قصائد للشاعر مظفر النواب

مظفر النواب شاعر عربي واسع الشهرة ، عرفته عواصم الوطن العربي شاعراً مشرداً يشهر أصابعه بالاتهام السياسي ، لمراحل مختلفة من تاريخنا الحديث...

شعره يصدر عن رؤية تتجذر معطياتها في أعماق تاريخ المعارضة السياسية العربية ، وتمتد أغصانها في فضاء الروح حتى المطلق.

 
أنت المحال الذي لا يُباعُ 

لَمْ تكُنْ

تتقي

وابل المجرمينَ

بظهرٍ أبيك

ولكن ترص عزيمتهُ

لاختراق الرصاص



ورغم صُراخِك

كم كان صوتُك عذباً

كأن جميع الطيور لقد ذُبحت،

وهي تشدو

وبين الرصاص

لمحتُ حذاءك

كان صغيراً..

ولكنه

قدرٌ لا مناص



وغطى دمُ الوطن العربي قميصك

كل الرصاص يوجه للوطن العربي!

وما زالَ لم يفهم الأغبياءُ

بأن الرصاص طريقُ الخلاص!!



محمدُ!

قد كشفت قمة العُهر

عن كل عوراتنا

خطبُ الذل باعت دماءك!

كلا...

فأنت المحالُ الذي لا يُباعُ

وأنت الترابُ الذي لا يُباعُ

وأنت السماءُ

وأنت القصاص.

………………………………………

المصدر: جريدة القدس العربي - العدد 3570 - الأربعاء 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2000.
 

 
وَمَاهُمْ .. ولكنّه العشق 

هامَ

لم يَدرِ
متى أطفأهُ الشوقُ

وأين احترقا !

سنَةٌ

ما بين كأسين
غفا

ثُمَّ صحا

واغتبقا ..

سقطت زهرةُ لوزٍ

عفة

في كأسه

أجمرت عيناه شوقاً

وتلظى شبقا

تركت من تاجها

في خمره

غيمة تغرقُ

فاستلَّ إليه الغرقا

تطرق الحانة

في أطرافه

حزناً

فإن حدَّق ،

صارت حَدقا ..

عرف الدنيا ،

طريقاً

بين كأسين ،

فشقّ الدمعُ في خديه منها ،

طُرُقا

صحبُهُ ناموا على أعناقهم

وغدوا

من طاولات الخمر

إلا رَمقا

وهو ينضُو

بين أعناق القناني ،

عُنُقا

وبعينيه

يلمُّ الغسقا

يدفع الكأسَ

لكفَّي خلّه

ربما ينشر

فالقنينة الكبرى

اشرأبَّت

والضُحى بالبابِ

رشَّ الحبقا ..

يا مويلاي !

على الصمت ،

نداماها ثقالاً غادروا

مِزقٌ تسحبُ منهم

مِزقا

أخذتهم طُرُقٌ ....

عادت سريعاً دونَهم

أين أخفتهم ؟!!!

وكيف البحث في الدهر؟!

وأين الملتقى ؟!!

بهجتي كانوا ...

فلما خَلَتْ الأيامُ من ضحكاتهم

ضحكت في عُبِّها ،

مما أناديهم بعُبي

فارغٌ قلبي وملأنٌ

بهم

وجديدٌ

رابني كم عَتُقا

أسمعْ القُبرة الصفراءَ

تنعاهم

تمطُّ الأفقا

والعصافيرُ على طاولة الخمرِ ،

فراقٌ ولقا

يتنهّلن بقايا خمرهم

ويُنفضن ،

الندى والألقا

لا تَمُت ! يا صاح !

مما خلت الحانةُ منهم

طارت الزهرة

في الريح ،

وظلّت عبقا

لا تمُت

لسنا قناني عرقٍ

فارغةٍ

يقذفها الدهرُ

بنا قد سكر الدهرُ ،

وقطرناه في كأس الليالي ،

عرقا

ثمل الله بنا ،

مما فهمنا أدب الشُربِ

وأنهينا القناني

حيرة ،

في لُغزهِ

سُمَّاره كنا

وكان الأرقا

سيدي !

مولاي !!

لا تغفُ

تأمل زهرة اللوز

أمن ربعيّةٍ ملت ؟!!

أنا الأيامُ لم تقدر على رأسي

وقد يثبت رأسٌ

قلقا

إن أكن أطبقت جفنيَّ

فأصحو داخلي

وإذا كأسيَ ،

مالت

فكما البلبلُ ينسابُ

أنيقاً

للسقا

يا لكأسي وجبين الصُبح ،

كم مالا على بعضهما !

ليس في الحانة غيري

وأخو "الفتحة "من أياهُمُ

يكتبني !!!

أنا يا (....)انقلابٌ أبيضٌ

من عرق

قطره الدهرُ ...

فمن أنت ؟! ومن فوقك ؟!

أو فوقكما ؟!!

سبحانه ماذا من الوردة ناساً

ومن الأقذار ناساً

خلقا !

طائرُ اللّذةِ

مُلقىً بين ضلعيكَ ،

سجيناً

خُذ رُشيفاتٍ

وحرِّره قليلاً ..

ربما يشتاقُ من نافذة الحانةِ

للهِ ...

ويُغري الأفقا

أنا لم أشركْ

ولم ألقَ سوى الحانة هذي !

أغلق الأبوابَ في وجهي مراراً

وطني...

أظنُ الغربة الخرقاءَ ،،

تستكثرُ منها كوَّةً

أصرخ منها ألمي ..

فحشتها خُرَقا !

ربِّ سامحهم وأن لم يسكروا ...

كيف يشتاق إلى خمرة جناتك

من لا يعرف الخمر

ويشتاق صباياها

إذا كان هُنا ما عشقا ؟!!!

هائمٌ

لم أدرِ

ماذا أسَرَ الشوقُ

وماذا أعتقا ...!؟

سقطت زهرة لوزٍ

غيمة

في قدحي

يا رب ما هذا النقا ؟!

غرقت ..

لم أستطع إنقاذها

أصبعي زاغت من السُكرِ ،

وقلبي شَهقا

ما لها الكرمة لا تعرفني ؟!

أمس رقرقت لها

خمرتها

وأنا اليوم على خمرتها

دمعي وأمسي ..

رقرقا ...

طينتي ، قد عُجِنت كأساً ..

فماذا كوَّرَ الطينةَ

شعراً ؟!!

أنتَ يا ربُّ ؟

أم الكورُ ؟!

أم الطينة طابت خُلقا ؟

نطنطَ العصفورُ

فيما قد تركنا

من فُتات

وسفحنا حُرقا .

ولوى من عنقه الزيتيِّ

حتى مسَّ قاع الكأسِ ،

يا أبلهُ !

لم نترك

ولا مثـقال سُكرٍ..

أبلهٌ من عوقا

أدعُ ..رفقاتكَ

يؤنسن حجار الحانة القفراء

إن كان يُسمى حجراً ،

من عاشَ في خمارةٍ

لو سَكتَ السُمارُ يوماً

نطقا

يا سُكارى بعدنا ..

إن سقطت في كأسُكُمْ

غيمةُ وردٍ ..

أذكرونا ،

رشفةً

كنا نوازي الدهرَ .. أو نسبقُهُ

عشقاً ،

رعى الله زماناً ،

وسقى ..

إن أكن أفرطت ..

يا مولايَ !

فهل يقتصد العاشقُ

أم يأبقُ عشقاً ؟!!

ضاقت الروح

وعظمي من صدود ، أبقا

قفصُ الدهر ،

كما أنت ترى ،

ضايقني ..

واشتهتني لغةُ من خارج الدهرِ ،

فهزَّته ..

فما بال فؤادي ،

للذي يُسجنُ فيه

أشفقا

هاجني غُصنٌ نَسيمٌ

راقص بالزهرِ

والخمرُ برأسي لعبت

أهو ذنبي ،

زهرة من قطرة قد سقطت ؟!!

ذنب من مولاي !

لم يبقَ من البستانِ إلا وهم عودٍ

صامتٍ

لست سفيهاً

أبلهاً ..

أسأل عن زهري

ولم تبقِ عليَّ الورقا ..!

أغمدت في قدمي ..فامتُشقا .

الصبوحان بكأسي ...

سيدي !..

ربما أأمن للزهرة كأسي ،

من مهب الريح ،

أغضب مثلما شئت

فعشقي لم يساومك على شيء

وما الجنة والنارُ

سوى نارين

فيمن عشقا

أغمدت

فأستلَّت السُهدَ

وقد كنتُ نويتُ

الغسقا

شمتُ

لو أعلم ما شمت .. وأتعبتهما

كذب الغيمُ ،

على حاليَ ،

والصحوُ

وإن قد صدقا

سيدي !

من عجب في داخل السُكرِ

أصلي .. صادقاً

مهما تجازيني سراباً

أدمعي تسقيك في بحرِ النقا

همتُ...

لا أدري ،

عصافير الضُحى

من قدحي ... من صاحبي ...

كلهم طاروا ...

لئيمٌ صاحب الحانة

لم يرحم بقايايَ بهم

خُذْ أباريقك

إني منك سكرانٌ

سأمضي خلفهم

ربما ألقاهمُ ...

أحجز كراسي الأمس

لم نندم ،

سدى لم يكتف العمر ،

وإن كنت غششت العَرقا .

اسمعْ القُبرة الصفراء

تنعانا

تمطُّ الأفقا

يا خطايا ! يا خطايا !

كم كبيرٌ هذه الأيام من كان خطايا

أنا منهم

توبتي

لم أنكسرْ ،

إلا لتقبيلِ نُهيدٍ نَزِقا

إن يكن تاب السكارى !..

أنا بالسكر أناجيك

فما جرحيَ بالريش ، ولا يا ربُّ

بالريش التُقا



ليس بي فاحشةٌ

إلا بأني

لِذتي أكثر مني خُلُقا



19/11/1984 

 
اللون الرمادي 

دمشقُ عدتُ بلا حُزني ولا فرَحي

يقودني شَبحٌ مضنى إلى شبحِ

ضَيّعتُ منكِ طريقاً كنتُ أعرفه
سكرانَ مغمضة عيني من الطفحِ

أصابحُ الليلَ مصلوباً على جسدٍ

لم أدرِ أيَّ خفايا حُسنه قدحي

أسى حريرٍ شآميٍّ يداعبه

إبريق خمرٍ عراقيٍّ شجٍ نضِحِ
دفعت روحي على روحي فباعَدني

نهدان عن جنةٍ في موسمٍ لقح

أذكى فضائحه لثماً فيطردني

شداً إليه غريرٌ غير مفتضح

تستقرئ الغيب كُفي في تحسّسه

كريزةٍ فوق ماءٍ ريِّقٍ مرح

يا لانحدارٍ بطئٍ أخمصٍ رخصٍ

ولارتفاعٍ سريعٍ طافحٍ طمح

"ماذا لقيت من الدنيا وأعجبه؟!"

نهدٌ عليَّ ونهدٍ كان في سرح

هذا يطاعنني حتى أموت له

وذاك يمسح خدي بالهوى السمح

كأن زهرة لوزٍ في تفتّحها

تمجّ في قبضتي بالعنبر النفح

دمشق عدت وقلبي كله قرحٌ

وأين كان غريبٌ غير ذي قرح

هذي الحقيبة عادت وحدها وطني

ورحلة العمر عادت وحدها قدحي

أصابح الليل مطلوباً على أملٍ

أن لا أموت غريباً ميتة الشبح

يا جنة مر فيها الله ذات ضحى

لعل فيها نواسياً على قدح

فحار زيتونها ما بين خضرته

وخضرة الليل والكاسات والملح
لقد سكرت من الدنيا ويوقظني

ما كان من عنبٍ فيها ومن بلح

تهرُّ خلفي كلاب الحيّ ناهشة

أطراف ثوبي على عظمٍ من المنح

ضحكت منها ومني فهي يقتلها

سعارها وأنا يغتالني فرحي

29/12/1971





قصيده للشاعر بدر شاكر الشياب

لانى غريب



لأني غريب

لأن العراق الحبيب

بعيد

وأني هنا في اشتياق

إليه...إليها....أنادي :عراق

فيرجع لي من ندائي نحيب

تفجر عنه الصدى

أحس بأني عبرت المدى

الى عالم من ردىُ لا يجيب ندائي

وإما هززت الغصون

فما يتساقط غير الردى

حجار

حجار

وما من ثمار

وحتى العيون

حجار

وحتى الهواء الرطيب

حجار ينديه بعض الدم ِ

حجار ندائي

وصخر فمي

ورجلاي ريح تجوب القفار



قصيدة احلام الفارس القديم

لصلاح عبد الصبور

لو اننا كنا كنا كغصني شجرة

الشمس ارضعت عروقنا معا

والفجر روانا ندى معا

ثم اصطبغنا خضرة مزدهرة

حين استطلنا فاعتنقنا اذرعا

وفي الربيع نكتسي ثيابنا الملونة

وفي الخريف نخلع الثياب نعري بدنا

ونستحم في الشتاء يدفئنا حنونا

لو اننا كنا بشط البحر موجتين

صّفيتا من الرمال والمحار

توجتا سبيكة من النهر والزبد

أسلمتا العنان للتيار

يدفعنا من مهدنا للحدنا معا

في مشية راقصة مدندنة

تشربنا سحابة رقيقية

تذوب تحت ثغر شمس حلوة رقيقة

ثم نعود موجتين توأمين

اسلمتا العنان للتيار

في دورة الى الابد

من البحار للسماء

من السماء للبحار

لو اننا كنا نجيمتين جارتين

من شرفة واحدة مطلعنا

في غيمة واحدة مضجعنا

نضي للعشاق وحدهم وللمسافرين

نحو ديار العشق والمحبة

وللحزانى الساهرين الحافظين موثق الأحبة

.......

لو اننا كنا جناحي نورس رقيق

وناعم لا يبرح المضيق

محلق على ذؤبات السفن

يبشر الملاَّح بالوصول

ويوقظ الحنين للاحباب والوطن

منقاره يقتات بالنسيم

ويرتوي من عرق الغيوم

وحينما يجن ليل البحر يطوينا معا معا

ثم ينام فوق قلع مركب قديم

يوانس البحارة الذين ارهقوا بغربة الديار

ويؤنسون خوفه وحيرته

بالشدو والأشعر والنفخ في المزمار

لو أننا

لو أننا

لو أننا

وآه من قسوة لو يافتنتي

اذا افتتحنا بالمنى كلامنا

لكننا

وآه من قسوة لكننا

لانها تقول في حروفها الملفوفة المشتبكة

باننا ننكر ماخلفت الايام في نفوسنا

نود لونخلعه نود لو ننساه

نود لو نعيده لرحم الحياة

لكنني يافتنتي مجرب قعيد

على رصيف عالم يموج بالتخليط والقمامة

كون خلا من الوسامة

أكسبني التعتيم والجهامة

حين سقطت فوقه في مطلع الصبا

قد كنت فيما فات من ايام

يا فتنتي محاربا صلبا وفارسا همام

من قبل ان تدوس في فؤادي الاقدام

من قبل ان تجلدني الشموس والصقيع

لكي تذل كبرئاي الرفيع

كنت اعيش في رببيع خالد أي ربيع

وكنت ان بكيت هزني البكاء

وكنت عندما احس بالرثاء للبؤساء الضعفاء

أود لو اطعمتهم من قلبي الوجيع

وكنت عندما ارى المحيرين الضائعين التائهين في الظلام

أود لو يحرقني ضياعهم اود لو أضئ

وكنت ان ضحكت صافيا كأنني غدير

يفتر عن ظل النجوم وجهه الوضئ

ماذا جرى للفارس الهمام؟

انخلع القلب وولى هاربا بلا زمام

وانكسرت قوادم الاحلام

يا من يدل خطوتي على طريق الدمعة البرئية

يا من يدل خطوتي على طريق الضحكة البرئية

لك السلام....لك السلام

لا ليس غير انتِ من يعيدني للفارس القديم

دون ثمن...دون حساب الربح والخسارة

صافية اراك ياحبيبتي

كأنما كبرت خارج الزمن

وحينما التقينا ياحبيبتي ايقنت اننا مفترقان

وأنني سوف أظل واقفا بلا مكان

لو لم يعدني حبك الرقيق للطهارة

فنعرف الحب كغصني شجرة

كنجمتين جارتين

كموجتين توأمين

مثل جناحي نورس رقيق

عندئذ لا نفترق

يضمنا معا طريق

يضمنا معا طريق






 

Email Me: [email protected]
Home








Hosted by www.Geocities.ws

1