|
في المزاد هذه
الأيام يباع كل شئ عربي بلا ثمن ..
وآخر منتجاتنا هي شبابنا وأجساد بناتنا . وبدأت القنوات العربية تنافساً محموماً منذ عام
أو يزيد في عرض برامج نوعية جداً !
ولا مجال في هذا المقام لظلم الأمريكان عمال على بطال ..
فالتنافس يبدي رغبة جارفة لدى منتجي وعارضي هذه البرامج لصرف نظر شبابنا إلى
مستنقع التفاهة والجنس نظير جلب أموال طائلة من المكالمات الهاتفية
، وخلق أجيال من أشباه الرجال لا يملكون ترف التفكير مجرد التفكير في شئ أبعد من شهواتهم . مرة بدعوى الفن ،
وأخرى بدعوى التنفيس عن مكنونات صدر الشباب ! وكانت البداية في
برنامج ( سوبر ستار العرب ) .. هذه البرنامج العبقري الذي
تفتقت عنه قريحة إحدى القنوات اللبنانية . ويا للهول فكم كان التنافس على أشده بين الأردن ولبنان وسوريا على
أن يخرج السوبر من عند كل منهم .. وخسرت لبنان - منظمة البرنامج - وفازت الأردن ، وهذا في حد ذاته دليل أكيد على مدى الديمقراطية
والإيثار والشفافية التي أظهرها اللبنانيون في هذه الموقعة ! وسرعان ما اشتط غضب
قناة أخرى ، وآثرت إلا أن تخرج علينا ببرنامج يخرج عن
نطاق مجرد الصوت الغنائي ، إلى مجال أكثر رحابة وله هدف ( غاية في النبل ) ،
فلماذا لا يكون البرنامج الجديد بهدف لم شمل الشباب ، وكما يقول المثل المصري : يابخت من وفق راسين في الحلال .. لماذا لايكون
البرنامج الجديد في مجال إختيار الشاب لشريكة حياته ، أو على الأقل إحتيار
الشباب العربي للزوجة المثالية ... ولكن
، كيف يتسنى لنا تحديد الفتاة العربية المثالية نظرياً ، إذ أنه وفقاً للمنهج
العلمي الحديث من التجريب والمشاهدة ، لا بد أن نرى بأمهات رؤوسنا هؤلاء الفتيات ،
بشكلهن التلقائي .. فنرى كلا منهن وهي تضحك ، وهي تبكي
.. بلباس المنزل وبلباس الخروج ، وهي تضع مكياجها ، وهي تغني ، وهي تطبخ .. إلخ
إلخ إلخ .. فكان
الميلاد العملاق لبرنامج ( على الهوا ) .. وكانت المفاجأة .. إذ تعدى عدد المصوتين لهذه الفتاة أو تلك حاجز
المليون الذي كان لبرنامج السوبر ستار ..
وفازت هذه القناة بالرهان ، ومازال البرنامج يعرض ليظهر
للأمريكان وللغرب وللعالم أجمع أن المرأة العربية لا تقل إبداعاً ومشاركة في المساهمة الحضارية
لتشكيل الوجدان الإنساني ! ، كما كان حجم المشاركة
الواسعة دليل لا يدع مجالاً للشك في مقدرتنا على التعاطي مع مطلب الديمقراطية
والمشاركة الشعبية في صنع القرار ! والتزم القائمون على
هذا البرنامج للحق بمعايير مهمة تستحق الإعجاب ! فقد
ألزموا الفتيات المشاركات بعدم ارتداء الملابس الشفافة ،
أو إظهار بطونهن كما تقتضي قواعد الموضة هذه الأيام ، وما ذلك إلا بهدف أن يكون
البرنامج نظيفاً ، وخالياً من الإسفاف .. ما شاء الله ..
حاجة تفرح! وسرعان ما نتفض الغيارى على التطور - والتطور
هو سنة الحياة - وكان من ثمار هذه الانتفاضة برنامج جديد بالمرة اسمه : ( ستار أكاديمي )
.. اسم علمي .. يخرج بنا من مدرسة ( على الهوا ) إلى جامعة ( ستار أكاديمي ) طبعاً الجامعة هي مجال العلم
الراقي والأبحاث التي تعود على البشرية بالرقي وصناعة الحضارة .
ورأى أصحاب هذا البرنامج الجديد أن البرنامج السابق يتسم بالقصور في نواحي عدة .. أولها أنه يفرض قيودا على الحرية
.. من حيث الملابس ، والحياة الشخصية لشباب البرنامج ،
فسمحوا لفتياتهم بارتداء كل ما شف ولم يعف فضلاً عن إظهار الفترة الميتة من حياة
الفتاة ، أثناء نومها .. وكم هي مؤثرة حقاً تلك الصورة التي نرى فيها أحد شباب
البرنامج وهو يتفقد الفتيات وهن نائمات في سبات عميق ، فينبرى بكل ( أخوة ) ورحمة في اسدال
البطانية على أخت له في الأكاديمية وهي نائمة طبعاً ليس بهدف سترها وإنما بهدف درء
خطر إصابتها بالبرد أو الانفلونزا لا سمح الله. ولم يكتفي أصحاب
هذه الجامعة المحترمة بنقل اسم البرنامج وشكله من إحدى القنوات الفرنسية
، بل استعاروا معلمات لتلقينهم آخر الأبحاث العلمية والمهارات الحركية في
فنون الإلقاء والأداء التمثيلي ، والرقص التعبيري والأزياء .. إلخ إلخ إلخ .. فهي
إذاً جامعة بكل معنى الكلمة ففيها المناهج والحمد لله وبها
أعضاء هيئة التدريس وبها الطلبة ، وبها التقييم الدراسي
، فضلاً عن مشاركة مساحات عريضة من المجتمع في تطوير هذه الجامعة والمشاركة في
أبحاثها الجادة .. ورأينا من خلالها للحق عبقريات فذة ..
فهذا الأستاذ سوسو المرح جداً غير المعقد مثلنا ، وهذه الآنسة ميمي صاحبة أفضل مقاييس جمالية ، وتلك
الأستاذة كذا كذا صاحبة الصرامة وعدم التساهل مع أي
فتاة ترقص بشكل غير منهجي ! فالبرنامج
حقيقة ولد عملاقاً لا مجال لغيره في منافسته. ولكن ، آخرون لهم رأي آخر .. ينطلق من قيم العائلة العربية ، وأخلاق القرية ، وتقاليد القبيلة .. فكان ميلاد آخر العنقود .. برنامج ( الأخ الكبير ) أو ( الأخ الأكبر ) الذي
خصص له قصر منيف مجهز بكل أسباب البقاء والراحة .
وإمعانا مني في عدم التعليق على هذا البرنامج الجديد قبل أن نرى التجربة كاملة بعد
عدة أيام ، حتى لا أتهم بالافتراء والكذب ، سوف أؤجل ذلك
لوقت آخر. إنها إذاً أقفاص من
الخرسانة المسلحة المكيفة ، نضع فيها فتياتنا وشبابنا
للعرض والمزاد ، وما من رادع ، ولا من معترض ، والكل يعيش مثل الأميبا
التي تتحرك عشوائياً .. ثم نتساءل كلما أصابتنا صفعة من أعدائنا
.. ماذا جرى لنا .. ترى هل هذه البرامج مقدمات وإرهاصات لظهور قنوات الجنس العربية ؟ أم أن هذه هي وسائل لإلهاء
شبابنا عن دينهم ، وعروبتهم ، وجذورهم؟ أم أن الاحتلال
العسكري لبلادنا في بداية القرن الماضي كان أرحم بنا ولنا من الاحتلال الحالي
لعقولنا وقلوبنا وضمائرنا ؟ أم أنها كل ذلك معاً ؟ هل الحديث عن
الحجاب والنقاب وربا البنوك والعمليات الفدائية وهل هي إرهابية انتحارية أم استشهادية ..
هل الحديث عن هذا كله أصبح ترفاً ورفاهية وأمراً غريبا
في عصر ستار أكاديمي ؟ وهل أصبح المستهجنون لتلك البرامج أناساً من كوكب آخر جاءوا
ليفسدوا على الأمة العربية حياتها ويجعلون من شعبها أناساً معقدين مكشرين في مقابل
ما تشيعه فيهم هذه البرامج من بهجة وسرور وانبساط ومزاج عالي ؟ وإذا كان أمثالنا
جئنا من كوكب آخر ، فمن أي مجرة جاءت فتيات وسيدات
فلسطين الاستشهاديات اللواتي – للأسف – لم يكن سعداء الحظ
بعرض مواهبهن في تلك البرامج ! واخترن
طريقا آخر لا يقوى عليه رجال بشوارب صدعوا رؤوسنا منذ عقود عدة عن الوطنية والحق
السليب في فلسطين ؟ والله كما قال
الشاعر حافظ إبراهيم نحن أمام خيارين لا ثالث لهما : فإما حياةٌ
تبعث الميت في البلى وتنبت في تلك الرموس رفاتي وإما ممات
لا قيامة بعده ممات
لعمري لم يُقس
بمماتِ وإلى اللقاء
في انتظار برنامج جديد ، ولا عزاء للعرب ! |
![]() |
| يوميات العرابي |
![]() |
| اتصالات الموقع |
| المواقع |
| إسلاميات |
| الشعر |
| الصحافة |
| البريد |