|
|
محمد الماغوط
|
|
الماغوط جالساً (الى اليمين) في احدى جلسات <<شعر>> والى جانبه يوسف الخال،
ادونيس، أنسي الحاج، ادفيك شيبوب وجميل جبر
|
|
المرأة التي أحلم بها
لا تأكل و لا تشرب و لا تنام
إنها ترتعش فقط
ترتمي بين ذراعيّ و تستقيم
كسيف في آخر اهتزازه
* * *
آه . . . أين هؤلاء النسوة الرخيصات
من صبايانا القاسيات الخجولات
حيث لحمهن قاتم و مريح
كسرير من مطر
كسرير من الدمع و المطر
حيث القش و الندى و السمّاق
يفور من حلماتهن
كما يفور الدم من الوريد إلى الوريد
* * *
المرأة هناك
شعرها يطول كالعشب
يزهر و يتجعّد
يذوي و يصفرّ
و يرخي بذوره على الكتفين
و يسقط بين يديك كالدمع
* * *
النهد هناك
مجهول و عائم كالأحراش
ينفتح أمامك . . . كغيمة
كغيمة يخترقها عصفور
أينما ذهبت في الفضاء الواسع
كروم و ينابيع و أمطار
حقول و نسيم و شرف
أما هنا
فللمرأة رائحة الدم و عبير المقصلة
النهد هناك صغير كالزهرة
و النهد هنا كبير كالرأس
* * *
كن وحيداً في الريف
بين القمر و الأكواخ
و خذ فتاتك الخجولة وراء الغدير
تحت شجرة
أو غراف تعشش فيه النجوم و العصافير
هناك تنفض عن نفسها الغبار
تغسل وجهها و ساقيها بالراحتين
تمد لك فراشاً من العشب و الخرز و صرر الطعام
و تنبض بين ذراعيك حتى الصباح
! ! دون أن تلتقي عيناك بعينيها
قد تنال منها حتى أحشاءها
! ! دون أن تلتقي عيناك بعينيها
الحب في شعرنا الحديث - الجمعة 16/2/1996 - الملحق الثقافي- السفير
The Orphan
Oh! The dream, the dream!
My sturdy gilded wagon
Has broken down
Its wheels have scattered like gypsies everywhere.
One night I dream of spring
And when I woke
Flowers had covered my pillow.
I dreamt once of the sea
And in the morning
My bed was full of shells and fins of fishes
But when I dreamt of freedom
Spears were surrounding my neck
Like the morning halo.
From now on you will not find me
In ports or among trains
But there … in public libraries
Falling asleep over the maps of the world
(As the orphan sleeps on the pavement)
Where my lips touch more than one river
And my tears stream
From continent to continent.
![]() |
محمد
الماغوط مجنون المدن والعصفور الأحدب |
| عباس بيضون | |
| 2006/04/04 | |
|
|
رحيل محمد الماغوط .. التمرد مهنته وقصيدته غرفة بملايين الجدران |
|
|
دريد لحام:
عشق الحرية الماغوط خسارة كبيرة، ولا أستطيع أن أقول عنه المرحوم، مثله لا يموت، وآثاره أكبر من أي تعبير، وأعماله أعظم تعبير عن قامته. هذا الأديب وهذا الشاعر عشق الحرية فعشقه الحرف، عشق الوطن فعشقته الكلمات. من خلال شعره وكلمته زرع آلاف الشموع التي ستبقى مضيئة. شوقي بغدادي: وقت إضافي لم يفاجئني خبر مماتك يا محمد، فأنت وأنا وآخرون من جيلك، الذين ما يزالون يجرعون من ضوء الشمس وينتظرون، مهددون في أجسادنا منذ سنوات، وبقاؤنا على قيد الحياة وقت إضافي (over time) لمباراة خارقة كنتَ ربحتَها في اعتقادي يا محمد الماغوط منذ أمد طويل. لقد استطاع الموت أخيراً أن يقتحم عليك الدار ولكنّ دخوله لم يكن انتصاراً في المباراة الحامية التي دارت بينكما طويلاً، فأنت الرابح منذ استطعت أن تبرهن بمواهبك المدهشة في السخرية واللامبالاة والجرأة أن الموت لن ينقص من بيدر سمعتك العالية قشّة واحدة، بل سوف يزيد بها من سنابل الذكرى أكواماً... لك الله يا محمد، .. فتصالحْ معه إنه غفور لأمثالك، أكثر مما تتصور. عادل محمود: الكمان الأحدب دخل الماغوط بجسده الضخم إلى معرض للخزف الشعري فلم يعجبه فكسره، وأجال نظرة من النافذة إلى الحياة ومن هناك فرّ إليها ولم يعد أبداً، هناك ظل يغني كمارد من الرقة أصيب بالاستياء من الدنيا، الماغوط مؤلم وجميل يمسك بيده قلماً كأنه الجمر، ويريد في كل يوم وكل قصيدة أن يحرق السفن منذ طارق بن زياد وحتى اليوم. لم يعش الماغوط بسلام مع أحد، ولا مع روحه أبداً، كان ساخراً لأن المهزلة دائمة، وكان حزيناً لأن كل شيء يؤدي إلى الفقدان. وكان يائساً لأنه لم يجد لدى العروبة كلها لحظة شغف واحدة بالحرية. موت الماغوط إعلان محزن عن الرحيل المتتابع للنسور الجدود وهي تهوي في باطن الأرض وقاع الذاكرة. لقد مات أفصح الناطقين باسم الناس البُكَماء، مات الكمان الأحدب وهو يعزف لريحٍ قادمة. فاضل الكواكبي: الإحباط الريفي رغم سخريته غير المبررة من الثقافة والمثقفين، خاصة في سنواته الأخيرة كان محمد الماغوط أحد أبرز رموز الثقافة السورية طوال عقود، ليس باجتراحاته الشعرية والمسرحية الأولى فحسب، بل لأنه تحوّل منذ السبعينيات إلى منتج للثقافة الشعبية (بل والشعبوية بمعنى آخر). ويا للمفارقة؛ هذا الرائد لقصيدة النثر النخبوية والمعاشر الحميم لنخب بيروت الثقافية المتعالية أوائل الستينيات يكتب بدءاً من السبعينيات المقالة الصحفية المبسّطة، والمسرح المبسّط، والسينما المبسّطة.. هذا الريفي المزمن يتغلب على ثقافة المدينة التي تعلّق بها ولم يغادرها طوال عشرين عاماً بأن يحولها إلى استعارات وتشبيهات تأتي من الشعر ل<<تفش خلق>> كمٍ كبير من مأزومي الطبقات الوسطى المنهارة التي تعلّقت بالمخزون الكثيف لدى الماغوط، من السخرية المريرة المشوبة بالمباشرة والاستعارة الفجّين والمتناغمين الآتيين من أحلام ريف قصيّ ورومانسية أيديولوجيات طوطمية، رغم ادعائها الحداثة، إنه الإحباط الريفي العنيف هو الذي صنع من الماغوط كاتباً شعبوياً بدلاً عن رائد حداثي افتقدناه منذ زمن بعيد.. قبل أن نفتقد حضوره الفيزيولوجي المتثاقل والعدواني والحميم والمثير للحنين في آن واحد. رشا عمران: يتفرج على حياته قال الماغوط: <<الموت فرح>>. لم تغب هذه العبارة التي ذكرها عباس بيضون عنه في مقالة له بعد زيارة إلى منزله في دمشق. لم تغب عني حين زرته لأول مرة في حياتي منذ أقل من شهر. كان الماغوط ممدداً على كنبة في صالونه الضيّق وكان مفروشاً بكل مراحل حياته ضمن بورتريهات مختلفة وكثيرة على الجدران المحيطة به. سألني ماذا أفعل الآن وأين أصبح إخوتي ووالدتي، وتحدثنا عن مسرحيته الأخيرة، وعن أشياء عديدة كان الشعر هو الغائب الوحيد عنها. كنت أنظر إليه وهو يشرب ويسكي ممزوجاً بالثلج ويدخن سيجارة إلى منتصفها ثم يرميها ويأخذ أخرى مباشرة، ولا أعرف هل انتبه إلى دمعة وحيدة في عيني وأنا أستعيد تاريخاً كاملاً من الشعراء انتميت إليه ذات يوم بحكم البنوّة، تاريخاً مليئاً بالدهشة والأمل واليأس والالتصاق بالحياة حتى الشغف بكل تفاصيلها، تاريخاً جذّر لمساحة شعرية كبيرة، رغم كل ما يمكن أن يقال عنه الآن، تذكرت أن الماغوط لم يكن يوماً معنياً بهذه الأحاديث، لم يقبل يوماً أن يُدرج ضمن حالة شعرية جمعية. كان أكثرهم إصراراً على التفرد، لهذا كان أكثرهم إصراراً على الحرية. لماذا على شاعر كهذا أن يشيخ وأن يجلس أشهراً طويلة على ذات الكنبة يشرب ويدخن؟ ما الذي كان ينتظره شاعر بحجمه وهو المليء بتفجراته ونفوره الداخلي إلى نسف كل التنظيرات والمصطلحات الشعرية والثقافية والسياسية. قال لنا إنه نال جائزة العويس عن الشعر وإنه سيسافر بعد أيام إلى دبي لاستلام الجائزة، قالها بحيادية تشبه حيادية الأحاديث التي تبادلناها معه. أخبرت العديد من الأصدقاء عن هذه الزيارة، قلت لهم أشياء كثيرة خطرت لي وأنا هناك، لكن شيئاً ما لم أقله لأحد، شيئاً أعرفه عن الشعراء بحكم البنوّة أيضاً، أن الماغوط، الذي لم تفارقه أبدية فعل الحياة، لم يسمح لهذه الحياة أن تتركه مجرد متفرج في غرفة ليس فيها غير حياته هو، ما لم أقله لأحد وقتها إن الماغوط سيذهب ليستلم جائزته بلا فرح، لأنه يوقن تماماً بأنه سيفرح بعد قليل قريب، فالفرح لم يكن مهنته في الحياة، أظنه اختار فرحه أخيراً حين اختار لحظة رحيله. دلدار فلمز حسن: رحل الكردي رحل الماغوط، ترك لنا أسلحته، لندير معركة الحياة التي أصر على أنها معركة، رحل الكردي، لم يكن عربياً فقط، كان لنا جميعاً. <<سأخون وطني>> أفكر ما الذي لم يخنّا به هذا الوطن الذي سكنه قسراً إلى الأبد. مجازفة أن لا تكون بيننا. خضر الآغا: نص العصيان خلال ساعتين على إعلان وفاة محمد الماغوط، تلقيت، بصفة شخصية، اتصالات تعزيني بوفاته أكثر من الاتصالات التي تلقيتها بوفاة أبي: اسم الضحك. كم أنت خائن أيها الشعر! بعض المتصلين المهذبين بيّن أنه يعزيني لصفتين: أولاهما أنني شاعر، والثانية أنني من <<بلد>> محمد الماغوط: سلمية. حتى اختلط علي الأمر في أنني أتلقى العزاء بموتي الشخصي (...). أزعجتني الصفتان: إنني شاعر من حيث أن ذلك يحتم علي أن أكون مجرماً وأقتل آلاف الشعراء ليستطيع صوتي المبحوح أن يصل لأحد ما. ويحتم علي، بصفة خاصة، وكوني أقف في <<خندق>> قصيدة النثر أن أقتل مؤسس هذه القصيدة الذي لا ينازع: محمد الماغوط. قبل موته الآن، وهذا ما لم أرده بصرف النظر عن استطاعتي، أنا أو غيري، ذلك. الصفة الثانية أنني من <<بلده>> من حيث أن ذلك يحتم علي أن أنتظر سنوات طويلة جداً لعل السلمية تستطيع الانتساب لغير القرامطة والفاطميين ومحمد الماغوط. لعلها تستطيع بعد ذلك أن تكون بلدي وبلد آخرين حقاً وليست فحسب بلد محمد الماغوط. إذ بعد دمار القرامطة والفاطميين والتاريخ لم يكن ثمة من تنتسب إليه السلمية سوى حصنها الأخير: محمد الماغوط. كم ستبدين هشة الآن أيتها السلمية وقد كففتِ حتى عن تصدير البصل المجفف. لقد اكتشفت كذلك بساطة أصدقائي، إذ كيف يصدقون أن شاعراً مات. إن تاريخ موت الشعراء أكد أن الشعراء لا يموتون، إنما يتظاهرون فقط بالموت، خاصة إذا كان الشاعر هو محمد الماغوط الذي واجه ليس التراث الشعري العربي فحسب، بل شعر الحداثة العربية برمته. ففيما كان شعراء الحداثة يكتبون، كما يقول، في المطلق، فإنه سحبهم إلى الأرض بكل ما فيها من أرصفة وتشرد وحطام، وفيما كانوا يؤكدون انتسابهم إلى <<شرعية>> القصيدة العربية عبر التفعيلة: الابن الشرعي للعمود، أكد خروجه عن الشرعية وكتب قصيدة النثر التي تمردت على أبيها وأمها وسلالتها وعلى الشرعية وأعلنت العصيان المضاد. فإذا كان شعراء الحداثة كتبوا نص العصيان، فإن محمد الماغوط كتب نص العصيان المضاد. محمد فؤاد: صاحب السلالات اعتباراً من اليوم، ولأسابيع قادمة ليست بالكثيرة، سنقرأ عشرات المقالات عن محمد الماغوط. تفضل الصحافة استعجال الحزن وعقد مجلس العزاء سريعاً، ربما كي ينتهي سريعاً وننتظر موت مبدع آخر كي نبكيه، بدوره، سريعاً ونخلص. وفي غمرة انشغالاتهم سيجدوا، المسؤولين الحكوميين، الوقت ليحضروا تأبينه، وربما يطلقون اسمه على شارع، ناهيك عن مدرسة وجائزة. لا معنى لكل هذا الضجيج، فالرجل قد مات واستراح. ولن يتغير شيء، لا تصدقوا أن الشعراء يمكنهم أن يغيروا شيء، الشعراء يموتون فحسب، ولن يضيف الطبل والزمر نقطة سعادة واحدة الى حياتهم التي ولت. ومع ذلك، فقد حظي الماغوط في حياته ما يحسده عليه مبدعون كثيرون. فقد انتزع اعتراف الجميع بموهبته، اجماع نادر قل أن يحظى به مبدع. الذين أحبوا قصيدة النثر جعلوه إمامها، والذين كرهوها استثنوه، حتى دون أن يقرأوه. كان صعباً أن يتملص أحد من نمطه في الحياة وفي الكتابة، لكنه نمط كان لابد أن ينتهي إلى أفق مسدود في الشعر وفي الحياة ولذا كان مؤلماً أن ينتهي الشاعر الى ما انتهى إليه، متسول مقالات باهتة، تتوالد فيها الكلمات ميتة بلا معنى أو موقف أو إبداع. الكبير رحل، صاحب السلالات التي ستبقى تدين له بالدفعة القوية التي فتحت باب قصيدة النثر على مصراعيها للجميع. محمد مظلوم: جنازة النسر في السنوات الأخيرة زرت الماغوط بشقته وسط دمشق أكثر من مرة، وفي كل مرة كان المشهد واحداَ تقريباً، يرسم صورة ذلك النسر شبه العاري وهو طريح الدنِّ والزمن! وفي إحداها، قبل نحو عامين، صحبت يوسف بزي حين أجري حواراً مع الماغوط،، لعله استشعر إنه لقاؤه الأخير مع الماغوط، لقاء لم يخل من مفارقات معتادة من الشاعر الذي قال يومها إنه لا يتكلم إلا بثمن ولا يصمت إلا بثمن أيضاً، كان في الواقع حواراً وزيارة على مائدة الماغوط الأثيرة التي تلتصق بكنبته: خمور متنوعة وصحون طعام متعددة، و<<كروز>> سجائر يضيِّف منه زواره بالعلبة وليس بالسيجارة! كان حديثه عن الكوابيس التي تأتيه في هبات نومه المتقطع، ممزوجاً بأحاديث عن أحلام الشاعر في يقظته، لا تستطيع أن تفرق بينهما بسهولة هكذا كانت حياته، رغم تزيينات الدعة أو ما حسده عليه البعض من كنوز جاءته بعد فوات الأوان، بيد أن الشاعر يموت دائماً دون الحاجة إلى كنوز إضافية. أراد أن يعقد مصالحة مع الجميع بعد أن أفسد حياته مع نفسه ومع العالم برمته. ومع أن موته كان منتظراً من قبل جميع من عرفوا كيف كان يفني ساعاته، إلا إنه جاء مفاجئاً لهم أيضاً، لم يكن في أيامه الأخيرة منسياً كما يحدث للشعراء مثله عادة، لكنه كان محاطاً بالرعاية والشبهات! ربما سيزيد من تأويلاتها اليوم، أن الشاعر لم يمت على الأرصفة التي عاش فيها وتغنى بها كميدان بطولة! ولا في المنافي الباردة بل على سرير في مستشفى دمشقي، بعد أن عاش سنواته الأخيرة على كنبة في شقته بوسط دمشق. وبرعاية من ابن شقيقته الطبيب. لقد هجا الأوطان والعواصم، المدن والغرف والسجون، التاريخ والبشر جميعاً، وها هي أشجار الطريق التي لم يعد منها الكثير، والأرصفة التي لم تعد مكاناً صالحاً للعيش، ترثيه دفعة واحدة، كأنما تعيد له ما أوصى به من محبة على مسارح المهزومين!. لقد ترك الماغوط مناقب فصيحة في معنى ان تكون الشتائم المتصلة للوطن نشيداً في المحبة التي لا تشبهها محبة أخرى، ترك أسماله على الأرصفة وذهب عارياً نحو الله على كرسي متحرك، وليس على دراجة كما رثى السياب ذات يوم. منذر مصري: ليس محكوماً بالأمل حسناً.. لقد صعد الآن محمد ماغوط إلى الله ذاك الذي رفع له ملفه الضخم عن العذاب البشري، الموقع بشفاه الجياع وأهداب المنتظرين، ولا أحد يستطيع الجزم إن كان الله قد قرأ الملف أم لا!؟ الأمر الذي بحد ذاته، إذا وضعنا العذاب البشري جانباً، يصنع إشكالاً خاصاً لصاحبه، أقصد، دون أن يكون الله قد قرأ دواوينه الثلاثة وشاهد بعض مسرحياته، لن يعرف من هو ذاك الذي يلتقيه الآن. غير أن الماغوط، كان واحداً من أولئك الذين ما كانوا يوماً محكومين بأي أمل، واحداً من أولئك المتبرمين النكدين الذين يحيون وكأنهم يعرفون الحياة على حقيقتها، فلا يمكنونها أبداً من خداعهم. ثم في إنذار آخر قبل الطعنة، قبل طعنة الموت بوقت زائد، يقول الماغوط في قصيدته (إلى بدر شاكر السياب): (حزني طويل كشجر الحور/ لأنني لست ممدداً إلى جوارك/ ولكنني قد احلُّ ضيفاً عليك/ في أيَّة لحظة). ورغم حبي للقصيدة وخاصة نهايتها الغريبة، لا أظنني بدوري، من السذاجة لأدع واحداً مثل الماغوط، عاش الحياة بلحمها ودمها وعظامها، يجعلني أصدق أنه حقاً كان مكروباً لهذا الحد بسبب عدم كونه ممدداً إلى جوار صديقه. إلا أنه، في النهاية، كالجميع، قد اضطر لأن يفعل، يتمدد، بجسده المترهل الهامد إلى جوار الموت، وبعد وقت أظنه، لبعده، قد أنساه كل لوعة على صديق أو حبيب، سوى لوعته الخاصة، التي راحت تدفعه، في آخر أيامه، هو الجافي والقاسي والنافر، إلى ... البكاء. نهاية القصيدة تلك، الغريبة كما وصفتها، والتي أحفظها عن ظهر القلب، منذ ما يزيد عن ثلاثين سنة، رغم أنه كان دائماً عصياً على فهمي، جزمه، بأن قبر السياب لن يبلغ، لبطئه أو لأي سبب آخر، الجنة أبداً. وكأن في الجنة أيضاً، بعرف الماغوط، قبوراً. محمد العبد الله: قتله فيض حزنه مات، العوض بسلامتي، بموتي الآتي حتماً. باللحاق به انه يخفف عني بموته، وطأة الموت، هذا رجل شاعر، روحه كانت ترفرف دائما باتجاه الموت، ترفرف دائما فوق مساءلة الحياة. مساءلة الحياة من الجزئي إلى الكلي الى الموت، من أطفال المدارس الى تلامذة الجامعة، الى أجهزة المخابرات التي تتحكم بطفولة الأطفال وغذاء التلامذة، الى الآلهة الصغار الذين أخذوا وكالة حصرية، انتزعوا وكالة حصرية بالله، منعوا تنفس الناس بالله، منعوا تنفس الله بالناس، الناس الذين هم خلفاء الله في الأرض. هذا رجل شاعر عاطفي جدا، قتله قبل أن يموت، وعلى مدى حياته، قتله فيض عاطفته، فيض ذكائه الخارق، فيض وعيه الشقي، فيض حزنه الذي سقى نقطة نقطة شجرة حياته الباسقة اليانعة كقصيدة لمحمد الماغوط: <<أيها الربيع المقبل من عينيها أيها الكناري المسافر في ضوء القمر خذني إليها قصيدة غرام أو طعنة خنجر أيها المحمّد. تعرف أنني آت فلا داعي أن تنتظرني أنت الذي لا تطيق الانتظار>> يحيى جابر: مات أبي مات شاعري مات بطلي مات نموذجي ومثالي ماتت المرآة التي كنت أرى نفسي منها. مات مرشحي المفضل لجائزة نوبل للآداب مات أبي. مات محمد الماغوط، الذي كتب الشعر بأسنانه، مات المحارب للقصيدة باللحم الحيّ. مات الملاكم العنيف، ولم يسقط بضربة قاضية. مات الوفي للشعر، والخائن لقصائد الآخرين. مات المخمور باللغة، مات المقامر باللغة حين افلس الآخرون. مات الذي أحبني كشاعر وأزعر، والذي أحببته كشاعر الزعران. لم أدخل يوما الى دمشق إلا وأسأل عن الماغوط، ولم اصافح صديقاً سورياً في بيروت إلا وأسأل عن الماغوط... اليوم اعتقد ان عاصمة للشعر قد سقطت في أيدي الموت... مات فتى الشعر العربي، مات مشاغبها الأجمل، مات الذي تشيطن وتولدن وتصعلك وحربق وكان أجمل ابتسامة عرفتها الدموع العربية. مات الشهواني الذي عشق الحياة وأسكنها في حديقته، وهو الذي جرّ الشوارع كالخيول الى اسطبل قصيدته لتشرب. مات الوحيد والمتوحد والمنعزل والمعزول، مات صديق الجن والجناني. هو شاعري الأجمل، هو أجمل حوار صحافي أجريته في حياتي المهنية وصديقي يوسف بزي. مات الماغوط، يا شباب، أعتقد الليلة، سأشرب كأسك يا محمد، وأقول للساقي <<واحد جن تونيك>>... حسين بن حمزة: قبل 35 عاماً يرحل الماغوط اليوم بعد أن صمت طويلا عن الشعر. لقد جرّب مرات عدة أن يعود ونشر قصائد وأعمالا جديدة. ولكننا كنا قد اتفقنا أن الشاعر لا يزال يواصل صمته. صمته ذاك الذي أعقب مجموعته الشعرية الثالثة <<الفرح ليس مهنتي>>. والأرجح أنه كلما كان يشاع أن الماغوط يكتب الشعر مجددا، وأنه بصدد إصدار جديده في كتاب جديد، كان ذلك يزيد من وقع صمته الطويل ويعيد قصائده القديمة الى التداول. وأحسب أن رحيله اليوم يضاف الى صمته ذاك، رغم أنه صمت مختلف يستدعي حزنا وتقديرا خاصين لشاعر أثر في كثيرين دون أن يتعمد، وتربت أصوات نبرات شعرية شابة وجديدة في كنف قصيدته رغم ضيقها وخشونتها وسأمها وضجرها من العالم.. لقد صنع الماغوط في الشعر ما أراد أن يصنعه وانتهى من ذلك، تقريبا، قبل خمسة وثلاثين عاما. لقد صنع الماغوط اسمه وتوقيعه الشعري في <<حزن في ضوء القمر>> و<<غرفة بملايين الجدران>> و<<الفرح ليس مهنتي>>. ضرب الماغوط <<ضربته>> الشعرية <<ونام ملء جفونه عن شواردها>> بتعبير المتنبي. كتب الماغوط قصيدته دفعة واحدة، بخشونة وعزلة كاملتين: ولعل قصيدة خشنة الى هذا الحد ومنعزلة وضارية في نبرتها الى هذه الدرجة، قصيدة بهذه الصفات تصعب كتابتها لوقت طويل بالقابلية نفسها من الاحتجاج والضراوة والقسوة. كتب الماغوط قصيدته منذ زمن بعيد، وكان ذلك كافيا كي تظل هذه القصيدة نضرة وحية حتى لحظة موته، وهي ستظل كذلك بعد موته. ياسين رفاعية: ضقت ذرعاً آخر كلمات محمد الماغوط سمعتها منه شخصياً: لقد ضقت ذرعا بالحياة. وقبل أشهر نشرت مقالاً في جريدة تشرين انتقدت فيها محمد بما كان ينشره في زاويته في هذه الجريدة بأنه تكرار لما كان يكتبه سابقاً، كتبت ذلك بمحبة، فمحمد الماغوط وزكريا تامر وأنا رفاق درب وشقاء وعذاب في بداياتنا، وكنا على تواصل مستمر. المهم ان الدنيا قامت عليّ ولم تقعد لأنني تجرأت وانتقدت هذه القامة الشعرية الكبيرة. وطبعاً كانت هناك بعض الأقلام التي وقفت الى جانبي، بل إن محمد نفسه لم <<يزعل>> مني، قال هذا رأيك، وربما بتُّ لتعبي اكرر ما سبق وكتبته. وكان الكاتب السوري عادل ابو شنت همزة الوصل بيني وبين محمد، فقد كان يعرف كم أكن لمحمد من الحب والتقدير الذي يفوق أي حب وتقدير آخر. إن محمد كان مريضاً جداً منذ اكثر من عامين، وكان يحاول ان يصمد بكل شجاعة امام هذا المصير الذي آل اليه، وكنت قبل أشهر التقي به عابراً في مقهى الشام بدمشق، فنحاول ان نستعيد شيئا من شبابنا الآفل. ولكن الشيخوخة قاسية خصوصاً اذا جاء المرض ليهدم كل شيء. أكتب هذه السطور وأنا خارج من عملية جراحية قاسية أجريت لي على خطر في مستشفى طراد. ليأتي لي خبر نعيه كوقع الصاعقة، مع انني كنت اتوقع ذلك اذا لم يكن اليوم فغداً، ولعل جائزة العويس التي جاءته متأخرة جداً بعض الاعتراف به كشاعر مميز استطاع ان يبصم شخصيته الشعرية على مسار الشعر العربي الحديث كله. من الصعب جداً ان يخلف شاعر هذا الشاعر المتفرد بتجربته العميقة إزاء هذه الحياة الظالمة وهذا العالم الموحش. الذي عبر عنهما اصدق تعبير في شعر سيظل علامة بارزة على إدانة هذا العالم وهذا الظلم الذي عاشه محمد وعشناه معه زهاء نصف قرن ويزيد. رحم الله الشاعر ولنا لقاء معه قريبا>>. ناظم السيد: خياناتي الثلاث عندما أخبرني الشاعر عباس بيضون بموت محمد الماغوط خطر في بالي شيئان: خيانتي وكاف التشبيه. في لقاءات صحافية قليلة أُجريت معي، نسبت تجربتي الى أصوات عربية وعالمية كثيرة. لم أذكر الماغوط بين هذه الأصوات. ربما كنت أخفي ذلك الأثر بذهنية المجرمين. أما كاف التشبيه، تلك الأداة التي كان العرب يعتبرونها أدنى أنواع البلاغة، فلم آخذها عن النصوص الشعرية الكلاسيكية، وإنما من محمد الماغوط. بهذه الكاف كان الماغوط يسوق قصيدته. لم يحتج هذا البري يوماً الى تراث لغوي أو الى كنايات واستعارات أو الى أفكار يستعين بها على الشعر. كل ما لزمه في عمره الشعري الذي لم يتجاوز الثلاثة دواوين هذه الكاف. لكن هذه المرة مع طرفي تشبيه متباعدين ووجه شبه صادم وعنيف ومؤلم ومباغت. لا أعرف لماذا نسيت لوهلة موقع الماغوط في المسرح الثوري السوري أو في حالة الرفض التي رافقت كل ما كتب في الشعر والمسرح والسينما والتلفزيون. أول ما تذكرته ليس قيمته كثوري بل كشاعر. وكل هذا فقط من خلال جمل كانت تتحرك تحت كاف التشبيه: <<ربطة عنقي التي تتدلى على صدري كذراع ميتة>>، <<كنت آتيك ملوّحاً بشهوتي كسلسلة>>، <<كسمكة في غيمة>>، <<أنا مهزوم كجيش يجلس القرفصاء>>. هكذا وجدت نفسي مردداً هذه العبارات التي لطالما فتنتني مع آخرين. الخيانة الثانية التي فعلتها هي اعتباري آخر كتب الماغوط الصادر قبل أيام سيئاً. قلت لأصدقاء كنت أجلس معهم في المقهى: كان على الماغوط أن يموت قبل نشر هذا الكتاب. الخيانة الثالثة حدثت وأنا أكفّر عن ذنبي بكتابة هذا النص. اتصلت بي امرأة للقائها في أحد المقاهي. قلت: أنا قادم بعد عشر دقائق. وبالفعل تركت النص غير مكتمل وذهبت للقاء المرأة التي ما زالت حية بعكس الماغوط. لكن طوال الوقت كنت أحدّثها عن الماغوط. بهذه العبثية المؤلمة كنت أقلّده. لم يكن الماغوط هامشي القصيدة العربية الحديثة. لقد حوّل بطزاجة تجربته وحرارتها وقوتها وصدقها الهامش الى متن. وليس سراً أن أمثال هذا الشاعر أعطوا شرعية لقصيدة النثر أكثر مما فعلت عشرات الكتب والمقالات من التنظير للحداثة. كانت قصيدة الماغوط برهاناً على شعرية قصيدة النثر ودلالة على تفوّقها على التجارب السابقة من قصائد خليلية وتفعيلية. وحده الماغوط ببساطته وتأسيسه للشعر اليومي كان يراكم بعده الأبناء والأحفاد. لم يحدث هذا في القصيدة السورية فحسب، وإنما في بيروت التي صاغت تجربته. |
|