الفصل الأول

أثر التدريب على استراتيجية حل المشكلة المستند الى السمات الانفعالية – السلوكية في تنمية دافعية التعلم

المقدمة:

تحظى الدافعية بأهمية بالغة في مجال علم النفس لما للدافعية من أهمية في بناء وتكامل الشخصية وتحديد أنواع السلوك الإنساني،  فلا يكاد أي نشاط يقوم به الكائن الحي إلا ويكون له هدف ومغزى يسعى إلى تحقيقه وإشباعه، والإنسان كائن حي قادر على أداء تشكيلة واسعة من السلوكيات كالإدراك والتذكر وحل المشكلات والتعلم. والدافعية هي التي تدفع العضوية إلى أداء تلك السلوكيات وتحفزها لأداء نشاط معين (Burns & Dobson, 1984).

كما تتصف الدافعية بأنها ذات أبعاد متعددة (Multidimensional)؛ حيث أنها تساعدنا في الكشف عن محتويات الطبيعة البشرية وتزودنا بالمعرفة النظرية والعملية حول أهمية ما نعتقد وكيف نسيّر حياتنا بشكل أفضل؛ لذا فهي مهتمة بالعوامل الداخلية والخارجية وملاحظة وتفسير أسباب السلوك، كما أنها تعد مصدراً للطاقة البشرية التي تمد السلوك وتستثير نشاطه وتوجهه نحو أهداف معينة (Reeve, 2001).

ويضيف ترافرز ((Travers,1979 أن الدافعية تسهم في إحداث تغييرات طبيعية  وانفعالية ومعرفية لدى الفرد سواء من ناحية الفهم والانتباه والتذكر والنسيان أو من خلال تأثيرها على التفكير والتعلم. ويساعدنا مفهوم الدافعية في تفسير الفروق الفردية في التحصيل الدراسي عندما تكون هذه الفروق راجعة لعوامل غير الذكاء والاستعداد الدراسي، فكثيراً ما نجد طلاباً منخفضي القدرة ومع ذلك يتميزون بتحصيل دراسي عالٍ، وطلاباً آخرين ذوي ذكاء مرتفع لكن تحصيلهم الدراسي منخفض، أي أن توقعاتنا للتحصيل تختلف سلباً أو إيجابا عما يحدث وغالباً ما يكون العامل المسئول في مثل هذه الحالات هو ارتفاع أو انخفاض مستوى الدافعية للتحصيل (أبو علام، 1986).

لقد ميّز توق وعدس (1984) بين الدافعية ودافعية التعلم على اعتبار أن الدافعية هي حالات داخلية أو خارجية للكائن الحي تحرك سلوكه وتوجهه نحو تحقيق هدف أو غرض معين وتحافظ على استمراريته حتى يتحقق ذلك الهدف. أما دافعية التعلم فهي حالة خاصة من الدافعية تشير إلى حالة داخلية عند المتعلم تدفعه إلى الانتباه إلى الموقف التعليمي والإقبال عليه بنشاط موجه والاستمرار فيه حتى يتحقق.

ويشير ترافرز(Travers,1979) إلى وجود ثلاث وظائف للدافعية في التعلم فهي تعمل على تنشيط الطلاب وهذا النشاط يبقى مستمراً ما دام الهدف لم يتحقق بعد، كما أنها توجه نشاطات الطلاب نحو أهداف معينة مختارة بفعل دافع التوجيه Guiding Motive)) ،وأخيراً فإنها تؤدي وظيفة انتقائية بتحديد أي النتائج مقنعة وجذابة والتي بدورها تؤثر على الأداء. بينما يشير كل من (توق وعدس،1984) إلى أن الوظائف الدافعية الأساسية في التعلم يمكن إجمالها في أربع وظائف هي الوظيفة الاستثارية والوظيفة التوقعية والوظيفة الباعثية والوظيفة العقابية.

ويشير الزحيلي(2002) إلى أن أهم الدوافع التي ترتبط بالتعلم هي دافع حب الاستطلاع  ودافع المعالجة والاكتشاف ودافع الاستثارة الحسية ودافع الإنجاز والتحصيل ودافع الانتماء ودافع التنافس والحاجة إلى التقدير والدافع المعرفي. أما أرمرود (Ormrod, 1995) فقد بيّنت انه من المحتمل امتلاك الطلاب مستويات متفاوتة من الدافعية نحو المواضيع المختلفة التي يتضمنها المنهاج الدراسي، لذا فإن الدافعية للتعلم تختلف بين الطلبة الذين لديهم أهداف تعليمية والطلبة الذين لديهم أهداف أدائية، فالطلبة من ذوي الأهداف التعليمية يعتقدون أن الكفاءة تتطور من خلال الوقت والممارسة والجهد لذا فهم يختارون مهاماً تعليمية تزيد فرصهم للتعلم ويستجيبون للمهام السهلة بشعور من الملل، ويستخدمون استراتيجيات تشجع فهمهم للمواضيع ويقوّمون أدائهم بالنسبة للتقدم الذي يحققونه؛ لذا فهم مدفوعون داخلياً للتعلم. أما الطلبة من ذوي الأهداف الادائية فيعتقدون أن الكفاءة هي حالة ثابتة والناس إما يملكونها كموهبة أو لا يمتلكونها، لذا فهم يختارون مهاماً سهلة تزيد فرصهم نحو أداء هذه المهمات ويبتعدون عن المهام التي تجلب لهم الفشل، كما انهم يستجيبون للمهام السهلة بشعور الفخر وينظرون للجهد على انه علامة دالة على الكفاءة المنخفضة، كما انهم يستخدمون استراتيجيات تشجع تعلماً سطحياً واستظهارا للمواضيع مثل التكرار والحفظ عن ظهر قلب ويقوّمون أدائهم بالنسبة لمقارنتهم مع زملائهم، لذا فهم مدفوعون خارجياً للتعلم.

ويضيف كلاً من ديراد وشونيبرغ (Deraad & Schouwenburg , 1996) إلى وجود علاقة وثيقة بين سمات الأفراد ودافعيتهم للتعلم، فقد بيّنوا وجود مجموعة كبيرة من السمات قدرت بنحو(1203) سمات صنّفت على أنها ذات صلة بدافعية التعلم، كما أشارت نتائج أبحاثهما إلى أن النجاح أو الفشل في التعلم يرتبط بشكل كبير مع الانبساطية والوعي؛ فسمات الأفراد لها تأثير قوي على دافعيتهم ويؤكد على ذلك ما أشار إليه مورفي الوارد في (Cofer & Appley, 1968) باعتبار أن الدافعية هي أفعال الكائنات الحية محددة جزئياً بطبيعتها أو بناءها الداخلي، أما سلوكيات وانفعالات الأفراد فهي نتيجة للأحداث التي تحفزهم؛ لذا فهم يبدون سلوكيات وانفعالات تعتمد بطبيعة الحال على نوعية المحفزات وعلى تجربتهم المسبقة معها؛ فالسلوكيات والانفعالات نسبية تحدث كاستجابة للأحداث ذات الصلة بالدافعية أو نتيجة استدعاء للعمليات العقلية(Carlson , Martin & Buskist , 2004).

 وتتبدى أهمية الدافعية أيضاً في زيادة قدرة المتعلمين على حل المشكلات؛ حيث أن العديد من المشكلات اليومية تتأثر بمدى امتلاك الفرد للمهارات التكيفية للتعامل مع تغييرات الحياة. وإستراتيجية حل المشكلة هي إستراتيجية لها وظيفة تكيفية تؤثر على الاستجابة الانفعالية لدى الفرد محدثةً تغييرات دالة في الانفعالات والتي بدورها تنعكس على سلوكه (زواوي، 1992). وتكمن أهمية إستراتيجية حل المشكلة من خلال ما تقدمه من مساعدات في تحسين القدرات التحليلية وتعلم الحقائق والمهارات والمفاهيم ونقلها إلى مواقف جديدة، فإستراتيجية حل المشكلة تعمل على تعزيز التطور الانفعالي وتحسن من دافعية الطلبة نحو التعلم، ويؤكد على ذلك ما أشار إليه فيرميير وبوكارست وسيجرز(Vermeer, Boekaerts,&Seegers,2000) في دراستهم التي بيّنت أن الدافعية ترتبط بسلوك حل المشكلات بنوعيه الحسابي والتطبيقي.

ولما كان موضوع الدافعية يحتل مكانة هامة في مجال التعلم والتعليم الصفي، فإن مستوى دافعية الطلاب للتعلم تتأثر بسماتهم الانفعالية – السلوكية، الأمر الذي يجعله مصدر قلق للكثير من المعلمين وأيضاً مصدر اهتمام يدفع المعلم إلى ابتكار الاستراتيجيات المناسبة لرفع مستوى دافعية الطلبة نحو التعلم آخذاً بعين الاعتبار سماتهم الانفعالية – السلوكية، وهذا الأمر أصبح ملحاً يفرضه تدني مستوى التحصيل الدراسي لدى الكثير من الطلبة، ولذلك فإن تنمية دافعية الطلبة للتعلم يتطلب منا كمعلمين التعرف على سماتهم الانفعالية – السلوكية وابتكار الاستراتيجيات المساعدة في مجال التعلم والتعليم والتي أضحت قضية أساسية في مجال تطوير قدرة الطلبة وتنمية دافعيتهم للتعلم؛ ولغايات هذه الدراسة سيتم بيّان أثر التدريب على استراتيجية حل المشكلة المستند الى السمات الانفعالية – السلوكية في تنمية دافعية التعلم.

 

الدافعية:

إن كلمة الدافعية "motivation " مشتقة من اللغة اللاتينية وتعني الحركة move "" وترجع إلى قوة الحركة التي تحفز السلوك؛ حيث أن الدوافع لا يمكن ملاحظتها بشكل مباشر ولكنها تنشأ عن السلوك (Westen, 1999).

 وقد أشار العديد من العلماء إلى الدافعية وحاولوا تحديد مفهومها من منظورات متعددة؛ فقد أشار ماير إلى أن الدافعية هي تعبير مستقبلي يتأثر بالنتائج التي ستؤدي إلى السلوك، كما نظر إتكنسون إلى الدافعية على اعتبار أنها الإثارة من اجل التوجه نحو العمل لتحقيق واحد أو أكثر من النتائج، أما ماسلو فيرى أن الدافعية هي خاصية عامة تتميز بها كل الكائنات الحية (Cofer & Appley , 1968).

وينظر موراي إلى الدافعية على أنها عامل داخلي يثير ويوجه سلوك الفرد، وهذا الدافع يضم عاملين مهمين: فالأول هو دفع الفرد نحو العمل، والثاني هو كف هذا الدافع عند إشباعه في حالة الوصول إلى الهدف أو الحصول على المكافأة  والشعور بالرضا
(
Murray ,1964). كما يعّرف بول (Ball,1977) الدافعية بأنها عملية معقدة من الإثارة تعمل على تدعيم السلوك وتوجيهه. أما سلافن (Slavin,1994 ) فقد عرفها بأنها الميل العام للوصول إلى أهداف معينة.

ويشير كل من إيجن وكوسبار (Eggen & Kaucbar, 1999) إلى أن الدافعية هي القوة التي تحرك السلوك وتعمل على استمراره وتوجيهه نحو الهدف؛ وهذا يتفق إلى حد ما مع ما ذكره علاونه المشار إليه في(الريماوي، 2004) بأن الدافعية هي عملية، أو سلسلة من العمليات، تعمل على إثارة السلوك الموجه نحو هدف وصيانته والمحافظة عليه وإيقافه في نهاية المطاف.

 كما يعرف قطامي (2005) الدافعية بأنها طاقة كامنة لدى الفرد تعمل على استثارته، ليسلك سلوكاً معيناً في العالم الخارجي، ويتم ذلك عن طريق اختيار الاستجابة المفيدة وظيفياً له في عملية تكيّفه مع بيئته الخارجية، ووضع هذه الاستجابة في مكان الأسبقية على غيرها من الاستجابات المحتملة مما يترتب عليه إشباع حاجة معينة.

ويمكن تقسيم الدوافع إلى قسمين (نشواتي، 1984) هما:

1- الدوافع الأولية: وتنشأ عن حاجات الجسم الخاصة بوظائفه العضوية والفسيولوجية كالحاجة إلى الطعام والماء والجنس ويؤدي عدم إشباع هذه الحاجات إلى حالة من التوتر تدفع الكائن الحي إلى النشاط والقيام ببعض الأعمال لإعادة التوازن.

2- الدوافع الثانوية: وتسمى بالدوافع النفسية – الاجتماعية؛ فهي نفسية لأنها ليست ناشئة أساسا عن حاجات بدنية مثل الدوافع الفسيولوجية، وهي اجتماعية لأنها تتعلق في الأغلب بعلاقات الفرد مع غيره من الناس.

ويشير فيلدمان (Feldman,1990) أن الدافعية مفهوم يتضمن كل الدوافع؛ فالدافعية هي القوة التي تحفز وتدفع الفرد للقيام بالأنشطة، وأشار بوجود نوعين من الدافعية هما:

1-   الدافعية الداخلية: أي أن الطلاب يكونون مدفوعين داخليا بواسطة عوامل ذاتية أو موجودة في المهمة التي يؤدونها.

2- الدافعية الخارجية: وفيها يكون الطلاب مدفوعين خارجيا نتيجة عوامل خارج أنفسهم بهدف الحصول على تعزيز من وراء تنفيذهم لبعض الأنشطة.

ومن الجدير بالذكر أن الطلاب يقومون بإظهار الآثار المفيدة للدافعية عندما يكونون مدفوعين داخليا للقيام بالأنشطة الصفية. ويرى كل من ديسي وريان(Deci & Ryan, 1985) بأن الدوافع الداخلية هي دوافع موروثة تجعل الفرد يؤدي عملا ما لأنه يشعر بالاستمتاع عند تأديته، أما الدوافع الخارجية فهي دوافع تجعل الفرد يقوم بتأديتها من أجل التعزيز الخارجي فقط. وتضيف اورمرود (Ormrod,1995) أن الطلاب المدفوعين داخليا يؤدون مهامهم برغبة، وهم حريصون على تعلم المواد الصفية. أما الطلاب المدفوعون خارجيا فهم عادة ما يهتمون بتلبية الحد الأدنى المطلوب من المتطلبات المدرسية، لذا يجب استثارة اهتمامهم.

ويكون الناس مدفوعين داخليا لأداء مهمة ما عندما يتحقق شرطان هما:

أ‌-     عندما يكون لديهم فعالية ذاتية عالية.

ب‌-عندما يتوفر لديهم حرية الإرادة وتقرير المصير، بحيث يشعرون بأنهم قادرون على توجيه طاقاتهم وضبط توجهاتهم وقادرون على الاختيار بما يناسب توجهاتهم ويمكن تنمية حرية الإرادة وتقرير المصير لديهم من خلال تقديم تغذية راجعة مرتبطة بسلوكياتهم حتى يتمكنوا من تحسينها، وكذلك صياغة قوانين وقواعد الصف بطريقة تساعدهم على تحقيق الأهداف وليس بطريقة تحاول ضبط سلوكياتهم، من خلال وضع بعض الأنشطة التي تحقق لهم أهدافهم، مع مراعاة ضرورة تقليل الاعتماد على المعززات الخارجية والتركيز على الدافعية الداخلية للتعلم.

أهمية الدافعية:

تبرز أهمية الدافعية من الوجهة التربوية من خلال تأثيرها على تعلم وسلوك الطلبة؛ حيث أنه ليس هناك تعلم دون دافع؛ فالهدف من التعلم يشكل دافعاً، ويرى العديد من علماء النفس والتربويين أن الأسباب الرئيسية في وجود الفروق الفردية في التحصيل بين المتعلمين تعود إلى تباين مستوى الدافعية لديهم (قطامي، 2005). كما أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين السلوك والدوافع؛ فوراء السلوك تكمن مجموعة من الدوافع التي تستثير بدورها السلوك في ظروف معينة وتعمل على استمراره حتى ينتهي إلى غاية معينة هي الإشباع وإعادة  التوازن
 (عبد الله ،2003).

 وتشير ارمرود (Ormrod, 1995) إلى أن تأثير الدافعية على التعلم وسلوك الطلاب يتمثل بما يلي:

1- توجه السلوك نحو هدف معين، فالأفراد يضعون أهدافا ثم يقومون بتوجيه سلوكياتهم نحو تلك الأهداف، وتحدد الدافعية نوعية تلك الأهداف التي يسعى الطلبة إليها؛ وهكذا فهي تؤثر على الأهداف التي يختارها الطالب.

2- تحدد الجهد والطاقة التي يبذلها المتعلمون لتحقيق الهدف؛ حيث تزيد الدافعية من كمية الجهد والطاقة التي يبذلها الطالب في أي مهمة، وتحدد أيضا المدى الذي يتابع به الطالب المهمة بحماس وإخلاص من جهة أو بضعف وعدم مبالاة من جهة أخرى.

3- تشجع المثابرة على النشاط؛ فالدافعية تحدد الدرجة التي يستهل بها الطلاب نشاطاتهم باستقلالية ويثابرون من أجل تتمة تلك النشاطات، فهم يبدءون بالمهمة ويثابرون على إنجازها وإتمامها حتى وإن قاطعهم أحد أثناء أداء تلك المهمة أو شعروا بالإحباط.

4- تشجع على معالجة المعلومات بشكل يحقق الهدف؛ ذلك أن الطلاب المحفزين بالدافعية ينتبهون أكثر، وهذا الانتباه ضروري من أجل تسهيل دخول المعلومات إلى الذاكرة العاملة والذاكرة طويلة المدى في دماغ الإنسان، فعندما يستفسر الطلاب المحفزون بالدافعية عن مهنة معينة فإنهم يميلون إلى فهم المادة بشكل جيد بدلا من محاولة استظهارها بدون فهم، وتكون تلك الأسئلة أو الاستفسارات من أجل توضيح شئ معين أو من أجل ممارسة أكثر للمهمة.

5- لها وظيفة تعزيزية؛ حيث تحدد الدافعية ماهية الأشياء التي تعزز الطلاب، وذلك من وجهة نظر السلوكيين؛ فكلما كان الطلاب محفزين أكثر لتحقيق النجاح الدراسي كلما كانوا أكثر فخراً بحصولهم على علامة (90)، وسيكونون منزعجين فيما إذا حصلوا على علامة (50)، أو حتى علامة(80).

6- تحسين الأداء، إذ تؤدي الدافعية إلى تحسين الأداء وذلك بسبب العوامل السابقة، وهنا نستطيع القول إنه كلما زادت الدافعية عند الطلاب زاد تحصيل الطلاب الدراسي.

أنواع الدافعية:

أسفر البحث في مجال الدافعية عن وجود العديد من الدوافع التي تقف خلف مستويات النشاط الإنساني، وقد تباينت هذه الدوافع نتيجة لتعدد أنماط السلوك الإنساني، وسوف نتناول أهم هذه الدوافع والتي تتمثل بما يلي:-

1- دافعية الإنجاز  Achievement Motivation

( نظرية التحصيل لتفسير الدافعية )

يرجع الفضل في تحديد مفهوم الدافع للإنجاز وإرساء الأسس التي يمكن أن تستخدم في قياسه (لموراي Murray) عام 1938، غير أن المفهوم قد أخذ في الذيوع والانتشار منذ بداية الخمسينات من خلال الأبحاث الكثيرة التي قام بها كل من اتكنسون (Atkinson) وعدد من الدارسين منذ عام 1953 إلى الآن.

 والأفراد الذين يمتلكون دافعية تحصيل مرتفعة يتصفون بأنهم يبذلون قصارى جهودهم لتحقيق التفوق من أجل التحصيل والإنجاز وليس من أجل الحصول على مكافأة أو جائزة تقدير معينة.

ويعتقد اتكنسون ان الخوف من الفشل ومحاولة تجنبه يشكل بعداً آخر من أبعاد نظرية الدافعية للتحصيل، وأن كلا الدافعين (الدافع للإنجاز والدافع لتجنب الفشل) موجودان عند كل فرد ولكن بمستويات متفاوتة، فإذا كان الدافع للإنجاز أقوى من الدافع لتجنب الفشل تزداد دافعية الفرد للإنجاز والتحصيل؛ فيتحرك نحو تحقيق الهدف بقوة وحماس. أما إذا غلب الخوف من الفشل الدافع للإنجاز انخفض مستوى الدافعية، وكان التردد والإحجام وعدم الاهتمام سمة الفرد الذي تتمثل فيه هذه الحصيلة للدافعية ، ويتميز الأفراد الذين يتمتعون بالدافعية للتحصيل بالإقدام والجرأة والحماس وقبول التحدي المعقول (نشواتي، 1984).

 وأضاف اتكنسون (Atkinson) أن الدافع للإنجاز يتأثر بعدة عوامل، منها القيم الثقافية والدور الاجتماعي والعمليات التربوية والتفاعل بين أفراد المجموعة وأساليب تنشئة الأطفال. لذا فإن دافعية الإنجاز أمر متعلم ومكتسب ويختلف من فرد لأخر باختلاف المواقف، وذكر اتكنسون (Atkinson) ثلاثة عوامل تحدد قدرة المتعلم على الإنجاز وهي الدافع لتحقيق النجاح واحتمالية النجاح وقيمة باعث النجاح (Atkinson, 1958).

وينبغي على المعلم انطلاقا من فهمه لهذه النظرية في تفسير الدافعية أن يعمل على تقوية الشعور بالإنجاز واستثارة الدافعية للتحصيل لدى طلابه، كما يعمل باستمرار على تجنيب طلابه المهمات التعجيزية والمواقف الصعبة التي تكون فيها احتمالات الفشل أقوى من احتمالات النجاح، من أجل أن يحافظ على مستوى معين من الدافعية النشطة التي تساعدهم على تحقيق الإنجاز والسعي إلى المزيد من التقدم باتجاه التعلم الفعال وتحقيق الذات(نشواتي، 1984).

وقد بيّن هنري موراي (H.Murray) أن البيئة وسمات الفرد تتفاعلان لدفعه نحو عمل ما أو بعيدا عنه وذلك في ضوء ما يحسّه الفرد من ناحية، وما توفره البيئة من تسهيلات أو مصاعب من ناحية أخرى، وكان موراي قد ميّز بين نوعين من الحاجات هما: الحاجات الأولية (الجسدية والفيزيولوجية) والحاجات الثانوية (الحاجة للمعرفة والإنجاز والصداقة والاحترام). وكما تأثر اتكنسون بأعمال موراي، فإن ما قدمه باتجاه الدافعية للتحصيل قد أثّر فيما بعد في عالم النفس واينر(Weiner) الذي جاء بنظرية (العزو السببي) أو (النظرية السببية) (Attribution Theory) في تفسير الدافعية التي يقول فيها بيرنارد واينر(Weiner) إن طلب المعرفة هو الينبوع الأساسي للعمل. ويلاحظ أن هذا الكلام ليس بعيدا عما نادى به اتكنسون ولا عن أفكار بياجيه التي اعتبرت فكرة اختلال التوازن واستعادته كعامل أساسي في دفع الفرد للتعلم والتكيف (نشواتي، 1984).

2- دافعية الكفاءة (Competence Motivation)

أشار روبرت وايت (Robert White) عام 1959 أن دافعية الكفاءة هي أحد أكثر الدوافع الإنسانية الأساسية المستندة إلى الرغبة الشخصية القوية في سيطرة الفرد على بيئته، وطبقا لويبستر(Webster) فإنها تعني القدرة وتتضمن المرادفات التالية: القابلية والقدرة والكفاءة والبراعة والمهارة، والعبارة المناسبة لوصف دافعية الكفاءة تتمثل بالمعرفة والاستكشاف، والانتباه والفهم، والمعالجة وتغيير البيئة المحيطة، واللغة والتفكير، فجميعها يروج لمعنى أساسي وهو فاعلية التفاعل الفعال أو الكفؤ مع البيئة (Diggory, 1972).

وفي الحقيقة فإن النضج (Maturation) يلعب دورا أساسيا في تفعيل دور دافعية الكفاءة، حيث أن السلوك الذي يقود إلى تعزيز المعرفة الفعالة والمعالجة وإهمال بعض الموضوعات ليس سلوكاً عشوائيا بل هو سلوك ناتج عن فيض هائل من الطاقة، وهو أيضا سلوك انتقائي وموجه بالإضافة إلى كونه مستمراً لا يسعى فقط لإشباع الحاجات الأساسية(Primary Drives) عند الإنسان ولكنه أيضا يرضي حاجة جوهرية تكمن في تأهيل الفرد للتعامل مع البيئة بفعالية (Diggory, 1972).

 لذا نستطيع القول بأن الكفاءة لا تعتمد فقط على حوافز الإنجاز المكتسبة ثقافيا وانما أيضا لها جذور بيولوجية عميقة، ومن الأمثلة على ذلك الابتسامة التي يظهرها طفل التسعة اشهر بعد إكماله للعمل (قد يكون هذا العمل بسيط ولكنه عمل جيد). ويشير كاجان
 (
Jerome Kagan) إلى أن هذه الابتسامة هي مؤشر يدل على الشعور بالفخر بعد إكمال المهمة، أما في غرفة الصف فإن المعلم قادر على استغلال هذا النوع من الدوافع من خلال التركيز على المجالات التي يبرع بها طلابه، فالطلاب حتما سيصبحون أكثر اهتماما بالأعمال والمجالات التي يجيدون عملها، وعلى النقيض من ذلك فإنه من الصعب أو لربما يستحيل تحفيزهم في المجالات التي ليس لديهم كفاءة بها، وبمعنى آخر فإن على المعلم أن يربط الموضوعات والمثيرات بمستوى كفاءة وقدرات الطلاب (Sprinthall, Sprinthall& Oja, 1994) .

وقد أشار كل من فرويد واريكسون ووايت إلى دور دافعية الكفاءة في مراحل تطور الشخصية حيث يفسرها فرويد من منطلق الحافز الجنسي، أما أريكسون فيفسرها من ناحية حوافز-حاجات الأمن والهوية، أما وايت فيراها كعامل مكمل في قدرة الفرد على التأثير الفعال ببيئته (Diggory, 1972).

3-  دافعية العزو

يشير مصطلح العزو إلى الأسباب التي ينسبها الأفراد لأشياء حدثت لهم، فهو يمثل السبب المدرك من النتيجة حول (ماذا سبب ماذا) والذي بدوره يتحكم بالسلوك المستقبلي، فهو إذن يتضمن الاستنتاجات التي يتوصل إليها الفرد عن سبب السلوك (كالنجاح أو الفشل في الاختبار، الفوز أو الخسارة في لعبة ما). وفي الأوضاع الأكاديمية فإن العزو قد يتضمن أحد العوامل التالية: الجهد، المهارات، المعرفة، الاستراتيجيات، القدرة، الحظ، صعوبة المهمة، ومزاجية أو أخطاء المعلم(Seifert, 2004).

وقد عمل واينر المشار إليه في اورمرود (Ormrod ,1995) على تصنيف هذه العوامل في ثلاثة أبعاد وهي:

1- موقع الضبط الداخلي – مقابل الخارجي (Internal VS Locus: External): وهنا يعزو الطلاب الأحداث إلى أشياء داخلية، عوامل تتعلق بأنفسهم، ويعتقدون إن الأداء الجيد هو نتيجة جهدهم الشاق، أما الأداء المتدني هو نتيجة عدم القدرة وأحيانا يعزو الطلاب الأحداث إلى أشياء خارجية وعوامل تتعلق بالآخرين، ويفسرون حصولهم على نتائج إيجابية على أنه نوع من الحظ، ويعتبرون أن تجهم أصدقائهم في وجوههم يعود إلى المزاج السيئ الذي يتحلى به الآخرون.

2- الاستقرار – مقابل عدم الاستقرار (Stable VS Stability: Unstable): يعتقد الطلاب أحيانا إن الأحداث نتيجة عوامل ثابتة هي أشياء لا تتغير في المستقبل القريب؛ فمثلا إذا حصل الطالب على علامة جيدة في العلوم فذلك لأنه طالب ذكي، وكذلك إن كان لدى الطالب مشكلة في تكوين الصداقات بسب الوزن الزائد، فإنه يرى أن هذه الأحداث تُعزى إلى أسباب ثابتة وغير متغيرة من وقت لأخر كاعتقاد الطالب عند حصوله على علامة متدنية ناتج عن كونه مريضا أو شديد التعب، أو الاعتقاد فوز الطالب بميدالية في لعبة التنس هو ضرب من الحظ.

3-  السيطرة – مقابل عدم السيطرة Controllability : Controllable VS Uncontrollable): في بعض الحالات يعزو الطلاب الأحداث إلى عوامل القدرة على السيطرة، أشياء يستطيعون السيطرة عليها وتغييرها كالفشل في الاختبار الناتج عن عدم الدراسة الصحيحة أما البعض الآخر فيعزونها إلى عوامل غير قابلة للسيطرة كالاعتقاد بأن تقديم عرض ضعيف في لعبة التنس يعود إلى كون الشخص مريضا. وفي الأوضاع الأكاديمية: إذا عزا الطالب النجاح في الاختبار إلى عوامل قابلة للضبط؛ فإنه يشعر بالفخر ويتوقع النجاح في المستقبل أما إذا عزا النجاح إلى عوامل غير قابلة للضبط فإنه يشعر بالسعادة ويتوقع أن يصادفه مثل هذا الحظ بالمستقبل، أما إذا عزا الفشل في الاختبار إلى عوامل قابلة للضبط فإنه سيشعر بالخجل وسيبذل جهدا للتغيير في المستقبل القريب أما إذا عزا الفشل إلى عوامل غير قابلة للضبط فإنه سيشعر بالإحباط وعدم القدرة على التغيير.

وقد لاحظ باندورا أن الفعالية الذاتية قد تؤثر على تشكيل العزو، فالأشخاص ذوو الفعالية الذاتية العالية سيعزون النتيجة إلى قدرتهم بينما الأشخاص ذوو القدرة المنخفضة أو الأقل ثقة فإنهم سيعزون النتيجة إلى عدم القدرة؛ فالعزو يمتلك خصائص وهذه الخصائص تؤثر على الدافعية(Dweck, 1986).

4- الدافعية المعرفية: يتضمن هذا الدافع الشعور بالرضا والسرور البالغ من ممارسة الأنشطة العقلية كحل الألغاز أو التفكير في مشكلة معرفية على درجة ما من الغموض. إن الرضا الحقيقي عن العمل يكمن في مواجهة المشكلات ومقابلة التحديات وحل المسائل الصعبة. فالنشاط العقلي يتضمن في حد ذاته مكافأة. ومن هنا فإن الدافع المعرفي يلعب دورا هاما في التعلم المدرسي، ويمثل هذا الدافع الرغبة في التعلم والمعرفة والفهم ومعالجة المعلومات وصياغة المشكلات وحلها؛ وقد يكون هذا الدافع مشتقا بطريقة عامة من دوافع الاستطلاع والاستكشاف والمعالجة، وتأثير البيئة المحيطة بالفرد له علاقة وثيقة في تنمية هذا الدافع، كما تلعب الخبرات السابقة للفرد دورا هاما في تطوره وازدياده (الزحيلي، 2002).

دافعية التعلم  (Learning Motivation)

لاقى موضوع الدافعية بصفة عامة ودافعية التعلم بصفة خاصة اهتماما من قبل الباحثين في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية نظرا لما للدافعية من أهمية في عملية تنشيط وإثارة السلوك وتوجيهه واستمراره لتحقيق الأهداف، ولدورها في عملية التعلم والتعليم، أو إعاقتها إن لم تستثر.

وهناك العديد من العناصر التي تخلق دافعية التعلم، منها التخطيط والتركيز على الهدف والوعي لما بعد المعرفة الذي تنوي تعلمه وكيف تنوي تعلمه والبحث النشط للمعلومات الجديدة وإدراك واضح للتغذية الراجعة والشعور بالافتخار والرضا نتيجة التحصيل المرتفع وعدم وجود قلق أو خوف من الفشل.

 ويعرف تيرنر (Turner, 2003) دافعية التعلم: بأنها رغبة المتعلمين للعمل أو المشاركة في التعلم المستمر وتحمل مسؤولية تطورهم الخاص.

أما بروفي (, 1988  Brophy) فقد عرفها بأنها ميل الطلبة لأداء نشاطات أكاديمية ذات مغزى يؤدي إشباعها إلى الحصول على مكافأة ورضى داخلي.

بينما أشار ني (Noe, 1986) بأن دافعية التعلم ضمن نطاق التدريب الفعّال، هي رغبة المتعلمين لتعلم محتوى البرنامج التدريبي.

ويرى جونسون وجونسون (Johnson & Johnson, 1995) أن دافعية التعلم تتطلب اكثر من مجرد رغبة أو نية للتعلم، فهي تشتمل على نوعية الجهد العقلي للطالب.

بينما يرى ولفولك (Woolfolk,1990) أن الدافعية للتعلم تتضمن في معناها العمل على تحقيق أهداف التعلم، كما تهدف إلى الفهم والتحسن في مجال الخبرة.

وبالنظر إلى التعريفات السابقة، نجد قدراً من التشابه أو العناصر التي يمكن أن تعد مشتركة، ولذلك يلخصها الباحث في تعريف مقترح مفاده أن " دافعية التعلم هي حالة متميزة من الدافعية العامة تتجسد بوجود رغبة وميل داخلي عند المتعلم لبلوغ أهداف التعلم، والتحسن في مجال الخبرة عن طريق بذله مجهودات وعمليات عقلية موجهة لأداء نشاطات أكاديمية هادفة والاستمرار في تلك النشاطات حتى تتحقق بحيث يؤدي إشباعها إلى مكافأة ورضى ذاتي".

الاتجاهات المختلفة في تفسير دافعية التعلم:

الاتجاه البيولوجي – النفسي في تفسير الدافعية

إن العوامل البيولوجية والنفسية متقاربة بشكل كبير في السيطرة على العديد من الدوافع الإنسانية؛ فالسبب في كلا العاملين مرتبط بفاعلية عمل الأحداث البيولوجية والنفسية معا والتي تتضح من خلال ما يلي (1996 Atkinson, Atkinson, Smith, &Bem,):

أ- إن العوامل البيولوجية تؤثر على الدوافع النفسية، فالعديد من الحالات النفسية كالشعور بالحر أو الجوع مدفوعة بإشارات عصبية هوموستاتيكية (Homeostatic) كما أن الهرمونات الجنسية تؤثر على مقدار واتجاه الرغبة الجنسية، ولمثل هذه العوامل البيولوجية تأثير كبير على الدافعية وتوجيهها للتكيف مع الضغوط التطورية والنمائية.

ب- إن للعمليات النفسية والخبرات تأثيراً كبيراً على الدوافع البيولوجية والتي تحدث بدورها تغييراً من نوع خاص في النظام الدماغي؛ فالنظام الذي نتبناه في تفضيلنا لأنواع معينة من الطعام وامتناعنا عن أصناف أخرى، هو نتاج لعمليات التعلم والتأثر بالخبرات السابقة، وكذلك الأمر بالنسبة للروابط الاجتماعية التي تتحدد بشكل كبير من خلال نتائج العلاقات الاجتماعية المبكرة مع أفراد معينين.

وخلاصة القول إن كلا من المطالب البيولوجية والنفسية غير منفصلين بعضهما عن بعض بل أن كلا العاملين يتفاعلان من أجل قيادة وتوجيه الدوافع.

الاتجاه السلوكي في تفسير الدافعية

إن الدافع في نظر العلماء السلوكيين يستثير نشاط الكائن الحي ويوجهه، ويرى أصحاب هذا الاتجاه من أمثال سكنر أن الدافعية هي حالة خارجية لدى المتعلم تحرك سلوكه وأداءه وتعمل على استمراره وتوجيهه نحو هدف معين (Beihler & Snowman, 1990). ويضيف كل من البرتو وتروتمان (Alberto & Troutman, 1986) أن الدافعية للتعلم هي حالة تسيطر على أداء الفرد وتظهر على شكل استجابات مستمرة بهدف الحصول على التعزيز المطلوب، وانه يمكن تشكيل أي استجابة عن طريق التعزيز التقاربي.

وطبقا لنظرية الإشراط الإجرائي للعالم سكنر، فإن الإنسان كباقي الحيوانات محفز لإنتاج سلوكيات معززة من البيئة وتجنب السلوكيات المعاقبة؛ ومن ذلك فإن الحالة الداخلية للعضوية تتأثر بالمعززات، وعلى سبيل المثال فإن طبق الطعام هو معزز فعال لحالة الجوع. لذا فقد تعامل كلارك هل وبعض العلماء السلوكيين مع هذه القضية هو من منطلق الحافز أو الباعث؛ فجميع الكائنات الحية بحاجة للطعام والماء والجنس والتي تسمى بالمحفزات أو الدوافع الأساسية (Primary Drives)، فالحاجات غير المشبعة تؤدي إلى ظهور مثل هذه الدوافع التي تم تعريفها من قبل بعض العلماء على أنها حالات الإثارة التي تحفز السلوك. لذا فإن نظريات تخفيض الحافز(Drive - Reduction Theories) التي ظهرت بين عقد الأربعينات والخمسينات تفترض بأن الدافعية ناتجة عن اتحاد الحافز مع المعزز وأن الحرمان من الحاجات الضرورية يخلق حالة من المشاعر غير السارة والتي تتمثل في توليد مشاعر التوتر والقلق لدى الفرد، ونتيجة لذلك تصدر الكائنات الحية سلوكيات تخفض من هذا التوتر والقلق فهي تعمل على ربط السلوك بتخفيض الحافز وبهذا يتم تعزيز السلوك (Westen ,1999).

أما السلوكيات غير الموجهة نحو الدوافع الأساسية فتهدف إلى أداء نشاطات تتمثل بكسب العيش واللعب والدراسة، فالحوافز لمثل هذه السلوكيات تسمى بالدوافع الثانوية أو المكتسبة،  Secondary, or Acquired Drives)) وهذه الدوافع متعلمة من خلال الاشراط الكلاسيكي وميكانزيمات أخرى مثل النمذجة. كما توضح نظريات تخفيض الحافز نماذج واسعة من السلوكيات غير المفسرة، فعلى سبيل المثال، بقاء الأفراد لفترة طويلة من الوقت تتجاوز الثلاثة ساعات في قراءة رواية أو قصة على الرغم من تعبهم الشديد، أو عدم قدرة الأفراد على رفض الحلوى حتى بعد تناول وجبة كبيرة، إن مثل هذه السلوكيات تبدو محفزة بوجود مثير أو مكافأة خارجية والتي تدعى بالحافز" Incentive " ، وهذه المحفزات هي التي تجعل شخصاً غير جائع يتناول الحلوى؛ فالمثير الجذاب يدفع بالحالة بدلا من التجنب والتجاهل (Westen, 1999).

الاتجاه التحليلي النفسي في تفسير الدافعية

يعد فرويد رائد نظرية التحليل النفسي، ويعتقد أن معظم جوانب السلوك الإنساني مدفوع بحافزين غريزيين هما: حافز الجنس وحافز العدوان، ويطرح مفهوم الدوافع اللاشعورية التي تفسر الكثير من أنماط السلوك الإنساني الذي لا نستطيع رده أو عزوه إلى سبب واضح أو دافع ظاهر معروف. ويربط فرويد ظاهرة الدوافع اللاشعورية بعوامل الكبت الإنساني التي تعود إلى الحالة النفسية والعاطفية التي عاشها الفرد في طفولته ومراحل تنشئته الأولى، حيث كان يضطر إلى خزن أفكاره ورغباته في اللاشعور وعدم محاولة إشباعها وتلبيتها لعدم توافر الظروف المادية أو النفسية المؤاتية (نشواتي، 1984).

 ولذا فإن النظرية التحليلية في تفسير الدوافع الإنسانية تؤكد أهمية الخبرات المبكرة التي يتعرض لها الفرد في مراحل النماء الأولى وتشير إلى انعكاسات هذه الخبرات على السلوك المستقبلي للفرد. ولعل أهم ما يمكن أن تقدمه هذه النظرية بالنسبة لدافعية التعلم هو ضرورة التفات المعلم إلى توفير المناخ النفسي الملائم للتعلم، وتجنيب الطلاب الخوف من العقاب والتهديد، وضرورة توفير جو من الأمن والحرية لتمكين الطالب من التعبير عن ذاته والسعي لإشباع رغباته. وبذلك تحول دون كبتها وخزنها في اللاشعور، ومن ثمَّ إفساح المجال لها لكي تترك انعكاسات سلبية على سلوك الطالب.

وتدّعي هذه النظرية أن المناخ الآمن وحرية العمل والتعبير ومساعدة الطلاب على التخلص من الكبت وتجنب استخدام العقاب والتهديد في التربية والتعليم، من الأمور التي ترفع مستوى الدافعية للتعلم، وتسهم في مساعدة الطالب على تحقيق ذات سوية متوازنة. كما تسهم هذه النظرية في مساعدة المعلم على تفسير الكثير من أنماط السلوك التي لا يعرف لها أسباب ظاهرة، فيردها إلى عوامل لاشعورية ويحاول مساعدة الطالب على التخلص منها والتحرر من آثارها السلبية على سلوكه التعلمي ومن ثمَّ تساعده على تحقيق تعلم فعّال (نشواتي، 1984). 

الاتجاه الإنساني في تفسير الدافعية

جاء الاتجاه الإنساني كرد فعل للاتجاه التحليلي الذي يرى أن السلوك محكوم بغرائز(غريزة الحياة والموت) واعتراضاً على الاتجاه السلوكي الذي يرى أن السلوك مدفوع بعوامل التعزيز والحرمان (Maslow, 1970). ويرى ماسلو أن الإنسان كائن محتاج لا يصل إلى وضع من الرضى والاكتفاء التام إلا لفترة قصيرة من الزمن، فالدافعية لدى الإنسان تنمو بشكل هرمي لقضاء حاجات مرتبة من قاعدة الهرم إلى قمته، وأن دافعية الأفراد للسعي نحو تحقيق الحاجات في المستوى الأعلى تتوقف على مدى إشباع الحاجات في المستوى الأدنى، كما يقول ماسلو إن الحاجات الأربعة الأولى تنتج عن أشياء يفتقر إليها الشخص والتي يسميها بحاجات الحرمان وهي تعكس حاجة لا يمكن أن تشبع إلا من مصادر خارجية، وعلى الجانب الأخر فإن الحاجة إلى تحقيق الذات هي حاجة نامية تعزز نمو وتطور الإنسان وليست مجرد سد النقص في حياة الفرد. ولا يمكن للإنسان إشباع حاجته إلى تحقيق الذات بشكل كامل، حيث أنه يسعى دائما إلى المزيد (Sprinthall , Sprinthall & Oja  ,1994 ; Travers, 1977 ; Ormrod , 1995 لذا تترتب هذه الحاجات وفق سلم هرمي حسب اولويتها على النحو التالي:

1- الحاجات الفسيولوجية: الممثلة بالطعام والشراب والجنس والهواء والمسكن ويرى ماسلو أن إشباع مثل هذه الحاجات الأساسية يحرر الفرد من سيطرة الحاجات الفسيولوجية التي لم يعد لها تأثير على دافعية الفرد، وإتاحة الفرصة لظهور الحاجات ذات المستوى الأعلى بصورة متداخلة.

2- حاجات الأمن والسلامة: الممثلة بالأمن والسلام والطمأنينة والاستقرار العائلي وتظهر هذه الحاجات من خلال الأعمال التي يؤديها الفرد في حالة وجود مواقف غير مألوفة وغريبة تهدد الأمن والسلامة مثل الحروب والأمراض ...الخ.

3- حاجات الحب والانتماء: الممثلة بالرغبة في إقامة علاقات الحب والحنان مع الناس والأفراد ذوي الاهتمام في حياة الشخص، وتتضح هذه الحاجة عندما يفتقد الفرد للأصدقاء أو الأشخاص المقربين لديه، وعدم إشباع هذه الحاجة يؤدي إلى حالات التمرد أو العزلة ومشاعر القلق.

4-حاجات تقدير الذات: ويؤدي إشباعها إلى الشعور بالتميز، ويظهر ذلك من خلال الوضع الاجتماعي الجيد والاحترام الذاتي واحترام الآخرين له والسمعة والشهرة، في حين يؤدي عدم الإشباع لمثل هذه الحاجة إلى الشعور بمشاعر النقص والدونية والإحساس بالضعف.

5- حاجات تحقيق الذات: وتعبر عن رغبة الفرد في تحقيق أكبر قدر ممكن من الإمكانيات والقدرات التي يتحلى بها والتي تتمثل في تحقيق الأهداف الشخصية والطموحات والمواهب.

غير أن هذه المرحلة مقتصرة فقط على الراشدين لأن الحاجة إلى تحقيق الذات تستغرق وقتا طويلا (Sprinthall , Sprinthall & Oja ,1994; Travers, 1977).

الاتجاه المعرفي في تفسير الدافعية

 وجهة النظر المعرفية حول الدافعية تتمثل بالتركيز على العمليات العقلية التي تعمل كمحددات سببية للأحداث، حيث أن استجابة الفرد للمثيرات لا تحدث بصورة تلقائية ولكنها تتحد في ضوء العمليات المعرفية التي يؤديها الفرد تجاه هذه المثيرات، كما أن السلوكيات الصادرة عن الفرد ناتجة عن التفسيرات المبنية على القصد والتوقعات التي يجريها الفرد تجاه هذه المثيرات والتي بدورها تؤثر على دافعيته، لذا فإن الاتجاه المعرفي يركز على التوقعات والخطط والاهتمامات التي يسعى الفرد إلى بلوغها من خلال سلوكياته (Schunk , 1991)

كما ويفترض الاتجاه المعرفي أن الإنسان بطبيعته مدفوع بحاجة ماسة لفهم بيئته وهذا الفهم سيحفزه للتفاعل مع بيئته والعالم من حوله، محاولاً إحداث تغيير فيهما عن طريق تنظيم سلوكياته. ويبين الشكل (1) كيفية تسلسل الأحداث للسلوك من وجهة النظر المعرفية
(
Reeve, 2001).

ووفقا لهذا الاتجاه فإن الناس يعملون بجد لأنهم يستمتعون بالعمل ولأنهم يسعون نحو مزيد من الفهم ويهتمون في البحث عن المعلومات لحل المشكلات الشخصية، لذا فإن طريقة تفكيرنا وخبراتنا السابقة هي التي تدفعنا للقيام بسلوك معين، وليس التعزيز أو العقاب الذي حدث لنا سابقا، وهكذا فإن الاتجاه المعرفي يركز على المصادر الداخلية للدافعية مثل الإشباع الذاتي وحب الاستطلاع ودرجة القلق والعزو وتوقعات النجاح والفشل التي تلعب دورا هاما في التحليل المفاهيمي للدافعية (Slavin , 1994).

وقد بيّن نشواتي (1984) وجود خمسة أسس للاتجاه المعرفي تسهم في تفسير الدافعية للتعلم، وهي على النحو الآتي:

1- إن الإدراك والواقع أمران نسبيان.

2- السلوك موجّه نحو هدف معين، والعمليات العقلية للفرد تتأثر كثيراً بأهدافه؛ وعليه فإن جميع النشاطات التعليمية موجهة بالأهداف.

3- ينظر علماء النفس المعرفيون إلى العالم عبر عيني المتعلم؛ ولذا فإن تركيزهم ينصب على العوامل العقلية والنفسية للمتعلم.

4- يلعب الموقف والموضوع الدور الأهم في عملية استثارة الدافعية للتعلم.

5- تتأثر الحالة النفسية للمتعلم بالظروف القائمة في وقت التعلم.

العوامل المؤثرة في دافعية التعلم

لقد بيّن كلاً من ني وسكمت (Noe & Schmitt, 1986) وجود عوامل فردية وبيئية تؤثر في دافعية الأفراد نحو التعلم؛ فدافعية التعلم تتأثر بالاعتقادات الفردية كامتلاك مهارة دقيقة أو موثوقة، وكذلك التوقعات حول القدرة على تعلم المادة، بالإضافة إلى التوقعات المتعلقة بوجود نتائج مرغوبة ترتبط بالتعلم. كما أن كلاً من الفعالية الذاتية والوعي والقلق ومكان السيطرة (Locus of Control) ودافعية الإنجاز تؤثر في دافعية الأفراد نحو التعلم. كما وقد أشار الباحثان إلى أن دافعية التعلم تتأثر بالادراكات البيئية خاصة من ناحية امتلاك الدعم الاجتماعي والتقنيات التي تسمح بتطبيق المهارات المتعلمة.

وترى أحمد (2000) أن ابرز العوامل المؤثرة في دافعية التعلم لدى طلبة المرحلة الأساسية هي على النحو الأتي:

1- العوامل المرتبطة بالمعلم والبيئة الصفية: وهي تتمثل في قدرة المعلمين ومهاراتهم في توضيح الدروس وفي إعطاء شهادات التقدير والامتياز وتعامل المعلمين مع الطلبة باحترام  وتوفير المعلمين فرصاً للطلبة من أجل المشاركة في إدارة الحصة والتعبير عن الآراء وكثرة الامتحانات التي يطلبها المعلمون وتنوع الوسائل التعليمية التي يستخدمها المعلمون وتشجيع أساليب البحث العلمي في المدرسة وتشجيع الإبداع من قبل المعلمين وربط المعلمين الخبرات الجديدة بالخبرات السابقة.

2- العوامل المرتبطة بالأسرة والمحيط الاجتماعي: وتتمثل في اهتمام الأسرة بأبنائها ومتابعة الأهل لعملية التعليم في المدرسة وتوقعات الأهل بنجاح الطالب في المدرسة والأهمية التي توليها أسرة الطالب للتعليم ورغبة الطالب في إرضاء والديه والعلاقات الودية بين الطالب واخوته ووالديه والجو الأسري العام لأسرة الطالب.

3- العوامل المرتبطة بالطالب نفسه: وتظهر في رغبة الطالب بالتفوق وقدرته على فهم الدروس وشعوره بالنجاح الدائم في دروسه وحالته النفسية وحصوله على الحوافز والمشجعات وأخيرا مدى مناسبة التقدير الذي يحصل عليه لقاء الجهد الذي بذله.

طرق تنمية دافعية التعلم

تشير الدراسات والأبحاث في موضوع دافعية التعلم إلى إمكانية إثارة وتنمية دافعية التعلم لدى الطلبة من خلال ما يقدم لهم من خبرات، وما يعرض لهم من مواقف تعمل على تنشيط وتحريك تفاعلهم مع هذه الخبرات والمواقف وتسهم في توجيه انتباههم وتكثيف جهودهم نحو تحقيق هدف التحصيل.

وتبيّن اورمرود (Ormrod , 1995) أن تنمية دافعية التعلم تكون من خلال ما يلي:

1- ربط المواضيع بحاجات الطلاب الحالية والمستقبلية.

2- التركيز على اهتمامات الطلاب الحالية.

3- إظهار الاهتمام بالمواضيع (المعلمون نماذج في اهتمامهم بالمادة الدراسية).

4- إيصال الاعتقاد للطلاب أنهم يودون التعلم بحيث يصبحون مهتمين ومدفوعين داخليا لإتقان التعلم من خلال كلام المعلمين وأفعالهم.

5- تركيز انتباه الطلاب على الأهداف التعليمية بدلا من الأهداف الأدائية.

6- تشجيع الطلاب على الاستفادة من أخطائهم بشكل بناء.

ويشير كل من البيلي وقاسم والصمادي (1997) إلى أن تنمية دافعية التعلم لدى الطلبة تتمثل في أمرين أساسيين هما:

1-    أن يكون مصدر الدافعية  لدى الطلبة داخليا: ويتمثل بالعوامل الذاتية كالحاجات والاهتمامات وحب الاستطلاع والاستمتاع.

2-    أن يكون نوع الهدف تعليمي: ويتمثل بالرضى الذاتي عن تحقيق التحديات والتحسن والنزعة لاختيار أهداف تمثل تحديا معتدلاً.

ومن الجدير بالذكر أن  للمعلم وغيره من العاملين في مجال التعليم والمرتبطين بالعملية التعليمية دور هام في تحريك واستثارة دافعية التعلم لدى المتعلم وفي رعايتها والاستفادة منها في أعمالهم التعليمية والتربوية. ويوضح الشيباني (2001) بعضاً من المسؤوليات والواجبات التي على المعلم أن يكون ملماً بها حتى يتمكن من استثارة دافعية طلابه للتعلم، كما يلي:

أ- على المعلم أن يكون ملماً بالمعاني الصحيحة والسليمة لمختلف دوافع ومحركات السلوك، وبخصائصها العامة وبأهميتها.

ب- أن يعرف كيف يثير دافعية طلابه للتعلم وللقيام بالنشاط الذاتي الذي يحقق هذا التعلم.

ج- أن يعمل على إثارة أكثر من دافع واحد من دوافع التعلم الداخلية والخارجية لدى طلابه، لتتكاتف هذه الدوافع فيما بينها في تقوية دافعية التعلم.

د- وحتى ينجح المعلم في الإثارة وتحريك دوافع طلابه للتعلم عليه أن يقوم بالعديد من الخطوات والإجراءات على النحو التالي: أن يخطط ويحضر جيدا لدروسه وفقا لمعطيات وقوانين ومبادئ أحدث نظريات التعليم والتعلم، وأن يكون واضحا وواقعيا ومراعيا لقدرات وإمكانيات طلابه في تحديده لأهداف دروسه، وفيما يطلبه من طلابه من واجبات منزلية، وأن ينّوع في وسائل وتقنيات تدريسه، بحيث يتحقق معها وبها أكبر عدد من الحواس، وأن يحسن اختيار وتنظيم وترتيب مادة دروسه بما يجعلها مناسبة لسن طلابه ولمستواهم التعليمي ومرتبطة بخبراتهم ومعلوماتهم السابقة ومشوقة لهم، وأن يتيح لطلابه فرص المشاركة في العملية التعليمية وفرص التعبير عما تعلموه وفرص استخدامه وتطبيقه عمليا في معالجة وحل مشكلات جديدة، وأن يراعي الفروق الفردية بينهم في تحديد مستويات التحصيل المتوقعة منهم وفي معاملتهم، وأن يعاملهم بمستويات التحصيل المتوقعة منهم وبالتقدم الذي أحرزوه في دراستهم وتحصيلهم ويكافئ المجد منهم على تحصيله وإنجازه.


 

السمات الانفعالية – السلوكية

تعد السمات من أبسط الطرق وأقدمها في وصف شخص ما بمصطلحات معينة، وتعود نظرية السمات إلى علم النفس الفارق، وقياس الفروق الفردية. والسمات مفاهيم استعدادية Dispositional Concepts تشير إلى نزعات للفعل أو الاستجابة بطرق معينة. وقد تكون هذه السمات عامة تؤثر على معظم سلوك الفرد، وقد تكون خاصة تؤثر في مواقف معينة من سلوك الفرد (Lazarus,1989).

ويشير الأدب النظري إلى وجود العديد من التعريفات لمفهوم السمة:

فقد عرف ألبورت (Allport) السمة على أنها تركيبات نفس عصبية Neuropsychic structure لديها القدرة على استدعاء العديد من المثيرات الوظيفية بفاعلية، والمبادأة والتوجيه الفعال للعديد من صور السلوك التكيفي التعبيري (Peterson, 1992).

أما كاتل (Cattell) فقد عرف السمة على أنها مجموعة من ردود الأفعال أو الاستجابات التي يربطها نوع من الوحدة والتي تسمح لهذه الاستجابات أن توضع تحت اسم واحد، ومعالجتها بالطريقة ذاتها في معظم الأحوال (عبد الخالق، 1987).

أما ايزنك (Eysenck,1953) فيعرف السمة بأنها مجموعة من الأفعال السلوكية التي تتغير معاً وتتمثل بقدر من الثبات النسبي الذي نلحظه في سلوكيات الأفراد.

ويرى سانتروك (Santrock,2003) أن السمة هي صفة أو خاصية دائمة نسبياً تؤدي سلوكيات محددة ضمن مجموعة متنوعة من المواقف.

بينما يرى وستن (Westen,1999) أن السمة هي ميل سلوكي ومعرفي وانفعالي يشكل أبعاد الشخصية والتي يتفاوت فيها الأفراد.

ويرى لازاروس (Lazarus, 1989) أن لكل شخصية سماتها التي تحدد خصائصها؛ فقد يوصف الشخص بأنه خجول أو عدواني أو خانع أو كسول أو سوداوي أو سهل المعاشرة أو طموح أو غير ذلك من صفات. وهذه السمات الانفعالية والسلوكية تشير إلى تعبيرات ظاهرة أو سطحية كالعدوانية أو صفات أعمق أو أكثر استدلالية كالاعتقادات أو القدرة على التحكم في التعبير عن الدافع.

لذا فقد عرف لارسن وبص (Larsen & Buss, 2002) السمة الانفعالية بأنها نمط (Pattern) من ردود الأفعال الانفعالية التي يعايشها الفرد بثبات عبر مواقف الحياة المتنوعة، وهذا النمط من الخبرات الانفعالية مستقر بمرور الوقت وهي خاصية يمتلكها كل فرد. 

أما السمة السلوكية فيعرفها جيلفورد (Guilford) على أنها خاصية دائمة نسبيا تختص بالإيقاع والشكل والمثابرة وغيرها، ومن خلالها يتسم الفرد بالبطء أو المرح أو التهيج أو الجرأة أو غير ذلك، ويرادفها مصطلح السمات المزاجية أو سمات الشخصية (عبد الخالق، 1987).

ويعرف لازاروس (Lazarus,1989) السمات السلوكية بأنها خصائص أو خصال تتضمن الإيماءات وأساليب السلوك والتفكير غير المرتبطة وظيفيا بأهداف هذا السلوك. بينما يرى كلاً من بارون بايرن وكانتويتز (Baron, Byrne & Kantowitz, 1977) أن السمات السلوكية هي تلك الخصائص التي تبقى تقريباً نفسها من حالة لأخرى ومن وقت لأخر، كوجود استقرار في الاستبدادية (Authoritarianism) أو الانطوائية (Introverted) التي يظهرها الفرد، أو المدى الذي يظهر فيه الفرد ثباتية (Stability) بقدر ملائم بين مفهوم الذات والخبرة.

تشير التعريفات السابقة إلى وجود تباين في تعريفات السمات وذلك بسبب اختلاف وجهات النظر بين علماء النفس حول طبيعة السمة، فعلماء النفس الشخصية وعلم النفس الإكلينيكي ينظرون إلى السمات كحالات أو ترتيبات (Dispositions) داخلية تلعب دوراً سببياً في السلوك، لذا فإن فرضياتهم تستند على السببية (Causality) بمعنى أن السمات هي احتمالات سببية داخلية أو خفية (Hidden) يحملها الأفراد معهم من حالة إلى أخرى ومن موقف إلى آخر تدفعهم للقيام بسلوك معين يلبي ويرضي حاجاتهم ورغباتهم (Larsen & Buss, 2002).

وقد رأى كل من البورت (Allport)، وايزنك (Eysenck)، وجراي (Gray)، وكولنجر (Coloninger) وزوكرمان (Zuckerman) أن السمات هي أنماط حيوية (بيولوجية) في النظام العصبي المركزي والتي تسبب حدوث السلوك وتفسر الاتساق في الوظائف الانفعالية الاجتماعية من حالة لأخرى وبمرور الوقت. أما كلاً من كاتل (Cattel)، وويجنز (Wiggins)، وجولد بيرغ (Gold berg)، وهوجان (Hogan) ومككري وكوستا(McCrae & Costa) فقد رأوا أن السمات هي ميول للتصرف والتفكير، والتي تتفاعل بالمؤثرات الخارجية مثل المعايير الثقافية والمتغيرات التي تفرضها المواقف والأحداث والتي بدورها تؤثر على وظائف الأفراد.

 بينما أشار كل من بص وكرايك (Buss & Craik) إلى أن السمات هي أصناف تصف الأفعال السلوكية، والأفعال التي لها نفس الاحتمالات الوظيفية التي تجمّع ضمن عوائل أو مجموعات. في حين يرى كل من ميشيل (Mischel) وشويدر (Shweder) وهامبسون(Hampson) وهاري وجلت (Harre & Gillett) أن السمات هي قصص مثيرة خيالية (Convenient Fictions) ابتكرت من قبل الناس لتصنيف وفهم تنوع السلوك البشري والخبرات، لذا لا يمكن أن نأخذ لها تأثير سببي، لكن خلال التفاعل والحديث الاجتماعي يبني الناس المعاني حول مصطلحات السمة(McADAMS,  2001).

أنواع السمات الانفعالية – السلوكية

إن السمات هي خصائص يحملها الأفراد معهم من حالة إلى أخرى، ومن موقف إلى أخر وهي ثابتة نسبياً بمرور الوقت خاصةً في سن الرشد، فنحن اليوم نفس أفراد الشهر الماضي أو السنة الماضية وسنواصل امتلاك هذه السمات إلي الشهور والسنوات القادمة (Larsen & Buss, 2002)

ويشير هيلسون وكلونن (Helson & Klohnen)  في (BenZur, 2002) إلى ثلاثة أنواع من التركيبات الانفعالية Emotional Constructs على النحو الآتي:

1-الحالات الانفعالية قصيرة الأمد Short - Term States of Affects: والتي تظهر خلالها الانفعالات كحالات عابرة أو وقتية لثواني أو دقائق أو ساعات وهي تتأثر بالتغييرات الفورية للحدث.

2-السمات الانفعالية الأكثر ديمومة  :The More Enduring Affective Traitsويعبر عنها بأنماط مستقرة من ردود الأفعال والسلوكيات خلال مواقف متنوعة.

3- السمات العليا Higher Order Traits  : وهي تمثل السمات المتضمنة في نموذج العوامل الخمس((Five Factors Modelأو العوامل الخمس الكبرى للشخصية The Big Five  Personality Factors  حيث أشارت نتائج البحوث التي استخدمت التحليل العاملي عن وجود خمس سمات عليا(Higher Traits) وهي سمات ثابتة نسبياً تتضمن عددا من السمات الفرعية التي تدعى السمات الدنيا Lower Order Traits (Facets)  التي تشكل في مجموعها السمات العليا وهذه السمات هي(Larsen& buss, 2002 , Westen ,1999):

1-الاندفاعية (Surgency) وتتضمن: كثير الكلام – الصامت، الاجتماعي – المنعزل،         المغامر – الحذر، المنفتح – المتحفظ.

2-الموافقة / المقبولية (Agreeableness) وتتضمن: القلق–غير القلق، المتعاون–غير المتعاون، اللطيف – المتهور، غير الغيّور – الغيّور.

3-العقلانية (Conscientiousness) وتتضمن: المسؤول– غير المسؤول، غيرالشكاك– الشكاك، المثابر – الثابت، المرتب – المهمل.

4-الاستقرار الانفعالي (Emotional Stability) ويتضمن: غير القلق – القلق،المثير – الهادئ،  المكافح (غير المتعلق) – المعتمد (المتعلق)، المتزن – العصبي.

5- الثقافة (Culture) وتتضمن: المثقف – غير المثقف ، الفنّي – غير الفنّي،البارع – البسيط، المهذب – غير المهذب.

لقد أشار ليرنر وهوكر وتوماس (Lerner, Hooker,& Thomas, 1988) إلى أن السمات الانفعالية – السلوكية السلبية في مرحلة الطفولة متمثلة بما يلي:

1-    القلق (Anxiety) من عمر(1 – 6 سنوات و 7 – 12 سنة) ويتميز الطفل بأنه سهل الخوف، لديه شك ذاتي، متوتر، غير مطمئن، قلق بشأن وضعه في العائلة، قلق حول أدائه على المهمات، يظهر أعراض قلق حادة متمثلة بالكوابيس، الخوف من الحيوانات.

2-    العدوان (Aggression) من عمر(1 – 6 سنوات و 7 – 12 سنة) ويلجأ الطفل إلى الاستخدام الثابت والمفرط للاستراتيجيات التدميرية والعدوانية في تفاعلاته وعلاقاته الشخصية، ويتميز أيضا بأنه عدواني تجاه والديه وأشقائه ومعلميه وزملائه.

3-    الاستياء أو عدم الرضا(Dissatisfaction) من عمر(1 – 6 سنوات) ويتميز الطفل بأنه مستاء بشكل دائم وغير راض عن أدائه ووضعه الاجتماعي وكذلك وضعه ضمن عائلته.

4-    المزاج الكئيب(Depressive Mood) من عمر (7 – 12 سنة) ويتميز الطفل بأنه حزين، يائس، مثبط العزيمة، كما أنه يعرض تعابير وجهية حزينة ويبدي مشاعر غير سارة تجاه معظم أو كل النشاطات العادية وأيضاً يبدي انسحاباً من العائلة والأصدقاء مع وجود اضطرابات في الشهية والنوم، ونقص في مستوى الطاقة فضلاً عن وجود مشاعر ذنب وصعوبة في التركيز.

5-    عدم الالتزام (Under Compliance) من عمر (1 – 6 سنوات) وهنا يبدي الطفل سلوك الفشل في الطاعة أو الاستماع.

6-    العصيان (Disobedience) من عمر (7 – 12 سنة)، حيث يظهر الطفل سلوك العصيان في المنزل وهذه السمة مشابهة لسمة عدم الالتزام.

7-    مشاكل مع الزملاء (Difficulty with Peers) من عمر (1 – 6 سنوات) يظهر الطفل صعوبة في الانسجام مع الأطفال الآخرين.

8-            صعوبات أكاديمية (Academic Difficulties) ويتميز بوجود صعوبات أكاديمية تبرز لديه في المدرسة.

ويرى (Cooper, 1998) أن السمات مصطلح يستخدم للدلالة على الأوصاف المفيدة لكيفية تصرف الأفراد بشكل عام والسمات تصنف ضمن ثلاثة مجالات رئيسية هي:

1-            السمات السلوكية: التي تعكس نمط السلوك لدى الشخص كمفردات: متلهف، خجول، حريص، متسرع ...الخ.

2-            سمات التحصيل (Attainments): والتي تقيس أداء الفرد في مجال محدد، كالاختبارات المدرسية.

3-    سمات القدرة: وهي تهتم بمستوى أداء الفرد المعرفي في بعض المجالات كحل المسائل الحسابية، وفهم الخرائط وتصور الأشكال.

ويشير بنزور(BenZur, 2002) إلى أن النظرة البارزة والحالية تجاه السلوكيات الانفعالية تقوم على بعدين أساسيين هما:

1-            التأثير الإيجابي: والذي يعكس السمات الانفعالية الإيجابية مثل البهجة، الاهتمام، الحماس، الثقة واليقظة.

2-    التأثير السلبي: والذي يصف الاستياء الشخصي ويتكون من السمات الانفعالية السلبية مثل الغضب، الخوف، الحزن، الذنب، الاحتقار والاشمئزاز.

العوامل المؤثرة في السمات الانفعالية – السلوكية

قدّم كلاً من لندجرين وبايرن (Lindgren & Byrne, 1975) إجابة للسؤال المتعلق بتوضيح العوامل المؤثرة في السمات خاصةً من ناحية المساهمات الواسعة للتأثيرات الوراثية والبيئية، حيث أن التأثيرات الوراثية تتضمن الأحداث الفسيولوجية التي تتوسط بين الجينات والسلوك، أما التأثيرات البيئية يمكن أن تفهم من ناحية التأثيرات التجريبية المختلفة في تطوير الفرد مثل التعلم.

كما أشارا  إلى أن الخلفية الوراثية للعمليات الفسيولوجية التي يتفاعل من خلالها الفرد في كل أشكال الحياة تعود إلى تأثير الوراثة والتي تميز السمات والتركيب الطبيعي والميول السلوكية لدى الفرد، فالفرد يرث (46) كروموسوماً من والديه، والكروموسومات هي عبارة عن تراكيب خيطية تكونت من جزيئات ثنائية حلزونية معقدة من حامض ال(Deoxyibonucleic) أو ال(DNA) وهذه الجزيئات تزود بالقاعدة الكيميائية للنقل الوراثي للسمات، مما يجعل الأطفال مشابهين لآبائهم وإخوانهم في مجموعة فريدة من السمات والنواحي الهامة. والفكرة الرئيسية هنا أن بعض أنواع الكروموسومات تؤدي إلى السلوك اللاإجتماعي،  بمعنى أن الخلل أو الزيادة في عدد الكروموسومات عند الفرد قد تؤدي إلى سلوكيات غير سوية.

كما ويرى المنحى البيولوجي النفسي أن اختلاف السمات بين الأفراد يمكن أن يفسر بالاختلافات البيولوجية، فخجل الطفولة مثلاً هو سمة مستقرة نسبياً ويمكن أن تظهر في استجابات الأطفال تجاه المواقف الغريبة والأشخاص الجدد، واختلاف الاستجابات بين الأطفال الخجولين وغير الخجولين تظهر بشكل واضح في ردود الفعل الفسيولوجية الواقعة تحت سيطرة اللوزة (Amygdala). كما ويضيف المنحى البيولوجي النفسي أن السمات المهمة يحتمل أن تكون نتيجة الأنظمة العصبية المسؤولة عن التعزيز والعقاب والإثارة
(Carlson , Martin & Buskist , 2004).

إلا أن تلك التفسيرات المقدمة قد واجهت تحدياً بسبب وجود تأثيرات قوية للعوامل البيئية مثل المعايير الثقافية ومستويات التغذية والتوقعات الوالدية وأساليب تربية الأطفال والتعلم عن طريق النمذجة أو الملاحظة (Lindgren & Byrne , 1975). فالسمات والمواقف والظروف تتفاعل بعضها ببعض، حيث أن عدداً من الأفراد يتأثرون بمواقف محددة اكثر من غيرهم وهم يتعاملون مع المواقف التي يجدون بها أنفسهم، فسماتهم تتأثر بالمتغيرات التي يفرضها الحدث أو الموقف. كما أن اختلاف السمات بين الأفراد يعود إلى الفروق الفردية في المعرفة والتي تتضمن متغيرات الكفاءة الذاتية والتوقعات والقيم وتنظيم الذات والخطط والاستراتيجيات التي يستخدمها الفرد في حياته لتحقيق أهدافه (Carlson , Martin & Buskist,  2004).

ويضيف بارون وزملاؤه (Baron, Byrne & Kantowitz, 1977) أن السمات السلوكية محددة جزئيا بعوامل وراثية تحدد العديد من سمات السلوك، وهذا التحديد الجزئي نابع عن حقيقة مفادها أنه لا يمكن لأي سلوك أن يحدث في غياب بيئته. لذا فقد أشار كاتل (Cattell) إلى أننا لا نستطيع أن نوضح قوة السمات الأساسية بالرجوع إلى العوامل البيئية أو الوراثية فقط  ولكن لا بد لنا إن كنا نرجو بحق أن نتفهم السمات الشخصية الإنسانية من الرجوع إلى كل من العاملين الوراثي والبيئي معاً (الأشول، 1978).

أهمية السمات الانفعالية – السلوكية وانعكاساتها التربوية 

         يتميز الأفراد بشكل عام بأساليب تفكير مختلفة وطرق عمل محددة ومميزة، كما أن تواصلهم وتفاعلهم مع الآخرين يختلف من فرد لأخر نتيجة للاختلافات التي تظهر في سماتهم  الشخصية، فالسمات تتضمن خصائص الأفراد كالقيم والاتجاهات والدوافع والأساليب والمشاعر والاعتقادات والقدرات والأهداف والتي تعمل كقوة مؤثرة على سلوكيات الأفراد ومشاعرهم واستجاباتهم للظروف والمواقف المتنوعة، كما أنها تؤثر على طريقة اختيارهم لبيئتهم أو محيطهم الاجتماعي بشكل يلبي حاجاتهم ورغباتهم وأهدافهم (Carlson, Martin & Buskist, 2004).  وتبرز أهمية السمات الانفعالية – السلوكية من كونها:

1-            تساعدنا في وصف الأفراد وفهم أبعاد الاختلاف بينهم، إذ أنها تعطي خطوطاً عامة عن الفردية الإنسانية.

2-    تساعدنا في توضيح وتفسير سلوكياتنا، حيث أنها تزودنا بفهم واضح حول الخصائص العامة التي تميز شخصا ما عن غيره من الأشخاص.

3-            تزودنا بفهم عام حول الاتجاهات (Trends) المستقرة نسبيا في السلوك والأفكار.

4-            تمكننا من توقع سلوكياتنا المستقبلية (McADAMS, 2001; Larsen & Buss, 2002).

وتبرز أهمية السمات الانفعالية – السلوكية من خلال تأثيرها على دافعية الأفراد، فهي من وجهة نظر البورت (Allport) تتصف بالدينامية  وتقوم بدور دافعي في كل سلوك (غنيم، 2005) . ويؤكد على ذلك ما أشار إليه  كلاً من بص وبولي(Buss & Poley, 1976)، من أن السمات مصطلح يشمل المجالات الرئيسية الثلاثة التالية: الدافعية والقدرات العقلية والمزاج Temperamentوهذا يعني أنها سلوك يتضمن بشكل كبير استجابات طوعية تبحث عن أهداف مختلفة (الدافعية) وموجهة بنظام توظيفي للمعلومات(القدرات العقلية) لتضع تعديلات دورية طبقاً للحالات الطارئة لكل من الثواب والعقاب.

كما أن السمات الانفعالية – السلوكية سواء أكانت نحو عملية التعلم بشكل عام أو نحو المدرسة والمواد الدراسية بشكل خاص فهي تسهم بنسبة عالية من تباين تحصيل الطلاب، وكذلك في دافعيتهم نحو التعلم، وقد أشار ميخائيل (1981) إلى جملة من العوامل الانفعالية والنفسية التي يمكن أن تؤثر على العملية التعليمية والدافعية نحو التعلم وهي:

1- عوامل مرتبطة بالتفضيل الشخصي للمتعلم، الميل، اتجاهاته الخاصة نحو التعلم أو نحو بعض المواد الدراسية، القلق، الخوف، الانطواء، تشتت الانتباه، وخبرات المتعلم السابقة.

2- عوامل مرتبطة بسلوك الوالدين واتجاهاتهم نحو التعلم أو تفضيلاتهم لمواد دراسية دون أخرى.

3- عوامل مرتبطة بالمدرسة وبطرائق التدريس والمناهج والمدرسين.

4- عوامل مرتبطة بالمادة الدراسية مثل: صعوبة المادة وجفافها وتجريدها.

5- عوامل مرتبطة بالقدرات المعرفية والعقلية لدى المتعلم للتعامل مع الأوجه المختلفة للمواد الدراسية.

وتبرز أهمية السمات أيضا من كونها تتأثر بعمليات التعلم والتعليم لذا فقد اهتم البورت بمبادئ التعلم التي تكمن وراء تكوين السمات وتعديلها وتغييرها والتي ترتبط بخبرات التعلم التي يعيشها الفرد أثناء عملية النمو، حيث أنها تتغير وتتبدل في سياق عملية النمو كما تتضمن تغييرا في دوافعه (عمران والعجمي، 2005).

وهذا يتفق مع ما أورده سكنر بأن سمات الشخصية قابلة للتعديل من خلال إعادة تنظيم المواقف البيئية، كما يؤكد باندورا أن الشخصية متعلمة؛ حيث أن التفاعل بين السلوك والبيئة والعوامل المعرفية للفرد هو العامل الحاسم في تكوين الشخصية (الريماوي، 2004).

أما كارلسون و مارتن و بسكست (Carlson , Martin & Buskist , 2004) فقد أشاروا إلى أننا نمتلك سمات انفعالية – سلوكية متطورة ومستقرة، وهذا لا يعني أن سماتنا هي سمات حيوية (بيولوجية) بحتة وأن عمليات التعلم غير متضمنة في سماتنا، ولكننا
نريد أن نوضح أنه إذا كان التعلم يحدث تغييرات في سماتنا الانفعالية – السلوكية؛ فإن تلك التغييرات يجب أن تحدث في عقولنا.

لذا فإن البحث في سمات الطلاب الانفعالية – السلوكية يمكّن المعلمين من التعرف على سماتهم وابتكار الاستراتيجيات التي تهدف إلى تنمية دافعيتهم للتعلم، وتعد إستراتيجية حل المشكلات من الاستراتيجيات المعرفية التي تحقق تقدماً ملحوظاً في عمليات التعلم والتعليم فهي تؤثر إيجابياً على دافعية الطلبة ونجاحهم الأكاديمي، ويؤكد على ذلك ما أشار إليه ولرد (Willard, 1994) في دراسته التي بيّنت أن هناك علاقة دالة إحصائيا بين القدرة على حل المشكلات والنجاح الأكاديمي.

مفهوم حل المشكلات

عرف ترافرز (Travers, 1977) المشكلة بأنها الحالة التي يشعر من خلالها الشخص بعدم التوازن بسبب عدم توفر خبرة سابقة لديه تساعده في إعادة التوازن.

أما لي (Lee, 1992) فقد عرفها على أنها موقف مثير لم يتعرض له الفرد مسبقا وليس لديه استجابة جاهزة له. كما وقد لخص (Lee, 1992) التعريفات التالية للمشكلة:

المشكلة سؤال محير لا يوجد له حل في الوقت الذي يتم طرحه أو عرضه.

المشكلة موقف محير، والفرد غير مستعد للاستجابة له.

يمكن إدراك المشكلة من قبل الفرد، ولكن ليس لديه حل فوري لها.

أما حل المشكلة فتشير إلى العملية التي يستخدم فيها الفرد عملياته العقلية للانتقال من الحالة الحالية غير المرضية إلى الحالة التي يتم فيها حل المشكلة "حالة الهدف"
 (
Westen, 1999).

ويعرف أندرسون (Anderson,1980) حل المشكلة بأنه سلسلة من العمليات المعرفية الموجهة نحو هدف. بينما يعرفها شنك (Schunk, 1991) بأنه الجهود التي يبذلها الفرد لتحقيق هدف ليس لديه حل جاهز لتحقيقه.

ويشير اتكنسون وزملاؤه (Atkinson , et.al , 1996) إلى أن حل المشكلة هو الحالة التي نكافح ونسعى من خلالها للوصول إلى هدف لا نمتلكه، والتي بموجبها يتم تجزئة الهدف العام إلى مجموعة من الأهداف الثانوية، ومن ثم تجزئة الأهداف الثانوية إلى مجموعة أصغر من الأهداف الفرعية التي تمكننا من الوصول إلى المستوى الذي نحتاجه والهادف إلى حل المشكلة. ويقترح سيمون (Simon) المشار إليه في (Klein, 1996) بأن تفتيت المشكلة إلى أجزاء صغيرة منظمة ضمن مجموعات يساعد في تحويل المشكلة من مشكلة سيئة التحديد إلى أخرى محددة تحديدا جيدا والذي بدوره يسهم في الوصول إلى حل واضح لها.

خصائص حل المشكلة   Characteristics of Problem Solving

تنشأ الحاجة إلى حل المشكلة عندما يكون هناك عائق يعترض سبيل تحقيق الهدف، وعملية حل المشكلة تتطلب جهوداً فكرية – معرفية منظمة، يلجأ الفرد من خلالها إلى استخدام مخزون المعلومات والمهارات والمعارف والخبرات السابقة، وتنظيمها في صورة استجابة جديدة للوصول إلى حل للموقف الغامض، ويمكن القول إن عملية حل المشكلة تتميز في أبسط صورها وأهمها من خلال عدد من الخصائص المتمثلة باحتوائها على هدف وإدراك للعلاقات الأساسية في الموقف، وتتضمن أيضاً عنصر الاختيار؛ لأن من أهم الوسائل إلى الحل الناجح القدرة على استعادة الخبرات المناسبة، كما تتميز باحتوائها على عنصر الاستبصار لأنها تتضمن إعادة تنظيم الخبرات المناسبة في صورة حل كامل وذلك في ضوء العلاقات بين الوسيلة والغاية بوجه خاص، فضلاً عن احتوائها أيضا على عنصر الإبداع، إذ ينتج عنها مركب جديد في أساسه – أي إعادة تنظيم الأفكار أو الحركات أو كليهما، وأخيراً فإنها تتميز باحتوائها على عنصر النقد، لأنه من الضروري تقويم كفاية الفروض أو الحلول المبدئية (القوصى، 1963).

كما ويشير اشكرافت (Ashcraft, 1994) إلى أن حل المشكلة يتميز بالخصائص التالية:

1- حل المشكلة يوجه سلوك الفرد نحو هدف معين Goal Directedness .

2- حل المشكلة يتضمن تقسيم الهدف الكلي إلى مجموعة من الأهداف الجزئية
Subgoal Decomposition, حيث أن إنجاز كل خطوة من خطوات حل المشكلة يعد هدفاً جزئيا،ً والفرد يتابع الوصول إلى الأهداف الجزئية واحداً تلو الأخر ليشكل في مجموعها الهدف الكلي.

3- حل المشكلة يسير وفق خطوات منظمة ومتسلسلة، فهو يتضمن سلسلة التحركات ابتداء من المرحلة الأولية للمشكلة إلى مرحلة الحل أو إنجاز الهدف؛ لذا فإن حل المشكلة يتطلب استخدام عمليات عقلية متنوعة Cognitive Operations ، وإعادة تنظيم للخبرات السابقة ذات الصلة بموقف المشكلة.

أنواع المشكلات:-

تتباين المشكلات من حيث نوعيتها وطبيعتها ودرجة صعوبتها؛ لذا فقد حاول بعض الباحثين تصنيف المشكلات بناءً على المهارات العقلية العامة المستخدمة في حلها، حيث قام جرينو (Greno) بتصنيف المشكلات إلى ثلاثة أنواع، وكل نوع يتطلب أشكالاً مختلفة من المهارات والمعرفة اللازمة للحل، وهذه الأنواع الثلاثة من المشكلات هي على النحو       الأتي (Feldman , 1990):

1- مشكلات الترتيب Arrangement Problems: وهي مشكلات يمكن حلها من خلال إعادة تنظيم عناصرها بطريقة ترضي معياراً محدداً، ورغم أن هذه العناصر يمكن ترتيبها بطرق مختلفة إلا أن ترتيبا واحدا يحقق المعيار، ومن الأمثلة عليها مشكلات الإبدال (Anagram) التي تتطلب إعادة ترتيب الأحرف في تشكيل الكلمات مثل أن يعيد الطالب ترتيب أحرف كلمة (RWAET) لكي يعطي كلمة مناسبة (WATER).

2- مشكلات الاستقراء (استقراء البنية) Inducing Structure Problems: وهي المشكلات التي يتطلب حلها إيجاد علاقة بين العناصر المقدمة وبناء علاقة جديدة بينها؛ ففي المثال التالي والمؤلف من سلسلة من الأعداد الموضوعة بشكل أزواج (14, 24, 34, 44, 54, 64) فإن قاعدة الحل تتمثل في الكشف عن العلاقة التي تربط عناصر السلسلة، وهذه العلاقة تشير إلى أن العدد الأول من كل زوج من الأعداد يبقى ثابتاً بينما يزيد العدد الثاني بمقدار واحد لكل زوج.

3- مشكلات التحويل Transformation Problems: ويتضمن هذا النوع من المشكلات حالة أولية أو ابتدائية (Initial State)، وحالة هدفية (Goal State) وسلسلة من العمليات والإجراءات لتحويل الحالة الأولية إلى حالة الهدف، ومن الأمثلة على هذا النوع من المشكلات مشكلة برج هانوي ((Tower of Hanoi.

كما حدد ريتمان (Reitman) المشار إليه في العتوم (2004) خمسة أنواع من المشكلات حسب درجة وضوح المعطيات والأهداف وانعكاس ذلك على إمكانية الحل:

1-   المعطيات والأهداف واضحة ومحددة ويتوقع أن يكون الحل سهلاً جداً.

2-   المعطيات واضحة جداً والأهداف غير محددة، ويتوقع أن يكون الحل ممكناً ولكن بصعوبة.

3-   المعطيات غير واضحة والأهداف محددة وواضحة، ويتوقع أن يكون الحل ممكناً ولكن بصعوبة.

4-   المعطيات والأهداف غير واضحة وغير محددة، ويتوقع أن يكون الحل صعباً.

5- مشكلات الاستبصار: وهي مشكلات لها حل ولكن الانتقال من المعطيات إلى الأهداف يحتاج إلى درجة عالية من التفكير والتأمل وإدراك العلاقة بين المعطيات والوسائل ليصل الفرد إلى الحل بصورة مفاجئة.

أما جونثر(Guenther,1998) فقد قام بوضع تصنيف لأنواع  المشكلات بناء على درجة وضوحها:

1- المشكلات جيدة التحديد Well - Defined Problems  وتمتاز بالخصائص التالية: أهدافها واضحة وطريق أو مسار الحل فيها محدد وتمتاز بوجود أدوات وتقنيات محددة لإنجاز الهدف أو إيجاد الحل كما أن البدائل الضرورية للحل متوفرة في معطياتها. ومن الأمثلة عليها: ترتيب حروف كلمة TULBERS لتشكيل كلمة إنجليزية وأيضا إيجاد القيمة المجهولة في المعادلة التالية: 24 =  x / 3.2. 

2- المشكلات المحددة سيئة التحديد Ill - Defined Problems وتمتاز بالخصائص التالية:

أهدافها غير واضحة وطريق أو مسار الحل فيها غير محدد وتحتوي على اكثر من طريقة لإيجاد الحل كما أن معطياتها تتضمن القليل من المؤشرات والمعلومات التي يمكن استخدامها في الحل بالإضافة إلى أنها تتطلب من الفرد تنشيط مخططاته العقلية الملائمة في الذاكرة طويلة المدى واستدعائها لأنها تحتاج إلى الكثير من المعالجات المعرفية. ومن الأمثلة عليها، كيف تحسن سمعة مؤسسة أكاديمية.

خطوات حل المشكلة:-

توصف عملية حل المشكلة بأنه عملية منظمة تتضمن سلسلة من الخطوات المتبعة لتحقيق الهدف وإزالة المشكلة، وقد أشار ويكفيلد (Wakefield, 1996) إلى أن العديد من العلماء من أمثال سولسو(Solso) وسنومان (Snowman) وروجيرو (Ruggierp) ويكوفش (Yekovich) قد اتفقوا على خمس خطوات أساسية تتبع في حل المشكلة على النحو التالي:

1- تحديد المشكلة Identify a problem :

وهو الاعتراف بوجود مشكلة والإحساس بها واستشعارها دون امتلاك طريقة حل محددة لإزالتها وإنجاز الحل أو الهدف المرغوب.

2- تمثيل المشكلة Represent the problem :

تمثيل المشكلة يتضمن مجموعة القرارات التي تعّرف بطريقة ما إمكانية حل المشكلة وإزالتها من خلال بناء فهم خاص للمشكلة من قبل من يقوم بحلها. والمشكلات المحددة تحديداً جيداً أسهل حلاً من المشكلات المحددة تحديداً سيئاً وذلك لتميزها بوضوح المعالم والمعطيات، فهي مقدمة بشكل لا يتطلب أكثر من إعادة صياغة لها.

3- جمع المعلومات Gather information :

لحل المشكلة فإننا نحتاج لجمع معلومات عنها وغالباً ما تكون من المعرفة المسبقة أو الذاكرة  وهناك أربعة مصادر أساسية تعتبر ذات قيمة ضمن النطاق التعليمي والتي يمكن الحصول عليها من: المعلمين والبرامج التعليمية ومن خبرات الطالب وكذلك من حالة التعليم الحالية.


 

4- توليد الحل Generate a solution :

إيجاد الحل يتم من خلال الوسائل المتاحة لإنجاز الهدف المرغوب في ضوء معطيات المشكلة، والمعلم قادر على إيجاد الحل من خلال اختيار وترتيب النشاطات اللازمة لتصميم الإستراتيجية الملائمة للحل.

5- تنفيذ الحل وتقويمه Implement and evaluate the solution :

تنفيذ الحل وتقويمه يبدأ باختيار إستراتيجية تحقيق الهدف، وينتهي بالحكم على مدى فاعلية الإستراتيجية في تحقيق الهدف المرغوب. والتقويم يجب أن يكون قبل البدء بالحل وبعد تنفيذه لأنه يساعد في تلافي الكثير من الأخطاء، ولابد للتقييم أن يكون في ضوء أطر عمل ثابتة ومنظمة.

وبالرجوع إلى أدبيات حل المشكلات فقد ذكر كل من مك كونيل وفيلبشاك
(
McConnell & Philipchalk, 1992) بأن خطوات حل المشكلة ليست ثابتة أو جامدة على الفرد اتباعها عند مواجهته لمشكلة ما، بل أنه يمتلك المرونة في الانتقال من خطوة إلى أخرى حسبما تقتضيه المشكلة من تفكير، وهذه الخطوات هي:

1-              تحديد الهدف: من خلال إدراك ووعي الفرد بوجود مشكلة ما، وتحديده للهدف الذي يحاول إنجازه وتحقيقه.

2-     تحديد نقطة البداية (Original State) والتي تتضمن تحديد نقطة البداية ومعرفة من أين ينبغي على الفرد أن يبدأ لإزالة المشكلة وتدعى هذه الحالة بخط الأساس
(
Base Line).

3-              تحديد القواعد المراد استخدامها في الحل.

4-              البدء بتنفيذ الحلول المحتملة.

5-     بناء تصور داخلي للمشكلة باستخدام العمليات العقلية، ومعالجة العناصرالمختلفة للمشكلة معرفياً اكثر من التركيز على النواحي الفيزيائية.

استراتيجيات حل المشكلة:-

إن حل المشكلات يختلف عن حل المسائل، حيث أن حل المسألة قد يتطلب استخدام الفرد لقانون، وإذا طبق القانون بالشكل الصحيح فإن الشخص يصل إلى نتائج صحيحة. أما حل المشكلة فإن مهارة الفرد يجب أن تتعدى استخدام وتوظيف القوانين والقواعد لإيجاد الحل المناسب، وقد يتطلب الوصول إلى حل صحيح اقتراح بدائل جديدة ربما تتضمن الخطوات أو الطريقة أو عناصر الحل (الهويدي، 2005). فبعد أن يتم تحديد وتعريف المشكلة وبمعنى آخر بعد أن يتم تمثيل المشكلة، فإن الخطوة التالية هي تطوير خطة أو إستراتيجية للعمل وبالرجوع إلى أدبيات حل المشكلة فهناك العديد من الاستراتيجيات المبتكرة لإزالة المشكلة وتحقيق الهدف وكل واحدة من هذه الاستراتيجيات لها تقنياتها الخاصة التي تخدم كدليل لحل المشكلة (Malim & Birch , 1998) .

1-  الخوارزميات (Algorithms):  وهي عبارة عن مجموعة منظمة من القواعد التي تستخدم لحل نوع معين من المشاكل، فخوارزمية الطرح هي عبارة عن عدد مطروح من الآخر بهدف الحصول على الجواب الصحيح. لذا فهي تمتاز بدقة التطبيق وينتج عنها حل دقيق (Klein , 1996).

 

2-  إستراتيجية الحل (العمل) العكسي Working Backward: تستخدم هذه الإستراتيجية لحل بعض المشاكل المتعلقة بالمسائل الحسابية واثبات البراهين، وذلك من خلال البدء بالحل من الهدف المراد إنجازه، ومن ثم العودة إلى الوضع الأول للمشكلة، ويطرح الكاتب مثالا على ذلك: الطالب الذي يُعطى مستطيلا أضلاعه هي (أ، ب، ج، د) ويُطلب منه إثبات أن (أ د) و(ب ج) لهما نفس الطول (متطابقان)، إذا أراد الطالب أن يعمل بإستراتيجية الحل العكسي فإنه سيسأل في البداية ما الذي يثبت أن (أ د) و (ب ج) متطابقان؟،... ويستطيع إثبات ذلك إذا تمكن من إثبات أن المثلثين (أ ج د) و (ب ج د) متطابقان؛ فالطالب هنا يبدأ بالعمل من الهدف المراد إثباته. والخطوة الثانية هي التفكير المتعلق بإثبات إن المثلثين(أ ج د) و(ب ج د) متطابقان، ويكون ذلك بإثبات أن الجانبين والزاوية المتضمنة بينهما متطابقان. هكذا فإن الطالب قد فكر بطريقة عكسية من خلال الهدف الثانوي إلى الهدف الثانوي الآخر. إن المفتاح الرئيسي للعمل بطريقة عكسية هو أن يحلل الهدف الأساسي إلى مجموعة من الأهداف

الثانوية التي سيستدل من خلالها على الحل للهدف الأصلي الأساسي (Anderson , 1985).

           

3- حلال المشكلات العام General Problem Solver GPS: وهي طريقة تقوم على اختيار الأهداف الجزئية، وقد تمت دراستها بصورة مكثفة من قبل " Newell and Simon " حيث استخدماها في برامج حل المشكلات بواسطة الحاسوب واسم هذا البرنامج " حلال المشكلات العام " والذي هو تقليد لحل المشكلات من قبل البشر. فالطريقة العامة لحلال المشكلات تبدأ بترجمة نص المشكلة إلى تمثل داخلي للحالة أو للمعطيات وللحالة الهدفية ومجموع التحركات. وهذه القائمة تتضمن جميع حالات المشكلة الممكنة مع توضيح مدى بعد كل جزء عن الآخر، ويتضمن حل المشكلات تجزيء المشكلة إلى أهداف جزئية وإنجاز كل هدف جزئي من خلال تطبيق تقنيات متنوعة لحل المشكلة، كل منها يغير حالة المشكلة باتجاه الهدف الجزئي . فيمكن أن يحاول البرنامج استخدام تقنية معينة ويلاحظ هل قرّب حالة المشكلة أكثر نحو الهدف الجزئي من خلال الاطلاع على الفرق الموجود بقائمة الروابط. فإذا نجحت هذه الطريقة فإن البرنامج يستخدمها مرة أخرى، أما إذا فشلت فيحاول البرنامج أن يستخدم طريقة أخرى، وهكذا. ويمكن أن تستخدم هذه التقنية في حلّ مدى واسع من المشكلات مثل مشكلة برج هانوي ومشكلات الأحرف المتسلسلة ومشكلات الحساب وغيرها من أنواع المشكلات (الزغول والزغول، 2003).

4- حل المشكلات بالقياس (التناظر) Analogy : بهذه الإستراتيجية يحاول الفرد أو (حلال المشكلة) استخدام قاعدة أو طريقة إحدى المشكلات السابقة لتوجهه إلى حل مشكلات أخرى مشابهة، وغالباً ما تستخدم هذه الإستراتيجية في حل تمارين الرياضيات، حيث يحاول الطلاب استخدام طريقة الحل في مثال ما بنقل الخطوات المتبعة فيه إلى أمثلة أخرى جديدة مشابهة حسب مبدأ القياس أو التناظر(Anderson, 1985).

5- إستراتيجية تجزئة المشكلةBreak down Problem: عندما تكون المشكلات أكثر تعقيداً أو لا يمكن حلها من خلال استخدام حل مباشر لها، فمن المستحسن هو تجزئة هذه المشكلة إلى أجزاء، أي تجزئة الهدف النهائي إلى مجموعة أهداف جزئية Subgoal بحيث أن تحقيق هذه الأهداف يوصل إلى الحل النهائي للمشكلة موضوع الاهتمام. وهذا يعني أن ضرورة ترتيب أولوية التحركات نحو تحقيق هذه الأهداف، بحيث أن تحقيق أي هدف فرعي يجب أن يساعد بالوصول إلى هدف أخر، وهكذا يفترض التسلسل في التحركات نحو تحقيق هذه الأهداف النوعية إلى أن يتم الوصول إلى الحل النهائي للمشكلة (الريماوي واخرون، 2004).

6- إستراتيجية التناقض Contradiction : تستخدم هذه الإستراتيجية مع المشاكل التي لها مجموعة صغيرة من الإجابات البديلة وواحدة منها فقط تكون صحيحة، ويجري تطبيق هذه الإستراتيجية مع أمثلة البراهين في الرياضيات، فالبراهين تفترض أن النظرية خاطئة وتشتق التناقض من الفرضية، كما ويمكن استخدام إستراتيجية التناقض مع اختبارات الاختيار من متعدد على اعتبار أن كل البدائل المقدمة تناقض الإجابة الصحيحة ما عدا واحدة فقط تتفق معها وتكون منبثقة من معطيات المشكلة (Wickelgren , 1979).

7- إستراتيجية التعمق التقدمي Progressing Deepening : تستند هذه الإستراتيجية إلى شجرة قرارات (Decision Tree)، وهي عبارة عن مخطط يوضح البدائل الممكنة لحل مشكلة معينة  (غالباً ما تكون مؤلفة من بديلين)، واستعمال شجرة القرارات في حل المشكلات يطلق عليها اسم التعمق التقدمي نحو حل المشكلة، وفي إطار هذه الإستراتيجية يتبع الباحث الحل عبر فروع الشجرة إلى أن يصل إلى الحل المنشود، وفي حال اكتشاف عدم مناسبة حل أو اقتراح معين يعود الباحث إلى الأصل ويتبع فرعاً جديداً. ويفضل أن يسير العمل في إطار هذه الإستراتيجية من القريب الواضح إلى البعيد الخفي، ومن آخر نقطة في النظام إلى أوله، ومن الأصل للفروع (نشواتي، 1984).

8- إستراتيجية الاستدلال المنطقي Logical Reasoning Strategy : وهي إستراتيجية شائعة الاستخدام وخاصة في المشكلات التي تتضمن عبارات شرطية وتلك التي تتضمن إيجاد قواعد سببية منطقية أثناء الحل (شواشرة، 2004).

9- إستراتيجية المحاولة والخطأ Trial and Error Strategy : تبرز فعالية هذه الإستراتيجية عندما تكون الحلول المقترحة لحل المشكلة قليلة ولا تحقق الهدف، لذا يلجأ الفرد إلى الحل باستخدام إستراتيجية المحاولة والخطأ التي تقوم على تطبيق التحركات بطريقة عشوائية تكون إحداها ناجحة في الوصول للحل، ومن الأمثلة عليها عند مواجهة الفرد بجهاز تلفاز غريب الشكل في غرفة الفندق، فإنه يقوم بالضغط على زر واحد فقط وإذا اخطأ الاختيار يعاود الضغط على الزر الثاني فالثالث ...، إلى أن تنجح المحاولة بإضاءة جهاز التلفاز. وغالباً ما يتم استخدام هذه الإستراتيجية مع المشاكل غير المألوفة بالرغم من عدم جدواها مع بعض المشكلات المعقدة (Myers, 1989).

10- إستراتيجية تسلق التلة Hill Climping Strategy : وهي إستراتيجية منظمة وبسيطة يتم من خلالها التحرك من الوضع الراهن إلى وضع يجعل الفرد أقرب للوضع النهائي، فإذا كان الفرد عند وضع معين، فالمطلوب تقييم الوضع الذي يمكن أن يصل إليه من خلال الحركة، إذ أن الحركة الملائمة هي التي تقربه نحو الهدف، لذا فهو بحاجة إلى استخدام إجراءات التقويم على ضوء القرب أو البعد من الأهداف النهائية. ومن عيوب هذه الإستراتيجية أنها يمكن أن تقود الفرد إلى حالة قريبة من حالة الهدف مؤقتاً ولكنه قد يضطر للتراجع عنها في خطوات لاحقة(الزغول والزغول، 2003).

11- التوليدية (الإرشادية) Heuristics : وهي إستراتيجية تتضمن افضل تخمين أو قد تتضمن طريقة حلّ تجريبية للمشكلة وتمتاز بتعدد الوسائل والأساليب وتعتبر هذه الطريقة بديلاً فعالاً للبحوث والموضوعات التي يصعب فيها استخدام الخوارزميات. فالطريقة التوليدية قد لا توصل الشخص إلى الحل ولكنها تزيد من إمكانية الحل، ويمكن طرح المثال التالي بهدف التوضيح: إذا افترضنا أن شخصا ما يلعب لعبة الشطرنج، فإن استعمال الخوارزمية لاكتشاف طريقة الفوز ليست وسيلة عملية أو مجدية، إلا أن استخدام الإستراتيجية التوليدية تساعد في تحقيق أقصى حماية ممكنة للملكة في اللعبة ولكن ليس بالضرورة أن تكون قادرا على حماية الملكة والفوز باللعبة، إلا أن استعمال هذه الإستراتيجية ربما يساعد في إيجاد طريقة الفوز. وتستخدم هذه الإستراتيجية مع المشكلات سيئة التحديد (Klein , 1996 ).

12- إستراتيجية تخفيض الفروق The Difference - Reduction Method : وتصلح هذه الإستراتيجية في المشكلات غير المألوفة من خلال تقليل الفروق بين الوضع الحالي والهدف المنشود. ويقوم الباحث باختيار سلوكيات تقرب الفرد من الهدف كالعمل بمبادئ التشابه والمقارنة أو تحويل عناصر المشكلة إلى هيئة جديدة تقرب من الحل ولكن هذه الإستراتيجية ليس من الضروري أن توصل الفرد إلى الحل النهائي المنشود (العتوم، 2004).

 13- الإستراتيجية الممثلة (التمثيلية – Representativeness) : وهي إستراتيجية إرشادية تكون أحكامها مستندة فقط إلى الخصائص الواضحة للمشكلة، وبالرغم من كونها تسمح بعمل قرارات سريعة حول المشكلة إلا أنها تهمل معلومات مهمة؛ لذا فإنها غالباً ما تؤدي إلى حلول غير منطقية، إلا أن استخدامها عادةً ينبع من سببين رئيسيين هما: أن هذه الإستراتيجية في أغلب الأحيان تعمل أو تؤدي غرضاً ما تجاه المشكلة وكذلك فإنها تسمح باتخاذ قرارات سريعة حول المشكلة (Klein, 1996).

14- إستراتيجية التبصر Insight Strategy : وهي إستراتيجية تتضمن الوعي المفاجئ للعلاقات بين العناصر المختلفة للمشكلة التي بدت مستقلة سابقاً عن بعضها البعض (Feldman, 1990). حيث أن الطرق المبتكرة التي تسمح لنا بحل المشاكل ضمن وميض مفاجئ من الإلهام يدعى التبصر(Myers,1989). والذي هو إعادة تنظيم إدراكي مفاجئ (Malim & Birch, 1998).

15- إستراتيجية الحذف Act it or (Eliminate) : وفيها يتم تشخيص المشكلة وطرح أحد عناصرها جانباً لفترة ما، وذلك لتطوير صورة واضحة عن بيانات المشكلة، وعمليات الحل معاً، مما يساعد على إدراك أفضل للمشكلة (شواشرة، 2004).

16- الإستراتيجية التيسيرية (التوفر – Availability): وهذه الإستراتيجية تعتمد على المعلومات التي يمكن الحصول عليها بسهولة للتدبير، وهي إستراتيجية إرشادية تعني أن الحلول غالباً ما تكون مستندة إلى التجارب والخبرات الحديثة التي تكون متوفرة في أذهاننا ومعارفنا، فعلى سبيل المثال: الشخص الذي قرر أن تكون رحلته بالطائرة فإنه يتراجع عن قراره في حال سماعه للتو عن حادث مروّع لتحطم طائرة، لأن مخاوفه حول أخطار الطيران ستدفعه لاختيار السيارة لقضاء رحلته بالرغم من أن هذا الحل قد يستلزم وقتاً وجهداً أكثر بكثير (Klein , 1996).

17- إستراتيجية رسم الصورة Draw a Picture : إن رسم صورة معبرة أو شكل معين يمثل معطيات المشكلة قد يساعد على فهم ومعالجة بيانات المشكلة وبالتالي حلها
(العتوم، 2004).

18- إستراتيجية تحليل الوسائل والغايات Means - Ends Analysis وتقوم هذه الإستراتيجية على مقارنة الوضع الحالي للمشكلة بحالة الهدف وتمييز الاختلاف بينهما ثم استخدام هذا الاختلاف للمساعدة في تقرير وتحديد العامل (Operator) الذي يجب اختياره لإزالة هذا الاختلاف، وإذا كان هناك أكثر من عامل، فسوف يتم استخدام العامل الذي يزيل الجزء الأكبر من الاختلاف، ويستمر تطبيق هذه التقنية على الوضع الجديد للمشكلة حتى يتم تقليل الفروق بين الوضع الحالي للمشكلة وحالة الهدف وتصبح الفروق في حدها الأدنى (Medin , Ross & Markman , 2001).

 وأيضاً تقوم هذه الإستراتيجية على تجزئة المشكلة إلى سلسلة من المشاكل الفرعية التي يمكن حلها، وهذه الحلول تباعاً قد تجعل من الممكن حل المشكلة الأصلية (Klein,1996).

19- إستراتيجية العصف الذهني Brain Storming Strategy : هي إستراتيجية تهدف إلى وضع العقل في حالة من الإثارة لإنتاج أكبر قدر من الأفكار اللازمة للتوصل إلى الحل الإبداعي المناسب وتسمى هذه الإستراتيجية أيضاً بأسلوب (إمطار الدماغ)، وهي إستراتيجية جماعية تتضمن مشاركة تلقائية للأفكار من جميع أفراد المجموعة فضلاً عن إمكانية تطبيقها بشكل فردي، وتستند هذه الإستراتيجية إلى أربع ركائز أساسية متمثلة بما يلي:

1-             عدم توجيه النقد لأي فرد من أفراد المجموعة، حيث يتم تأجيل جميع الأحكام لغاية انتهاء الجلسة.

2-             توليد أكبر قدر من الحلول للمشكلة (فالأكثر يعني الأفضل).

3-             تشجيع الأفكار الأصيلة والفريدة.

4-             بناء الحل وتقريره اعتماداً على الأفكار المطروحة من أفراد المجموعة.

أما دور المعلم في هذه الإستراتيجية هو المسهل لهذه العملية من خلال تحديده للمشكلة وإتاحتة الفرصة لأعضاء المجموعة لإنتاج أكبر قدر من الأفكار التي تتميز بالأصالة والحداثة (Huffman, Vernoy & Vernoy, 1997).

يتضح مما سبق تعدد استراتيجيات حل المشكلة بحسب الغرض الذي تؤديه؛ فمنها ما يركز على اتباع مجموعة منظمة من القواعد التي تستخدم لحل نوع معين من المشاكل، وغالباً ما تستخدم هذه الاستراتيجيات مع المشكلات المحددة تحديداً جيداً كإستراتيجية الخوارزميات وإستراتيجية العمل العكسي وإستراتيجية حلال المشكلات العام وإستراتيجية حل المشكلات بالقياس وإستراتيجية تجزئة المشكلة وإستراتيجية التناقض وإستراتيجية التعمق التقدمي وإستراتيجية الاستدلال المنطقي. وهناك استراتيجيات تتضمن أفضل تخمين أو قد تتضمن طريقة حل تجريبية للمشكلة التي يصعب فيها استخدام مجموعة منظمة من القواعد أو تستخدم مع المشكلات المحددة تحديداً سيئاً كإستراتيجية المحاولة والخطأ وإستراتيجية تسلق التلة والإستراتيجية التوليدية وإستراتيجية تخفيض الفروق والإستراتيجية الممثلة وإستراتيجية التبصر وإستراتيجية الحذف والإستراتيجية التيسيرية وإستراتيجية رسم الصورة . ولغايات هذه الدراسة فقد رأى الباحث ضرورة تدريب العينة المستهدفة على كيفية التعامل مع المشكلات جيدة وسيئة التحديد لهدف تنمية دافعيتهم للتعلم، فالمتعلم قد يفاجئ بمشكلات ومواقف تعليمية قد تتطلب منه اتباع خطوات محددة لإنجازها وأخرى قد لا تتطلب منه اتباع تلك الخطوات، وإنما تفرض عليه إعادة تنظيم إدراكي لعناصر الموقف التعليمي ومعرفة العلاقة بين معطيات وعناصر المشكلة لإنتاج أفكار تتميز بالمرونة والحداثة و تسهم في إزالة المشكلة وتحقيق الهدف، لذا سيلجأ الباحث إلى استخدام إستراتيجيتين تكون إحداهما مثالاً على الاستراتيجيات التي تتبع مجموعة منظمة من القواعد (إستراتيجية تحليل الوسائل والغايات) والأخرى تكون مثالاً على الاستراتيجيات التي تتبع أفضل تخمين للتوصل للحل (إستراتيجية العصف الذهني) وسيكتفي الباحث بهاتين الإستراتيجيتين ليتمكن من تدريب العينة المستهدفة بالدراسة على جميع أسس وأهداف وإجراءات الإستراتيجيتين وليفتح لها المجال لممارسة الأنشطة التي تنمي دافعيتهم للتعلم.

علاقة الدافعية بالسمات الانفعالية – السلوكية واستراتيجيات حل المشكلة

لقد تحّدث علماء النفس عن مصطلح السمة، ويشير هذا المصطلح إلى أي خاصية أو عنصر يتحقق في الشخصية الإنسانية، ويركز على السلوكيات المنتظمة للأفراد . أما الدافعية فهي القوة التي تحفز السلوك وتوجهه نحو هدف معين(Westen,1999)، وهي تختلف في النوع والكمية والكثافة اعتماداً على طبيعة الشخص وظروفه وسماته (Larsen & Buss , 2002). والسمات وفقاً لنظرية البورت لها قوة دافعية، تلعب دوراً دافعياً ومحركاً للسلوك (عمران والعجمي، 2005)، والسمات من وجهة نظر علماء الشخصية والاكلينيكيين داخلية بمعنى أن الأفراد يحملون رغباتهم وحاجاتهم من حالة إلى أخرى وهذه الرغبات والحاجات هي السبب الذي يفسر سلوك الأفراد. كما أن الدوافع هي حالات داخلية تثير السلوك وتوجهه نحو غرض معين وهي تشير إلى الهدف الذي يدفع الناس للاعتقاد والتصرف والشعور بطرق معينة (Larsen &Buss,  2002).

ويشير مادي (Maddi, 1996)  أن التعريف المرن للسمة يتضمن الدافعية، وهذا التعريف غير مهتم بالتمييز الدقيق بين الدافع والسمة. فالسمات هي المظاهر العامة من الشخصية التي يمكننا أن نقارن بها بين الأفراد ودافعيتهم (عمران والعجمي، 2005). وبالرغم من أن السمات لها تأثير قوي على دافعية الأفراد، فهي تؤثر أيضا في دافعيتهم للتعلم ويؤكد على ذلك ما جاء به تيرنر(Turner, 2003) الذي أكد من خلال دراسته بأن دافعية التعلم ترتبط بشكل إيجابي مع الانبساطية (Extraversion) والوعي والموافقة والانفتاحية بينما ترتبط بشكل سلبي مع العصابية (Neuroticism).

وفي مراجعة لسمات الشخصية وبحوث التعلم وجد ديراد وسكونبيرغ (Deraad & Schouwenburg, 1996) أن هناك علاقة وثيقة بين سمات الشخصية ونتائج الاختبارات، فالرغبة في براعة الأداء ارتبطت مع الوعي العالي والموافقة المنخفضة، وأصالة الأفكار ارتبطت مع المستوى العالي من الانفتاحية، أما الميل لعدم ترك المهمات تجاه العقبات فقد ارتبطت مع مستوى منخفض من العصابية (Neuroticism) ومستوى عالٍ من الوعي الذاتي (Self - Conscientiousness).

كما أشار كولكت وسيميرنج (Colqitte & Simmering, 1998) إلى أن الوعي والهدف الموجه يرتبط بشكل إيجابي بدافعية التعلم، بينما يرتبط القلق سلباً بدافعية التعلم، فالأفراد ذوو الهدف الموجه والدرجة المنخفضة من القلق كانوا أكثر اندفاعاً أو تحفزاً للتعلم.

 

كما أن مستويات السلوكيات الانفعالية المختلفة لها تأثير قوي على الدافعية، فالطالب الذي يشعر بالخوف يستجيب بشكل مختلف عن الطالب الذي يشعر بالثقة والطمأنينة، والطالب الذي حصل على درجة عالية في المدرسة لن يستجيب بشكل عدائي كالطالب الذي حصل على درجة أقل (Sprinthall , Sprinthall & Oja , 1994).

 وللتغلب على المشاعر المرتبطة بادراكات بعض الأفراد للانفعالات السلبية، تقترح البحوث الحديثة إمكانية اعتبارها مشاعر محفزة، وعلى سبيل المثال، هنالك بعض المشاعر المرتبطة بالخوف والقلق قد تعمل كحافز يقلل من المشاعر السلبية المنبثقة عنها، فتسلق شجرة قد يبدو للوهلة الأولى مرتبطاً بمشاعر الخوف والقلق ولكن بعد عدد من المحاولات فإن هذه المخاوف المبدئية المنبثقة عن تسلق الشجرة تصبح فيما بعد مثيرات محفزة وممتعة لا يمكن تجنبها في المستقبل، وهذه الظاهرة تشير إلى نظرية الخصم – الند لاكتساب الدافعية (Opponent Process Theory of Acquired Motivation) والتي تهدف إلى وضع الأفراد في مواقف مستفزة (ساخرة وتهكمية) من اجل إظهار الشجاعة بدلا من إهمالها وتجنبها (Sprinthall , Sprinthall & Oja , 1994).

كما وجد علماء النفس أن الإثارة الفسيولوجية المرتبطة ببعض السلوكيات الانفعالية يمكن أن تتحول من مجال دافعي إلى أخر، فعلى سبيل المثال، الأشخاص الذين أُثيروا انفعاليا عند مشاهدة لعبة الهوكي العنيفة وجدوا أنفسهم مستثارين جنسيا بشكل أسهل من الذين لم يشاهدوا اللعبة (Carlson , Martin & Buskist , 2004).

أما ضمن النطاق التربوي عامة والموقف التعليمي الصفي بشكل خاص فإنه يمكن اعتبار بعض سمات القلق والخوف المنبثقة عن تحديد موعد للامتحانات انفعالات سلبية لكنها تعمل على تحفيز دافعيته التعلم والتحصيل، ويطلق عليها قلق الإنجاز. لذلك فإن كثيراً من مواقف الحياة بشكل عام والمواقف التي يتعرض لها الطلبة داخل المدرسة بشكل خاص لا يمكن تفسيرها على أنها انفعالات سلبية بل تمثل مواقف تثير التحدي والدافعية في التعامل معها. إضافة إلى ذلك فإن هناك بعض المعايير التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في وصف الانفعالات والسلوكيات تبعا للفروق الفردية بين الأفراد، فما يعتبر انفعالاً إيجابياً لشخص ما قد نعتبره انفعالاً سلبياً لشخص آخر، لذلك فإن تحديد الانفعالات أو حتى مجرد وصفها يعتمد على كيفية إدراك الأفراد لها ويتطلب أيضا التعرف على الكيفية التي يواجه بها الأفراد مشكلاتهم وتحديد الاستراتيجيات المعرفية التي تنقصهم (Carlson , Martin & Buskist , 2004).

وتعد إستراتيجية حل المشكلات من الاستراتيجيات المعرفية التي ترتبط إيجابيا بدافعية التعلم ويحتل تعلم المشكلات الترتيب الأعلى ضمن مستويات أنواع التعلم وفق تصور جانييه إذ يكتشف المتعلم خلال هذه العملية مجموعة من القواعد والقوانين التي تم تعلمها سابقاً يمكن أن تستخدم للوصول إلى حل موقف جديد وهي بحد ذاتها تعلم جديد لأنها تمكن المتعلم من اكتساب قواعد ذات مستوى أرفع يمكن استخدامها في المستقبل لمواجهة مواقف جديدة             مشابهة (الزغول والزغول، 2003).

كما تؤكد نتائج الدراسات على العلاقة الإيجابية بين حل المشكلات من جهة وبين الدافعية ودافعية التحصيل (الإنجاز) من جهة أخرى. فقد أجرى قطامي وقطامي (1991) دراسة هدفت إلى معرفة اثر درجة الذكاء والدافعية للإنجاز على أسلوب تفكير حل المشكلات لدى عينة من الطلبة المتفوقين، وأسفرت النتائج عن أن عامل الذكاء من أهم المتغيرات التي تؤثر في مستوى تفكير حل المشكلة، كما بيّنت نتائج الدراسة أن الطلاب المتفوقين يميلون بطبيعتهم لبذل مستوى تفكير أكثر تنظيماً، وأكثر فاعلية لحل المشكلة، وخاصة ضمن المواقف التحصيلية.

كما أشارت نتائج دراسة كليفورد (Clifford, 1991) إلى أن طلاب المرحلة الابتدائية من الصف الثالث إلى السادس قد اظهروا دافعية أعلى للتعلم عند مواجهتهم بمشكلات ومهمات تتحدى إمكانياتهم. وأشار تايلر وفاسو (Tyler & Vasu, 1995) إلى وجود علاقة ارتباطية دالة إحصائيا بين دافعية الإنجاز وحل المشكلات. كما أكد مارجولس (Margolis, 2005) على علاقة الدافعية بأسلوب حل المشكلات حيث أشار إلى فاعلية أسلوب حل المشكلات في إثارة دافعية الطلاب تجاه المهمات الأكاديمية، والصعبة منها بشكل خاص.

ودرس فرنش وتوماس((French & Thomas, 1958 العلاقة بين دافع التحصيل (الإنجاز) والقدرة على حل المشكلات من خلال تقديم مشكلات صعبة للطلبة، وأشارت نتائج الدراسة أن احتمال الوصول إلى حل للمشكلة كان أعلى لدى الأفراد ذوي دافع الإنجاز المرتفع من أقرانهم ذوي دافع الإنجاز المنخفض(أبو علام، 1986).

ومن الجدير بالذكر أن هناك علاقة ارتباطيه بين السمات من جهة وأسلوب حل المشكلات من جهة أخرى، حيث أن سمات الشخصية تؤثر على الأداء الجيد في مواقف حل المشكلة؛ فقد وجد العلماء النفسيون من أمثال ارمسترونج (Armstrong) وايرنست (Ernest) أن الأفراد الذين يدركون أنفسهم على انهم متعلمون مؤهلون وذوو كفاءة ميالون لارتكاب أخطاء أقل عند حل المشكلات من الأفراد الذين لا يدركون أنفسهم على أنهم مؤهلون أو ذوو كفاءة عالية، كما وجدوا أيضاً  تباينا في السمات بين الذكور والإناث في القدرة على حل المشكلات، حيث يتفوق الذكور على الإناث في مهارات حل المشكلات التقليدية، أما الإناث فقد اظهروا تفوقاً على الذكور في المهارات الشخصية (McConnell & Philipchalk , 1992).

كما أجرى هيبنر (Heppner , 1987) دراسة هدفت إلى التعرف على العلاقة بين التقييم الذاتي لحل المشكلات ومؤشرات الصحة النفسية على عينة من طلبة الجامعة مؤلفة من (35) فرداً قيموا أنفسهم على أنهم فعالون في حل المشكلات و(21) فرداً قيموا أنفسهم على أنهم غير فعالين في حل المشكلات، وأشارت النتائج إلى وجود ارتباط دال إحصائيا بين تقييم الذات في حل المشكلات والتكيف النفسي، فالأفراد الفعالون في حل المشكلات كانوا أكثر تركيزاً على حل المشكلة، كما أن مفهوم الذات لديهم أكثر إيجابية وكانوا أقل لوماً للذات من الأفراد غير الفعالين في حل المشكلات.

وبذلك يمكن القول أن تنمية دافعية التعلم تتأثر إيجابيا بالنمو الانفعالي السليم، واستراتيجيات حل المشكلة تسهم في تعزيز هذا النمو وتؤدي إلى تكيف انفعالي – سلوكي ينعكس إيجابيا على دافعية الطلبة نحو التعلم. ومن هنا ولغايات هذه الدراسة سيتم بيان أثر التدريب على استراتيجية حل المشكلة المستند الى السمات الانفعالية – السلوكية في تنمية دافعية التعلم.

مشكلة الدراسة:

تعتبر دافعية التعلم من الموضوعات التي تشكل تحديا للمعلمين والقائمين على العملية التعليمية، فمعظم الأبحاث والدراسات ركزت على طرق التدريس والتعليم التي تسهم في تنمية دافعية التعلم لدى الطلبة، ولكن التساؤل الذي أضحى قضية جدلية بين القائمين على العملية التعليمية – التعلمية يخبر عن وجود حلقة مفقودة تتعلق بموضوع دافعية التعلم على الرغم من استخدام المعلمين لطرائق واستراتيجيات التدريس المختلفة ، فمن الجدير بالذكر أن السمات الانفعالية – السلوكية ذات صلة وثيقة بدافعية التعلم كما يتضح من الأدب السابق. حيث أن تبني استراتيجيات فعالة في حل المشكلات يعمل على تنمية دافعية التعلم لأن التفكير في حل المشكلة ينمي اتجاه التفكير العلمي ومهاراته عند الطلبة، ويدربهم على مواجهة مشكلاتهم التعليمية بطريقة ناجحة، فهو سلوك متعلم ويمكن أن يتطور لدى الفرد من خلال الممارسة والتدريب ومن خلال إتباع استراتيجيات عمل مناسبة، كما أنه يسهم في تحسين القدرات التحليلية عند الطلبة ويمكنهم من تعلم الحقائق والمفاهيم ونقلها إلى مواقف جديدة.

وبسبب قلة الدراسات العربية والأجنبية التي تناولت المتغيرات السابقة بشكل مباشر ومترابط حسب حدود علم الباحث، فقد جاءت فكرة هذه الدراسة والتي تهدف إلى الكشف عن

أثر التدريب على استراتيجية حل المشكلة المستند الى السمات الانفعالية – السلوكية في تنمية دافعية التعلم. كما وتحاول هذه الدراسة الإجابة عن الأسئلة التالية:

1.    ما أثر التدريب على استراتيجية حل المشكلة المستند إلى السمات الانفعالية – السلوكية في تنمية دافعية التعلم لدى عينة الدراسة والذين يمتلكون سمات انفعالية – سلوكية منخفضة ؟.

2.     هل يختلف أثر التدريب على استراتيجية حل المشكلة المستند الى السمات الانفعالية – السلوكية في تنمية دافعية التعلم على الأبعاد الستة لمقياس دافعية التعلم لدى عينة الدراسة والذين يمتلكون سمات انفعالية – سلوكية منخفضة باختلاف الجنس والمجموعة والتفاعل بينهما ؟.

أهمية الدراسة:

تكمن أهمية الدراسة في بيان أثر التدريب على استراتيجية حل المشكلة المستند الى السمات الانفعالية – السلوكية في تنمية دافعية التعلم لدى عينة الدراسة من خلال بناء برنامج تدريبي قائم على استراتيجيتي العصف الذهني، وتحليل الوسائل والغايات ومصمم في ضوء الأبعاد الستة لمقياس تقدير السمات الانفعالية – السلوكية   Emotional and Behavioral Rating Scale(BERS-2)  ومن شأنه تنمية دافعية التعلم لدى الطلبة.

وتتضح أهميتها أيضا في قلة الدراسات العربية والأجنبية التي درست العلاقة بين هذه المتغيرات على النحو الذي ستقوم به هذه الدراسة، مما يفتح مجالاً لدراسات لاحقة بناءً على نتائجها.

بالإضافة إلى أن هذه الدراسة توفر مقياس (BERS-2) Behavioral and Emotional    Rating Scaleوهو مقياس لتقدير السمات الانفعالية - السلوكية، حيث قام الباحث بترجمته وتقنينه على عينة من المجتمع الأردني والذي يمكن من خلاله تقدير السمات الانفعالية – السلوكية والتنبؤ بمدى تأثير هذه السمات على دافعية الطلبة بشكل عام ودافعيتهم للتعلم بشكل خاص.

إضافة لما سبق فإن الدراسة الحالية قد تفتح آفاقا جديدة للتربويين في مجال توظيف أساليب التعليم آخذين بعين الأعتبار سمات الطلبة الانفعالية – السلوكية بالإضافة إلى دمج آليات واستراتيجيات حل المشكلات والذي أصبح هدفا من أهداف التربية الحديثة في الوقت الحاضر.  

تعريف المفاهيم

دافعية التعلم: هي حالة داخلية لدى المتعلم تحض سلوكه نحو الموقف التعليمي وتوجهه وتبقي عليه حتى يتحقق التعلم، وتتحدد في هذه الدراسة بالدرجة الكلية التي يحصل عليها الطالب على مقياس دافعية التعلم المستخدم في الدراسة.

إستراتيجية حل المشكلة: نمط الاستجابة الذي يستخدمه المشارك عندما يقوم بنشاط حل المشكلة على استراتيجيتي العصف الذهني وتحليل الوسائل والغايات.

السمات الانفعالية – السلوكية: وهي تلك الخصائص أو الخصال التي تتميز بقدر من الثبات النسبي والتي تظهر في سلوكيات الطلبة ويعبر عنها بالدرجة الكلية للسمة الانفعالية - السلوكية التي يحصل عليها الطالب على مقياس تقدير السمات الانفعالية – السلوكية المستخدم في هذه الدراسة.

السمات الانفعالية – السلوكية المنخفضة: هي سمات الطلبة الحاصلين على علامة تائية أقل من (100) كونها تمثل المتوسط، كما جاء في دليل مقياس تقدير السمات الانفعالية – السلوكية في صورته الأصلية (Epstien, 1998).

محددات الدراسة :

تتحدد نتائج هذه الدراسة بما يلي:

1- اقتصرت هذه الدراسة على عينة من طلبة الصف الأول الثانوي في إحدى المدارس الخاصة في محافظة العاصمة – عمان حيث يجب توخي الحذر في تعميم نتائج هذه الدراسة على عينات أخرى.

2- صدق البرنامج التدريبي الذي طور لأغراض الدراسة حيث تم استخدام نوع واحد من انواع الصدق وهو صدق المحكمين.

3- اقتصرت عملية تحديد الطلبة ذوي السمات الانفعالية – السلوكية المنخفضة في عينة الدراسة على مقياس تقدير السمات الانفعالية – السلوكية (BERS-2 ) في الكشف عن التباين بين الطلبة ذوي السمات الانفعالية – السلوكية المرتفعة والمنخفضة.

4- اقتصرت عملية تدريب عينة الدراسة على استخدام استراتيجيتين فقط من استراتيجيات حل المشكلات وهي: إستراتيجية العصف الذهني وإستراتيجية تحليل الوسائل والغايات حيث أن استراتيجيات حل المشكلات تتضمن استراتيجيات أخرى، إلا أن أهداف البرنامج التدريبي اقتصر فقط على استخدام الأستراتيجيتين السابقتين.

5- المعلومات التي قدمها الآباء والمعلمين والتي ساهمت في تحديد الطلبة ذوي السمات الانفعالية – السلوكية المنخفضة.


Back

Hosted by www.Geocities.ws
GridHoster Web Hosting
1