطلة، والمقالة الزائفة، سبحانك هذا بهتان عظيم".[356]

 

ثانياً: أهميّة ترجيحات الإمام الشوكاني في الاجتهادات الفقهية المعاصرة.

 

مرَّ سابقاً ذِكْرُ أهميَّةِ الاجتهاد وبيان حاجة الناس إليه والكلام حول فتح باب الاجتهاد وذمّ التعصّب والتقليد. وإذا تقرَّر هذا، نأتي الآن إلى طرح السؤال " أي اجتهادٍ تحتاج إليه أمَّتُنا الإسلامية للإجابة عن مشكلات وتطورات العصر؟". وقد كتب الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه (الاجتهاد في الشريعة الإسلامية)، والدكتور قطب مصطفى سانو في كتابه (أدوات النظر الاجتهادي المنشود في ضوء الواقع المعاصر) حول الاجتهاد المنشود في عصرنا الحاضر. وقد أفاض كلٌّ من المؤلفين بَسْطَ مسائل الاجتهاد المطلوب، أنواعه وأدواته وشروطه. وفيما يلي تلخيصُ أهمِّ ما ورد في الكتابين مع تعليق وزيادة في مواضع تحتاج إلى ذلك.

لقد ظنَّ القائلون بانسداد باب الاجتهاد أنَّ تحصيل شروط الاجتهاد متعَذِّر ومتعسِّر. وهم ليسوا على حق في هذا، بل الأمر عكس ما قالوا، إذ إن الاجتهاد في الآونة المتأخرة أكثر سهولةً وتيسيرا لم يكن للسابقين – وقد بيَّن الإمامُ الشوكاني فتح باب الاجتهاد عند ردِّه على من قال بانسداده-[357]، كما أنهم لا يريدون إلا تضييق ما وسع الله، إغلاق بابٍ فتحهُ رحمةً بعباده. وغاية ما في الأمر أن الاجتهاد المطلوب والمنشود في هذا العصر يشمل ثلاثة أنواع من الاجتهاد هي: الترجيح الانتقائي، والترجيح الإنشائي، والجمع بينهما (الترجيح الانتقائي الإنشائي) [358].

أما الأوَّل -وهو الترجيح الانتقائي-، فيراد به اختيارُ أحد الآراء المنقولة في تراثنا الفقهي العريض للفتوى أو القضاء به ترجيحاً له على غيره من الآراء والأقوال الأخرى. وهذا يقتضي منا أن ننتقي من هذا التراث ما نراه أوفق بمجتمعنا وعصرنا بعد البحث والموازنة والتمحيص. وفي دائرة هذا الانتقاء، يجوز لنا أن نرجِّح رأياً من داخل المذاهب الأربعة (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة). وربما كان هذا الرأي المُفْتى به في المذهب، وربما غير المفتى به، لأن المفتى به في عصرٍ معين وفي بيئة معينة وفي ظل ظروف معينة قد يصبح غير صالحٍ للإفتاء به إذا تغير العصر أو البيئة. ويجوز لنا الخروج على المذاهب الأربعة لاختيار رأي قال به أحدٌ من الصحابة أو التابعين أو من بعدهم من أئمة السلف. ولهذا الانتقاء عواملُ مؤثِّرة فيه وهي: (1) التغيرات الاجتماعية والسياسية المحلية والعالمية، (2) معالم العصر وعلومه، (3) ضرورات العصر وحاجاته.

وأما الثاني - وهو الترجيح الإنشائي-، فيقصد به استنباط حكمٍ جديد في مسألة من المسائل لم يقل به أحدٌ من السابقين سواء كانت المسألة قديمة أم جديدة. ويكون الاجتهاد الإنشائي أكثر وجوداً في المسائل الجديدة التي لم يعرفها السابقون ولم تكن في أزمانهم أو عرفوها في صورة مصغرة بحيث لا تكون مشكلة ولا تدفع الفقيه إلى البحث من حل لها باجتهاد جديد. فكما أن الحاجة هي التي تدفع إلى الاختراع، فإن معاناة المشكلة هي التي تدفع إلى الاجتهاد.

وأما الثالث – وهو الترجيح الانتقائي الإنشائي- فالمراد منه هو: الاختيار من أقوال القدماء ما نراه أوفق وأرجح، ويضاف إليه عناصر اجتهادية جديدة، وذلك مثل أن يقتضيها التقدم العلمي والطب الحديث.

        تلك الأنواع الثلاثة التي طرحها د. القرضاوي تُعَدُّ محاولةً جادَّةً في تجديد الفقه الإسلامي وسعياً إلى إيجاد الحلِّ الإسلامي المنبثق من المصادر الشرعية الصحيحة لأجل الإجابة عن تحدِّيات ومشكلات العصر الحديث. وبياناً لأمثلة هذا الاجتهاد في الواقع المعيش، ذكر الدكتور ثلاثَ صورٍ تطبيقيَّة وواقعيَّة للاجتهاد المعاصر وهي كما يلي:

أولاً: الاجتهاد في صورة التَّقْنِيْنَات الحديثة. كان هذا النوع أو الصورة من الاجتهاد يُعَدُّ في أول أمره أن يكون اجتهاداً انتقائيا من داخل المذهب الحنفي أولاً (وهو الذي تمثل في مجلة الأحكام العدليَّة التي تعتبر الخطوة الأولى في ميدان التقنين)، ثم انتقل بعد ذلك إلى أن يكون من داخل المذاهب الأربعة المتبوعة لأهل السنة ثم من خارج المذاهب الأربعة، ثم تطور الاجتهاد إلى أن غدا اجتهاداً إنشائياًّ في بعض القضايا الحديثة والمسائل الجديدة.

ثانياً: الاجتهاد في صور الفتوى أو في مجال الفتوى. قال الدكتور القرضاوي: "هذا ميدان واسعٌ فسيح اتَّخذ ألواناً شتى، فمنه فتاوى الجهات الرسمية المكلفة بالإفتاء مثل في مصر والسعودية ..، ومنه فتاوى المجلات الإسلامية، ومنه بعض العلماء المرموقين، فتاوى بعض المجامع والهيئات وغير ذلك".[359]

ثالثاً: الاجتهاد في صورة البحث أو الدراسة. وهذا يشمل ما يُؤَلَّفُ من كتب علمية أصلية لذوي الاختصاص والمقدرة من العلماء وما يقدم من بحوث ودراسات جادَّة وما إلى ذلك.[360]

وليكون هذا الاجتهاد أضمن لتحقيق الهدف المنشود ولمواكبة تحدِّياتِ العصر الحاضر، لا بدَّ لنا من عدم إغفال الجانب المهم الذي ينبغي أن يتوفَّر في هذا الاجتهاد وهو كما ذكره الدكتور قطب مصطفى سانو: " والحال أن النظر الاجتهادي المنشود اليوم سواء الفردي[361] أم الجماعي[362] ينبغي أن يتجاوز هذه الدائرة التقليديَّة المحدودة (دائرة الحل والتحريم) إلى دائرة أرحب وأشمل لحسن التخطيط والتوجيه لقضايا الاجتماع البشري والسياسة والاقتصاد والحضارة والقانون إلخ".[363] وهذا يَتَطَلَّبُ أن يكون المتصدّي للنظر الاجتهادي مزوَّداً بالمعرفة الدينيَّة والمعرفة الواقعيَّة بحيث يضع نُصْبَ عَيْنَيْهِ الوحيَ الإلهيَّ السامي الثابت والواقع الإنساني المتغيِّر كليهما. هذا لكي يصبح الوحيُ قيِّماً على واقع الحياة، ويكون الواقع منفعلاً بتعليمات الوحي وإلزاماته.

وبهذا، عرفنا - من خلال ما قد سبق ذِكْرُه من معنى وشرح للاجتهاد المنشود في العصر الحاضر - أنه من ⴷلمهمّ بمكان أن نسعى إلى تحقيق هذا الأمر النبيل، وإنه من الصعب بمكان الفرارُ من الحاجة إليه إِذْ الواقع المعيش في حاجةٍ ماسَّة إلى مثل هذا المنهج الذي يؤدِّي بنا في النهاية إلى تحقيق صلاحيَّة الإسلام ومرونته للبشرية جمعاء، وإظهار صورة هذا الدين الحنيف في كونه ديناً ميسوراً وسهلاً لا حرج فيه ولا مشقَّة لِمُعْتَقِدِيْهِ ومُعْتَنِقِيْهِ.

        وأما بالنسبة لأثر ترجيحات الشوكاني في هذه الاجتهادات، فإنه مما قد تقرّر لدينا أن للإمام الشوكاني في ترجيحاته الفقهية منهجاً يمكن أن يُعْتَبَرَ محاولةً لتجديد الفقه الإسلامي[364]، وذلك لمسناه من خلال عرض طريقته في ترجيح المسائل الفقهية المختَلف فيها وتحرُّرِه في الاجتهاد وكذا عدم تقيده لمذهبٍ من المذاهب الفقهية الأربعة. فدَأْبُهُ ودَيْدَنَتُه التمسُّك بالأدلة الشرعية والرجوع أولاً إلى النُّصوص الواردة الصَّحيحة، وإذا لا يمكنه ذلك، سلك مسلك الاجتهاد وأخذ بالأدلة الأخرى المعتبر بها.

رأى الشوكاني – في ضمن نظرته الاجتهادية- أن البعث الحضاري يحتاج إلى إعادة تشكيل بنية العقل المسلم، وذلك بإقامته على مبدأ الاجتهاد الذي يقتضي الرجوع في معرفة الأحكام الشرعية إلى مصادر الشريعة الإسلامية، والاحتكام إلى الدليل في تقويم التراث الفقهي، وعدم إضفاء صفة القداسة والعصمة على اجتهادات المتقدمين. [365]

يقول الدكتور حسين العمري: "... كان الاجتهاد أحد أهمِّ القضايا التي سخَّر لها الشوكاني قلمه ووقته، واقتران ذلك باسمه عند أعلام مدرسة الإصلاح والتجديد العربي والإسلامي.." [366].

        وعليه، فإن مثل هذا المنهج (الترجيحات المبنيَّة على الاستدلال الصحيح وعلى طرق الاستنباط السديدة) من المهمِّ بمكان الاستيضاء والاهتمام به والاستفادة منه لتطبيقه في الاجتهادات المعاصرة المنشودة –كما بيَّنا ذلك سابقاً-. فالإمام الشوكاني من خلال منهجه في الترجيح (خاصَّة فيما يتعلق بالمعاملات) قرَّر مبدأَ التيسير وإزالة الظلم بين الناس (أو بعبارة أخرى: تحقيق العدالة). لذا، نرى من خلال ترجيحاته واختياراته الفقهية (في باب المعاملات) قاعدةً عامة وهي أن الأصل في هذه المعاملات الإباحة. إلا أن هذا الأصل قد يتغيَّر حكمه إذا تضمَّن عنصراً من هذه العناصر: (1) عنصر الظلم والتظالم بين المتعاقدين، (2) وجود الضرر أثناء القيام بعقد من العقود، (3) حدوث الفوضى وذهاب الهدوء والاطمئنان بين المجتمع، (4) ووجود الإفساد في الأسعار المتداولة في السوق. فإذا تحقق وجودُ واحدٍ من الأمور الأربعة السابقة، تحوَّل الحكم من الإباحة إلى التحريم. وهذا تحقيقا أيضاً لمبدأ الاجتهاد المتمثل في مراعاة المصلحة العامة وسد الذرائع.

        ولا شك أن الرجوع إلى مثل هذا المنهج والاستفادة مِمّا يترتَّب عليه من نتائج يؤدّي بنا إلى تطبيق مرونة الإسلام وصلاحيته لأي بيئةٍ أو مجتمعٍ أو في أي وقتٍ وعصرٍ، ذلك لأنه ينطلق من مُنْطَلَقِ الاجتهاد الذي ينبني على أسس تجديد الفقه الإسلامي المنبثق من مصادر الشريعة الصحيحة والمقبولة. كل هذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل دلالةً واضحةً على مكانة الشوكاني العلميَّة التي تتجلى في مدى صلابة آرائه واجتهاداته وذلك من خلال مؤلفاته التي تستثري بها المكتباتُ الإسلامية ويتداولها الناسُ بالدراسة والتحقيق. فمن الخطأ إذا أغفلنا منهج ترجيحاته الفقهية عند معالجة موضوع إيجاد الحلول الإسلامية للمشكلات العصريَّة عن طريق الاجتهاد المعاصر الذي تم بيانه بشيء من التفصيل في الفقرات السابقة، وذلك مثل بعض المسائل في أحكام البيع كالربا، وبيع العينة.

       


 

المبحث الثاني

ترجيحات الإمام الشوكاني وأهمّيتها في تجديد الفقه الإسلامي

أولاً: مفهوم تجديد الدين في الفقه الإسلامي

          التجديد لغة: مصدر جدَّد- يجدِّد، يقال تجدّد الشيء يعني صار جديداً، وجدّده أي صيّره جديداً وكذلك أجدّه واستجدّه. والجديد نقيض الخلق، والجِدَّة مصدر الجديد وهي نقيض البلى، يقال: بلي بيت فلان ثم أجدّ بيتا من شعر. [367] وفي الاصطلاح، ورد عددٌ من بيان المراد بالتجديد، وقد توصَّل بسطامي محمد في كتابه [368] إلى خلاصة معاني التجديد في الدين، وهي ما يلي:

1-             التجديد هو الإحياء والإعادة، ويعني إحياء تعاليم الدين، ونشرها، وإعادتها إلى ما كان عليه سلف هذه الأمة.

2-             أن التجديد في الدين يراد به حفظ نصوص الدين الأصلية صحيحة نقيّة.

3-             أن التجديد هو نقل المعاني الصحيحة للنصوص وإحياء الفهم السليم لها.

4-     أن التجديد هو إظهار وإفشاء ما اندرس من أحكام الشريعة وما ذهب من معالم السنن وخفي من العلوم الدينية الظاهرة والباطنة.

وذكر أن التجديد يناقض الابتداع وذلك لأن التجديد يراد به أيضا تبيين السنة من البدعة، وإكثار العلم، والإعزاز بأهله، وقمع البدعة وكسر أهلها. [369]

ويقول د. شرف محمود القضاة: ".. وتَجْديدُ الإِسْلامِ هُوَ إِعَادَتُهُ جَدِيْداً كما كانَ زَمَنَ النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلمَ، وهو الذي بَشَّرَ به رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقَالَ " إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا " [370]، ولكنَّ بَعْضَ الناسِ يَفْهَمُونَ التَّجْدِيْدَ خَطأً، فَيَظُنُّ بَعْضُهم أَنَّ المُجَدِّدَ يُغَيِّرُ في الإِسْلامِ عَقِيْدَةً أو أحْكَامَاً، وهذا تَحْرِيْفٌ ولَيْسَ تَجْدِيْدَاً..."[371]

فالتجديد في الأحكام الشرعية التي تشمل الاجتهاد في تطبيق وتنـزيل النصوص على الوقائع المتجدِّدة أمرٌ نحن في حاجة إليه لكي نُلَبِّيَ حاجاتِ العصر ونجيب عن التحديات والمشكلات التي يعاني منها المسلمون في الوقت الحاضر. وبعرضنا السابق عرفنا مفهوم التجديد في الدين، وأنه من الخطأ أن يفهم التجديد بأنه يعني تغيير الأحكام (المتمثِّلة في النصوص الشرعية) حسب الوقائع، أو زيادات في الأشياء الثابتة من الشرع لأجل موافقة الوقائع والنوازل. والأمر بخلاف ذلك تماماً.

ومن خلال التعاريف السابقة للتجديد عرفنا أن التجديد هو محاولة تنقية وإبعاد تعاليم الدين عن الأمور التي ليست من الدين أو الأشياء التي يُظَنُّ أنها من الدين وهي ليست كذلك، كالعادات والتقاليد –مثلاً-. هذا من جانب، ومن جانب آخر أن التجديد يُقصد به أيضاً محاولةٌ للإجابة عن تحديات الزمان. ومن هذا المنطلق، يمكنني القول بأن الجانب الأول إنما يكون عبارةً عن تنقية تعاليم الدين الإسلامي عن الأشياء المتعلقة بالشرك والخرافة والبدعة، وإعادة هذا الدين إلى تعاليم الإسلام الصحيحة والحقيقية التي أنزل الله في كتابه العزيز أو علَّمها النبي صلى الله عليه وسلم. وبناءً على هذا، فالجانب الثاني هو الذي يهمُّنا ويمكن أن يكون المراد المنشود لمفهوم تجديد الدين، إذ إنه محاولة استنباط الأحكام – من خلال الاجتهاد- لأجل الإجابة عن مشكلات العصر التي تظلُّ تتجدَّد وتتطوَّر بحسب الوقائع الموجودة في الساحة. وليس المراد بالتجديد إضافةُ شيء جديد إلى الدين، لأن الدين كاملٌ وليس بناقص، والنقص إنما يدخل على فهم الناس بهذا الكامل. وقد قال تعالى: âاليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِيْ وَرَضِيْتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيْناًá. [372]

والذي نعنيه بالدين الذي نريد تجديده هو التديُّن (الالتزام بأحكام الدين) وليس العقيدة.  وإضافةً إلى ما ذُكِرَ سابقاً يمكننا القول أيضاً أن المراد بالتجديد تطويرُ فهم الناس لهذا الدين بحيث يصبح مقبولا لديهم ولا يكون ذلك على حساب مصادرة أحكام الدين نفسها. وذلك من خلال إعادة التديّن في نفوس الناس وروح الالتزام بأحكام الدين عن طريق حُسْنِ عرض الإسلام وتأهيل الناس لها بحيث ينشطون بالعمل بها. من هنا، يمكن أن نحقِّق صلاحية الإسلام ومرونته لكل زمان ومكان.

ثانياً: دواعي التجديد

انطلاقًا من مبدأ "الإسلام صالحٌ لكل زمانٍ ومكانٍ"، وتحقيقًا لسماحة الإسلام ومرونته وسدِّه لجميع حاجة البشرية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، تأتي أهميةُ السعي إلى إيجاد حلولٍ تطبيقية ومنهج إسلامي صحيح يمكن أن يواكب تطورات ومستجدات الحياة. فالأمة الإسلامية اليوم بحاجة ماسَّةٍ إلى إحياء ما درس من معالم ثقافتها وبيان ما طمس من آثارها والكشف عن منابع الحق فيها للاستعانة بما أنتجه علماؤها ومفكروها في معرفة المنهج الإسلامي الصحيح الذي يضمن لهذه الأمة صلاح دينها وعزها ومجدها كما كانت في العصور الأولى.

والتجديد في الفقه الإسلامي محاولةٌ جادَّةٌ من قِبَلِ علماء هذا العصر وحركةٌ أوْجَدَتْهَا وأحدثتها الحاجةُ إلى تحقيق صلاحية الإسلام لجميع الأزمنة والأمكنة، وبسبب وجود التطورات والمستجدات التي لا بد لها من إظهار أحكامها مُعْتَمِدَةً في ذلك على مصادر الشريعة الصحيحة. ومعروف لدينا أن الوقائع والأحداث أكثر من النصوص، أو بعبارة أخرى أن النصوص الشرعية محدودةٌ بينما وقائع الحياة، مستجداتهُا ومشكلاتهُا لا حدود لها حيث تتجدَّد وتتطور يوم بعد يوم. وكما قال الدكتور يوسف القرضاوي:"أن لكل عصر مشكلاته وواقعه وحاجاته المتجددة، والأرض تدور والأفلاك تتحرك، والعالم يسير عقارب الساعة لا تتوقف، ومع هذا الدورانِ المستمرِّ والحركة الدائمة والسير الحثيث تتمخض أرحام الأيام والليالي عن أحداث ووقائع جديدة لم يعرفها السابقون وربما لم تخطر ببالهم، بل ربما لو ذكرت لهم لعَدُّوها من المستحيلات.."[373].

كل هذا يحتاج إلى التجديد في الفقه الذي يتمثَّل في الاجتهاد كأداةٍ وحيدة لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها الصحيحة. وعليه، فإن الحاجة إلى الاجتهاد الذي يؤدي في النهاية إلى التجديد في الفقه الإسلامي حاجةٌ دائمةٌ ما دامت وقائعُ الحياة تتجدد وأحوال المجتمع تتغير وتتطور، وما دامت شريعة الإسلام صالحةٌ لكل زمان ومكان وحاكمة في كل أمر من أمور الإنسان. [374] وللتجديد مجالات كثيرة، منها: تَجْدِيْدُ الإِيْمانِ في نُفُوسِ المُسْلِمينَ وإِحْياؤُهُ في قُلُوبِهْم، وإِحْياءُ الإِسْلامِ في سُلُوْكِ المُسْلِمينَ بَعْدَما ابْتَعَدُوا عنه، وإِقَامَةُ الدَّوْلَةِ التي تَطَبِّقُ الإِسْلامَ كما طُبِّقَ في العُهُودِ الإِسْلامِيَّةِ المُزْدَهِرَةِ، وتَجْدِيْدُ الأَسَالِيْبِ في الدَّعْوَةِ إلى اللهِ تعالى، والاسْتِفَادَةُ مِن كُلِّ وَسَائِلِ الإِعْلامِ الحَدِيْثَةِ مِن قَنَوَاتٍ فَضَائِيَّةٍ وإِذَاعَاتٍ وإِنْتَرْنِت وغَيْرِها، وعَرْضُ الإِسْلامِ بِلُغَةِ العَصْرِ، وبِأُسْلُوبٍ سَهْلٍ وَاضِحٍ، وبِاللغَاتِ العَالَمِيَّةِ المُعاصِرَةِ. [375]

 

ثالثاً: أهمِّية ترجيحات الشوكاني في تجديد الفقه الإسلامي

        إنه من المهمّ بمكان أن نستضيء بترجيحات الإمام الشوكاني ومنهجه فيها لتجديد الفقه الإسلامي ليكون قادراً على تلبية حاجات العصر والإجابة عن مشكلات الزمان.

ومن خلال عرض منهج الشوكاني في الترجيح – كما ورد بيانُه في الفصل الثاني من هذا البحث- عرفنا أنه يمشي على سَنَنِ الدليل وإن خالف الجمهور، وأنه يسلك مسلك الاستنباطاتِ الفقهيَّةَ مع راجحيَّة الأقوال بدون تعصّب ولا تقيّد بمذهبٍ من المذاهب الفقهية، وذلك بناءً على إيمانه وتمسّكه بمبدأ الاجتهاد المتحرّر وعدم التقيد بالمذاهب، والاعتماد فقط على الأدلة متى صحّت ولو كان رأيه مخالفاً لما يراه جماهيرُ العلماء. وإضافةً إلى ذلك، أنه سار في كتاب نيل الأوطار على المنهج المقارن في للمسائل الخلافية[376]. فبمثل هذا المنهج المَرِنِ، يمكننا اخيتارُ الأَوْلى والأرفق بالناس والأوفق لمستجدَّات الزمان وتطوُّراته في المجتمع الذي يظل يتجدَّد ويتطوَّر بسبب التقدُّم في مجالات الحياة كلها.

        وعلاوةً على ذلك أن الإمام الشوكاني ممن يُعرف بحرصه على محاربة التقليد الأعمى والدعوة إلى فتح باب الاجتهاد الذي رأى بعضهم بغلقه والحكم بوجوب تقليد المذاهب المستقرَّة في الأمة الإسلامية. فحاول الشوكاني تصحيحَ هذا الفهم الخطأ وأن الاجتهاد ليس أمرا منكرا، بل أمرٌ تحتاج إليه الأمة. لذا، فمن الممكن الاستفادة من خلال المنهج الترجيحي الذي سار عليه الإمام الشوكاني والذي اعتمد فيه على أسس الاستنباط الصحيح للأحكام الشرعية مع مراعاة التمسك بالأدلة من الكتاب أو السنة، والاجتهاد.

يمكن أن نقتبس ونستفيد من هذا المنهج للإجابة عن مشكلات وتحدِّيات العصر الحديث ونلبّي حاجات المسلمين في إيجاد الأحكام الشرعية الموافقة للكتاب والسنة. وبذلك نقوم بتجديد الدين (الفقه الإسلامي) بشكل صحيح، ويتحقق المبدأ الذي نناشده دائما وأبدا، ونُظهره للبشرية جمعاء أن الإسلام دين كامل ومتكامل، وصالح لكل زمان ومكان، إذ إن الإسلام هو الحَلُّ الوحيد القادر على مواكبة العصر وتطوراته دون أن يُلْغَى أيُّ حكمٍ من أحكامه.

        وبالنظر إلى منهج ترجيحات الإمام الشوكاني الفقهية، يمكننا القول أن للإمام الشوكاني أسساً منهجيَّةً انبنى عليها تجديده للفقه الإسلامي. وتتمثَّل هذه الأسسُ في تحريمه للتقليد، ودعوته إلى الاجتهاد. وإضافةً إلى ذلك أن منهجه الترجيحي الذي يمتاز بميزات هي : الاحتكام إلى الدليل، والأخذ بظاهر النص والجمع بين الأدلة ما أمكن، والاعتماد على اللغة العربية في استنباط الأحكام، وربط الفروع الفقهية بالقواعد الأصولية، ومراعاة مقاصد الشريعة، يمكن اعتبار هذا المنهج محاولةً للتجديد. وبخصوص مراعاته  للمقاصد، لقد أكَّد الإمام الشوكاني على أن الشريعة الإسلامية المطهرة مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد. [377] هذا، مع ملاحظته أن هذا الجلب والدفع لا يكونان مطلقين، ولكن في حالات لخَّصها في قوله: "...ما لم يرد فيه نص يخصه، ولا اشتمل عليه عموم، ولا تناوله إطلاق... وأما مواقع النصوص، وموارد أدلة الكتاب والسنة، ومواطن قيام الحجج، فلا جلب نفع، ولا دفع ضرر أولى من ذلك، وأقرب منه إلى الخير، وأولى منه بالبركة، فهو في الحقيقة مصالح مجلوبة ومفاسد مدفوعة، وإن قصرت بعض العقول عن إدراك ذلك، والإحاطة بكنهه، والوقوف على حقيقته" [378].


 

المبحث الثالث

ترجيحات الإمام الشوكاني وأهمّيتها في التقريب بين المذاهب الفقهية

 

أولاً: تحديد المراد بالتقريب بين المذاهب

إنه من المهم بمكان أن نكون على معرفةٍ من المراد بهذا التقريب الذي نحن بصدد الكلام عنه، حتى نجيب عن الالتباسات والشُّبه التي تظنُّ أن هذه المحاولة مجرَّد أمنية لا واقع لها. وفيما يلي ذكر معنى التقريب في اللغة والاصطلاح والمراد الصحيح منه.

(أ) التقريب في اللغة: مصدر قرَّبَ-يقرِّب. والثلاثي منه :"(قَرُبَ) بالضمِّ قُرْباً بضمِّ القاف أي دنا، وقَرِبَهُ بالكسر قِرْبَاناً بكسر القاف أي دنا أيضاً، منه القُرْبانُ بضم القاف هو ما تقرَّبت به إلى الله تعالى، تقول قَرَّبْتُ لله قُرْبَاناً و تَقَرَّبَ إلى الله بشيءٍ طلب به القُرْبَةَ عنده.." [379] وقال ابن  منظور: ".. القُرْبُ نقـيضُ البُعْدِ. قَرُبَ الشيءُ، بالضم، يَقْرُبُ قُرْباً و قُرْباناً و قِرْباناً أَي دَنا، فهو قريبٌ..., وقَرَّبْتُه تقريباً: أَدْنَـيْتُه".[380]

(ب) وفي الاصطلاح، ورد عددٌ من تعاريف التقريب بين المذاهب، منها:

·       يراد به: "أن نوفِّق بين هذه المذاهب الفقهية فيما يمكن التوفيق به قصرًا للطريق على طالب التفقّه في دينه، وخروجاً من خلاف العلماء حسب الإمكان أخذًا بالورع، وتخلُّصاً من التعصب الممقوت وحمية الجاهلية الأولى التي نشأت بين متأخري أتباع المذاهب فنجم عنها تفرُّق كلمتهم وتخاذلهم في وقتٍ هُمْ أشدُّ الناس احتياجاً فيه إلى اتحاد الكلم والتضامن".[381]

·       ويراد به أيضاً: الأخذ من كل مذهب بما كان دليله أقوى من  كتاب وسنة ثابتة مراعاةً للاحتياط بالنسبة لأهل العزائم، وكذلك الأخذ بالأيسر من كل مذهب رفقاً بضعف أرباب الرخص بالشروط المخصوصة وفقاً لمقتضى يُسر الدين وتسامحه خشية تهاونهم بالتَّكاليف إذا شُدِّد عليهم.

·   ويراد به أيضاً: الأخذ من كلِّ مذهبٍ في المعاملات، والعقوبات، والقضاء بما هو أقرب ملاءمةً لروح الزمان ومقتضيات العمران وأوفق للمصلحة، تخلُّصاً من وعيد الحكم بغير ما أنزل الله تعالى من القوانين الموضوعة المنابذة لنصوص الشريعة القطعية. ومثل هذا: أحكام الأحوال الشخصية، فإن المراد هو الأخذ بما هو أقرب للسعادة البشرية ومصلحة الشؤون العائلية صيانةً للفروج والأنساب، وفراراً من حدوث ما لا تحمد مغبَّتُه في القضايا الزوجية.[382]

إن التعاريف السابقة – بالرغم من تفاوت كلماتها – إلا أن كلها تؤدي  إلى مغزىً ومرادٍ واحد بحثي يمكننا الأخذ بها والسعي إلى الدعوة إلى تطبيقها بقدر الإمكان.

 

ثانياً: أهمية التقريب بين المذاهب وأثره على وحدة الأمَّة

لقد حثّ الإسلام على الاتحاد، والائتلاف والاتفاق ونهى عن التفرق والافتراق والانقسام إلى فرق مختلفة في الأصول، لذا قال تعالى: âوَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْá [383] وقال: âأَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِá [384]، وقال: â إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ á [385]. فوحدة الأمة الإسلامية فريضة وضرورة، إذ إنها أمة واحدة، ربها واحد، وكتابها واحد، ونبيها واحد، وقبلتها واحدة، وشعائرها واحدة، وشريعتها واحدة، وآدابها واحدة، ومصيرها واحد، وعدوها واحد[386] . وقد وردت أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم حثَّتْ على الوحدة وعدم التفرق، منها قوله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابه" [387]، وقوله: "ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى" [388] وغير ذلك من أحاديث صحيحة.

من هذا المنطلق، السعي إلى إيجاد الوحدة الإسلامية وإزالة التفرق والانقسام بين المسلمين أمر ينبغي أن يكون الهدف السامي لكل مسلم، خاصة في عصرنا هذا الذي نحن في أمسِّ الحاجة إلى تلك الوحدة المنشودة لكي ننقذ الأمة الإسلامية من التأخر والتخلف ونسترجع العصور الإسلامية الأولى عندما ساد الإسلام الدنيا وحينما اجتمعت كلمتُهم وتوحَّدت صفوفُهم. وانطلاقاً مما سبق ذكره، فإن السَّعي إلى التقريب بين المذاهب الكثيرة التي تنتمي إلى الإسلام – خاصّةً المذاهب الفقهية- واحدة من أهم قضايا الأمة الإسلامية التي ينبغي أن تكون في بال كل مسلم واعٍ ومهتمٍّ بأمور الأمة. كل هذا لأجل تحقيق الوحدة الإسلامية التي هي أمنية المسلمين ماضيا وحاضراً ومستقبلاً.

 

ثالثاً: الدعوة إلى التقريب بين المذاهب وكيفية تطبيقها.

رُبَّ قائلٍ يقول: كيف ندعو إلى وحدة المذاهب، وكيف يمكن أن نقرِّب بين تلك المذاهب المختلفة، والحال أن اختلاف الأئمة المجتهدين من واسع رحمة الله ورأفته بعباده، وأن اتحادهم غير ممكن ما دامت الأفهام مختلفة!. مثل هذه المقولة تحتاج إلى شرح وفي وجواب مقنع لإزالة الالتباس والشبهة التي علق بها. إنه مما لا شك فيه أن الشريعة المحمدية شريعة سمحة واسعة تسع جميع المكلفين على اختلاف أحوالهم في كل زمان ومكان، ولا يمكن أن يحيط بها مجتهد وحده، بل كل واحد يغترف من بحرها المحيط ما اتصل به علمه ووصل إليه فهمه. فلو لم يكن ثمة اختلاف بين المجتهدين وسلكَ الجميع مذهباً واحداً لضاق الأمر على المسلمين لعدم إحاطة المذهب الواحد بجميع ما جاءت به الشريعة. [389]

        ومن المعروف أن الناس في المائة الأولى والثانية من الهجرة ما كانوا يعرفون تقليدا لمذهب، وما كان هناك مذهب، فالنبي e ،كان الفقه في عصره فقه الوحي حيث أنزل الله تعالى القرآن الكريم والنبي e يبينه للناس بقوله أو فعله ما اشتمل عليه القرآن من أحكام تحتاج إلى بيان. وكان الصحابة رضوان الله عليهم يرجعون إلى النبي e في أمورهم الدينية، وعند تعذر الرجوع إليه e، كانوا يجتهدون، وقد حثهم النبي e على ذلك. وبعد وفاته e، كان الصحابة رضي الله عنهم يرجعون فيما يعرض لهم من وقائع إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإذا لم يجدوا في هذين المصدرين، لجأوا إلى الاجتهاد الذي كان النبي e حثَّهم عليه. وفي عصر التابعين، كانت مصادر الفقه أيضاً الكتاب والسنة، وما أجمع عليه الصحابة، ثم عند اختلاف الصحابة اتجهوا إلى الأخذ بالرأي، فعُرِف في هذا العصر مصدرٌ جديد من مصادر التشريع وهو : فتاوى الصحابة، إلا أن التابعي ما كان يلتزم بفتوى صحابي بعينه، وإنما يختار من بين فتاويهم ما يؤديه إليه اجتهاده.

        وفي القرن الثالث الهجري الذي ظهر فيه الأئمةُ المجتهدون الأربعة (أبو حنيفة، مالك، الشافعي، وأحمد رحمهم الله جميعاً) كانوا على منهج من مضى، ولم يكن في عصرهم مذهبُ رجلٍ معينٍ يتدارسونه. فخلاصة القول: أن السلف ما كانوا يعرفون المذهب، وكانوا لا يقلدون إلا صاحب الشرع e. ثم جاء القرن الرابع الذي يُعتبر عصرَ نشأةِ المذاهب والتَّمَذْهُب، وبالرغم من أنه قد ظهرت البذرة الأولى للتمذهب في أواخر القرن الثالث، إلا أن هذه الظاهرة كانت تنشأ بصورة واضحة في القرن الرابع الهجري، وخاصةً عندما دُوِّنت المذاهبُ وأُلزم الناسُ باتباع مذهبٍ بعينه، ويكون المذهب ما تعتمده الدولة في ذلك العصر.

        وعلى ضوء ما عرضناه سابقاً، عرفنا أن التاريخ شاهدٌ على عدم وجود التَّمَذْهُب أو التقيُّد بمذهبٍ معين في العصور الأولى، وأن هذه الظاهرة إنما بدأت في القرن الرابع وتستمرُّ إلى يومنا هذا، وأصبحت واقعاً مشاهداً لا يمكن الفرار منه. وعليه، فإنه ليس من المستحيل أن نسعى إلى تقريب بين المذاهب الفقهية الموجودة والمشهورة لأجل تحقيق سماحة الإسلام ويسره وصلاحيته لكل زمان ومكان.

أمَّا عن كيفيَّة تحقيق هذا التقريب الذي نناشده، فإنَّ ما سبق عرضه من خلال تعاريف التقريب السابقة [390] يمكننا أن نجعلها كيفيَّةً وطريقةً للتحقيق وللتطبيق. وتوضيح ذلك أن التقريب بين المذاهب يمكن أن يتأتَّى من خلال الأمور الآتية:

·       التوفيق بين هذه المذاهب الفقهية فيما يمكن التوفيق به قصرًا للطريق على طالب التفقّه في دينه.

·       الخروج من خلاف العلماء حسب الإمكان أخذًا بالورع، وتخلُّصاً من التعصب الممقوت وحمية الجاهلية الأولى التي نشأت بين متأخري أتباع المذاهب.

·       الأخذ من كلِّ مذهب بما كان دليله أقوى من كتاب وسنة ثابتة، مراعاةً للاحتياط بالنسبة لأهل العزائم.

·       الأخذ بالأيسر من كل مذهب رفقاً بضعف أرباب الرخص بالشروط المخصوصة وفقاً لمقتضى يُسر الدين وتسامحه.

·       الأخذ من كلِّ مذهبٍ في المعاملات، والعقوبات، والقضاء بما هو أقرب ملاءمةً لروح الزمان ومقتضيات العمران وأوفق للمصلحة تخلُّصاً من وعيد الحكم بغير ما أنزل الله تعالى من القوانين الموضوعة المنابذة لنصوص الشريعة القطعية.

 

وبالقيام بالأمور السابقة، نسعى جادِّين إلى تحقيق التقريب الذي نريده لأجل وحدة الأمة الإسلامية واسترجاع عزة الإسلام وقوته ومنعته كما كان في العصور الغابرة – بإذن الله تعالى-.

 

رابعاً: أهمِّية ترجيحات الإمام الشوكاني في التقريب بين المذاهب الفقهية.

بعد الاطلاع على ترجيحات الإمام الشوكاني ومنهجه فيها، نُدرك مدى إمكانية الاستفادة من هذا المنهج في محاولة التقريب بين المذاهب الإسلامية –بالمراد الذي مرَّ ذكرُه سابقاً-. وذلك على ضوء ما عرفناه من اتِّصاف الشوكاني في هذه الترجيحات بعدم التقيُّد بمذهب معيّن، ولا تعصّب لأي إمام، وتميُّزِها بالاجتهاد المتحرِّر (المبنيِّ على الأدلة الصحيحية من الكتاب والسنة، وأدلة الاجتهاد كالقياس، والاستصلاح، وسد الذرائع)، والذي يراعي في ذلك جانب اليسر والسماحة.

        وقد مرَّ معنا في الفصول السابقة - عند ذكر منهج الشوكاني في ترجيحاته من خلال عرض المسائل الفقهية التي ورد فيها خلافٌ بين الفقهاء من المذاهب الأربعة-، أن الإمام الشوكاني خالف في بعض الأحيان آراء َجماهير العلماء في مسائل خلافية، مثل: مسألة بيع الحاضر للبادي، وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وحكم التلفُّظ بالإيجاب والقبول في صحة البيع، وغير ذلك. هذا انطلاقاً من منهجه في الترجيح، حيث يهتمُّ كثيرا بالتمسُّك بالأدلة الشرعية الصحيحة ولا يبالي بمخالفة الآخرين. لذا قال في مقدِّمة كتابه ".. يمشى على سَنَنِ الدليل وإن خالف الجمهور.."[391]

        فمثل هذا المنهج، يمكنه أن يُطبَّق في سبيل محاولة التقريب بين المذاهب التي نراعي فيها عدم التعصُّب والتقليد الأعمى، وذلك عن طريق الأخذ من أيِّ مذهبٍ له دليلٌ قوي من  الكتاب أو السنة الثابتة، والأخذ بالأيسر والأوفق وكذا الأرفق للناس، والأخذ بالأقرب ملاءمةً لروح الزمان ومقتضيات العمران والأوفق للمصلحة، والأقرب كذلك للسعادة البشرية. كل هذا، نستضيء أوَّلا وقبل كل شيءٍ بالنصوص الشرعية الصحيحة، وليس يعني هذا التساهلَ عند اختيار أي رأي فقهي لأجل مسايرة الزمان على حساب شريعتنا الغرَّاء، إذ إن للشريعة نصوصاً تعتبر من الثوابت والقطعيات، وكذا الظنِّيات. فالذي هو القطعيُّ الثابث، لا ينبغي فيها النـزاع والاختلاف، أما المتغير أو الظني فيسوغ فيه الاختلاف، وهنا يأتي دور الاجتهاد لاستنباط الأحكام الشرعية لأجل إيجاد الأجوبة على مشكلات العصر وتطوّراته سعياً لتحقيق سماحة الإسلام وسعته، وصلاحيته لكل زمان ومكان.

        ومِمَّا يمكن الاستفادة من الإمام الشوكاني - فيما لُوْحِظُ من آرائه الفقهيَّة التي تدل على فكرة التقريب بين المذاهب الفقهية - مَوْقِفُهُ من خلاف الفقهاء في تفسير معنى القرء وبم تنقضي العدَّة. وذلك، أنه بعد سرد الخلاف مفصَّلاً في كتابه "فتح القدير" مع ذكر أدلة كل قول والردَّ عليها، اختار رأياً فقهيًّا وسطاً بين آراء الفقهاء الآخرين، وفي ذلك يقول ما نصُّه: "...ويمكن أن يقال إنها تنقضي العدَّة بثلاثة أطهار أو بثلاث حيض، ولا مانع من ذلك، فقد جوَّز جمعٌ من أهل العلم حمل المشترك على معنييه، وبذلك يجمع بين الأدلّة ويرتفع الخلاف ويندفع النـزاع..." [392]. وبيان ذلك أن الرأي الذي ذهب إليه الإمام الشوكاني رأيٌ وسط بين الرأيين؛ أولهما: أن القرء هو الطهر، وبهذا تنقضي العدَّة بالأطهار لا بالحيض، وثانيهما: تفسير القرء بالحيض، وعليه، فيكون انقضاء العدَّة بالحيض لا بالطهر. ثُمَّ جاء الشوكاني بهذا الرأي الذي دعَّمه بالاستدلال القوي حيث ورد  تَجْوِيْزُ بعض أهل العلم لحمل المشترك على معنييه، وأراد بذلك جمعاً بين الأدلة، ورفعاً للخلاف، وبالتالي تقريباً بين المذاهب الفقهية.

     ومما أُثِرَ عن الإمام الشوكاني فيما يتعلَّق بفكرة التقريب أيضا الحوار الذي دار بينه وبين أبيه عندما سأله عن أي قولٍ يؤخذُ من أقوال الفقهاء  المتعارضة في مسألة كون الفرجين من أعضاء الوضوء في كتاب الأزهار وشرحه، وذلك أنه قال ما نصُّه: "..فسألت والدي رحمه الله عن تلك الأقوال أيّها يكون العمل عليه؟ فقال: يكون العمل على ما في "الأزهار"، فقلت: صاحب الأزهار أكثر علمًا من هؤلاء؟ قال: لا، قلت: فكيف كان اتباع قوله دون أقوالهم لازما؟ .." [393]. إن هذا لإشارةٌ واضحة إلى ذكاء الشوكاني ومناقشته المنطقيَّة للجواب غير المقنع، ويمكن اعتباره كدليلٍ بيِّن على مبدأ الاجتهاد والتجديد، وكذا التقريب الذي لا يعرف ما يسمَّى بتقليدٍ أو تعصُّب مذهبيين. وإذا كان أمر الأمَّة يستقرُّ على الاجتهاد ونبذ التقليد، وعدم تتبع مذهبٍ مقرّ ولا تقليد عالم بدون علم، ودائماً على الإنصاف وعدم التعصب الأعمى، سيكون تحقيق التقريب بين المذاهب الفقهية أمراً ليس بمستحيل ويمكن تحقُّقه حتماً. وهذا ما فعل الشوكاني مع تلامذته حيث ينصحهم ويحذرّهم من مَغَبَّةِ الوقوع في التعصب في التمذهب الذي يجرُّ صاحبه على ورطة البعد عن إحقاق الحق وبالتالي يكون من الذين يكتمون ما أنزل الله من  البينات والهدى...". [394]

ومثال آخر للترجيحات الشوكانية التي يمكن الاستفادة منها في فكرة التقريب توسُّطه في الاختيار أو الانتقاء الفقهي حيث ابتعد عن التعصُّب والتقيُّد بأي مذهب من المذاهب وحاول توضيح المسائل وبيانها بأدلَّة وحُجَجٍ مقنعة، لذا قال في مقدِّمة كتابه (السيل الجرَّار) - بعد ذكر منـزلة كتاب مختصر الأزهار-: "...أحببتُ أن أكون حَكَمًا بينه وبينهم، ثم بينهم أنفسهم، ثم اختلافهم في ذات بينهم، فمن كان أهلاً للترجيح ومتأهِّلاً للتسقيم والتصحيح، فهو إن شاء الله سيعرف لهذا التعليق قدره ويجعله لنفسه مرجعًا ولما ينوبه ذخرًا..إلى أن قال: " ...وتحقيقات تنشرح لها صدور فحول الرجال لما اشتمل عليه من إعطاء المسائل حقَّها من التحقيق والسلوك فيما لها وعليها في أوضح طريق مع كل فريق.. " [395] .


 

المبحث الرابع

مدى إمكانية الاستفادة من ترجيحات الإمام الشوكاني في العصر الحاضر

 

        أخذ الكلامُ عن ترجيحات الإمامِ الشوكاني الفقهية ومنهجه فيها قسطاً لا بأس به في الفصول والمباحث السابقة. ولقد تقرَّر لدى الباحث أن هذا الإمام كان يعتمد في اجتهاداته على المنهج الترجيحي والتمسُّك بالأدلة الصحيحة من القرآن والسنة دون التقيُّد بمذهب من المذاهب الأربعة الفقهية القائمة في عصره، فضلا عن رفضه التامّ لتقليد رأيٍ تبيَّن ضعف أدلته وحججه، واعتبارا لما كان لهذا المنهج من أهمّية في التجديد والاجتهادات الفقهية، يرى الباحث عرض نماذج من اختياراته الفقهية وذلك بغية معرفة مدى الاستفادة منها في هذا العصر.   

وفي هذا المبحث سوف يتناول الباحثُ مدى الاستفادة والتطبيق لاجتهاد الشوكاني من خلال ترجيحاته الفقهية. وسوف يحاول ذكرَ وبيان إمكانيَّة ذلك في عصرنا الحاضر من خلال التطرّق إلى بعض المسائل الفقهية التي لم يسبق ذكرها في هذا البحث.

 

المسألة الأولى: الاحتكار حرامٌ في الأقوات وفي سواها.

          الاحتكار لغةً مأخوذ من (حَكَرَ). والحَكْرُ: اِدِّخارُ الطعام للتَّرَبُّصِ، وصاحبُه مُحْتَكِرٌ. والاحْتِكَارُ جمع الطعام ونحوه ممَّا يؤكل واحتباسُه انْتِظارَ وقت الغَلاء بِه،  الحُكْرُ والحُكْرَةُ الاسم منه.[396] وقال الرازي: "احتكار الطعام، أي جمعه وحبسه يُتربّص به الغلاء " [397]. ويراد به في الاصطلاح: أن يبتاع في وقت الغلاء ويمسكه ليزداد في ثمنه [398]، أو هو شراء الطعام محتكرًا له للتجارة مع حاجة [399]، ويعرَّف أيضاً بأن يشتري طعامًا في مصرٍ ويمتنع عن بيعه، وذلك يضرُّ بالناس [400].

        أما حكمه، فقد ذهب جماهير الفقهاء إلى أن الاحتكار للمواد التي يُقتات بها لا يجوز شرعاً، وأن ذلك حرامٌ في جميع الأوقات [401]. وأورد ابن قدامة أن الاحتكار المحرَّم ما اجتمع فيه ثلاثة شروط: (1) أن يشتري، فلو جلب شيئًا أو أدخل من غلَّته شيئا فادَّخره لم يكن محتكرا. (2) أن يكون المشترى قوتًا. (3) يكون في بلد يضيق بأهله الاحتكار كالحرمين والثغور. [402] وقال أبو يوسف من الحنفية: " كل ما يضر العامة فهو احتكار، بالأقوات كان أو ثيابا أو دراهم أو دنانير اعتبارا لحقيقة الضرر لأنه هو المؤثر في الكراهة.." [403]. وذهب بعض الشافعية إلى أن الاحتكار مكروهٌ وليس بمحرَّم، وفي ذلك قال الشيرازي في مهذبه ما نصه: " ...ومن أصحابنا من قال يكره ولا يحرم".[404]

حدَّد بعضُ العلماء مُدَّةً للاحتكار المحرَّم، فمنهم من قال أنها أربعون يوماً، كما قال صاحب الحاشية [405] –عند ذكره تعريفَ الاحتكار في الاصطلاح الشرعي-: "..وشرعًا اشتراء طعام ونحوه وحبسه إلى الغلاء أربعين يومًا لقوله عليه الصلاة والسلام من احتكر على المسلمين أربعين يوما ضربه الله بالجذام والإفلاس".[406] والآخرون قالوا: مدته شهر، مستدلين بأن ما دون الشهر قليلٌ عاجلٌ وما فوقه كثير آجل.." [407]

        وقد استدل المانعون للاحتكار بالأحاديث التي ورد فيها النهيُ عن الاحتكار، منها:قوله  r:" من احتكر حكرةً يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ" [408]. وقوله r: "من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس" [409].

          ورأى الإمام الشوكاني أن ظاهر الأحاديث الواردة تدل على أن الاحتكار محرم من غير فرق بين قوت الآدمي والدواب وبين غيره. [410] وقال معلِّقًا على اختلاف الفقهاء في حكم الاحتكار –بعد ذكر أحاديث الاحتكار وشرحها- : " والحاصل أن العلة إذا كانت هي الإضرار بالمسلمين لم يحرم الاحتكار إلا على وجه يضر بهم، ويستوي في ذلك القوت وغيره، لأنهم يتضررون" [411].

بناءً على هذا، ألفت أنظارَ الفقهاء إلى أن علَّة التحريم في الاحتكار هي الإضرار بالناس، وعليه، يرى أن أيَّ نوع من أنواع  الاحتكار حرامٌ لأجل هذه العلَّة ، وهذا يشمل القوت والأشياء الأخرى التي يحتاجها الناس. فمذهبه في هذه المسألة أن الأشياء الأخرى غير الموادّ المقتاتة، وحاجات الناس لا يجوز الاحتكار بها إذا كان ذلك يؤدي إلى الضرر والإضرار، كما أنه لم يعتبر المدَّة ولم ير بتحديد الاحتكار. وفي ذلك يقول منتقداً للقائلين بتحديد مدة الاحتكار أربعين يوماً : " ولم أَجِدْ من ذهب إلى العمل بهذا العدد".[412]

        مما سبق ذكره يمكن القول - اعتماداً على الرأي الذي رجّحه الإمام الشوكاني – أن الاحتكار محرَّمٌ شرعاً إذا أضرَّ بالناس، ويشمل الأقوات وغيرها لوجود العلة وهي الإضرار بالعامَّة. انطلاقاً من ذلك، إنه من الممكن  الاستفادة من هذا الرأي لتطبيقه في أي وقت وزمان –خاصّة في العصر الحاضر- على منع أيِّ نوعٍ من أنواع الاحتكار للأشياء التي يحتاجها الناس إذا أدَّى ذلك إلى الضرر بهم، وكذا يُسمح ويجوز أن يقوم إنسانٌ بحفظ الأشياء (القوت وغيره) وادِّخاره أو حبسه إذا كان ذلك لا يأتي من جرّائه أيُّ ضررٍ.

 

المسألة الثانية: التلفُّظ بالتراضي في عقد البيع.

        اختلف العلماء في عدد أركان البيع، فمنهم من قال إن أركان البيع ثلاثة: عاقد (البائع والمشتري)، ومعقود عليه (الثمن والمثمن)، وصيغة (الإيجاب والقبول، وهي على قسمين: صريح وكناية). [413]

ومنهم من قال: أنها خمسة وهي: البائع، والمشتري، والثمن، والمثمون، واللفظ، وما في معناه من قول أو فعل يقتضي الإيجاب والقبول. [414]

وفيما يتعلَّق بحكم الصيغة، فقد ذهب الشافعيّة إلى أن البيع لا يصحّ إلا بالإيجاب والقبول. وفي ذلك قال الشيرازي في مهذَّبه: " ولا ينعقد البيع إلا بالإيجاب والقبول".[415] وقد خالف الشافعيَّةُ على ذلك الجمهورَ القائلين بعدم اشتراط الإيجاب والقبول وإن البيع يقع مع عدمهما. فعند الإمام مالك أن البيع يقع بما يعتقده الناس بيعًا، قال صاحب التاج والإكليل: "..ينعقد البيع بما يدل على الرضا، ...وكل لفظٍ وإشارة فُهِمَ منه الإيجاب والقبول لزم به البيع وسائر العقود" [416]. وقال بعض الحنفية يصحُّ ذلك (أي البيع دون الإيجاب والقبول) في خسائس الأشياء . [417] وقال ابن مفلح من الحنابلة في عدم اشتراط الإيجاب والقبول: "...والمذهب عدم الاشتراط".[418]

قال ابن قدامة رداًّ على مذهب الشافعية: "... إن الله أحلَّ البيع ولم يبين كيفيَّته، فوجب الرجوع فيه إلى العرف كما رجع إليه في القبض والإحراز والتفرق والمسلمون في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك".[419] وقد بين خطأ هذا الرأي وردّ عليه في كتابه مفصلاً حيث قال: "..ولأن البيع كان موجودا بينهم معلوما عندهم، وإنَّما علّق الشرع عليه أحكاما وأبقاه على ما كان، فلا يجوز تغييره بالرأي والتحكُّم، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه مع كثرة وقوع البيع بينهم استعمال الإيجاب والقبول، ولو استعملوا ذلك في بياعاتهم لنقل نقلا شائعًا، ولو كان ذلك شرطًا لوجب نقله ولم يتصوَّر منهم إهماله والغفلة عن نقله، ولأن البيع مما تعمُّ به البلوى، فلو اشترط له الإيجاب والقبول لبيَّنه صلى الله عليه وسلم بيانًا عامًّا ولم يخف حكمه لأنه يفضي إلى وقوع العقود الفاسدة كثيًرا وأكلهم المال بالباطل ولم ينقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحدٍ من أصحابه فيما علمناه.." [420]

        أما الإمام الشوكاني فقد بيّن في هذه المسألة أن الركن الأساسي في عقد البيع هو "التراضي من المتبايعين"، وتدل على ذلك الآية الكريمة: âيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْá[421].

وفيما يتعلق بالتلفّظ، فقد ذهب الشوكاني إلى أنَّه ليس من الواجب التلفُّظ في التراضي، بل يجوز التعبير عن التراضي بغير التلفُّظ باللسان، مثل أن يكون بالإشارة، الكتابة أو غير ذلك بشرط أن يدلَّ ذلك على التراضي. في هذا قال: "..المعتبر فيه (أي في عقد البيع) مجرّد التراضي..." إلى أن قال:"..وقد قال الله تعالى âتِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍá[422]، فدل ذلك على أن مجرد التراضي هو المناط، ولابد من الدلالة عليه بلفظٍ أو إشارة أو كناية بأي لفظ وقع وعلى أيّ صفةٍ كان وبأيّ إشارة مفيدة حصل" [423].

        ومن خلال كلام الشوكاني السابق، تبيَّن أن الركن الأساسي في عقد البيع هو التراضي بين المتبايعين ويجوز التعبير عن ذلك بأي طريقة، مثل الإشارة، الكتابة، الكناية أو غير ذلك، ولا ينحصر فقط في التلفظ باللسان. وبهذا، خالف الشوكاني المذهب الذي يرى بوجوب الإيجاب والقبول أثناء البيع، وقال: "..فإنا لاننكر أن البيع يصح ذلك وإنما النـزاع في كونه لا يصحّ إلا بها، ولم يرد في ذلك شئ". وفي رأيه هذا، تمسك الشوكاني بعموم لفظ (تجارة) الذي يتضمَّن معنى (أي نوع من البيع) الذي يجب أن يُؤدَّى بناءً على التراضي. والتعبير بالتراضي يمكن أن يتأتى بالتلفظ باللسان وبغيره ما دام ذلك مفهوماً ومعروفا لدى المتبايعين.

        هذا الرأي أو الاختيار الفقهي الذي تمسّك به الشوكاني يمكن الاستفادة منه ونحتاج إلى تطبيقه وتطويره في جميع عقود التجارة -سواء على المستوى الداخلي والوطني أو المستوى العالمي- في هذا العصر. فالعصر الحاضر – كما لا يخفى- عصرٌ يموج بالتقدم والتطور في نواحي الحياة كلها خاصة في الاتصالات والمواصلات والمعلومات. وهذا بلا شكّ، أدَّى إلى التقدم في مجال التجارة. ومن جرّاء ذلك، أصبحت عقود التجارة عن بُعْدٍ شيء لازم وعادي وقوعُه وجريانُه في مجال التجارة في هذا العصر، ولا يهمُّهم في ذلك قضيةُ الإيجاب والقبول باللسان، بل يكتفون باستخدام الأوراق الثمينة كالشِّيك والحوالة وغير ذلك من طرق حديثة.

        وإذا بقينا على الأخذ برأي المذاهب التي قالت بأن البيع لا يصحُّ إلا بالإيجاب والقبول، أو التلفظ، فسيكون الواقع المعيش- مثل ما ذكر سابقاً - محرَّمًا لعدم توفُّر شرط من شروط البيع. وبهذا، نُوقع الناس في حرجٍ وضيق، وقد يؤدى ذلك إلى الضرر والمشقَّة. من هنا، تَكْمُنُ أهميةُ الاستفادة والرجوع إلى الرأي الفقهي (قاعدة في عقد البيع) الذي قدّمه لنا الإمام الشوكاني. وإذا أخذنا واستخدمنا هذا الرأي - الذي يحمل في داخله السماحة واليسر والمرونة- وجدنا حَلاًّ وإجابةً على أن عقد البيع دون التلفظ بالإيجاب والقبول صحيح ولا بأس به من المنظور الشرعي، إِذْ إِنَّ تبادلَ الأوراق الثمينة بين المتبايعين دليلٌ واضح على التراضي بينهما، وهذا يتطابق مع شروط عقد البيع.

 

المسألة الثالثة: البيع في الطرقات.

          ذكر الإمام الشوكاني أن الجلوس في الطرقات والبيع فيها غير جائز[424]، مستدلاًّ بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: " إياكم والجلوس في الطرقات، فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بدٌّ نتحدث فيها. فقال: إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقها. فقالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غضُّ البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".[425]  قال الشوكاني إن الحديث فيه دليل على أن التحذير للإرشاد لا للوجوب، إذ لو كان للوجوب لم يراجعوه. ونقل عن القاضي عياض أن سبب تحذير النبي صلى الله عليه وسلم إبعاد الصحابة من الوقوع في الحرام أو سدّاً للذريعة. [426]

        وبناءً على الحديث السابق رأى الشوكاني جواز الجلوس في السوق للبيع وذلك إذا كانت الحاجة قد دعت إلى ذلك، وهذا بشرط أن لا يتضرر الناس المارُّون وألاّ يؤدي إلى الفوضى والفتنة. وفي هذا بيّن الشوكاني قاعدةً لا بد أن يُتَمَسَّك بها وهي مراعاة الجانبين (المصلحة والمفسدة)، وأورد قاعدةً فقهيَّة: "درء المفاسد أولى من جلب المصالح" [427].

اعتمادًا على هذه القاعدة، توصّل الشوكاني إلى القول بأن الجلوس في الطرقات للبيع يحتاج إليه الناس، فلذلك ليس بحرام. ولكن إذا كان ذلك يؤدى إلى الفوضى في الطرقات، فإن حكمه حرام. [428] والذي يراد بالطرقات التي لا يجوز البيع فيها، هي الطرقات العامّة خارج السوق، أما البيع في الطرقات التي بداخل السوق فإنه جائز، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "لأَن يحمل أحدُكم حبلاً فيحتطب، ثم يجيء فيضعه في السوق، ثم يستغني به، فينفقه على نفسه خيرٌ له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه".[429] فقوله (فيضعه في السوق) دليلٌ على جواز الجلوس في السوق للبيع لأنه لا يخلو غالب الأسواق من كثرة الطرق فيه.

        من هنا تتجلى أهميّة مراعاة المصلحة والمفسدة، ولا بد من الرجوع إلى قاعدة: "درء المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة". استفادةً وتطبيقاً لرأي الشوكاني واجتهاده الفقهي، أنه من المهمِّ بمكان أن يُنهى البيعُ في الطرقات وحواشيها –كما هو مظهر عامٌّ في كثير من المدن الكبيرة في الدول النامية- ولا بدَّ لِوُلاة الأمور أن يمنعوا هذا المظهر الذي يؤدي إلى الضرر بالناس المارِّين في تلك الطرقات، وإلى الفوضى والإضرار بالبائعين أنفسهم، خاصَّةً في الطرقات التي فيها مرور السيارات.

فبناءً على ما ذهب إليه الإمام الشوكاني، أن مثل هذا الأمر يجب أن يمُنع وقوعُه، لأنه يُعتبر حفظاً لروح البائع وإبعاده عن الضرر، فروح البائع أنفس من الكسب والربح، فندرأ هذه المفسدة أولاً، قبل أن نحصل على المصلحة التي هي الفائدة والربح.

وقد نهج الإمام الشوكاني في هذه المسألة منهج تقديم النصِّ والتمسك به ودعمه بقواعد فقهية وأدلة أخرى مثل سدّ الذريعة والاستصلاح. فبالأخذ بِـ"سد الذريعة" يمكن منعُ الناس من الوقوع في الحرام، وبالأخذ بِـ "الاستصلاح" يمكن القيام بالموازنة بين المصلحة والمفسدة.

ومن خلال بعض الأمثلة السابقة التي تدل على إمكانية الاستفادة من اجتهاد الإمام الشوكاني وأهمية تطبيقه في العصر الحاضر، تَتَجَلَّى لنا نظرةُ الشوكاني في باب المعاملات أنه يرى جوازَ فعلِ شيءٍ مالم يَرِدْ نصٌّ بتحريمه، كما ورد في القاعدة الفقهية: "الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدلَّ الدليل على التحريم"[430]. وهذا هو المبدأ الأساسي في المعاملات.

ويؤخذ من هذا أن أي نوع من أنواع المعاملات – وبتعبيرٍ أدقّ المعاملات المالية- أصله الإباحة، بل قد يكون مندوبا أو واجباً إذا تضمَّن عنصر التعاون بين المسلمين. وإذا أردنا تحقيق صلاحية الإسلام لكل مكان وزمان، فلا بد من إعادة النظر والفهم في تراثنا الفقهي الذي تركه لنا الجهابذةُ العلماء السابقون لأجل تطبيقه وتنـزيله في الواقع المعيش الدائم التغيُّر وذلك من خلال الاستفادة من اجتهادات فقهيَّة معاصرة تستمدُّ في القيام بها من الأدلة الشرعية الصَّحيحة، وفي ذلك لسنا في غِنىً عن اجتهاد واختيار الشوكاني الفقهيين – خاصّةً في المعاملات- والَّذَيْنِ فيهما طبيعةُ المرونة المتضمِّنة لميزات: مثل العدالة، والسعة، والنظر المستقبلي، وكل هذا يمكن تطبيقه في أي مكان وفي أي وقت.

        وإذا تقرَّر هذا، فينبغي لصانعي التقنينات والأنظمة فيما يخصّ المعاملات- من ولاة الأمور وأصحاب السلطة - في هذا العصر أن يراعوا في إصدار ذلك جانبَ اليسر والمرونة البعيدين عن الظلم، والضرر، والفوضى، وإفساد حياة المجتمع. وفيما يخصُّ بالأمور المتعلقة بعقد البيع، فإن الحكم أو القانون المطبَّق لا بد أن تكون فيه القدرةُ على منع المفسدين لحركة السوق. بهذا، تتحقَّق مصلحة العامّة وتزول المفسدة منهم في جميع الأمكنة والأوقات.


 

الخاتمة

 

        وفي نهاية هذا البحث الذي حاول إبرازَ الترجيحات الفقهية للإمام الشوكاني ومنهجه فيها من خلال كتابه القيِّم نيل الأوطار – قسم المعاملات-، وبعد دراسة مركَّزة لأهمّية هذه الترجيحات ومدى الاستفادة منها في تجديد الفقه الإسلامي، الاجتهادات المعاصرة وتطبيقها في العصر الحاضر، أفرزت فصول الدراسة نتائجَ كثيرةً، من أهمِّها:

1-     يُعتبر كتابُ (نيل الأوطار) من أهمّ مؤلفات الإمام الشوكاني في فقه الحديث، ويُعَدُّ عملاً علميا موسوعيًّا في الدراسات الفقهية والحديثية، ويمكن أن يوصف بأنه من أجلِّ مؤلفات الإمام الشوكاني وأشهرها، بل لعلّه أكثرها متانةً تُنبئ عن عِظَمِ الجهد المبذول فيه.

2-     تَتَجَلَّى قوّةُ الإمام الشوكاني ومتانته في العلم – في جميع فروعه- في أنه أَقْدَمَ على الاجتهاد المُتَحَرِّر وأبدى آراءه واختياراته الفقهية من خلال مؤلفاته التي حظيت باهتمام الكثير من العلماء. ومن أبرز ذلك ترجيحاتُه الفقهية في كتابه نيل الأوطار الذي يُنْبِئُ عن إلمامه بعلوم الحديث والفقه وأصول الفقه. ومن خلال الدراسة في هذه الترجيحات في قسم المعاملات وجد الباحثُ عدداً غير يسير من اختيارات وترجيحات فقهية تدلُّ على إمامته في هذا الشأن، ورسوخِه في علم الحديث.

3-     للإمام الشوكاني منهج خاصٌّ في ترجيحاته الفقهية سار عليه في جميع أبواب الكتاب (نيل الأوطار). ويقوم ذلك المنهج على أمورٍ، منها: (1) التمسُّك بالدليل الصحيح من الكتاب أو السنة، (2) عدم التقيُّد بالمذاهب الفقهية المعروفة ، (3) عدم أخذ الرواية التي فيها راوٍ تكلّم فيه المحدثون، (4) الاعتبار بالحديث الضعيف الذي ورد من طرق يقوى بعضها بعضاً.

 

4-     يُلاحظ من خلال الاختيارات الفقهية للإمام الشوكاني في نيل الأوطار، أنه أَكْثَرَ من الرجوع إلى آراء وتعليقات الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني خاصّةً في كتابه " فتح الباري شرح صحيح البخاري". وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدلّ على إعجابه بفتح الباري وصاحبه، واتفاقه معه في المنهج الترجيحي في المسائل الفقهية.

 

5-     غلب على منهج الإمام الشوكاني في ترجيحاته مراعاة مبدأ التيسير والسماحة وعدم التعصُّب والتقليد، وعدم التقيُّد بالمذاهب الفقهية.

 

6-     إن النظر المنصف في منهج الإمام الشوكاني في الترجيح وأثر ذلك المنهج في الفقه والاجتهاد، يمكن الخلوص إلى القول بأنه يُعْتَبَرُ من أحد رُوَّاد الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد وأن الاجتهاد أمرٌ ضروري وحاجة ماسّة للأمة الإسلامية لكي تستفيد من تراثها الفقهي. وكتابه المسمَّى بـ" القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد" خير شاهد على هذا الأمر.

 

7-     انطلاقا مما تميَّز به الإمام الشوكاني في ترجيحاته الفقهية وأهمّية ذلك في التجديد، والاجتهاد المعاصر، و التقريب بين المذاهب، من المهمِّ اليوم الاستفادة من هذه الترجيحات ومنهجها من أجل الاجتهاد، وتفعيل التجديد، والتقريب في حياة الأمة الإسلامية تحقيقًا للنهضة وإصلاح أمر المسلمين، والسعي إلى مواكبة العصر الحديث بإيجاد الحلول الإسلامية لمشكلاتها المتغيرة والمتطوِّرة من وقت إلى أخر.

 

8-     ثَمَّةَ ترجيحاتٌ شوكانيّة ينبغي الاستفادة منها في هذا العصر، ومن أهمِّها ترجيحه في أحكام المعاملات التي سبقت الدراسة عنها. ومن تلك الأحكام ما يشمل مجالات البيع؛ مثل بيع العينة، والخيار في البيع، والتلفّظ بالتراضي،  والقياس على الأجناس المذكورة في أحاديث الربا، وفي مجالات الاحتكار وغيرها.

 

هذه بعض النتائج التي توصّل إليها الباحثُ ، ولا يدَّعي -والعياذ بالله – في ذلك الكمال أو الإيفاء، ولكن حسبه أن يكون قد سلَّط شيئاً من الضوء على منهج الإمام وأهمية ترجيحاته في الفقه والتجديد والتقريب من خلال كتابه "نيل الأوطار"، والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به كاتِبَه وجميعَ المسلمين، إنه ولي ذلك القادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

* * *


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثبت المراجع


 

المراجع

 

القرآن الكريم

إبراهيم أنيس وأصحابه. المعجم الوسيط. استنبول: المكتبة الإسلامية، دون تاريخ النشر.

إبراهيم، إبراهيم هلال. الإمام الشوكاني والاجتهاد والتقليد. القاهرة: دار النهضة العربية، 1979.

ابن العماد، أبو الفلاح عبد الحي الحنبلي. سذرات الذهب في أخبار من ذهب. بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت، 5/21).

ابن القيم، محمد بن أبي بكر. إعلام الموقعين. بيروت، دار الجيل، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، 1973هـ.

ابن النجار، محمد بن أحمد. شرح الكوكب المنير. تحقيق: الدكتور محمد الزحلي والدكتور نزيه حماد. الرياض: مكتبة العبيكان، 1413هـ/1993م.

ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم.  شرح العمدة في الفقه. تحقيق: د. صالح العطيشان. الرياض: دار العبيكان، ط1، 1413هـ.

ابن جزي، محمد بن أحمد الغرناطي. القوانين الفقهية. بيروت: عالم الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، د.ط.

ابن حجر العسقلاني، أبو الفضل أحمد بن علي (773هـ-852هـ). "كتاب الإصابة في تمييز الصحابة"، بيروت: دار الفكر، 1398هـ/1978م.

ابن حجر، أبو الفضل أحمد بن علي. فتح الباري شرح صحيح البخاري. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب. بيروت: دار المعرفة، 1379هـ.

ابن حزم، علي بن أحمد الظاهري، المحلى، بيروت، دار الآفاق الجديدة، تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي. د.ت.

ابن حنبل، أبو عبد الله أحمد. مسند الإمام أحمد بن حنبل. بيروت: دار الفكر، د.ت.

ابن حنبل، أحمد. مسند الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ). بيروت: دار إحياء التراث العربي،1991م.

ابن دقيق، أبو الفتح تقي الدين، الإحكام شرح عمدة الأحكام، بيروت، دار الكتب العلمية. د.ت.

ابن عبد البر، أبو عمر النمري، التمهيد، المغرب، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1387هـ.

ابن قدامة، عبد الله بن أحمد المقدسي. المغني. بيروت: دار الفكر، ط1، 1405هـ.

_____ الكافي. بيروت، المكتب الإسلامي، تحقيق: زهير شاويش، ط5، 1408هـ/1988م.

ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد. سنن ابن ماجة (ت 275هـ). بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1975م.

ابن مفلح، أبو إسحاق إبراهيم بن محمد. المبدع. بيروت: المكتب الإسلامي، سنة النشر: 1400 هـ.

ابن مفلح، أبو عبد الله محمد المقدسي. الفروع. تحقيق: أبو الزهراء حازم القاضي. بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1418هـ.

ابن منظور، جمال الدين بن مكرم. لسان العرب. بيروت: دار صادر، 1419هـ/ 1999م.

ابن نجيم، زين العابدين بن إبراهيم. الأشباه والنظائر. تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل. القاهرة: مؤسسة الحلبي، القاهرة 1387هـ/1968م.

_____  البحر الرائق شرح كنـز الدقائق. بيروت: دار المعرفة، د.ت.

أبو زهرة، محمد. تاريخ المذاهب الإسلامية. بيروت: دار الفكر العربي.

آل مبارك، فيصل عبد العزيز. بستان الأخبار مختصر نيل الأوطار. القاهرة: المطبعة السلفية، 1374م.

الآمدي، سيف الدين. الإحكام في أصول الأحكام. ضبطه الشيخ إبراهيم العجوز،ط1، بيروت: دار الكتب العلمية، 1405هـ/1995م.

أمين، محمد. حاشية بن عابدين. بيروت: دار الفكر، الطبعة الثانية، سنــة النشر: 1368 هـ.

باروت، الدكتور محمد جمال. الاجتهاد، النص، الواقع والمصلحة. بيروت: دار الفكر المعاصر، ط1، 1420هـ/2000م.

الباني، محمد سعيد. عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق. بيروت: المكتب الإسلامي، 1410هـ/1981م.

البخاري، الإمام محمد بن إسماعلي. صحيح البخاري (ت 256هـ). بيروت: دار القلم، سنة النشر: 1987م.

البرزنجي ، التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية. بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1413هـ/1993م: 1/80

بسطامي، محمد سعيد. مفهوم تجديد الدين. الكويت: طبعة دار الدعوة، ط1، عام 1984م.

البهوتي، منصور بن يونس. الروض المربع. الرياض: مكتبة الرياض الحديثة، سنة النشر: 1390 هـ.

_____ كشاف القناع عن متن الإقناع، بيروت، دار الفكر، 1402هـ.

بو كروشة، حليمة. معالم تجديد المنهج الفقهي – أنموذج الإمام الشوكاني. كوالا لمبور: دار التجديد للطباعة والنشر والترجمة، 1423هـ/2002م.

الترمذي، أبو عيسى محمد بن سورة. سنن الترمذي (ت 297هـ). بيروت: دار الفكر. سنة النشر: 1983م.

التفتازاني، سعد الدين. شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه. بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت.

الجزيري، عبد الرحمن. الفقه على المذاهب الأربعة. بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط7، 1406هـ/1986م.

الجوهري، إسماعيل بن حماد. الصحاح. مصر: دار الكتاب العربي. دون تاريخ النشر.

حاجي خليفة، مصطفى عبد الله. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون. بيروت: دار الكتب العلمية، 1413هـ/1992م.

الحسني، محمد بن محمد بن يحيى. نيل الوطر من تراجم رجال اليمن في القرن الثالث عشر من هجرة سيد البشر صلى الله عليه وسلم. تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، علي محمد محمد معوض. بيروت: دار الكتب العلمية، 1419هـ/1998م.

الحصكفي. الدر المختار. بيروت: دار الفكر،  الطبعة الثانية، عام 1386هـ.

الحفناوي، محمد إبراهيم. التعارض والترجيح عند الأصوليين وأثرهما في الفقه الإسلامي. القاهرة: دار الوفاء، ط2، 1408هـ/1989م.

الخطيب، عبد الكريم. سد باب الاجتهاد وما ترتب عليه. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1405هـ/1984م.

الدارقطني، علي بن محمد. سنن الدارقطني. تحقيق السيد عبد الله هاشم يماني المدني. القاهرة: دار المحاسن للطباعة، 1386هـ/1966م.

الذهبي، محمد بن أحمد.سير أعلام النبلاء. تحقيق: شعيب الأرناؤوط ومحمد نعيم العرقوسي، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط9، 1413هـ.

الرازي، محمد بن أبي بكر. مختار الصحاح. بيروت: مكتبة لبنان، 1988.

الرازي، محمد بن عمر بن الحسين. المحصول في علم الأصول. تحقيق: د.طه جابر فياض العلواني، ط2، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1412هـ/1992م.

الرزقاني، محمد بن عبد الباقي. شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك. بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1411هـ.

الزحيلي، وهبة. الفقه الإسلامي وأدلته. بيروت: دار الفكر، ط3، 1409هـ/1996م.

الزركلي، خير الدين. الأعلام-قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين. بيروت: دار العلم للملايين، ط14، فبراير 1999م.

سابق، السيد. فقه السنة. المطبعة النموذجية، د.ت.

سانو، الدكتور قطب مصطفى. أدوات النظر الاجتهادي المنشود. بيروت: دار الفكر المعاصر، ط1، 1421هـ/ 2000م.

السيواسي، محمد بن عبد الواحد. شرع فتح القدير. بيروت: دار الفكر،  الطعبة الثانية.

السيوطي. الأشباه والنظائر. بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1403هـ.

الشاطبي، أبو إسحاق. الموافقات. تعليق عبد الله دراز، وضع تراجمه محمد عبد الله دراز، وخرج آياته وفهرس موضوعاته عبد السلام عبد الشافي محمد. بيروت: دار الكتب العلمية، د.ط، د.ت.

الشراجي، عبد الغني قاسم. الإمام الشوكاني: حياته وفكره. بيروت: مؤسسة الرسالة، ط1، 1988م.

الشرخسي، محمد بن أبي سهل. المبسوط. بيروت: دار المعرفة، سنة النشر: 1406هـ.

الشوكاني، محمد بن علي. القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد. الكويت: طبعة دار القلم، ط1، 1403هـ/ 1983م.

_____ أدب الطلب ومنتهى الأرب، القاهرة، مكتبة القرآن. دون تاريخ النشر.

_____  إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول. بيروت: دار الفكر، عام: 1412هـ/ 1992م.

_____ البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن الرابع. تحقيق: د.حسين بن عبد الله العمري. الطبعة الأولى. بيروت: دار الفكر، عام: 1419هـ/1998م.

_____ التحف في مذاهب السلف. السعودية: مكتبة ابن الجوزي، دون تاريخ النشر.

_____ الدراري المضية شرح الدرر البهية. بيروت: دار الجيل، 1407هـ/ 1987م.

_____ نيل الأوطار رح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار. بيروت: دار الفكر، بدون سنة الطبع.

_____ السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار. الطبعة الأولى، بيروت:دار الكتب العلمية، 1985.

_____ فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير. ط1، المنصورة، دار الوفاء، 1994م.

باروت، الدكتور محمد جمال. الاجتهاد، النص، الواقع والمصلحة. بيروت: دار الفكر المعاصر، ط1، 1420هـ/2000م.

الشيرازي، إبراهيم بن علي بن يوسف. المهذب. بيروت: دار الفكر. د.ت.

الطوفي. شرح مختصر الروضة. تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط1، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1410هـ/1990م.

عادل، علي محمد. الإمام الشوكاني: سيرته وفكره. القاهرة: مطبعة رياض الصالحين، 1994م.

عبد الباقي، ربيع أبو بكر. فهارس نيل الأوطار. بيروت: دار الجيل، ط1، 1412هـ/1992م.

العبدري، محمد بن يوسف. التاج والإكليل. بيروت، دار الفكر،  ط2، 1398هـ.

العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر. فتح الباري شرح صحيح البخاري. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت: دار المعرفة، 1379هـ.

العظيم آبادي، محمد شمس الحق. عون المعبود شرح سنن أبي داود. بيروت: دار الكتب العلمية، ط2، 1415هـ.

العمري، حسين بن عبد الله. الإمام الشوكاني: رائد عصره، دراسة في فقهه وفكره. الطبعة الأولى. بيروت: دار الفكر، عام: 1411هـ/1990م.

_____ الإمام الشوكاني مفسرا. جدة: المملكة العربية السعودية: دار الشروق، 1401هـ/1981م.

_____ ديوان الشوكاني "أسلاك الجوهر"، ط2، بيروت: دار الفكر، 1406هـ/1986م.

_____ المؤرخون اليمنيون في العصر الحديث: بحث في التاريخ والمؤخين. بيروت: دار الفكر، 1409هـ/1988م.

الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. المستصفى من علم الأصول. بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1413هـ.

_____ الوسيط. تحقيق: أحمد محمد إبراهيم ومحمد تامر، القاهرة: دار السلام، ط1، 1417هـ

القرضاوي، الدكتور يوسف. الاجتهاد في الشريعة الإسلامية. الكويت: دار العلم، ط1، 1406هـ/1985م.

القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر. الجامع لأحكام القرآن. القاهرة: دار الشعب، تحقيق: أحمد عبد العليم البردوني، الطبعة الثانية، 1373هـ.

القرطبي، محمد بن أحمد بن رشد. بداية المجتهد ونهاية المقتصد. بيروت: دار الفكر. د.ت.

الكاساني، علاء الدين. دائع الصنائع في ترتيب الشرائع. بيروت: دار الكتاب العربي، ط2، 1982م.

كحالة، عمر رضا. معجم المؤلفين: تراجم مصنفي الكتب العربية. بيروت: دار إحياء التراث العربي.

مالك، الإمام ابن أنس. المدونة الكبرى. بيروت: دار صادر.

المباركفوري، محمد بن عبد الرحمن. تحفة الأحوذي شرح صحيح الترمذي. بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت.

محمد بن أحمد، شرح الكوكب المنير. تحقيق: الدكتور محمد الزحيلي والدكتور نزيه حماد، الرياض: مكتبة العبيكان، 1413هـ/1993م

المرداوي، أبو الحسن علي بن سليمان. الإنصاف. تحقيق: محمد حامد الفقي، بيروت: دار إحياء التراث العربي.

مسلم، ابن الحجاج. صحيح مسلم. تحقيق: فؤاد عبد الباقي، ط1، القاهرة: دار الحديث،412هـ/1991.

المقدسي، ابن قدامة، أبو محمد. المغني. تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي وعبد الفتاح محمد الحلو. القاهرة: هجر، ط1، 1408هـ/1988م.

_____ روضة الناظر وجنة المناظر. تقديم الدكتور شعبان محمد إسماعيل. بيروت: مؤسسة الريان، ط1، 1419هـ/1998م.

_____ الكافي في فقه أحمد بن حنبل. تحقيق: زهير الشاويش. بيروت: المكتب الإسلاميي، ط5، 1408هـ/1988م.

النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي. سنن النسائي (303هـ). ترتيب وإعداد عبد الفتاح أبو غدة. بيروت: دار البشائر الإسلامية، ط3، 1409هـ/1988م.

النفراوي، أحمد بن غنيم المالكي. الفواكه الدواني. بيروت: دار الفكر، 1415هـ.

النووي، يحيى بن شرف. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج. بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط2، 1392هـ.

النووي، يحيى بن شرف. روضة الطالبين وعمدة المفتين. بيروت: المكتب الإسلامي، ط2، 1405هـ.

_____، المجموع شرح المهذب. تحقيق: محمود مطرحي. بيروت: دار الفكر، ط1، 1417هـ/1996م.

النيسابوري، مسلم بن الحجاج. صحيح مسلم (ت 291هـ). بيروت: دار إحياء التراث العربي، سنة النشر: 1972م.

يحيى، محمد. نيل الوطر من تراجم رجال اليمن في القرن الثالث عشر من هجرة سيد البشر r. تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض. بيروت: دار الكتب العلمية، 1419هـ/1998م.

مجلة بحوث السنة النبوية والسيرة، العدد الثاني، قطر: 1407هـ/ 1987م.

 

Wildan, Ahmad Dadan. Sejarah Perjuangan PERSIS. Bandung: Gema Insani Press, 1995.

Hamidi, Muamal, Umar Fannani, Imran A.M. Terjemah Nayl al-Awtar. Surabaya: Percetakan Bina Ilmu.

 


 

[1] العمري، د. حسين عبد الله. الإمام الشوكاني رائد عصره، دراسة في فقهه وفكره. بيروت: دار الفكر، عام: 1990م.

[2]  العمري، نيل الوطر من تراجم رجال اليمن في القرن الثالث عشر من هجرة سيد البشر صلى الله عليه وسلم، تأليف محمد بن محمد بن يحيى الحسني. تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، علي محمد معوض. بيروت: دار الكتب العلمية، عام: 1419هـ/1998م.

[3]  العمري، المؤرخون اليمنيون في العصر الحديث: بحث في التاريخ والمؤرخين. بيروت: دار الفكر، عام: 1409هـ/1988م.

[4]  الشوكاني، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع. بيروت: دار الفكر، ط1، 1419/1998،ص: 732.

[5]  المصدر السابق، ص: 480.

[6]  العسقلاني، ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب، بيروت: دار المعرفة، عام: 1379هـ.

[7]  الزحيلي، الدكتور وهبة. الفقه الإسلامي وأدلته. بيروت: دار الفكر، ط2، عام: 1409هـ/1989م.

[8]  الجزيري، عبد الرحمن. الفقه على المذاهب الأربعة. بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط7، 1406هـ/1986م.

[9]  المقدسي، ابن قدامة. روضة الناظر وجنة المناظر. تقديم الدكتور شعبان محمد إسماعيل. بيروت: مؤسسة الريان، الطبعة الأولى، عام: 1419هـ/1998م.

[10]  المقدسي، ابن قدامة. روضة الناظر وجنة المناظر. ج2، ص: 389-401.

[11] ابن النجار، محمد بن أحمد. شرح الكوكب المنير. الرياض: مكتبة العبيكان. تحقيق: الدكتور محمد الزحيلي والدكتور نزيه حماد. عام: 1413هـ/1993م.

[12] البغدادي، أبو الفداء علي بن عقيل. كتاب الجدل على طريقة الفقهاء. طبع مكتبة الثقافة الدينية، ص: 20-27.

[13] الحفناوي، محمد إبراهيم. التعارض والترجيح عند الأصوليين وأثرهما في الفقه الإسلامي. القاهرة: دار الوفاء. الطبعة الثانية، عام: 1408هـ/1989م.     

[14]  بوكروشة، حليمة. معالم تجديد المنهج الفقهي أنموذج الشوكاني. كوالالمبور: ، طبعة دار التجديد للطباعة والنشر والترجمة، الطبعة الثانية، عام 1423هـ/2002م    

[15] لقد ترجم علماءُ كثيرون الإمامَ الشوكاني وذكروا سيرته وحياته مفصّلاً في كتبهم، كما ذكر الإمام ترجمة نفسِه في كتابه المسمى "البدر الطالع" عندما ذكر ترجمة والده. انظر ترجمته في: مقدمة كتابه فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من التفسير، ونيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، والبدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، ص: 732. وانظر أيضا: فهر الفهارس: 2/1082، معجم المؤلفين: 11/53، معجم المطبوعات: 2/1160، الأعلام للزركلي: 6/297، نيل الوطر من تراجم رجال اليمن في القرن الثالث عشر من هجرة سيد البشر rلمحمد بن يحيى الحسيني:2/344.

[16] هي قرية من قرى السحامية إحدى قبائل خولان، بينها وبين صنعاء دون مسافة يوم (انظر: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع للإمام الشوكاني، ص 732)

[17] الحسني، محمد بن يحيى. نيل الوطر من تراجم رجال اليمن في القرن الثالث عشر من هجرة سيد البشر r. تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1419هـ/1998م، 2/350.

[18] الشوكاني. البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن التاسع. تحقيق: حسين بن عبد الله العمري، دمشق: دار الفكر، 1419هـ/1998م، ص 81.

[19] المصدر السابق: 1/197، 201، 377، 457، 543.

[20] الشوكاني، مقدمة تفسير "فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير" ، بيروت: دار الفكر، 1/13.

[21] عُرِف المذهبُ الزيديُّ بتفتُّحِهِ في العقائد على مذهب المعتزلة وفي الفروع على مذهب أهل السنة (انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية. لمحمد أبو زهرة، بيروت: دار الفكر العربي، 2/495). وتميّز هذا المذهبُ عن باقي المذاهب بخاصية جوهرية وهي فتح باب الاجتهاد وعدم المناداة بغلقه، بل جعل الاجتهاد شرطا لمن يؤهل نفسه لمنصب الإمامة الزيدية. (انظر: مائة عام من تاريخ اليمن الحديث، لحسين عبد الله العمري، ص: 17، ومحمد أبو زهرة، المرجع السابق: 2/496، 500).

[22] الشوكاني، فتح القدير: 1/13

[23] المصدر السابق:1/13.

[24] هو العلامة، الفقيه، المجتهد، الحافظ، اللغوي، إمام عصره، شيخ الحنابلة، مجد الدين عبد السلام بن عبد الله، الحراني، المعروف بابن تيمية، توفي عام 652هـ/ 1254م، وهو جَدُّ العالم، المجتهد الإمام الحنبلي، المشهور بشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني (728هـ/1327م)، أستاذ العلامة الفقيه ابن القيم الجوزية (ت 751هـ/1350م). انظر: (العمري، حسين بن عبد الله، الإمام الشوكاني رائد عصره، دراسة في فقهه وفكره،  بيروت: دار الفكر، ط1، 1411هـ/1990م، ص: 331.

[25] انظر تفصيل ذلك في مقدمة نيل الأوطار للإمام الشوكاني، ج1، ص 31، وانظر أيضًا: العمري، حسين بن عبد الله، الإمام الشوكاني رائد عصره، دراسة في فقهه وفكره، ص: 333.

[26] واسم الكتاب الكامل هو: "البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع". يعتبر هذا الكتاب موسوعةً وكتاب تراجم العلماء الذين عاشوا بعد القرن السابع الهجري إلى عصر الإمام الشوكاني. ذكر الشوكاني فيه ترجمة نفسه مفصَّلا أثناء ذكره لترجمة والده. انظر الكتاب نفسه ص: 732.

[27] المصدر السابق، ص: 197، والعمري، حسين بن عبد الله، الإمام الشوكاني رائد عصره، دراسة في فقهه وفكره، ص: 333.

[28] الشوكاني، البدر الطالع: 1/197.

[29] الشوكاني، مقدمة كتاب (نيل الأوطار): 1/2

[30] الشوكاني، مقدمة كتاب (نيل الأوطار): 1/2

[31] القنوجي، صديق بن حسن (1248هـ-1307هـ)، أبجد العلوم، بيروت، دار الكتب العلمية، 1978م، تحقيق: عبد الجبار زكار، ج3/ ص 202.

[32] ابن بدران، عبد القادر الدمشقي، المدخل، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط2، 1401هـ، تحقيق: د.عبد الله بن عبد المحسن التركي، ج3/ ص 202.

[33] العمري، الإمام الشوكاني رائد عصره، ص 337

[34]  مقدمة تحقيق نيل الأوطار للإمام الشوكاني، دار الحديث، دون تاريخ الطبع.

[35] العظيم الآبادي، أبو الطيب شمس الحق، عون المعبود شرح سنن أبي داود، بيروت، دار الكتب العلمية، ط2، 1415هـ، ج2/ص 340.

[36] العظيم الآبادي، أبو الطيب شمس الحق، عون المعبود شرح سنن أبي داود، بيروت، دار الكتب العلمية، ط2، 1415هـ، ج2/ص 340.

[37] المباركفوري، محمد عبد الرحمن، تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، بيروت، دار الكتب العلمية، د.ط: ج7/ص 427.

[38] المصدر السابق: ج1/ص 42.

[39] انظر للتفصيل: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، لأبي الفتح تقي الدين المشهور بابن دقيق العيد (ت702هـ)، بيروت، دار الكتب العلمية، د.ت : 1/2.

[40] مناهج كلية الحديث، مطبعة الجامعة الإسلامية – المدينة المنورة، 1419هـ/ 1999م.

[41] من هذه المؤسسات : الاتّحاد الإسلامي ((PERSIS. لها مركزان، يقع أحدهما في مدنية بانجيل بجاوى الشرقية، بينما يقع الآخر في مدينة باندونج جاوى الغربية. ومن رسالتها: تجديد الدين بإحياء السنة والشريعة الإسلامية. انظر: ولدان، أحمد دادن، Sejarah Perjuangan PERSIS (تاريخ مقاومة الاتّحاد الإسلامي)، باندونج، مطبعة جيما إنساني، 1995م.

[42] إصدار مطبعة رياض الصائحين، القاهرة، 1994م.

[43] مجلة مركز بحوث السنة النبوية والسيرة، العدد الثاني/قطر 1407هـ/1987م.

[44] وقد تمت ترجمة هذا المختصر إلى اللغة الإندونيسية على أيدي بعض الباحثين بـ" الاتحاد الإسلامي" وهم: معمل حميدي، عمران أ.م، وعمر فناني. (انظر هذه الترجمة بعنوان: Terjemah Nayl al-Awtar، سورابايا: مطبعة بينا علمو، د.ت.)

[45] عبد الباقي، ربيع أبو بكر، فهارس نيل الأوطار، بيروت، دار الجيل، ط1، 1412هـ/1992م.

[46] العمري، حسين بن عبد الله، الإمام الشوكاني رائد عصره، دراسة في فقهه وفكره، ص 334. (وسوف ينقل الباحث هذه الأمور باختصار مع ذكر بيان المنهج والتمثيل لذلك).

[47] انظر – على سبيل المثال- ما ذكره الشوكاني في التعليق على حديث النهي عن بيع العينة، حيث قال: ".. الحديث أخرجه أيضا الطبراني وابن القطان وصححه، قال الحافظ في بلوغ المرام: ورجاله ثقات، وقال في التلخيص: وعندي أن إسناد الحديث الذي صححه ابن القطان معلولٌ لأنه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحا، لأن الأعمش مدلس ولم يذكر سماعه من عطاء..". نيل الأوطار: 5/229.

[48] ونصّ الحديث: (عن أنس قال غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: يا رسول الله لو سعرت، فقال: إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعِّر وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل، ولا يطلبني أحد بمظلمةٍ ظلمتها إياه في دم ولا مال). رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي. انظر: نيل الأوطار، 5/245

[49] الشوكاني، نيل الأوطار، باب النهي عن التسعير حديث رقم:2279،  5/245.

[50] المصدر السابق، باب الرخصة في بيع العرايا:  5/222.

[51] ونص الحديث كاملاً: " لا يغلق الرهن، الرهن لمن رهنه، له غنمه وعليه غرمه"، انظر: نيل الأوطار، كتاب الرهن، حديث رقم 2302،  5/222.

[52] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/264.

[53] رواه الدارقطني في سننه، حديث رقم: 189، ج3، ص 46، دار المعرفة، بيروت، 1386هـ/1966م.

[54] الشوكاني، نيل الأوطار، كتاب السلم، حديث رقم 2289: 5/254.

[55] المصدر السابق: 5/255.

[56] الشوكاني، البدر الطالبع: 1/360

[57] يختلف عددُ أجزاء الكتاب من دار نشرٍ إلى أخرى حيث يتراوح عدد أجزائه من أربعة إلى عشرة أجزاء. واعتمد الباحث على طبعة دار الخير للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، الطبعة الثانية 1418هـ/1998م، وعدد أجزائه 6 أجزاء. والطبعة الأخرى طبعة مكتبة الكليات الأزهرية، بالقاهرة (1398هـ/1978م)، تحقيق طه عبد الرؤوف ومصطفى محمد الهواري، وعدد أجزائه عشرة، وطبعة دار الجيل، بيروت، 1973م وعدد أجزائه تسعة أجزاء. وهناك طبعات أخرى لا داعي لذكر جميعها هنا.

[58] الشوكاني، نيل الأوطار، باب النهي عن بيع حاضر لبادٍ: 5/181.

[59] انظر مثلاً في باب النهي عن التسعير، نيل الأوطار: 5/245.

[60] الشوكاني، نيل الأوطار، كتاب الشركة: 5/300.

[61] المصدر السابق، باب ما جاء في المصراة: 5/241.

[62] المصدر السابق، باب إثبات خيار المجلس: 1/18

[63] سيأتي بيان هذا البيع وحكمه مفصَّلا في الفصل الثالث عند ذكر بعض نماذج من ترجيحات الشوكاني.

[64] الشوكاني، نيل الأوطار، باب النهي عن بيع العربون حديث رقم 2181: 5/170، 171

[65] المصدر السابق: 5/171

[66] المصدر السابق: 5/171

[67] المصدر السابق: 5/ 206. وابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، 4/330.

[68] انظر: كلام الإمام الشوكاني مفصَّلا في مقدمة (نيل الأوطار)، المطبعة العثمانية المصرية، ط1، صفر، عام 1357هـ.

[69] الجوهري، إسماعيل بن حماد "الصحاح: تاج اللغة وصحاح العربية"، (باب الحاء فصل الراء): 1/364، وابن منظور، جمال الدين بن مكرم، "لسان العرب" (كتاب الحاء المهملة فصل الراء): 2/445، إبراهيم أنيس وأصحابه "المعجم الوسيط"، استنبول: المكتبة الإسلامية، د.ت، 1/329.

[70] قال ابن عباس t: كان اسمها برّة بنت الحارث بن أبي ضرار، فكان النبي r كره ذلك فسماها جويرية كراهة أن يقال خرج من عند برة، ثم تزوجها في سنة خمس أو ست من الهجرة، وهي من سبايا بني المصطلق، توفيت عام 56هـ (انظر: ابن حجر العسقلاني، أبو الفضل أحمد بن علي (773هـ-852هـ) "كتاب الإصابة في تمييز الصحابة"، بيروت: دار الفكر، 1398هـ/1978م، 4/265-266، رقم 251).

[71] رواه أحمد ومسلم (انظر: "مسند الإمام أحمد بن حنبل" بيروت: دار الفكر، د.ت، 1/258، و "صحيح مسلم" تحقيق: فؤاد عبد الباقي، ط1، القاهرة: دار الحديث، 1412هـ/1991م، 4/2090 كتاب الذكر، باب التسبيح أول النهار...، رقم 79-(2726).

[72] هو مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني الشافعي ( 712هـ- 792هـ/ 1212م-1390م)، ومن مؤلفاته: التلويح إلى كشف غوامض التنقيح. (انظر: الزركلي، خير الدين، "الإعلام"، بيروت: دار العلم للمـلايين، 7/219).

[73] التفتازاني، " شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه"، بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت: 1/103.

[74]  البزدوي، شرح البزدوي، هامش كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري، 4/1198.

[75]  الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ضبطه الشيخ إبراهيم العجو. بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1405هـ/1995م، 4/460.

[76]  الرازي، المحصول في علم الأصول، تحقيق: د.طه جابر فياض العلواني، ط2. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1412هـ/1992م، 5/397.

[77]  التفتازاني، شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه، 1/ 103.

[78]  ابن أمير الحاج، التقرير والتخبير، ط3، بيروت: دار الكتب العلمية، 1403هـ/ 1983، 3/16.

[79]  الآمدي، "الإحكام في أصول الأحكام"، 4/460. ابن النجار، محمد بن أحمد، شرح الكوكب المنير، تحقيق: الدكتور محمد الزحيلي والدكتور نزيه حماد، الرياض: مكتبة العبيكان، 1413هـ/1993م، 4/616.

[80]  الغزالي، أبو حامد.  المستصفى من علم الأصول. مصر: المطبعة الأميرية، ط1، 1324هـ، 2/393.

[81]  الشوكاني، نيل الأوطار، (باب بيعتين في بيعة): 5/170.

[82]  الشوكاني، نيل الأوطار (باب النهي عن بيع العربون): 5/153

[83]  المصدر السابق، باب النهي عن تلقي الركبان: 5/166

[84]  الشوكاني، نيل الأوطار، باب النهي أن يبيع حاضر لباد: 5/165

[85]  المصدر السابق، باب الرخصة في بيع العرايا: 5/202

[86]  المصدر السابق، باب جواز التفاضل والنسيئة في غير المكيل والموزون: 5/204

[87]  المصدر السابق، باب ما جاء في الشبهات: 5/208

[88]  الشوكاني، مقدمة نيل الأوطار: 1/18.

[89]  الشوكاني، نيل الأوطار، (باب ما جاء في المصراة): 5/244.

[90]  الشوكاني، نيل الأوطار، (باب ما جاء في المصراة): 5/197.

[91]  المصدر السابق (باب إثبات خيار المجلس): 5/207.

[92]  المصدر السابق: 6/58.

[93]  المصدر السابق (باب النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه): 5/193.

[94]  الشوكاني، نيل الأوطار (باب النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه): 5/193.

[95]  المصدر السابق، (باب النهي عن بيع العربون): 5/171.

[96]  المصدر السابق: 5/123.

[97] الحصكفي، الدر المختار،: 5/102، السيواسي، محمد بن عبد الواحد، شرح فتح القدير: 6/478، ابن جزي، القوانين الفقهية: 1/171، الدردير، أبو البركات، الشرح الكبير، بيروت، دار الفكر، د.ط، 3/69، المرداوي، الإنصاف: 4/ 334، الشـيرازي، المهذب: 1/290.

[98] السيواسي، محمد بن عبد الواحد، شرح فتح القدير: 6/478، الشوكاني، نيل الأوطار: 5/ 183.

[99] ابن دقيق العيد، شرح عمدة الأحكام: 3/114، الجزيري، عبد الرحمن،  الفقه على المذاهب الأربعة: 3/ 231.

[100] الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: 5/232، الزحيلي، وهبة، الفقه الإسلامي وأدلته: 4/3092.

[101] هو محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله ابن جزي الكلبي، أبو القاسم فقيه من العلماء بالأصول واللغة، من أهل غرناطة، من كتبه: القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية، تقريب الوصول إلى علم الأصول، وغير ذلك. ولد سنة: 693هـ/1294م، وتوفي سنة: 741هـ/1340م. (انظر: الأعلام، لخير الدين الزركلي. بيروت: دار العلم للملايين، ط14 فبراير 1999م. ج5/ص325).

[102] ابن جزي، القوانين الفقهية: 1/171

[103] الدردير، أبو البركات، الشرح الكبير، بيروت، دار الفكر، د.ط، 3/69.

[104] المرداوي، أبو الحسن، الإنصاف: 4/ 334

[105] الشيرازي، أبو إسحاق، المهذب: 1/291

[106] الحصكفي، الدر المختار: 5/102، والسيواسي، محمد بن عبد الواحد، شرح فتح القدير: 6/478.

[107] رواه البخاري في كتاب البيوع، حديث رقم: 1996، والنسائي في كتاب البيوع، حديث رقم: 4416.

[108] رواه الجماعة إلا البخاري (مسلم في صحيحه، كتاب البيوع، حديث رقم: 2799، الترمذي في سننه، كتاب البيوع حديث رقم: 1144، أبو داود في سننه، كتاب البيوع حديث رقم: 2985، ابن ماجه في سننه، كتاب التجارات، حديث رقم: 2167).

[109] متفق عليه (البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، حديث رقم: 2016، مسلم في صحيحه، كتبا البيوع، حديث رقم: 2800).

[110] رواه مسلم في كتاب الإيمان حديث رقم 82، النسائي في كتاب البيعة حديث رقم: 4126، أبو داود في كتاب الأدب، حديث رقم 4293.

[111] الحصكفي، الدر المختار: 5/102، والسيواسي، محمد بن عبد الواحد، شرح فتح القدير: 6/478.. ونقل ذلك الشوكاني في النيل: 5/183.

[112] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/ 183

[113] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/ 183

[114] السجستاني،سنن أبي داود، في باب النهي عن أن يبيع حاضر لبادٍ، حديث رقم 3440.

[115] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/183

[116] الشربيني، الخطيب، مغني المحتاج: 2/39

[117] المقدسي، ابن قدامة، المغني: 4/160

[118] ابن مفلح، المبدع: 4/59

[119] الشوكاني، نيل الأوطار : 5/171، نقلاً عن أبي داود من قول الإمام مالك.

[120] الشربيني، الخطيب، مغني المحتاج: 2/39

[121] المقدسي، ابن قدامة، المغني: 4/160

[122] النووي، محي الدين بن شرف، المجموع شرح المهذب: 9/317، الزرقاني، محمد بن عبد الباقي، شرح الزرقاني: 3/324.

[123] الزرقاني، محمد بن عبد الباقي، شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك: 3/324.

[124] النووي، محي الدين بن شرف،  المجموع شرح المهذب: 9/317.

[125] رواه أبو داود في سننه (كتاب البيوع) حديث رقم 3039، وابن ماجه ففي سننه (كتاب التجارات) حديث رقم 2183، وأحمد في مسنده (في مسند المكثرين من الصحابة) حديث رقم 6436.

[126] البهوتي، الروض المربع: 2/66

[127] أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، باب العربان في البيع، 5/7.

[128] البيهقي، السنن لكبرى: 6/34. ونقله ابن قدامة في كتابه المغني، 4/160

[129] أورد الإمام الشوكاني تخريج هذا الحديث وحكم عليه بالانقطاع بناءً على كون مالك راوي الحديث لم يدرك عمرو بن شعيب، فبينهما راوٍ لم يسمِّ. انظر: نيل الأوطار، 5/170-171.

[130] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/171

[131] يقول السيوطي في ذلك: "..إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف قريب محتمل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن خاتمة من الألفاظ المستعملة عند أهل الحديث في المقبول الجيد والقوي والصالح..." (السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، تدريب الراوي، الرياض، مكتبة الرياض الحديثة، د ط، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، ص1/ ج177).

[132] وقد نقل الرازي عن الكرخى وطائفة من الفقهاء: ".. خبر الحظر راجح، واحتجوا على الترجيح للحظر بالخبر والحكم والمعنى، أما الخبر: فقوله عليه الصلاة والسلام (ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال)...، وقال عليه الصلاة والسلام (دع ما يريبك إلى مالا يريبك) وجواز هذا الفعل يريبه، لأنه بين أن يكون حراما وبين أن يكون مباحا، فما يريبه جواز فعله فيجب تركه، وروى عن عمر رضى الله عنه أنه قال في الأختين المملوكتين "أحلتهما آية وحرمتهما آية والتحريم أولى"، وأما الحكم فإنه مَنْ طلَّق أحد نسائه ونسيها، حرم عليه وطء جميع نسائه وكذلك لو أعتق إحدى إمائه..." (الرازي، محمد بن عمر، المحصول، الرياض، جامعة الإمام محمد بن سعود، تحقيق: طه جابر العلواني، ط1، 1400هـ، ج5/ص 587). وقال الشيرازي في اللمع: ".. والثاني عشر أن يكون أحدهما يقتضي الحظر والآخر الإباحة، ففيه وجهان: أحدهما أنهما سواء، والثاني أن الذي يقتضي الحظر أولى وهو الصحيح لأنه أحوط". (الشيرازي، إبراهيم أبو إسحاق، اللمع في أصول الفقه، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1405هـ/1985م، ج1/ص 86).

[133] النووي، شرح صحيح مسلم بن الحجاج :10/177

[134] الدردير، أبو البركات، الشرح الكبير: 3/176، الزرقاني، محمد بن عبد الباقي، شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك: 3/397.

[135] الغزالي، الوسيط: 3/469، النووي، المجموع شرح المهذب: 2/239.

[136] ابن قدامة، المغني: 4/ 73. ابن مفلح، الفروع : 4/54.

 وقال ابن مفلح: "... بيع الثمرة قبل بدو صلاحها  لمالك الأصل شرط القطع هل يصح أم لا ... أحدهما يصح وهو الصحيح من المذهب، صححه في المستوعب والتلخيص والرعاية الكبرى والحاوي الصغير وغيرهم.."، انظر: الفروع لابن مفلح الحنبلي، 4/54. وقال الغزالي: "... امتناع بيعه إلا بشرط القطع فإن أذن في البيع بشرط القطع جاز..."، انظر: الوسيط للإمام الغزالي، 3/469، وانظر: المجموع شرح المهذب، للنووي: 2/239

[137] الدردير، أبو البركات، الشرح الكبير: 3/176.

[138] الغزالي، أبو حامد، الوسيط: 3/469، النووي، المجموع شرح المهذب: 2/239.

[139] ابن مفلح، الفروع : 4/54.

[140] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/ 193.

[141] رواه البخاري في صحيحه (كتاب البيوع) حديث رقم: 2048، و مسلم في صحيحه (كتاب المساقاة) حديث رقم: 2906.

[142] ابن نجيم، زيد بن إبراهيم. البحر الرائق: 5/325، والكاساني، بدائع الصنائع: 5/139. ومحمد أمين، حاشية ابن عابدين: 4/555.

[143] ابن عابدين، محمد أمين، حاشية ابن عابدين: 4/555.

[144] سورة البقرة : 275

[145] نقله الشوكاني عن أبي ليلى، والثوري. انظر: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار: 5/193.

[146] رواه البخاري في صحيحه (كتاب البيوع) حديث رقم: 2044، وأبو داود في سننه (كتاب البيوع) حديث رقم: 2923.

[147] وهي الأحاديث التي فيها نهي النبي r عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها.

[148] هذا كما ذهب إليه جمهور الأصوليين حيث قالوا إن النهي يقتضي الفساد في البيع والنكاح. وخالفهم الغزالي في المستصفى حيث قال: "...اختلفوا في أن النهي عن البيع والنكاح والتصرفات المفيدة للأحكام هل يقتضي فسادها، فذهب الجماهير إلى أنه يقتضي فسادها، وذهب قوم إلى أنه إن كان نهيا عنه لعينه دل على الفساد وإن كان لغيره فلا، والمختار أنه لا يقتضي الفساد...". (الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد، المستصفى، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1412هـ، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، ج1/ص221)، وانظر أيضا: الشيرازي، أبو إسحاق إبراهيم، اللمع في أصول الفقه، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1405هـ/1985م، ج1/ص25.

[149] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/193

[150] أي الإجماع على أنه يجوز بيع الثمار قبل بدو صلاحها بشرط القطع.

[151] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/193

[152] وهو ابن حجر العسقلاني. يقول في ذلك ما نصُّه: "..وفيه أيضا قطع النـزاع والتخاصم ومقتضاه جواز بيعها بعد بدو الصلاح مطلقا سواء اشترط الإبقاء أم لم يشترط لأن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها وقد جعل النهي ممتدا إلى غاية بدو الصلاح..". انظر: العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري: ج4/ص 396.

[153] الكاساني، بدائع الصنائع: 5/139، محمد بن أبي بكر، البحر الرائق: 5/325، الشوكاني، نيل الأوطار: 5/193-194

[154] الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة: 2/169، السيد سابق، فقه السنة: 12/144

[155] الشيرازي، أبو إسحاق: المهذب: 1/297، السيد البكري، إعانة الطالبين: 3/26

[156] المقدسي، ابن قدامة،  المغني: 4/ 23، البهوتي، الروض المربع: 2/69، العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري: 4/330، 332

[157] ذكر الشوكاني القائلين بهذا القول ما نصه: "..وهم جماعة من الصحابة منهم علي صلوات الله عليه، وأبو برزة الأسلمي، وابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، وغيرهم، ومن التابعين: شريح، والشعبي، وطاوس، وعطاء، وابن أبي مليكة، نقل ذلك عنهم البخاري، ونقل ابن المنذر القول به أيضا عن سعيد بن المسيب، والزهري وابن أبي ذئب من أهل المدينة، وعن الحسن البصري، والأوزاعي، وابن جريج وغيرهم، وبالغ ابن حزم فقال: لا يعرف لهم مخالف من التابعين إلا النخعي وحده...". (الشوكاني، نيل الأوطار: 5/291).

[158] هو إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد الله الشيخ إسحاق الشيرازي شيخ الإسلام علما وعملا وورعا وزهدا وتصنيفا واشتغالا، اشتهر وارتفع ذكره، وكانت الطلبة ترحل من الشرق والغرب إليه والفتاوى تحمل من البر والبحر إلى بين يديه، توفي في سنة ست وسبعين وأربعمائة ودفن بباب أبرز. ومن تصانيفه التنبيه، والمهذب، وله كتاب كبير في الخلاف تذكرة المسؤولين ..." (انظر: طبقات الشافعية، لأبي بكر محمد بن عمر بن قاضي شهبة، 2/238. بيروت: عالم الكتب، ط1، 1407هـ، تحقيق: د. الحافظ عبد العليم خان).

[159] رواه البخاري في صحيحيه (كتاب البيوع) حديث رقم: 1966، والنسائي في سننه (كتاب البيوع) حديث رقم: 4381، وأبو داود في سننه (كتاب البيوع) حديث رقم: 3000

[160] الشيرازي، أبو إسحاق أبراهيم بن علي، المهذب: 1/297

[161] وهو السيد البكري بن السيد محمد شطا الدمياطي أبو بكر.

[162] البكري، السيد أبو بكر، إعانة الطالبين: 3/26. بيروت: دار الفكر، د.ط.

[163] المقدسي، ابن قدامة،  المغني: 4/ 23، البهوتي، الروض المربع: 2/69، العسقلاني، ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري: 4/330، 332

[164] البهوتي، الروض المربع: 2/69

[165] الشوكاني، نيل الأوطار، باب إثبات خيار المجلس، أحاديث رقم: 2233، 2234: 5/204-205.

[166] الكاساني، علاء الدين، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: 5/228

[167] ابن الجزي، محمد بن أحمد، القوانين الفقهية، لابن الجزي الغرناطي: 1/180

[168] هو أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني، ملك العلماء علاء الدين الحنفي مصنف البدائع، الكتاب الجليل، تفقه صاحب البدائع على محمد بن أحمد بن أبي أحمد السمرقندي المنعوت علاء الدين وقرأ عليه معظم تصانيفه مثل التحفة في الفقه وغيرها من كتب الأصول وزوجه شيخه ابنته الفقيهة العالمة..(انظر: طبقات الحنفية، لبعد القادر بن أبي الوفاء القرشي. 1/244. كراتشي: مير محمد كتب خانة، د.ط).

[169] الكاساني، علاء الدين، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: 5/228، ابن عابدين، حاشية بن عابدين:  4/528، والسرخسي، محمد أبو بكر، المبسوط: 13/157.

[170] ابن الجزي، محمد بن أحمد، القوانين الفقهية: 1/180

[171] رواه النسائي في سننه، في كتاب الأقضية، حديث رقم: 3120، والترمذي في سننه، كتاب الأحكام حديث رقم 1272، وابن ماجه في سننه، كتاب الأحكام، حديث رقم: 2344، وأحمد في مسنده، باقي مسند المكثرين، حديث رقم: 8429

[172] مثل الحديث الذي رواه أبو داود في سننه (كتاب البيوع) حديث رقم: 4570 ونصه: " عن عبد الملك بن عبيد قال حضرنا أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود أتاه رجلان تبايعا سلعةً فقال أحدهما أخذتها بكذا وبكذا، وقال هذا بعتها بكذا وكذا فقال أبو عبيدة أتي ابن مسعود في مثل هذا فقال حضرت رسول الله صلى اللهم عليه وسلم أتي بمثل هذا فأمر البائع أن يستحلف ثم يختار المبتاع فإن شاء أخذ وإن شاء ترك".

[173] سورة البقرة: 282

[174] سورة النساء: 29

[175] سورة المائدة: 1

[176] ابن عابدين، محمد أمين، حاشية ابن عابدين: 4/ 528

[177] يقول الشاطبي في ذلك ما نصُّه".. أن الأصوليين اتفقوا على إثبات الترجيح بين الأدلة المتعارضة إذا لم يمكن الجمع، وأنه لا يصح إعمال أحد دليلين متعارضين جزافًا..." (الشاطبي، أبو إسحاق. الموافقات. بيروات: دار المعرفة، تحقيق: عبد الله دراز، ج4/ص 122).

[178] العسقلاني، ابن حجر، فتح الباري: 4/ 330، 331، 332.

[179] نَقَلَ الشوكاني هذا الدليلَ من صاحب الفتح (الحافظ ابن حجر)، ونصُّه كاملا: ".. أن ابن عمر حمله على التفرُّق بالأبدان، وكذلك أبو برزة الأسلمي ولا يُعْرَفُ لهما مخالفٌ من الصحابة..". انظر: فتح الباري، لابن حجر العسقلاني: 4/330.

[180] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/ 206

[181] قال الشوكاني: "على ما ذكره الحافظ"، انظر: نيل الأوطار، 5/206، وونص قول ابن حجر: "..والمشهور الراجح من مذهب العلماء في ذلك أنه موكولٌ إلى العرف، فكل ما عُدَّ في العرف تَفَرُّقًا حكم به وما لا فلا ". انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري ، 4/329.

[182] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/ 206

[183] الغزالي، أبو حامد، الوسيط: 3/122

[184] المقدسي، ابن قدامة، المغني: 4/103

[185] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/ 239

[186] الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة: 3/157

[187] حديثٌ متفق عليه (البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، حديث رقم: 2004، مسلم، في صحيحه، كتاب البيوع، حديث رقم: 2790).

[188] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/239

[189] الشيرازي، أبو إسحاق، المهذب: 1/283، الشيرازي، إبراهيم بن علي، التنبيه: ص 94، الجزيري،  الفقه على المذاهب الأربعة: 3/158.

[190] الشيرازي، أبو إسحاق، المهذب: 1/283

[191] الشيرازي، إبراهيم بن علي، التنبيه: 1/94.

[192] الإمام مالك، المدونة الكبرى:10/286، الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة: 3/158

[193] الإمام مالك،  المدونة الكبرى: 10/286

[194] المقدسي، ابن قدامة، الكافي في فقه أحمد بن حنبل: 5/240، والمغني : 4/105، وانظر أيضا: الفقه على المذاهب الأربعة، للجزيري:3/159.

[195] المقدسي، ابن قدامة، الكافي في فقه أحمد بن حنبل: 5/240

[196] المقدسي، ابن قدامة، المغني: 5/240

[197] العسقلاني، ابن حجر، فتح الباري: 4/ 364

[198] السرخسي، أبو بكر محمد،  المبسوط: 13/38. الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة: 3/159.

[199] هو محمد بن أحمد بن أبي سهل أبو بكر السرخسي، الإمام الكبير شمس الأئمة صاحب المبسوط وغيره، أحد الفحول الأئمة الكبار أصحاب الفنون. كان إماما علاّمة حجّة متكلّما فقيها أصوليا مناظرا، أنظر أهل زمانه وأخذ في التصنيف وناظر الأقران فظهر اسمه وشاع خبره، أملأ المبسوط نحو خمسة عشر مجلّدا وهو في السجن.." (انظر: طبقات الحنفية، لبعد القادر بن أبي الوفاء القرشي. 1/28. كراتشي: مير محمد كتب خانة، د.ط).

[200] السرخسي، أبو بكر محمد، المبسوط: 13/38، 39، 40.

[201] ذكر الشوكاني هذه الأعذار باختصار – نقلاً عن ابن حجر في فتح الباري - وزاد عليها فوائد. انظر: الشوكاني، نيل الأوطار: 5/241

[202] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/ 240

[203] العسقلاني، ابن حجر، فتح الباري: 4/364.

[204] ونصّ الحديث: قال أبُو هُرَيْرَةَ قَالَ إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ فَشَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَالَ مَنْ يَبْسُطْ رِدَاءَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي ثُمَّ يَقْبِضْهُ فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي فَبَسَطْتُ بُرْدَةً كَانَتْ عَلَيَّ فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ (رواه البخاري، في صحيحه (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة) حديث رقم: 2807، ومسلم في صحيحه (كتاب فضائل الصحابة) حديث رقم: 4547).

[205] سورة النحل، آية: 126

[206] ومن أمثلة ذلك أن الشوكاني ذكر –في الجواب على العذر الرابع- تعليقًا على قول ابن حجر: "..ثم لو سلمنا مع عدم العلم بالتاريخ جواز المصير إلى التعارض وعدم لزوم بناء العام على الخاص، لكان حديث الباب أرجح لكونه في الصيحيحين وغيرهما ولتأيده بما ورد في معناه عن غير واحد من الصحابة"، بينما اكتفى صاحب الفتح بقوله" أن حديث المصراة أصح منه باتفاق، فكيف يقدم المرجوح على الراجح ". وكذا توضيح الشوكاني للحديث الذي فيه أن النبي صلى الله دعا لأبي هريرة بالحفظ – ولم يذكره ابن حجر -. (انظر الجواب على العذر الأول)، بينما اقتصر صاحب الفتح على قوله ".. وقد اختصّ أبو هريرة بمزيد من الحفظ لدعاء رسول الله له ". (انظر: فتح الباري، لابن حجر العسقلاني، 4/364).

[207] سورة النمل: 35.  انظر: ابن منظور، لسان العرب: 15/359

[208] الجوهري، مختار الصحاح: 1/288

[209] أخرجه الإمام مالك في الموطأ في كتاب الجامع، حديث رقم: 1413، وتمام الحديث: " قال رسول الله صلى اللهم عليه وسلم: تصافحوا يذهب الغلّ وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء".

[210] المناوي، فيض القدير: 3/271

[211] رواه البخاري في صحيحه (كتاب النكاح) حديث رقم 4780

[212] رواه الإمام أحمد في مسنده (في مسند الشاميين) حديث رقم: 17257.

[213] أخرجه الترمدي في سننه (كتاب الزكاة)،  حديث رقم: 592

[214] أخرجه الإمام أحمد في مسنده ( باقي مسند الأنصار)، حديث رقم: 22591

[215] كما رواه أحمد في مسنده (باقي مسند الأنصار) حديث رقم: 23450، وتمام الحديث: عن عائشة رضي الله عنها قالت: " كان رسول الله صلى اللهم عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها ".

[216] المباركفوي،  تحفة الأحوذي شرح صحيح الترمذي: 3/258

[217] لقد ذكر الشوكاني جملة من هذه الأحاديث. انظر: الشوكاني، نيل الأوطار: 5/399-400

[218] رواه الترمذي في سننه (كتاب السير) حديث رقم: 1501، وأحمد في مسنده (مسند العشرة المبشرين بالجنة) حديث رقم: 709.

[219] أخرجه الترمذي في سننه  (كتاب السير) حديث رقم: 1502، وأخرجه أبو داود في سننه (كتاب الخراج والإمارة والفيء)، حديث رقم:  2657. وأخرجه أحمد في مسنده (مسند الشاميين) حديث رقم: 16835، وتمام الحديث: " عن عياض بن حمار المجاشعي وكانت بينه وبين النبي صلى اللهم عليه وسلم معرفة قبل أن يبعث فلما بعث النبي صلى اللهم عليه وسلم أهدى له هدية قال أحسبها إبلا فأبى أن يقبلها وقال إنا لا نقبل زبد المشركين، قال قلت وما زبد المشركين، قال رفدهم هديتهم".

[220] نقله الشوكاني عن الخطابي. انظر: نيل الأوطار: 5/402

[221] العظيم آبادي، شمس الحق،  عون المعبود شرح سنن أبي داود: 8/215

[222] نقل ذلك ابن حجر في فتح الباري عن الإمام الطبري. (العسقلاني، ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري: 5/231).

[223] العسقلاني، ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري: 5/231، الشوكاني، نيل الأوطار: 5/402، والدراري المضية : 1/346.

[224] انظر ذلك في صحيح البخاري، باب قبول الهدية من المشركين، 2/922، العسقلاني، ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري: 5/231، الشوكاني، نيل الأوطار: 5/402

[225] العسقلاني، ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري: 5/231.

[226] الجوهري، مختار الصحاح :1/136

[227] المصدر السابق: 1/185

[228] ابن منظور، لسان العرب: 15/69

[229] رواه النسائي، في سننه (كتاب النحل)، حديث رقم: 3627، ورواه أبو داود في سننه (كتاب البيوع) حديث رقم: 3077، ورواه أحمد في مسنده (مسند الكوفيين) حديث رقم: 17693.

[230] رواه مسلم في صحيحه (كتاب الهبات) حديث رقم: 3057، ورواه أبو داود في سنهه (كتاب البيوع) حديث رقم: 3078، ورواه أحمد في مسنده (مسند الكوفيين) حديث رقم: 17702.

[231] رواه البخاري، في صحيحه (كتاب الهبة) حديث رقم: 2397، ورواه مسلم في صحيحه (كتاب الهبات) حديث رقم: 3052.

[232] ابن دقيق العيد، تقي الدين أبو الفتح، شرح عمدة الأحكام : 3/215

 [233]المقدسي، ابن قدامة، الكافي في فقه أحمد بن حنبل: 2/466، المغني: 5/389، البهوتي، كشاف القناع: 4/311، الزرقاني، عبد الباقي، شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك: 4/54، ابن عبد البر، التمهيد: 7/225، الشوكاني، نيل الأوطار: 5/404.

[234] ابن عبد البر، التمهيد: 7/225

[235] المقدسي، ابن قدامة، المغني: 5/389

[236] ابن عبد البر، التمهيد: 7/225، والشوكاني، الدراري المضينة: 1/ 347

[237] الزرقاني، عبد الباقي، شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك: 4/54

[238] ابن عبد البر، التمهيد: 7/227

[239] أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (في باب النحل)، انظر: مصنف عبد الرزاق: 9/103.

[240] ابن عبد البر، التمهيد: 7/227

[241] رواه مسلم في صحيحه (كتاب الهبات) حديث رقم: 3059، ورواه أبو داود في سننه (كتاب البيوع) حديث رقم: 3075.

[242] ابن عبد البر،  التمهيد: 7/225.

[243] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/404، 405.

[244] ابن عبد البر، التمهيد: 7/234

[245] المصدر السابق: 7/234

[246] نقله الشوكاني في نيل الأوطار: 5/406

[247] حديث ابن عباس: ((سوّوا بين أولادكم في العطية ولو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء)) رواه البيهقي في سننه الكبرى، حديث رقم 11780: 6/177. وانظر: نيل الأوطار: 5/406.

[248] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/406.

[249] العسقلاني، ابن حجر، فتح الباري لابن حجر: 5/215

[250] المصدر السابق، والشوكاني، نيل الأوطار: 5/406.

[251] ابن منظور، لسان العرب: 9/359، 3/69

[252] المقدسي، ابن قدامة، عمدة الفقه: 1/65

[253] البهوتي، الروض المربع: 2/452

[254] الشربيني، الخطيب، مغني المحتاج: 2/376

[255] زين بن إبراهيم، البحر الرائق: 5/202

[256] العبدري، أبو عبد الله محمد بن يوسف، التاج والإكليل شرح مختصر خليل: 6/18

[257] النفراوي، أحمد بن غنيم المالكي، الفواكه الدواني: 2/150

[258] كما أورده محقِّق كتاب نيل الأوطار، 5/420.

[259] المغربي، محمد بن عبد الرحمن، مواهب الجليل، بيروت، دار الفكر، ط2، 1398هـ: 6/18، لشيرازي، أبو إسحاق إبراهيم بن علي، المهذب: 1/440، ابن مفلح، أبو إسحاق الحنبلي، المبدع لابن مفلح: 5/312.

[260] العبدري، أبو عبد الله محمد بن يوسف، التاج والإكليل شرح مختصر خليل: 6/18.

[261] ابن مفلح، أبو إسحاق الحنبلي، المبدع لابن مفلح: 5/312

[262] الشيرازي، أبو إسحاق إبراهيم بن علي، المهذب: 1/440

[263] ابن مفلح، المبدع: 5/312

[264] العسقلاني، ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري: 5/402، الشوكاني، نيل الأوطار: 5/422.

[265] رواه أحمد بن حنبل في مسنده (مسند المكثرين من الصحابة)، حديث رقم 6171.

[266] رواه مسلم في صحيحه (كتاب الزكاة)، حديث رقم: 1634.

[267] رواه مسلم في صحيحه (كتاب الزكاة)، حديث رقم: 3084، والترمذي في سننه (كتاب الأحكام) حديث رقم: 1297، النسائي في سننه (كتاب الوصايا) حديث رقم: 3591، وأبو داود في سننه كتاب الوصايا، حديث رقم: 2494.

[268] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/423

[269] السرخسي، المبسوط للسرخسي: 12/27.

[270] ابن مفلح، المبدع: 5/312، الشوكاني، نيل الأوطار: 5/422

[271] السرخسي، المبسوط للسرخسي: 12/27.

[272] رواه البيهقي في سننه الكبرى (في باب من قال لا حبس عن فرائض الله) :6/162. قال الهيثمي: "..رواه الطبراني وفيه عيسى بن لهيعة وهو ضعيف"، انظر: مجمع الزوائد، 7/2.

[273] قال ابن عبد البر: "..إلا ان مالكا قد روى عن زياد بن سعد عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب قال: لولا أني ذكرتُ صدقتي لرسول الله r واستأمرته - أو نحو هذا- لرجعتُ عنها، قال مالك: مخافة أن يعمل الناس بذلك فرارًا من الحق ولا يضعونها مواضعه.."، انظر: التمهيد لابن عبد البر، 1/214

[274] الشوكاني، نيل الأوطار: 4/423

[275] العسقلاني، ابن حجر. فتح الباري شرح صحيح البخاري، 5/403.

[276] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/423

[277] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/423

[278] ابن مفلح الحنبلي، المبدع (كتاب الوقف)، 5/312، والشوكاني، نيل الأوطار: 5/422.

[279] الشوكاني، نيل الأوطار : 5/422، و الدراري المضية (كتاب الوقف): 1/343.

[280] هو محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي، أبو عبد الله القرطبي، من كبار المفسرين، صالح متعبد، من أهل قرطبة، رحل إلى الشرق واستقر بمنية ابن خصيب في شمال أسيوط. توفي عام: 671هـ/1273. (انظر: الأعلام، لخير الدين الزركلي. بيروت: دار العلم للملايين، ط14 فبراير 1999م. ج5/ص 322).

[281] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/423

[282] كما سبق ذلك في الجواب على الاستدلال بأثر عمر رضي الله عنه ( ص: 76)

[283] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/423

[284] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/213، الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة: 2/248

[285] الجزيري،  الفقه على المذاهب الأربعة: 2/248

[286] المصدر السابق: 2/249

[287] رواه البخاري في صحيحه (كتاب البيوع) حديث رقم: 2031، ومسلم في صحيحه (كتاب المساقاة) حديث رقم: 2964.

[288] رواه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، حديث رقم 2971، والنسائي في سننه، كتاب البيوع، حديث رقم 4489، ورواه أحمد في مسنده (باقي مسند المكثرين) حديث رقم: 11040.

[289] رواه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، حديث رقم: 2966، وأحمد في مسنده ( باقي مسند المكثرين) حديث رقم: 10639

[290] رواه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، حديث رقم 2973.

[291] رواه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، حديث رقم: 2970، والنسائي في سننه، كتاب البيوع، حديث رقم: 4484، والترمذي في سننه، كتاب البيوع، حديث رقم: 1161.

[292] ابن حزم، علي بن أحمد، المحلى: 8/473-483 في مسألة: " مسألة والربا لا يجوز البيع والسلم إلا ستة أشياء فقط"، والشوكاني، نيل الأوطار: 5/216.

[293] سورة الأعراف، آية: 119.

[294] ابن حزم، علي بن أحمد، المحلى: 8/473

[295] الكاساني، بدائع الصنائع ، 5/183. وانظر: الفقه على المذاهب الأربعة، للجزيري، 2/259.

[296] الكاساني، بدائع الصنائع : 5/183

[297] ابن مفلح الحنبلي، المبدع: 4/128

[298] ابن جزي، القوانين الفقهية: 1/168، والزرقاني، محمد بن عبد الباقي، شرح الزرقاني: 3/362

[299] ابن جزي، القوانين الفقهية: 1/168.

[300] الشيرازي، المهذب: 1/270.

[301] الخطيب، الشربيني، مغني المحتاج: 2/22

[302] سبق تخريجه في صفحة (81) من هذا البحث.

[303] ا الشيرازي، المهذب: 1/270.

[304] الشيرازي، المهذب: 1/270

[305] البهوتي، المبدع: 4/128

[306] الزرقاني، محمد بن عبد الباقي، شرح الزرقاني: 3/362، الشيرازي، المهذب : 1/270، الشوكاني، نيل الأوطار: 5/217.

[307] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/217

[308] رواه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، حديث رقم 1938، والنسائي في سننه، كتاب البيوع، حديث رقم 4480،

[309] رواه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، حديث رقم 2967.

[310] انظر تعليقه ونقده هذا في النيل: 5/217

[311] الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح: 1/195

[312] ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: 13/305

[313] ابن عابدين، حاشية ابن عابدين: 5/273

[314] ابن جزي، القوانين الفقهية: 1/171

[315] النووي، روضة الطالبين: 3/416

[316] المقدسي، ابن قدامة، الكافي في فقه ابن حنبل: 2/25

[317] محمد أمين، حاشية ابن عابدين: 5/273

[318] ابن جزي، القوانين الفقهية : 1/171

[319] المقدسي، ابن قدامة، الكافي في فقه ابن حنبل: 2/25

[320] محمد أمين، حاشية ابن عابدين: 5/273، السيواسي، محمد بن عبد الواحد، شرح الزرقاني: 7/213

[321] المقدسي، ابن قدامة، الكافي في فقه ابن حنبل: 2/25

[322] النووي، المجموع شرح المهذب: 9/248

[323] رواه أبو داود في سننه (كتاب البيوع) حديث رقم: 3003

[324] رواه أحمد في مسنده (مسند المكثرين من الصحابة) حديث رقم: 4593.

[325] قال ابن القيم في ذكر أدلة تحريم الربا: "..الدليل الثامن ما رواه ابن بطة عن الأوزاعي قال، قال رسول الله r: يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع - يعني العينة –"، وهذا وإن كان مرسلاً فهو صالحٌ للاعتضاد به ولا سيما وقد تقدم من المرفوع ما يؤكِّده..". انظر: حاشية ابن القيم لمحمد بن أبي بكر أيوب الزرعي، 9/248.

[326] هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، تلميذ ابن تيمية. ولد عام 691هـ، وتوفي عام 751هـ. (انظر: الزركلي، الأعلام، 6/56).

[327] رواه البخاري في صحيحه (كتاب بدء الوحي) حديث رقم:1، وأبو داود في سننه (كتاب الطلاق) حديث رقم: 1882، وابن ماجه في سننه (كتاب الزهد) حديث رقم: 4217.

[328] ابن القيم الجوزية، إعلام الموقعين: 3/225، الشوكاني، نيل الأوطار: 5/230، 231.

[329] رواه الترمذي في سننه (في كتاب البيوع)، حديث رقم 1155.

[330] انظر: كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه، تحقيق: عبد الرحمن بن القاسم النجدي: 29/432. والقرطبي، يوسف بن عبد الله، الكافي: 1/325.

[331] النووي، المجموع شرح المهذب: 9/248

[332] كما نقله الشوكاني وذكره ضمن استدلال المُجِيْزِيْنَ لبيع العينة. انظر: نيل الأوطار، 5/231

[333] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/231

[334] المصدر السابق: 5/231.

[335] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/231.

[336] وهذه الرواية هي: " عن ابن إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة، فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم، فقالت: يا أم المؤمنين إني بعتُ غلامًا من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئةً وإني ابتعته منه بستمائة نقدًا، فقالت لها عائشة: بئس ما اشتريت وبئس ما شريت إن جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد بطل إلا أن يتوب". (رواه الدارقطني في سننه، حديث رقم: 212، ج 3/ ص52).

[337] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/229

[338] اختلف العلماء في حكم دلالة الاقتران على قولين: (القول الأول) ذهب الجمهور إلى إنكار دليل الاقتران وأنه ضعيف. ودليلهم: أن الاقتران في النظم لا يستلزم الاقتران في الحكم. (القول الثاني) قال بعض أهل العلم كأبي يوسف، والمزني، والباجي باعتبار دليل الاقتران. ودليلهم: أن العطف يقتضي المشاركة. وقد أجاب الجمهور على هذا الدليل وردوه، حيث قالوا: "إن الشركة إنما تكون في المتعاطفات الناقصة المحتاجة إلى ما تتمّ به فإذا تمت بنفسها فلا مشاركة... الخ". (انظر هذا الخلاف مفصَّلاً في إرشاد الفحول للإمام الشوكاني: 1/413-414). قال ابن عبد البر: " الاقتران ليس بحجة عندنا كما نص عليه القاضي أبو الطيب وغيره، ومعناه أن يرد لفظ لمعنى ويقترن به لفظ آخر يحتمل ذلك المعنى وغيره فلا يكون اقترانه بذلك دالا على أن المراد به هو الذي أريد بصاحبه..". (التمهيد: 1/273)، وقال الزرقاني – تعليقًا على الاستدلال بدليل الاقتران في مسألة لزوم العمرة لاقترانها بالحج - : "... فهو استدلال ضعيفٌ لضعف دلالة الاقتران". (شرح الزرقاني: 2/362).

[339] الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، 4/237، الغزالي، أبو حامد، المستصفى، 1/368، الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، 1/446.

[340] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2/ ص 222، 213 ، مطبعة دار الكتب المصرية، الطبعة الثانية، 1373/1754، الشوكاني، الفول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد، طبعة دار القلم، الكويت ط2، 1413هـ/1983م، ص: 14، 15.

[341]  ويعرَّف أيضا بأنه: استفراغ الوسع وبذل المجهود في طلب الحكم الشرعي عقليا كان أو نقليا، قطعيا كان أو ظنيا، على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد عليه. ( انظر تعريف الاجتهاد مع قيوده وشرحه: الغزالي، المستصفى: 2/350، ابن قدامة، روضة الناظر: 190، الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام: 4/162)

[342] باروت، محمد جمال،  الاجتهاد، النص، الواقع والمصلحة،  بيروت، دار الفكر المعاصر، ط1، 1420هـ/2000م، ص: 75

[343] انظر: الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، للدكتور يوسف القرضاوي، الكويت، دار العلم، ط1، 1406هـ/1985م،ص: 102.

[344] سورة البقرة، آية: 185

[345] الخطيب، عبد الكريم، سد باب الاجتهاد وما ترتب عليه، مؤسسة الرسالة، 1405هـ/1984م، ص: 142

[346] انظر التعريف الموجز لهذا المذهب في صفحة: (16) من هذا البحث.

[347] أبو زهرة، محمد، تاريخ المذاهب الإسلامية: 2/495.

[348] الشوكاني، البدر الطالع: 1/234.

[349] الشوكاني، القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد، ص25-26.

[350] التخريج: هو تطبيق العلل المستنبطة من الأحكام التي قرّرها الأئمة المجتهدون على الأفعال الجزئية الحادثة دون حاجة إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة. (الأيوبي، محمد هشام، الاجتهاد ومقتضيات العصر: 133).

[351] الدسوقي، محمد، الاجتهاد والتقليد في الشريعة الإسلامية، ص182.

[352] قاسم غالب وآخرون، من أعلام اليمن، ص: 109، نقلا عن عادل محمد علي، الإمام الشوكاني سيرته وفكره، ج1/ ص68.

[353] الشوكاني، البدر الطالع: 2/134.

[354] المصدر السابق، 2/233.

[355] الشراجي، عبد الغني قاسم، الإمام الشوكاني: حياته وفكره، ص 140

[356] الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، ص: 254.

[357] انظر صفحة (99) من هذا البحث.

[358] القرضاوي، يوسف. الاجتهاد في الشريعة الإسلامية. ص 114-138.

[359] القرضاوي، يوسف، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، ص 114-138.

[360] نفس المصدر السابق، ص: 114

[361] وهو: "بذل الفقيه وسعه من أجل تحصيل ظنٍّ لحكم شرعي".

[362] واختار الدكتور تعريفا صحيحا له، وهو: " أن الاجتهاد الجماعي عبارة عن العملية الذهنية العلمية المنهجية التي يقوم بها أفراد حائزون على الدرجة الوسطى من أدوات النظر الاجتهادي وذلك بغية التوصل إلى فهم سديد للمراد الإلهي في مسألة أو نازلة تمس حياة أفراد مجتمع أو أهل إقليم أو عموم الأمة الإسلامية من جهة، وبغية التوصل إلى حسن تنزيل ذلك المراد الإلهي على الواقع المحلي أو الإقليمي أو الأممي".( سانو، قطب مصطفى، أدوات النظر الاجتهادي المنشود في ضوء الواقع المعاصر، ص: 155)

[363] نفس المصدر السابق، ص: 150

[364] سيأتي المراد بالتجديد مفصَّلا في المبحث الثاني صفحة (103) من هذا البحث.

[365] بوكروشة، حليمة،  معالم تجديد المنهج الفقهي، ص: 183

[366] العمري، حسين، الإمام الشوكاني رائد عصره: ص 142.

[367] الجوهري، الصحاح، ص 142، ابن منظور، لسان العرب، ج3/ص 111.

[368] بسطامي، محمد سعيد، مفهوم تجديد الدين، دار الدعوة، 1984، ص: 29

[369] بسطامي، محمد سعيد، مفهوم تجديد الدين، دار الدعوة، 1984، ص: 29

[370] رواه أبو داود في سننه (كتاب الملاحم) رقم الحديث: 4291.

[371] القضاه، شرف محمود، التصور الإسلامي، كوالا لمبور، دار التجديد للنشر والترجمة،  ط1، 2003م، ص: 73.

[372] سورة المائدة آية: 3

[373] القرضاوي، يوسف، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، الكويت، دار العلم، ط1، 1406هـ/1985م،ص: 101.

[374] القرضاوي، يوسف، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، الكويت، دار العلم، ط1، 1406هـ/1985م،ص: 101

[375] رواه أبو داود في سننه (كتاب الملاحم) رقم الحديث: 4291.

[376] ومن أمثلة المسائل التي ورد فيها ترجيح الشوكاني والتي يمكن اختيار الأولى والأرفق والأوفق: حكم خيار المجلس، قبول الهدية من الكافر، الوقف وغير ذلك. (انظر: تفصيل هذه المسائل في الفصل الثالث من هذا البحث).

[377] الشوكاني، نيل الأوطار، ج8/ ص238

[378] الشوكاني، أدب الطلب ومنتهى الأرب، ص: 186

[379]  الرازي، مختار الصحاح، 1/220.

[380]  ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، 1/666.

[381]  الباني، محمد سعيد،  عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق، بيروت،  المكتب الإسلامي، 1410هـ/1981م، ص: 44، 45.

[382]  الباني، محمد سعيد،  عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق، بيروت،  المكتب الإسلامي، 1410هـ/1981م، ص: 44.

[383] سورة آل عمران،  آية: 3

[384] سورة الشورى، آية: 13

[385] سورة الأنعام، آية: 159

[386] القرضاوي، يوسف، مبادئ أساسية فكرية وعملية في التقريب بين المذاهب، ، ضمن كتاب "التقريب بين المذاهب الإسلامية، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، إيسسكو، 1417هـ/1997م، ص: 168

[387] متفق عليه عن أبي موسى الأشعري. انظر صحيح البخاري في كتاب الصلاة، حديث رقم: 459، وصحيح مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، حديث رقم : 4684.

[388] متفق عليه عن النعمان بن بشير. انظر صحيح البخاري في كتاب الأدب، حديث رقم: 5552، وصحيح مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، حديث رقم: 4685.

[389] الباني، محمد سعيد،  عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق، بيروت،  المكتب الإسلامي، 1410هـ/1981م، ص: 44.

[390] يُنظَر ذلك في صفحة (111) من هذا البحث.

[391] الشوكاني، مقدمة نيل الأوطار: 1/18

[392] الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، بيروت، دار الفكر: ج/1 ص/236   

[393] الشوكاني، أدب الطلب ومنتهى الأرب، القاهرة، مكتبة القرآن، ص: 35.

[394] الشوكاني، أدب الطلب ومنتهى الأرب، ص: 18

[395] الشوكاني، مقدمة السيل الجرار، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1408، تحقيق: بسام عبد الوهاب الجابي،  ج1/ص1.

[396] ابن منظور، لسان العرب ، 4/208.

[397] الرازي، مختار الصحاح، 1/62

[398] ابن مفلح، المبدع: 4/47

[399] الرازي، المهذب، 1/292

[400] الكاساني، بدائع الصنائع، 5/129

[401] الكاساني، بدائع الصنائع، 5/129، الرازي، المهذب، 1/292، النووي، روضة الطالبين، 3/411، ابن مفلح، المبدع، 4/47، المقدسي، ابن قدامة، المغني، 4/154، الشوكاني، نيل الأوطار، 6/247.

[402] المقدسي، ابن قدامة، المغني،  4/154

[403] ابن نجيم، البحر الرائق، 8/229.

[404] الشيرازي، المهذَّهب: 1/292

[405] ابن عابدين، حاشية ابن عابدين: 6/398.

[406] رواه ابن ماجه في سننه، كتاب التجارات، حديث رقم: 2146

[407] ابن نجيم، البحر الرائق، 8/229.

[408] رواه الإمام أحمد في مسنده (باقي مسند المكثرين) حديث رقم: 8263.

[409] رواه ابن ماجه في سننه (كتاب التجارات) حديث رقم: 2146

[410] الشوكاني، نيل الأوطار، 5/247

[411] المصدر السابق: 5/248

[412] المصدر السابق: 5/248

[413] البكري، إعانة الطالبين: 3/3.

[414] ابن جزي، القوانين الفقهية: 1/163.

[415] الشيرازي، المهذب، 1/257.

[416] العبدري، محمد أبو عبد الله، التاج والإكليل، 4/228.

[417] ابن عابدين، حاشية بن عابدين: 4/505.

[418] ابن مفلح، محمد المقدسي، الفروع، 6/444.

[419] المقدسي، ابن قدامة، المغني، 4/3.

[420] المقدسي، ابن قدامة، المغني، 4/4.

[421] سورة النساء آية: 29

[422] سورة النساء آية: 29

[423] الشوكاني، الدراري المضية شرح الدرر البهية :ج1، ص 297

[424] الشوكاني، نيل الأوطار:ج5، ص 353.

[425] حديث متفق عليه. رواه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم والغصب، حديث رقم: 2285، ومسلم في صحيحه كتاب اللباس والزينة، حديث رقم: 3960.

[426] الشوكاني، نيل الأوطار، ج5، ص 354.

[427] ابن نجيم، الأشباه والنظائر، تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل، مؤسسة الحلبي، القاهرة 1387هـ/1968م، ص: 90

[428] الشوكاني، نيل الأوطار: 5/ 355.

[429] رواه الإمام أحمد في مسنده (مسندة العشرة المبشرين بالجنة) حديث رقم: 1333

[430] والدليل على هذه القاعدة قوله r: "ما أحلَّ الله فهو حلال وما حرّم فهو حرام وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" ( أخرجه الترمذي في سننه، باب ما جاء في لبس الفراء،  حديث رقم: 1726) انظر: السيوطي، الأشباه والنظائر. بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1403هـ.

 

Hosted by www.Geocities.ws

1