|
|
مجلــــة
الحيــــاة
الوجــه
الآخر لمحمود محمد طــه
في
هذا التحقيق الذي أعده محجوب محمد
شريف يتحدث الأستاذ محمود محمد طه
حول مسائل لم تكون محور أحاديثه من
قبل و ربما أعتقد الكثيرون أنه لا
يوليها اهتماما.
(س) الأستاذ محمود ..
حدثنا عن طفولتك وشبابك الباكر و عن
غايتك في الحياة.
(ج)
طفولتي كانت عادية وليس بها الي الآن
من الأهمية ما يجعلك تشغل بها القراء.
وشبابي الباكر كان متجها الي ما أنا
عليه الآن من فكر و عمل و غايتي في
الحياة ، الحرية لي و لسواي.
(س) هل تواجه أي
مضايقات أو متاعب بوصفك رئيسا للحزب
الجمهوري ؟
(ج)
المشاكل التي أواجهها هي أنني دون
المستوي اللازم لرئيس الحزب
الجمهوري ، و هي مشاكل تتذلل كل يوم
بفضل الله ثم بفضل عداوة الجهلاء.
(س) ماذا تطالع هذه
الأيام؟
(ج)
أطالع بعض الصحف المحلية و قليلا من
الغربية وأقل من المجلات العربية.
(س) أي ساعات اليوم
أحب إليك ، و هل تمارس هوايات معينة؟
(ج)
ساعات الليل .. و في الثلث الأخير منه
بصورة خاصة .. و الهواية التي أمارسها
هي قيام الأسحار.
(س) أزهري .. الامام ..
ايهما أفضل لرئاسة الجمهوية ؟ ليس
بالنسبة لك و لكن بالنسبة للغالبية
التي ستشترك في الأختيار. ومن هو
البديل الأفضل حاليا ؟
(ج)
ليس بينهما فضل. و لكن أزهري أقل ضررا
من الهادي لمجرد أن الهادي يعامل
بتقديس أكثر مما يعامل أزهري. و الله
المسئول أن يهب للشعب من هو خير منهما
و أبقي.
(س) ما رأيك في
استقالة ديجول ؟ و كيف تلقيتها ؟ و هل
تتوقع أن تتغير سياسة فرنسا و خاصة
تجاه الشرق الأوسط؟
(ج)
رحبت باستقالة ديجول لأنني أعتقد أن
سياسته كانت خطأ فان محاولته الطموحة
عزل بريطانيا و أمريكا عن اوربا تعطي
الاتحاد السوفيتي فرصة ليرجح كفته
علي كفة الغرب فيختل توازن القوى
القائم اليوم و تكون أول نتائج مثل
هذه السياسة بلشفة أوربا بما فيها
فرنسا وكان ذهابه نتيجة أستفتاء. و
لكنه كان معتدا بنفسه الي درجة
اعجلته عن أن الشعب يدرك خطورة
الاستفتاء في أمر غير ذي خطر و لا
أهمية .. و ما أعتقد ان سياسته نحو
العرب كانت عليها صداقة للعرب كما
يظن كثيرون .. و أعتقد أن سياسة فرنسا
ستتغير و لكن مع الوقت.
(س) ما هي نظرتك للعمل
الفدائي مثلا في "فتح" و ما هي
أقصي الانتصارات التي يمكن أن يحققها.
(ج)
العمل الفدائي من شعب فلسطين المشرد
عن أرضه عمل طبيعي و لكنه جاء بعد
أوانه بزمن طويل ، و أقصي الانتصارات
التي يمكن أن يحققها هي اثارة
الاعزاز في شعب فلسطين و اعادة
الكرامة اليه ثم جعل الحل السلمي
ممكنا مع بقية كرامة العرب.
(س) هل يمكن التنبؤ
بمستقبل العالم من خلال الظروف
الراهنة ؟
(ج)
الظروف الراهنة في حياة العالم تمثل
فترة المراهقة التي تصحب حياة الفرد.
و طور المراهقة طور قلق و اضطراب و
تحول و هو يقف علي أبواب الرجولة فاذا
اجتازه الفرد بسلام دخل عهد رجولة و
استقرار و أنا شديد اليقين بأن
العالم اليوم علي أبواب النضج و
الأكتمال و هو يبحث عن مدنية جديدة
بها يحقق الجمع بين الاشتراكية و
الديمقراطية مع فتح الباب علي تحقيق
الفردية حيث بتحقيق الفردية يتم
السلام في داخل بنية كل فرد بشري فاذا
حقق كل منا مع نفسه السلام فان العالم
يعيش في سلام و بذلك ينتهي لعهد
الرجولة و الاكتمال ، و هو حظ هذا
العالم في المستقبل القريب ان شاء
الله. و من أجل هذا فاني أبذل ما أبذل
في بعث الاسلام لأن بالاسلام يتحقق
السلام في بنية كل فرد و في المجتمع
في آخر المطاف.
(س) ماذا تري في
حيثيات القاضي عبيد النقر و شكوى
وزير العدل و قرار محكمة الاستئناف؟
(ج)
الوجهة الصحيحة هي ألا يكون القانون
سوط عذاب و انما يكون اداة اصلاح .. و
هذا ما منه بدأ القاضي عبيد و هذا
يعني أن يكون الاصلاح سالفا و
القانون تابعا .. به يستعان علي
التقويم ، علي غرار المثل العامي عن
الأطفال فانا نقول "شبعوهم و
طبعوهم" و هذا ينطبق علي الشعب.
تطبق
القانون حكومات فاشلة فاذا رجل كعبيد
نبهها الي تقصيرها ، فانها تضيق ذرعا
به ، و من هنا جاءت شكوي وزير العدل
فان حكامنا لتقصيرهم و لحرصهم علي
الكراسي لا يحبون الا من يزين لهم سوء
عملهم .. و اعتقد أن شكوى الوزير ظاهرة
رديئة من ظواهر تدخل عهودنا الوطنية
في حرمة القضاء فقد كان الواجب أن
يستأنف بالطرق المشروعة و أعتقد أن
موقف محكمة الاستئناف المدنية
العليا لم يكن سليما ، علي الأقل من
الناحية الشكلية فان نقل القاضي بهذه
الصورة المستعجلة و بمجرد أن اشتكي
وزير العدل يوحي للشعب بسقوط كرامة
القضاء امام السلطة التنفيذية لا
سيما و أن الناس قد عاشوا أزمات متصلة
بين القضاء والتشريعية و التنفيذية
من جهة أخرى و كانوا دائما يرون أن
حرمة القضاء تعرضت للمهانة.
(س) ما رأيك في نتيجة
الدخول للمدارس الوسطى ؟
(ج)
كان المستوى منخفضا و بخاصة الحساب ..
و أعتقد أن من أهم الأسباب كبر حجم
الفصول مما يجعل المدرس غير قادر علي
التوجه لكل تلميذ بالتفهم كما يحصل
عادة لو ان عدد الطلبة كان في الحدود
التي كانت مألوفة علي العهود السابقة
و السبب في كبر حجم الفصول عجز
الحكومة عن أعداد فرص التعليم مع
محاولتها الظهور بمظهر القادر .. مجرد
مغالطة سياسية.
(س) ما رأيك في تحضير
الأرواح؟
(ج)
الأرواح علوية - ملائكية - و تتولى
الارشاد للخير ، وسفلية - شيطانية - و
تتولى الارشاد للشر .. فتحضير الأرواح
العلوية لنتعلم منها أسرار الله غير
ممكن بأساليب تحضير الأرواح المعروف
و لكن الممكن هو تحضير الأرواح
السفلية .. و هذه لا خير فيها .. و تحضير
أرواح الأموات معرض لتدخل الأرواح
السفلية فيه - و من ثم لا يرجى منه خير
و يجب الا ينشغل به رجل جاد العقل.
(س) لم توافق لجنة
الفتوى بالأزهر على تقديم مسرحيتي
"عمر ابن الخطاب" لعلى أحمد
باكثير "والحسين" لعبد الرحمن
الشرقاوي ماهي وجهة نظرك ؟
(ج)
تمثيل شخصيات عظماء الاسلام يجيء منه
خير كبير للنشيء والتمثيل من انجح
وسائل التعليم الحاضر ومن اشدها
تاثيرا على الناس، ولكن يجب ان يكون
محتوى ما يجرى تمثيله محتوى جيدا
وصادقا وجادا، ويجب ان يكون الحوار
رصينا وان يكون الممثل شخصية جادة
ذات خلق وفكر واستقامة، وان يجرى جو
التمثيل كله على سمة الجد الذي لا هزل
فيه و لا تبذل فان كان ذلك ممكنا فأنى
اعتقد ان التمثيل يجب ان يسمح به وان
يشجع.
(س) هل تسمع الإذاعة
أو تشاهد التلفزيون و ما هو إنطباعك
عنها ؟
(ج)
أنا لا أسمع الإذاعة إلا نادرا و لا
أشاهد التلفزيون و أعتقد أن الإذاعة
لا تقول ما يجب أن يقال .. هي علي الأقل
تخفي عن الشعب من الأخبار الداخلية
ما يسمعه عن بلاده من إذاعة لندن أو
حتى عن إذاعة إسرائيل.
(س) ما رأيك في هؤلاء :
أم كلثوم .. نزار قباني .. جيفارا .. ؟
(ج )
أم كلثوم لا أسمعها كثيرا حتى أكون
عنها رأيا و حيث يتيسر لي أن أسمعها
فان صوتها يلذني. وأما نزار قباني
فاني أيضا لا أقرأ له .. و لكنني أظنه
شاعرا مبتذلا و لا يعجبني رأيه في
المرأة. و أما جيفارا فأراه ثائرا
أصيلا وفيا لفهمه الاشتراكي حيث تخطت
ثوريته الحدود الوطنية المألوفة. و
لقد هام الشباب به و لكننى أظنه نموذج
خطأ للشباب الثائر في مستقبل الأيام
.. إذ أن الثورية يجب أن تقود للحياة
في سبيل الإنسانية لا الموت في سبيل
الإنسانية.
(س) ما هي نظرتك تجاه
الفن و الموسيقي ؟
(ج)
الفن و الموسيقي من أرقي و سائل ترقية
الشعور الانساني و لكنها قريبا من
خطر أن يتخذا وسيلة من وسائل اللهو و
تزجية الفراغ. و أعتقد أن خير
استعمالها يجيء بعد أن يقيم الانسان
لنفسه في نفسه ميزانا به يزن قيم
التراث البشري جميعه ليستطيع أن
يتوصل الي ترقية حياة فكره و حياة
شعوره و هذا الميزان يقام في النفس عن
طريق تجويد العبادة و بعث لا اله الا
الله في العقل و القلب .. فاذا جود
الانسان العبادة أولا ثم أقبل علي
الفن و الموسيقي فانهما نعم العون
علي ترقية الفكر والشعور أما قبل ذلك
فانهما من أدوات اللهو والهوى و
تزجية الفراغ أو انهما الي ذلك أقرب
منهما الي تجديد حياة الفكر والشعور.
(س) ماذا تعرف عن
هؤلاء : أمين زكي - الفاضل سعيد - عبد
اللطيف خضر ؟
(ج)
لا أعرف عنهم ما يكفي.
(س) هل كان أو مازال
لديك أي أهتمام بالأدب ؟
(ج)
أنا دائما مهتم بالأدب .. كنت و ما
أزال و لكني أعتقد أن الأدب هو ملكة
التعبير عن النفس المؤدبة. النفس
المؤدبة هي النفس التي حققت السلام
في داخلها .. فالأدب صحة داخلية تسيل
في الكلمة .. أما الأدب الذي يمارسه
الكتاب و الشعراء و لا يتقيدون فيه
بالخلق و لا بالصدق فلم أهتم به و أضع
نفسي ضده و أعتبره من آفات الفكر
والخلق ، و أرمي الي تخلص الشباب منه.
(س) الأغنية والحرف
المكتوب سلاح في المعركة ، ما رأيك ؟
(ج)
العبرة بالمحتوى و بالايمان وراء
العبارات الذي تتحدث العبارات عنه. و
أعتقد أن سلاح المعركة الفكر الصافي
والشعور الصادق فأن كان صاحب الأغنية
والحرف المكتوب يصدر عن فكر و شعور
كان قوله سلاحا و الا كان هراء ضارا.
محجوب
محمد شريف
مجلة
الحيـــاة