وثائق بريطانيا السرية تكشف أسرار حرب أكتوبر
 

السادات أبلغ بريطانيا بقرار العبور

 

السادات فى موسكو مع برجنيف فى لقاء قمة مع القادة السوفيت

لندن ـ خاص بالأهرام العربي


هل فاجأ السادات الغرب بحرب أكتوبر؟‏!‏
ربما إلا بريطانيا‏.‏
هل كان السادات يراهن بشكل كامل علي الولايات المتحدة لحل الأزمة سلميا بين العرب وإسرائيل بعد حرب‏67‏ ؟
لم يحدث ذلك إلا متأخرا‏.‏ فقد ظل حتي أواخر عام‏72‏ يضغط علي أوروبا خاصة بريطانيا للقيام بدور إيجابي لحل القضية بما يخدم مصالح العرب وبريطانيا‏.‏ وحاول السادات منح الغرب الأوروبي فرصة ليكون قوة مؤثرة‏..‏ ولكن أوروبا ترددت‏.‏
بل إن بريطانيا رأت أن أية محاولة مصرية لاستعادة الأرض بالقوة مغامرة طائشة‏.‏
هل كان السادات هو أول من نحت تعبير أن‏%99‏ من أوراق اللعبة في يد الأمريكيين؟‏!‏
لا‏.‏ فالبريطانيون قالوها قبله لكن بلغتهم هم وأقروا علي الأقل في يوليوعام‏73‏ وربما قبل ذلك بأن الولايات المتحدة وحدها هي القادرة علي ممارسة ضغط علي إسرائيل‏.‏
الوثائق البريطانية التي رفعت السرية عنها تباعا طوال العام المنصرم تكشف كثيرا من أسرار أسلوب السادات في إدارة أزمة تسليح الجيش المصري بعد هزيمة‏67‏ والتنسيق العربي قبيل الحرب‏.‏
تجيب الوثائق المفرج عنها بعد مرور ثلاثين عاما وفقا لقانون الوثائق البريطاني علي كثير من الأسئلة حول أسباب طرد السادات للخبراء العسكريين السوفيت‏.‏ وخفايا التوتر بين السادات وحكومة سير إدوارد هيث البريطانية حول النفوذ السوفيتي في مصر ومصادر السادات في تسليح الجيش المصري إستعدادا لمعركة أيقن من البداية أنها هي الحل الوحيد‏.‏
 

السادات مستغربا‏..‏ وهيث يرد


في الرابع عشر من شهر أغسطس عام‏1972‏ بعث رئيس الوزراء البريطاني برسالة إلي السادات حملها الدكتور حسن الزيات وزير الخارجية المصري يشكو فيها قلقه‏'‏ نتيجة استمرار جمود مشكلة الشرق الأوسط‏'.‏
ورد عليه السادات برسالة في التاسع من الشهر التالي‏.‏ وكان فيها أكثر صراحة بل عصبية وتعبيرا عن عدم رضاه عن الموقف الأوروبي‏.‏ وحذر السادات في الرسالة‏(‏ صورة الوثيقة الأولي‏)‏ من أن‏'‏ ركود الموقف الراهن في منطقة الشرق الأوسط قد أصبح يلقي بظله علي تطوير علاقاتنا في مختلف المجالات‏'.‏ وتساءل السادات مستغربا‏:'‏ لا أري كيف يمكن لأوروبا أن تتخلي عن القيام بدور إيجابي لإقرار السلام في هذه المنطقة التي ترتبط بها برباط وثيق من المصالح المشتركة‏'.‏
في الوقت نفسه وجه السادات رسائل مباشرة قوية اللهجة وأكثر صراحة وحسما إلي الحكومة البريطانية خلال لقاء سري بينه وبين أندرسون مسئول مبيعات الأسلحة في وزارة الدفاع البريطانية بحضور سير ريتشارد بيمونت سفير بريطانيا لدي القاهرة في يوم‏23‏ أغسطس عام‏72‏ في الإسكندرية‏.‏ وشملت الرسائل أهداف السادات السياسية والعسكرية في المرحلة القادمة‏.‏
وردا علي رسائل السادات المكتوبة والشفوية بعث هيث إليه برسالة سرية‏.‏ وركز علي الدور الأوروبي في الشرق الأوسط‏.‏ وأشار هيث إلي أن هدف بريطانيا هو‏'‏ تحقيق انسجام أوثق في السياسات الخارجية للدول الأعضاء في المجموعة الأوروبية الموسعة تجاه قضايا الشرق الأوسط وغيرها من المشكلات‏'.‏
وعلي الرغم من إقرار هيث بأن هناك‏'‏ إدراكا مشتركا بالمخاطر الكامنة في الموقف الراهن‏'‏ فإنه صارح السادات بألا يتوقع أي شيء من أوروبا علي المسار السلمي‏.‏ وقال‏:‏ بينما لايمكنني توقع أي أفق قريب لمبادرة أوروبية غربية لكسر الجمود فإن هناك إشارات مشجعة علي ميل متنام من جانب دول أوروبا الغربية علي العمل معا بشكل وثيق حول مسائل الشرق الأوسط‏.‏
وقد بدا واضحا من رسالة هيث أن أوروبا في ذلك الوقت اعتبرت أنها تفعل مايكفي بالتصويت علي قرارات مجلس الأمن والتدخل لدي إسرائيل أحيانا‏.‏ وفي مسألة القرارات لفتت رسالة هيث انتباه السادات إلي‏'‏ سجل الدول الأوروبية الأربع التصويتي في مجلس الأمن في الشهور الأخيرة‏'.‏ وفيما يتعلق بما اعتبر ضعوطا علي الدولة اليهودية أشار هيث إلي أن‏'‏ ستة من شركائنا تدخلوا كما فعلنا نحن أيضا لدي السلطات الإسرائيلية بشأن هجوم إسرائيل الأخير علي سوريا ولبنان‏'.‏
 

مجرد تهديدات


وجاءت هذه الاتصالات بين السادات وهيث بعد أسابيع قليلة من قرار السادات طرد الخبراء السوفيت من مصر في يوم السابع من يوليوعام‏72‏ وكان هذا التطور محور تقويم أجرته وزارة الخارجية البريطانية وقدمته لرئيس الوزراء‏(‏ هيث‏)‏ حول الوضع في مصر بعد أن قدم السفير البريطاني في القاهرة تقريره في هذا الصدد‏.‏ وهذا التقويم كان استجابة لطلب رئيس الحكومة من وزير خارجيته سير أليس هوم حول رد الفعل الذي يتعين أن تتخذه بريطانيا إزاء التطورات في مصر‏'.‏
وفيما يلي أهم محتويات هذا التقويم الذي جاء في رسالة سرية الي سي‏.‏ دبليو روبرتس بمقر الحكومة في‏10‏ داوننج ستريت‏:‏
‏1‏ ـ اتفاق السادات والعقيد القذافي علي إقامة اتحاد كامل بين مصر وليبيا لتكوين جمهورية عربية متحدة جديدة بحلول شهر سبتمبر عام‏73‏ يفتقد إلي حماس الكثيرين سواء في مصر وليبيا خاصة في ضوء المصير السيء الذي لقيه الاتحاد بين مصر وسوريا‏.‏
‏2‏ ـ بناء عليه يجب أن يتم التعامل مع مصر وليبيا كل علي حده‏.‏
‏3‏ ـ التطورات الأخيرة في مصر خاصة طرد العسكريين السوفيت خفض مجددا من مصداقية أي حل عسكري من جانب مصر لحسم نزاعها مع إسرائيل‏.‏
‏4‏ ـ من النتائج المؤكدة لهذه التطورات داخل مصر زيادة رغبة وحاجة مصر إلي الدعم والتعاطف من بريطانيا وشركائها في المجموعة الأوروبية الموسعة‏.‏
‏5‏ ـ أما كيفية إرضاء هذه الرغبة وتلبية تلك الحاجة فقد كان هو موضوع مراجعة أجريت في وزارة الخارجية البريطانية في شهر يونيو الماضي عام‏72‏ للسياسة الداخلية المصرية‏.‏
‏6‏ـ خلصت هذه المراجعة إلي أن استمرار الجمود بشأن النزاع العربي ـ الإسرائيلي يشكل تهديدا متناميا لمصالحنا في العالم العربي‏,‏ لأن الإحباط لدي العرب إزاء‏'‏ الوضع الراهن‏'‏ يمكن أن يدفع بهم الي البحث عن كباش فداء والتصرف ضد هذه الكباش بشكل غير رشيد أو غير عقلاني‏.‏
في وثائق أخري حذرت تقارير تقويمية مختلفة من أن هذه الكباش ستكون هي الدول الأوروبية‏.‏ أما التصرف فسيكون قطع البترول لإجبارها علي الضغط علي إسرائيل‏.‏
‏7‏ـ لو أريد تقليل هذا الخطر فإنه يتعين اتخاذ إجراء لإقامة علاقات أوثق مع مصر‏.‏ وقد جعلت التطورات الأخيرة في مصر هذا الإجراء أكثر من ضروري‏.‏
‏8‏ ـ لا مجال لمبادرة سياسية دراماتيكية من جانب بريطانيا أو المجموعة الأوروبية من شأنها تحقيق تسوية تفاوضية للنزاع العربي الإسرائيلي وفقا لشروط مقبولة لدي المصريين‏.‏ ولذلك فإن دعم جهود الدكتور يارنج‏(‏ أمين عام الأمم المتحدة‏)‏ هي أفضل تحرك‏.‏
‏9‏ ـ في المجال العسكري فإن بريطانيا في أفضل وضع يمكنها من تقديم لفتة إيجابية‏.‏ فالمصريون حريصون للغاية لأن تفعل لندن ذلك‏.‏ ويعتقد وزير الخارجية بأن سحب العسكريين السوفيت من مصر يقدم فرصا جديدة لبريطانيا كي تعمل علي مزيد من تقويض النفوذ السوفيتي‏.‏ وسيكون من غير الحكمة ومن الخطورة لأسباب واضحة‏,‏ فضلا عن قدرة مواردنا أن نتعامل مع مصر عسكريا إلي درجة تقترب من الدرجة التي كان عليها السوفيت أو نحاول أن نعطي مصر‏'‏ تكافؤا عسكريا‏'‏ مع إسرائيل‏:‏ فهذا سوف يعني تزويد مصر بأسلحة هجومية مما قد يزيد التوتر وينذر بخطر تجدد العمليات القتالية‏.‏
غير أنه مالم يحصل المصريون علي هذه القدرات فإننا نواجه الاحتمال المظلم الكئيب وهو أن المصريين قد يضطرون بسبب الإحباط من عدم دعمنا لهم إلي أساليب يائسة وربما يعودون إلي الاعتماد حتي بدرجة أكبر علي الاتحاد السوفيتي‏.‏
‏10‏ ـ المصريون يطلبون طائرات هليوكبتر من طراز سي كينجز التي يمكن تزويدها بأنظمة مضادة للغواصات‏.‏ غير أن هذه الأنظمة مصنفة ضمن القوائم السرية لوزارة الدفاع التي تخشي من أنه إذا حصل عليها المصريون سوف تقع في أيدي الروس‏.‏ وبعد انسحاب الروس فإن هذا الخطر قد انخفض‏.‏ وقد أوصت وزارة الخارجية وزير الدفاع‏(‏ لورد كارنجتون‏)‏ بالموافقة علي طلب المصريين الحصول علي هذه الأنظمة‏.‏ أما فيما يتعلق بنظام الصواريخ المضادة للطائرات‏'‏ رابيير‏'‏ فإن هناك حججا أمنية وسياسية مع وضد تزويد مصر بها‏.‏ وتقوم لجنة المخابرات المشتركة بدراسة الموضوع‏.‏ وقد طلب سير أليس وزير الخارجية قرارا سريعا‏.‏
‏11‏ـ صدرت تعليمات إلي السفير البريطاني في مصر بدعوة وزير الخارجية المصري لزيارة لندن لإجراء جولة من المفاوضات في شهر سبتمبر وذلك وهو في طريقه إلي نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة‏.‏ وربما يلتقي سير أليس بأشرف مروان مستشار الرئيس السادات لو زار لندن الأسبوع القادم كما هو متوقع‏.‏
 

سري وعاجل


ظلت مسألة الأسلحة تشغل حيزا كبيرا من الاتصالات بين مصر وبريطانيا خلال الأشهر التالية‏.‏ وكان الرئيس السادات يشارك فيها شخصيا ومعه وزير الدفاع الفريق صادق مع الوفود البريطانية‏.‏
وأبرز اللقاءات المباشرة التي طرح السادات خلالها عددا غير قليل من أوراقه وكان حاسما منتقدا بشدة أحيانا لموقف البريطانيين الذي رآه مماطلا متباطئا في الرد علي طلبيات الأسلحة‏,‏ ذلك الاجتماع الذي سبقت الإشارة إليه وضم السادات من ناحية وريجنالد أندرسون ممثل إدارة مبيعات الأسلحة في وزارة الدفاع البريطانية وسير ريتشارد بيمونت سفير بريطانيا في القاهرة‏.‏ ففي الثالث والعشرين من شهر أغسطس عام‏72‏ التقي السادات بالمسئولين البريطانيين في الإسكندرية‏.‏ وبعد اللقاء أبرق بيمونت برسالة عاجلة وسرية للغاية إلي حكومته‏.‏ وجري توزيع الرسالة التي جاءت في ثماني صفحات من القطع الكبير علي مكتب رئيس الوزراء ومسئولين محددين بالاسم في أجهزة الاستخبارات ووزارتي الدفاع والخارجية وسفارات بريطانيا‏.‏ كما أرسلت تحت عبارة معلومات لها أولوية إلي سفارات بريطانيا في عمان وبيروت وجدة وموسكو وباريس وتل أبيب وطرابلس وواشنطن والبعثة الدبلوماسية الدائمة في الأمم المتحدة‏.‏
ومضمون الرسالة الرئيسي جاء تحت عنوان‏:‏ زيارة الرئيس السادات يوم‏23‏ أغسطس‏.‏ وتضمنت‏13‏ فقرة‏.‏ مرفق صورة الصفحة الأولي من الوثيقة وبعض صفحاتها وعليها إشارات للفقرات المهمة‏.‏
وفيما أهم ما جاء بالرسالة كما كتبها بيمونت‏:‏
‏1‏ـ لقد طرحت نقطة أن سياستنا الخاصة بإمدادات الأسلحة لاتزال كما هي دون تغيير‏.‏ غير إنه مع انسحاب الوجود العسكري السوفيتي تغيرت جوانب معينة في الموقف‏.‏ وقدم أندرسون ممثل مبيعات الأسلحة في وزارة الدفاع عرضا موجزا لاجتماعه مع الفريق صادق في اليوم السابق‏.‏ وأعرب عن استعداد حكومة بريطانيا المساعدة في إنشاء خط شركة بي إيه سي لإنتاج طائرات سترايك ماستر‏167.‏ وقد وجه الرئيس السادات كلامه إلي إندرسون وأشار مازحا هازلا إلي أن هذا لايكفي‏.‏ ثم قال إنه يود أن يناقش أولا رسالة رئيس الوزراء‏.‏
‏2‏ ـ أعرب عن ترحيبه بالاستجابة لاقتراح رئيس الوزراء بالاجتماع معه واعتبره مفيدا للغاية‏.‏ غير أن برنامجه كرئيس الوزراء مشغول جدا خلال عام‏72‏ وأنه يأمل لذلك في إمكانية ترتيب شيء ما في عام‏73‏ وكان الرئيس ممتنا كما قال للاقتراح الخاص بالحفاظ علي اتصال وثيق وأنه يرحب بالفعل باتصال أوثق بدرجة أكبر مما ينشد خطاب رئيس الوزراء‏.‏

نص المفاوضات بين السادات والسفير البريطانى بالقاهرة والتى أكد فيها السادات ضرورة القيام بعمل عسكرى
ظنون بريطانية‏..‏ وصرامة مصرية


‏3‏ـ وقال السادات إن هناك ملاحظتين يود أن يبدأ بهما للفراغ منهما‏.‏ أولاهما‏:‏ الإشارة في الماضي من جانبك رئيس الوزراء إلي‏'‏ الوجود السوفيتي‏'‏ أو‏'‏ السيطرة السوفيتية علي السياسة المصرية‏'‏ أو‏'‏ التغلغل السوفيتي في مصر‏'.‏ وحول هذا الموضوع فإنه يرغب في أن يؤكد أن حرية الحكومة المصرية في اتخاذ قراراتها لم يتم التنازل عنها في أي وقت‏.‏ فمصر لديها سياسة مستقلة والقرارات تتخذ في القاهرة‏.‏ وهو يعتقد أنه أوضح ذلك لك في سبتمبر عام‏1971,‏ وأنه لذلك يأسف بأن يعلم أن مفهوم‏'‏ السيطرة السوفيتية‏'‏ علي مصر قد تكرر في اجتماع سنتو في شهر يونيو‏.‏ ومضي السادات يقول إنه علي كل حال فإنه مهما يكن ظن الحكومة البريطانية حول السيطرة السوفيتية علي السياسة المصرية في الماضي فإن قراره في السابع من يوليو بضرورة رحيل كل العسكريين السوفييت بحلول الساعة الثامنة من صباح السابع عشر من يوليو هو دليل دامغ يشير إلي من يتخذ القرارات وإلي قدرة صنع القرار المستقلة تماما‏.‏ وأضاف السادات أن المستشارين السوفيت في الحقيقة تركوا وظائفهم قبل المهلة بعشرين ساعة‏.‏
وقد شدد السادات بدرجة كبيرة علي حقيقة أن الوجود العسكري السوفيتي لم يتم كما يقول بعض الناس تخفيضه بل لقد تمت إزالته‏.‏
وقد أبلغنا الفريق صادق في لقاء منفصل بأن هناك حوالي‏100‏ عسكري سوفيتي سوف يبقون في مصر حتي حلول نهاية شهر أغسطس وأنه حتي هذا العدد سوف يقلص في الأشهر التالية حيث تنتهي عقود هؤلاء الخبراء‏.‏
‏4‏ـ النقطة الثانية التي رغب السادات في إثارتها هي الإشارة المتكررة من جانب المتحدثين البريطانيين إلي‏'‏ حوار مع إسرائيل‏'‏ أو‏'‏ المفاوضات المباشرة‏'‏ معها‏.‏ وقال إنه مهما يحدث فإنه ليس مستعدا لأن يجري مفاوضات مباشرة‏.‏ وأنه قد شرح أيضا أسبابه لك‏.‏ فالمفاوضات المباشرة تعني الإذعان أو استخدام الأرض المصرية التي تحتلها إسرائيل كآداة للمساومة‏.‏ وهو غير مستعد لأن يساوم علي الأرض التي هي أرض مصرية بلا منازع منذ سنوات كثيرة‏.‏ ولفت الانتباه إلي التشابه بين الدعوات الإسرائيلية لإجراء مفاوضات مباشرة خاصة بيان رئيسة الوزراء الإسرائيلية في الكنيست واللغة التي كانت تستخدمها حول‏'‏ المفاوضات علي قدم المساواة وبكرامة‏'‏ وبين تلك الدعوات التي استخدمها هتلر عندما كان سيد أوروبا في عامي‏1940‏ ـ‏1941.‏ وتلك كانت بالضبط هي نوعية اللغةالتي رفض مستر تشرشل الرضوخ لها‏.‏ وقال السادات إنه لذلك يشعر بخيبة الأمل لأن حكومة بريطانيا بالذات لم تقدر درجة الاستسلام التي تنطوي عليها دعوة لحوار أو مفاوضات مباشرة‏.‏ فالموقف لايشبه موقف الألمانيتين أو حتي الهند وباكستان‏.‏
‏5‏ ـ السادات قال إن مستر روجرز كان يدعو أيضا إلي مفاوضات مباشرة‏:‏ وقال بالفعل للحكومة اليوجوسلافية إن هذه المفاوضات ضرورية لأنه‏'‏ يجب تحديد حدود اسرائيل الآمنة‏'‏ وربما حتي تبدأ علي القنال‏.‏ وأضاف السادات أنه تلقي الآن رسالة من مستر روجرز يدعي فيها أن اليوجوسلاف أساءوا الفهم ويسحب إصراره علي المفاوضات المباشرة‏,‏ رغم أن الجانبين سوف يتعين عليهما اللقاء في مرحلة ما‏.‏
وقال السادات إن هذه هي الرسالة التي وصفها أخيرا بأنها لاتستحق الرد عليها‏.‏
‏6‏ ـ ولقد تدخلت هنا لأقول إن رسالة رئيس الوزراء يجب أن تؤخذ بالتأكيد علي أنها تبديد لشكوك الرئيس السادات بأن حكومة بريطانيا تظن أن السياسات المصرية يتم إدارتها من موسكو‏,‏ وأن التصريحات الصادرة عن المتحدثين البريطانيين حول حوار محتمل لاتشير إلي المفاوضات المباشرة‏.‏
 

سقوط أمريكا


‏7‏ـ وبعد تبديد هاتين النقطتين أثار السادات نقطة ثالثة‏.‏ وهي أنه يتطلع إلي دعم أوروبا الغربية‏.‏ وأن هذا كان هو هدف مبادرته الرامية الي ترتيبات مؤقتة في فبراير عام‏1971.‏ فأسعار نقل البترول إلي أوروبا الغربية ارتفعت بسبب إغلاق قناة السويس‏.‏ وقد ارتفعت الآن مرة أخري نتيجة اتفاق الأوبك مع الشركات‏.‏ غير أنه اذا تم عمل ترتيبات مؤقتة في إطار الروح التي اقترحها فإنها ربما كانت أحد الأمور التي قد تخفض أسعار البترول إلي أوروبا الغربية‏.‏ وقال إنه اعتبر المبادرة اختبارا لجدية الحكومة الأمريكية بضرورة التوصل إلي تسوية في الشرق الأوسط بناء علي رد مصر علي الدكتور يارنج أمين عام الأمم المتحدة في ذلك الوقت والتي ربطت مبادرته بموافقة الحكومة المصرية علي إبرام‏'‏ اتفاقية سلام‏'‏ مع إسرائيل‏.‏ غير أن الحكومة الأمريكية أخفقت للأسف في الاختبار بل إنها تراجعت حتي عن موقفها‏.‏
‏8‏ ـ وانتقل السادات إلي الفقرة الواردة في خطاب رئيس الوزراء حول رؤيته لتطور الوضع فقال إنه يود القول بداية أنه لايزال مهتما بحل سياسي لمشكلة العرب وإسرائيل باستخدام الأمم المتحدة والعالم الثالث وأوروبا الغربية‏.‏ غير أنه يريد أن يلخص الموقف كما تطور حتي الآن‏.‏ فالحقيقة هي أن الأمريكيين يزودون إسرائيل بكل شيء تطلبه حكومتها بل أكثر بالفعل مما تريد بكثير في عام الانتخابات‏(‏ الأمريكية‏)‏ هذا‏.‏ والسلاح الجوي الإسرائيلي جري تجديده وتحديثه بشكل كامل بالفانتوم وسكاي هوك وقدمت لإسرائيل وسائل تصنيع المعدات المتقدمة من كل الأنواع خاصة المعدات الإلكترونية‏.‏ ولذلك فإن الفجوة بين إسرائيل ومصر تتسع‏.‏
والتدفق الضخم للأسلحة الأمريكية علي إسرائيل مصحوب بإعلام بنفس الضخامة الهدف منه هو التأثير في الدول العربية نفسيا بالتفوق الساحق للقوات الإسرائيلية وخلق مناخ من اليأس في أنحاء العالم العربي مما يؤدي بكل دولة عربية تلو أخري إلي استبعاد الصراع ضد إسرائيل‏.‏
وفيما يتعلق بالدول العربية فإنها تري أن الحكومة الأمريكية فرضت حظرا كاملا تقريبا علي توريد الأسلحة لأي دولة عربية من المحتمل أن تقاتل إسرائيل‏.‏
 

اتفاق علي حساب العرب


وبنفس الطريقة يفرض الاتحاد السوفيتي حظرا جزئيا‏.‏ وكان‏(‏ الكلام لايزال نقلا عن السادات‏)‏ يشك في ذلك لبعض الوقت‏.‏ وبالتحديد بعد زيارته إلي موسكو في يناير طار مباشرة إلي طرابلس حيث أبلغ الرئيس القذافي بأنه يبدو له إن الروس لن يوردوا المواد التي قالوا إنهم‏'‏ سوف يدرسونها بشكل إيجابي‏'‏ في أكتوبر‏.‏ وكان في هذه المناسبة أن اقترح القذافي لأول مرة اتحاد ليبيامع مصر كبديل عن الاعتماد علي الروس‏.‏ فطلب السادات منه أن ينتظر حتي يتاح له وقت للتأكد من شكوكه‏(‏ يقصد الشكوك تجاه الروس‏).‏
ولذلك كان السادات قد توجه إلي الاتحاد السوفيتي قبل قمة موسكو‏.‏ وقال للقيادة السوفيتية إنه مالم تغير مواقفها وتكون واضحة مع مصر حول ما ستقدمه لها فإنه سوف يضطر إلي إعادة النظر في سياسته‏.‏ وقد رأي أنه من الإنصاف أن يعطي السوفيت هذا التحذير قبل القمة لأن الاتحاد السوفيتي تصرف رغم أي شيء مع مصر بشكل جيد للغاية في أعقاب كارثة‏1967.‏ ويضيف السادات أن الروس يلتزمون بكلمتهم عندما يوقعون اتفاقا بشأن التوريد‏.‏ ولكنهم عندما يقولون سوف‏'‏ ندرس‏'‏ فإن هذا يعني أنهم يكونون مشغولين بالسرية لدرجة أنهم ينكرون غالبا أن لديهم سلاحا تدرك مصر جيدا أنهم يملكونه‏.‏ وحتي عندما يقدمون أية أسلحة حتي لو كانت شبه عتيقة فإنهم يصرون علي أن تتولي فرق سوفيتية الإشراف علي تأمينه‏.‏ وضرب السادات مثالا علي ذلك بالمدفع المركب علي الدبابة تي‏55‏ وسلاح مدفعية يعود إلي ماقبل الحرب العالمية الثانية‏.‏
وأجري السادات أيضا مقارنة بين الهاجس السوفيتي تجاه الأمن وبين نهجنا الأكثر مرونة بمجرد أن نوافق علي بيع أي قطعة من المعدات الدفاعية لمصر‏.‏
‏9‏ ـ قال السادات إنه مقتنع الآن بأن الأمريكيين والاتحاد السوفيتي اتفقا علي نوع ما من الحظر علي توريد الأسلحة للعرب‏.‏
 

لماذا أكتوبر بالذات؟


وخلص السادات إلي نتيجة مفادها أنه في موقف ركود جامد بين أمريكا والاتحاد السوفيتي‏,‏ وأن مصر لا تتوقع شيئا من أيهما‏.‏ ولذلك فإنه اتخذ قراره بطلب ترحيل المستشارين السوفيت‏.‏ وقد ذهلت القيادة السوفيتية كما زعم السادات مما فعله وأنه كان يأمل أن يفيق السوفيت من هذا الذهول في شهر أكتوبر‏,‏ ويكون من الممكن أن يتوصل المصريون والروس إلي علاقة جديدة يكون فيها الاتحاد السوفيتي واضحا تماما حول ماهو مستعد وماهو غير مستعد أن يفعله‏.‏
السادات لم يخض في تفاصيل حول الأسباب وراء أمله في توضيح العلاقة المصرية السوفيتية في أكتوبر‏.‏
‏10‏ ـ وقال السادات إنه بناء علي هذه الخلفية فإنه ينوي انتظار الانتخابات الرئاسية الأمريكية‏.‏ فمهما يمكن أن يقال عن الرئيس نيكسون فإنه أقل سوءا من الديمقراطيين‏.‏ وقال إنه لاينوي إهدار وقته تماما في فترة الانتظار ويأمل في حشد التأييد في الأمم المتحدة والعالم الثالث وأوروبا الغربية‏.‏

إجتماع السادات مع وليم روجرز وزير الخارجية الأمريكى الأسبق
غير أنه لا يمكنه أن يخفي حقيقة أنه يئس من أي حل سياسي مع إسرائيل ما لم يتغير الموقف العسكري بشكل جذري‏.‏ فحظر السلاح الأمريكي السوفيتي علي مصر لم يعط الإسرائيليين أي حافز لصنع السلام بشروط معقولة ويصب بالفعل في صالح توسع إسرائيل‏.‏ وقال إنه هنا يأتي دور أوروبا الغربية وخاصة بريطانيا‏.‏
‏11‏ ـ التفت السادات إلي أندرسون قائلا إن الدعم الأمريكي الكامل لإسرائيل والاتفاق الأمريكي ـ السوفيتي علي تقييد إمدادات السلاح لمصر إلي جانب افتقاد الزعماء السوفيت للصراحة وانشغال السوفيت بهاجس الأمن قد وضعه في‏'‏ ورطة‏'.‏ وهي ورطة مؤقتة وسوف يجد وسيلة للخروج منها‏.‏ ويساوره أمل كبير للغاية في أن تساعده الحكومة البريطانية في إيجاد مخرج‏.‏
إن ماطلبه منا هو الحصول علي قدرات لتصنيع الأسلحة وفي هذا السياق الحصول علي قدرة تصنيع القاذفات المقاتلة وطائرات الهيلوكبتر‏.‏ وهو أيضا يريد إنشاء مصانع في مصر لتصنيع محركات الطائرات الحربية وأشار بشكل خاص إلي محركات طائرات ميج‏21‏ فالإسرائيليون يمكنهم مهاجمة مصر في العمق‏.‏ ورغم أن المصريين سوف يردون بنفس الطريقة لو أقدم الإسرائيليون علي ذلك فإنه يجب أن يعترف بأن الأمر سيكون بالفعل علي أساس انتحاري واستخدم كلمة‏(‏ كاميكازي‏).‏
وكرر السادات أنه لم يعد يتوقع أية مساعدة من جهة السوفيت‏.‏ ولذلك فإنه بادر بإعادة فتح مصنع حلوان للطائرات الذي صنع في السابق طائرات كايرو‏300‏ كما حصل من القذافي علي موافقة لتمويل الحصول علي قدرات تصنيع الأسلحة المصرية ذكر السادات أن مصنع حلوان قد أغلق من جانب الفريق فوزي وهو الآن في السجن بطلب من السوفيت‏.‏
 
بريطانيا هي الأفضل


‏12‏ ـ السادات قال إن السبب وراء تحوله إلي حكومة بريطانيا للمساعدة في إنشاء صناعة أسلحة هو أن مهندسيه في حلوان أبلغوه بأن المصنع كان قد أنشيء أساسا بواسطة معدات شركة رولز رويس البريطانية وأن معظمها لاتزال مفيدة نافعة‏.‏
وعلاوة علي ذلك فإنهم أوضحوا تماما أنهم يفضلون العمل مع بريطانيا علي أي دولة أخري‏.‏
وقال السادات إنه لذلك فإن كل ما يريده طالما تم تأمين المال هو اتفاق تجاري محض بعيدا عن السياسة حتي يمكنه الحصول علي قدرات تصنيع طائرات الهيلوكبتر والمقاتلات القاذفة ويمكن أن يتم ذلك علي أساس حكومة مع حكومة أو حكومة مع شركة‏.‏ وقد شدد السادات مرارا علي أنه عازم بإصرار علي الخروج من ورطته الحالية وأن مصنع حلوان يمكن إعادة تجهيزه بوسيلة أو أخري‏.‏ وأعرب عن أمله في أن تري الحكومة البريطانية مزايا في المساعدة في ذلك‏.‏ وقد تلقي عروضا أخري أحدها يعتقد هو أن الولايات المتحدة وراءه ربما يقبلها كما أنه علي اتصال أيضا بالفرنسيين‏.‏ لكنه نظرا للأسباب التي شرحها فإنه يود أولا أن يطلب من بريطانيا المساعدة في تأمين الحصول علي قدراته التصنيعية‏.‏ فليس هناك فرصة للتجريب لأن الوقت لايسمح بذلك‏.‏ وهدفه هو إبرام اتفاق للتصنيع بناء علي ترخيص‏,‏ وتشغيل مصنع حلوان كخطوة أولي ثم الاتفاق علي المعدات الممكن الحصول عليها‏.‏ وقد أبلغ أندرسون الرئيس بأنه يمكن إرسال فريق لبحث المشكلة‏.‏
وقال السادات إنه من الضروري البدء سريعا في تصنيع قاذفات مقاتلة جديدة مثل الجاجوار‏.‏
وذكر السادات أن الملك فيصل سأله عما يمكن أن تساعد به السعودية مصر لشراء الجاجوار‏.‏ وألمح إلي أننا قد نتلقي قريبا اتصالا من السعوديين للحصول علي الجاجوار‏.‏ وقال أندرسون إنه بينما ليس من المستبعد أن ينطلق المصنع من تصنيع طائرات سترايك ماستر إلي تصنيع الجاجوار فإنه أبلغ الفريق صادق بالفعل أن الاعتبارات السياسية تجعل أي قرار حول توريد وتصنيع جاجوار صعبا للغاية بالنسبة لنا‏.‏
وقال السادات إن مصر لديها المال والقاعدة العلمية والهندسية اللازمة‏.‏ وسوف تمضي في تصنيع الطائرات وتأمل أن تفعل ذلك علي أساس تجاري بزنس والسؤال هو هل يكون ذلك مع بريطانيا أم لا وذلك هو السؤال الذي يطلب إجابة عنه‏.‏
 

رئيس مصر وليبيا معا


‏13‏ـ وردا علي سؤال من أندرسون حول ليبيا أكد السادات أن الحكومة الليبية تواقة إلي تسوية خلافها مع بريطانيا‏.‏ وبدا السادات بشكل عارض علي علم ببعض تفاصيل الخلافات المالية مع الليبيين‏.‏ وعلق بأن القذافي زعم له بأن موقف الليبيين قوي بدرجة كبيرة حول مسألة رسوم تأجير القواعد البريطانية السابقة‏.‏ وأشار السادات أيضا إلي أنه شاهد خلال المناورات في ليبيا بعض مركبات الاستطلاع البريطانية وأنه أعجب بها إعجابا بالغا‏.‏ والمصريون لديهم الآن بعضها في مصر و‏'‏ قد يقلدونها تقليدا جيدا‏'.‏ ولابد أنه سوف يبحث الأمر مع القادة الليبيين غير أنه أشار إلي أنه علي أي حال فإن مصر وليبيا ستكونان خلال عام دولة واحدة‏.‏ وأنه سيكون الرئيس‏.‏
وأعرب عن أمله واعتقاده بأنه يمكن إبرام اتفاق تسوية مع القذافي قبل فترة طويلة من ذلك علي أساس أن‏'‏ بريطانيا يمكن أن تتوصل إلي اتفاق مع ليبيا لو أن بريطانيا سوف تتعاون في بناء صناعة التسليح المصرية الليبية‏'.‏
وأنهي السادات كلامه بقوله إنه اتخذ خطوة مهمة بمطالبته السوفيت بأن يرحلوا وأن ذلك إجراء يعتقد هو بأن له قيمة معتبرة لأوروبا الغربية‏.‏ فهل استجابة الحكومة البريطانية سوف تتركه في موقف حرج أم لا‏.‏ يساوره أمل كبير للغاية في أنهم سوف يساعدونه‏.‏
 

بيمونت مكرر حسب الطلب

الصفحة الرئيسبة

 

Hosted by www.Geocities.ws

1