أخبار دراسات ومفالات كتابات الرئيسية ألبوم الصور راسلنا

 

ندوة المناضل

محمد علي لقمان

رائد حركة التنوير في اليمن

من أجل تخليد أحد الأعلام الفكرية - الثقافية والاجتماعية- التربوية<

13-15 نوفمبر ‏2006‏

 

المجاهد محمد علي لقمان المحامي

رائد حركة التنوير في اليمن

 

بقلم أ. د. أحمد علي الهمداني

 

 

 

-1-

المحامي محمد علي لقمان هو الرجل العصامي، والنابغة العلامة الذي عرفته اليمن كلها شخصية متعددة الجوانب، متنوعة الأبعاد، مختلفة الاتجاهات، متشعبة الخصائص. هو المفكر السياسي والفيلسوف الاجتماعي، وهو المناضل الجسور والثائر الصبور، وهو التربوي العملي والصحافي الناجح، وهو الناشر الذكي والرحالة الشجاع، وهو المحامي المقتدر والشاعر البارع، وهو القاص المبدع والروائي الرائد، وهو المسرحي الجميل والاقتصادي الدقيق. وهو المصلح الاجتماعي والديني الذي عمل وأبدع في أكثر من مجال من مجالات الحياة المتباينة، وفي أكثر من ميدان من ميادين الواقع المتغير الذي لا يقر له قرار. شكل المحامي محمد علي لقمان على امتداد نصف قرن من الزمان مدرسة فكرية وسياسية ـ اجتماعية تخرج فيها عدد كبير من الموهوبين في مختلف جوانب الحياة المعروفة، وأصبح هذا العدني ـ اليمني ـ العربي ـ المسلم أبا روحيا لكثير من الأدباء والكتاب وكثير من السياسيين ورجالات الفكر والمجتمع اليمني في عدن وغيرها من مناطق اليمن والجزيرة والصومال، والهند وباكستان وغيرها. فقد كان رجلا كبيرا من رجالات التنوير وعلما عظيما من أعلام الثقافة والسياسة في عصر، أخذ فيه كل شيء بالتشكل، وكان هو الأساس الذي قامت عليه البدايات الأولى للنهضة الشاملة والذي استندت إليه هذه النهضة في معانيها المختلفة، وفي تطورها وتقدمها فيما بعد.

على هذا النحو يجمع المحامي محمد علي لقمان بين الدعوة إلى الإحياء والإصلاح الشامل وتبني الفكر الليبرالي في اليمن، وهو الشيء الذي جعله الرائد الأول للفكر التنويري الذي حاول أن يمس بالتجديد كل مفاصل الحياة الرئيسة والثانوية، والذي كانت التعددية السياسية والثقافية بعض مظاهره. ولم يكن هذا النشاط الإصلاحي ـ التنويري  ـ الإحيائي ـ التحديثي ـ التجديدي ـ الليبرالي ليخفى على معاصريه، فقد جذب لقمان معاصريه، على اختلاف نوازعهم الفكرية ووجهاتهم الاجتماعية إلى حمأة هذا النشاط، وأصبح هؤلاء جميعهم يدورون في فلك هذا النشاط الذي كان مركزه المحامي محمد علي لقمان.

كتب المرحوم الأستاذ عبده سعيد الصوفي، أحد معاصري لقمان: ".. وكان أحد أولئك الشباب الذين قاموا بذلك الدور العظيم الذي كان بمثابة البذرة أو اللبنة الأولى التي شيدت عليه دعائم نهضتنا الفكرية التي نعيشها اليوم، هو الفقيد الراحل الأستاذ محمد علي لقمان، بل إنه لم يكن فردا عاديا في تلك النخبة، وإنما كان كما يصفه زميل من زملائه في ذلك الجهاد المقدس، الأستاذ أحمد محمد سعيد الأصنج في كتابه" نصيب عدن من الحركة الفكرية الحديثة" الذي طبع في عام 1934م بقوله: "لقد عرفت الأستاذ لقمان من الصغر فألفيته من النوابغ المخلصين لدينهم ووطنهم والعاملين بجد ونشاط نحو المصالح العامة. والأستاذ لقمان حفظه الله هو المؤسس للنهضة الأدبية في عدن، وكان العامل الأكبر في تأسيس "نادي الأدب العربي" ثم " نوادي الإصلاح العربية الإسلامية "، وله في الأعمال الخيرية أياد بيضاء يخطب بالناس في المساجد والنوادي ويحرضهم على التآلف والاتحاد وطلب العلم ". هذه شهادة صدق لأنها صدرت من زميل له شاركه في معارك الجهاد ومحاربـة الجهل، عرفه طالبا نابغا، وشابا مكافحا، وكهلا مناضلا، وشيخا حكيما ومجربا ".

وكتب الباحث علوي عبدالله طاهر "... وقد كان محمد علي لقمان واحدا من أعلام الفكر والثقافة في عدن، على مدى نصف قرن تقريبا. وكان رائدا من رواد النهضة الثقافية الحديثة في اليمن، غير أن الجيل الجديد لا يكاد يعرف عنه شيئا بسبب الإهمال الذي تعرض له من قبل الباحثين، رغم أنه كان يتبوأ مركز الصدارة في الحياة الثقافية اليمنية في النصف الأول من هذا القرن. والوصول إلى مركز الصدارة في قيادة الحركة الثقافية يتطلب استعدادات خاصة وكفاءات متميزة، تؤهله لاحتلال هذا الموقع، وقد توافر لمحمد علي لقمان من تلك الملكات قدر وافر جعله يقف بين مواطنيه في مركز الصدارة. لقد كان لقمان أستاذا لجيل واسع من المثقفين، ومع ذلك لم نجد كتابا واحدا عني به أو اهتم بسيرته، رغم  وفرة مصادر دراسته، من خلال تتبع مقالاته في صحيفة " فتاة الجزيرة " التي اتخذها منبرا لأفكاره وآرائه، فأثمرت في حياته كأغنى ما يكون الثمر، فغدت جريدته مدرسة فكرية تمزج بين مأثورات بيئته وأفكار عصره، فأدخل إلى المجتمع اليمني بعض الأفكار الحديثة المستوحاة من الحضارة الأوروبية والمدنية الغربية،ممزوجة بالثقافة العربية الإسلامية...". كما كتب الأستاذ جعفر مرشد " تفجرت وطنيته في سن مبكرة وجرت مجرى الدماء في عروق جسمـه، وقام بتأليف كتاب باللغة الإنجليزية بعنوان "هل هذه قصاصة ورقية ؟! "is This A scrap Of paper"، انتقد فيه السلطة البريطانية نقدا لاذعا بسبب إهمالها تعليم أبناء عدن المستعمرة. ...

في الأربعينيات أصدر صحيفة "فتاة الجزيرة" وهي أول صحيفة تصدر في عدن، فكانت سوطا ألهب ظهر المستعمر، ومشعلا أضاء الطريق للثورة ضد الإمامة، كما كان الفقيد لقمان رحمه الله أحد المخططين للإطاحة بالإمامة عام 1948م مع زملائه وأصدقائه آنذاك الشهيد محمد محمود الزبيري وأحمد محمد نعمان وآخرين. وبعد فشل المحاولة الأولى نجا لقمان بأعجوبة من القبض عليه، إذ تم نقله إلى عدن بواسطة طائرة صغيرة تابعة لإحدى الشركات الأجنبية التي كانت تقوم بالتنقيب عن البترول ! ".

على هذا الأساس لم ينحصر نشاط هذا المفكر في عدن، وإنما امتد إلى كل الوطن اليمني، كما لم ينحصر نشاطه في جانب واحد من جوانب الحياة، وإنما تعددت أعماله الفكرية، وتنوعت اتجاهاته الأدبية، وتشعبت مواقفه السياسية في زمن استعصى على الجميع ريادته.ج

-2-

لقد كان محمد علي لقمان المحامي رائدا في الصحافة والصحفيين، وفي المحاماة والحقوقيين، وفي التربية والتعليم، وفي العمل الاجتماعي اليومي، وفي الدعوة إلى تحرير المرأة ومنحها حقوقها كاملة غير ناقصة. كما كان رائدا في محاولته نشر التعليم للبنين والبنات على السواء وإعمام الصحة في البلاد كلها، وإرسال البعثات إلى خارج الوطن طلبا للعلم والتأهيل في مختلف العلوم والآداب. كما كان رائدا في كتابة الشعر الذي تركـه في نهاية الأمر، وفي الرواية والقصة، وفي دعوته إلى الحكم الذاتي واستقلال بلاده. لقد مست عبقريته الفذة نواحي الحياة المختلفة من دون استثناء، ولم يترك جانبا من جوانبها دون أن يشمله التجديد أو محاولة التجديد الذي حمله إلى عدن وإلى اليمن كلها  وإلى بعض الدول المجاورة في عصر متغير، ضاقت فيه سبل الحياة حينا، واتسعت أحيانا أخرى.

ويكفـي أن نشير إلى نشاطه في صحيفته الأولى "فتاة الجزيرة "وفي دار هذه الفتاة، حتى نعرف ذلك الدور الكبير الذي أداه هذا الصحافي الأول في نشر الوعي الصحفي في داخل البلاد وخارجها، وفي خلق العمل الصحافي الواعي داخل تعددية سياسية وتعددية فكرية عامة وخاصة، أوجدت الرأي والرأي الآخر سعيا وراء إقامة مجتمع مدني يحترم حقوق الأنا والآخر وواجباتهما من دون تعطيل العقل وتحطيم المنطق. لقد كان رجلا في تاريخ وتاريخا في رجل.

لقد جرت "فتاة الجزيرة" وراءها عددا كبيرا من الصحف والمجلات، واستقطبت عشرات الأقلام من كل زمان ومكان، من السياسيين والأدباء، ومن الكتاب ورجال الفكر على امتداد سبعة وعشرين عاما. لقد احتضنت "فتاة الجزيرة" المواهب الأولى، والترجمات الأولى والقدرات الكبيرة، والعبقريات الفذة في القصة والرواية، وفي الشعر والمسرح، وفي النقد والدراسات وفي السياسة والاقتصاد، وفي الدين وعلم الاجتماع، وأظهـرت دار "فتاة الجزيرة" عشرات الدواوين والمسرحيات وأعمالا فكرية ـ أدبية أخرى، مازلنا بحاجة إلى إحصائها وسردها على القارئ حتى يعرف ذلك العمل الذي قام به هذا الرجل العملاق وعمل أولئك الرجال الذين تربوا على يديه وتخرجوا في مدرسته، مدرسة "فتاة الجزيرة"، مدرسة المحامي محمد علي لقمان. ولن يستطيع أي باحث منصف وحصيف يحاول أن يؤرخ لهذه الفترة، من عدة جوانب، أن يتجاوز هذه الصحيفة وهذا الرجل ومصنفاته الأخرى، على امتداد نصف قرن من حياة اليمن واليمنيين.

 

-3-

على هذا الأساس كانت حياة المحامي محمد علي لقمان تاريخا حافلا بالمآثر الكبيرة، والصراعات المريرة والنجاحات الرائدة على كل المستويات، إذ قام الأستاذ لقمان منذ عام 1925م حتى عام 1939م بتأسيس عدة معاهد ومؤسسات، ونواد وجمعيات أدبيـة. ومن المعروف أن جنوب الجزيرة قبل عام 1939م كان يفتقر إلى الصحافة والصحف، وكان القراء يعتمدون على الصحافة الخارجية القادمة من بعض الدول العربية. وكان الأستاذ لقمان مقتنعا بأن الناس قد أخذوا يتلمسون سبيلهم إلى النهضة الفكرية الأدبية ـ السياسية والاجتماعية. وكان هو يبحث عن إقامة صحيفة في عدن، ولكنه صادف في طريقه مصاعب مالية عديدة.

وفي عام 1933م توظف الأستاذ لقمان في شركة (A. Besse) فعمل مع هذه الشركة في بلاد الصومال. وهناك كان حب الصحافة يتابعه، ولكن عدم وجود تسهيلات مطبعية أعاقه عن إصدار صحيفة أسبوعية. غير أن نشاطه لم يكن له حدود، فأصدر صحيفة بخط يده، أسماها " شمسان عدن "، وأصدرها في (بربرة) في بلاد الصومال، حيث كان يعمل مع شركة (A. Besse). بيد أن هذه الصحيفة لم تدم طويلا.

على أن محمد علي لقمان عزم عزما أكيدا على إصدار صحيفة أسبوعية، وكان ذلك قبـل عام 1939م. إذ حصل على إذن في إصدار صحيفة أسبوعية أسماها " فتاة الجزيرة ". وظهرت " فتاة الجزيرة " في الأول من يناير 1940م. وكتب في افتتاحية ذلك العدد أنه منذ زمن طويل كان يحلم في إصدار صحيفة أسبوعية، تدافع عن حقوق أبناء عدن والبلدان المجاورة، وتشجع الإنتاج الأدبي، ونشر العلم والعرفان، والثقافة، وتوسيع النشاط الاقتصادي والتجاري، والزراعة والصناعة وغير ذلك. ولم يقف حلم الأستاذ لقمان عند هذا الحد، إذ كان يفكر في تأسيس مطبعة خاصة، فقد طبع أعداد " فتاة الجزيرة " من عدد (1) إلى عدد (26) في " المطبعة العربية "، ومن عدد (27) إلى (36) في " مطبعة الهلال ". لكنه في سبتمبر من عام 1940م يشتري مطبعة صغيرة، وكانت هذه المطبعة نواة لما عرف بعد ذلك بدار " فتاة الجزيرة ". والجدير ذكـره أن " فتاة الجزيرة " كانت توزع بمعدل ألفي عدد في جميع بلدان الشرق الأقصى. وعندما عزم الأستاذ لقمان على دراسة الحقوق والمحاماة توجه إلى الهند، ونال درجة الحقوق من جامعة بومباي عام 1935م – 1936م. وعد الأستاذ لقمان بذلك أول محام في عدن. كتب الأستاذ جعفر مرشد "... ولد الأستاذ محمد علي لقمان المحامي في مدينة عدن في تاريخ 6 نوفمبر 1898م، وعمل بعد دراسته الجامعية في الخارج في سلك المحاماة مدافعا عن المظلومين من أبناء وطنه دون مقابل. لم يفكر بالثراء عن طريق الكسب الحرام وعن طريق التلاعب بقضايا الناس، واضعا نصب عينيه ثقة موكله، وكان يعدها أمانة في عنقه... كان يكره الاستعمار ويحارب القهر والظلم الذي يلحق بالفقراء من قبل بعض الأغنياء. ولعل قصة " كملا ديفي " التي هاجم فيها الأغنياء من المهراجات في الهند خير دليل على ذلك... ".

لم يقتصر إصلاح الأستاذ محمد علي لقمان على البلدان المجاورة. لقد اعترف أبناء الصومال بجهود الأستاذ لقمان في سبيل بلادهم. وهذا مقتطف من مقالة للسيد محمود جامع، كتبها في وقت كان فيه مديرا للسياحة في الجمهورية الصومالية. يقول: "... لقد خدم الأستاذ لقمان ـ رحمه الله ـ القضية الصومالية خدمات جليلة، لا ينسى فضلها أي صومالي. إنني لأذكره في عام 1934م، وهو يحث الصومال على التعليم... بل ويعلم شباب الصومال، ومنهم الأستاذ محمود أحمد المستشار في وزارة المعارف الصومالية، والقاضي محمود أحمد المهاجر. أما في الميدان السياسي، فقد كان المرحوم يكشف لنا نحن الصومال تاريخنا ويستحث هممنا إلى أمجادنا...، ووقف الأستاذ لقمان في صف قضية بلادنا الصومال حتى يوم الاستقلال. فلن ننسى له هذا الفضل العظيم ".

 

-4-

علـى هذا النحو خاض المحامي محمد علي لقمان جهادا مقدسا من أجل تحرير بلاده، وانعتاق الشخصية اليمنية العربية من ربقة الاستعمار ونير الأجانب الذين تقاطروا على عدن واحتلوا المناصب الرفيعة فيها، واستولوا على خيراتها المادية. وهو الشيء الذي دفعه إلى أن يرتبط ارتباطا وثيقا برجالات عصره في الداخل والخارج. لقد كان محمد علي لقمان المحامي على علاقة  وطيدة بكل من محمد علي الطاهر، شكيب أرسلان، عبدالعزيز الثعالبي، الخطابي، جميل جمال، الحسيني، غاندي، ورسل في بريطانيا، وغيرهم كثيرون. إذ بدا أن كثيرا من أفعال هؤلاء وأقوالهم هي بعض معاني الجهاد المقـدس الذي خاضه هذا العدني ـ اليمني في سبيل إدخال النهضة الحديثة الشاملة إلى بلاده. كما كان على علاقة قوية بحركة الأحرار ورجالها الذين جاءوا إلى عدن فارين من سيف الجلادين في شمال الوطن، وكان واحدا من مهندسي انقلاب 1948م، وكان على صلة محكمة بالرئيس السلال الذي قال عنه:"أعرف لقمان وأعرف جهاده الطويل ". وإذا كان المناضل عبده حسين الأدهل قد وصفه في كتابه " الاستقلال الضائع " بأنه " رائد النهضة الفكرية والحركة  التحررية في عدن والجنوب بلا منازع "، فإن تاريخه السياسي والنضالي وارتباطه الوثيق بحركة الأحرار وثورة السادس والعشرين من سبتمبر ليدل على أن تجربته النضالية ـ السياسية قد امتدت لتشمل الوطن اليمني كله. ينبغي أن يعود القارئ فقط إلى كتابيه: " قصة الدستور اللحجي وقصة الثورة اليمنية " حتى يتحقق من ذلك.

في الحقيقة كان معاصروه، وهم إما من أنصاره، وإما من خصومه، يعرفون ذلك، ويتفهمونه، ويدركونه كل الإدراك. غير أن الأجيال اللاحقة لا تعرف شيئا عن ذلك. فلم يخدم تاريخ الرجل وأعماله ومواقفه الطيبة خدمة مرغوبة أو منشودة بعد الاستقلال حتى يومنا هذا. فقد جنت الجبهة القومية ومن بعدها الحزب الاشتراكي على تاريخ الرجل واعتدوا عليه عدوانا أثيما، فأصبح كل ما يمت بصلة إلى تاريخ هذا الرجل، في عهدهم، رجعيا أو شبه رجعي ينبغي محاربته، فتخوف الباحثون من دراسة أعماله وحياته، فانصرفوا عنه، وحاق الظلم بهذا الرجل من جراء ذلك نصف قرن من الزمان. وأصبح العثور في يومنا هذا على بعض أعمال هذا الرجل ضربا من المستحيل، فلم أتمكن حتى كتابة هذا المدخل من العثور على الأعمال الآتية: "هل هذه قصاصة ورقية ؟!" 1923م،   "الشعب البريطاني" 1940م،"أرض الظاهر"  1945م، "انتصار الفكر في الثورة الفرنسية" 1947م.

وهناك أعداد  كبيرة من صحيفة "فتاة الجزيرة" ضائعة أو شبه ضائعة، وهي التي كان ينشر فيها مقالاته المتعددة الاتجاهات، والتي يمكن أن تقدم إلى الباحث صورة كاملة عن هذا المجاهد أو القديس الذي حارب الظلم، وقاوم الاستعمار والملكية المطلقة، والذي واجه الشر بكل ما يملك من قوة ومواهب متعددة، جعلته شخصية عدنيـة ـ يمنية عربية ـ إسلامية وعالمية. ولم يحق الظلم بالمحامي محمد علي لقمان وحده، وإنما لحق الظلم كذلك بكل أفراد أسرته الذين تشردوا في بقاع الأرض، وأصبحت ممتلكاتهم نهبا للصوص وقطاع الطرق الذين جاءوا من خارج عدن. ولم يستطع أحد أن يرد الاعتبار إلى هذه الأسرة الكريمة وعميدها المحامي محمد علي لقمان. وهم الكتاب والأدباء، الشعراء ورجـال المسرح، التربويون والصحافيون، العلماء والمترجمون، المهندسون ورجال الفكر، المؤلفون والمصنفون، المؤرخون والإداريون النابهون. 

في الحقيقة لقد آن الأوان من أجل الكتابة عن هذا المجاهد وجهاده المقدس في عصره ووطنه وخارج وطنه، ومن أجل التنقيب عن أعماله وإذاعتها على الناس، حتى يعرفوا الحقيقة الضائعة ويقفوا على حقيقة الظلم والعدوان على فكر هذا الرجل، ذلك الظلم وذلك العدوان اللذين قام بهما تتار القرن العشرين، الزاحفين على مدينة عدن من خارجها.

ولا يمكن ألا يشير الباحث إلى أن الوحدة المباركة قد رفعت الظلم والعدوان عن هذا الرجل وتراثه، وألغت الحظر الذي كان مفروضا عليه حتى عشية قيام الوحدة، وأصبح من الممكن الكتابة عن هذا المجاهد وجمع تراثه ونشره.

 

-5-

وينبغي الإشارة إلى أن هذا الجهد الذي بذلناه ونقدمه إلى القراء والدارسين ماهو إلا البداية التي يجب أن تتبعها أعمال أخرى تكشف معنى هذا التراث الذي خلفه المحامي محمد علي لقمان في كل المستويات. إنها البداية لاغير، البداية القوية الشجاعة التي تطمح إلى أن تقدم تراث هذا المجاهد في صورة كاملة أو شبه كاملة. إننا نحاول، هنا، أن نرد الاعتبار إلى علم من أعلامنا الكبار، ونحلّق من على قمته أو ذروته على الواقع السياسي ـ الاجتماعي ـ التاريخي والأدبي الذي انشغل به، وحاول أن يجالده ويعيد إليه بعض معانيه المفقودة. إننا نحاول أن نرد الاعتبار لا غير إلى هذا المجاهد المبدع في كل شيء، فهل نستطيع ؟

في الحقيقة تتطلب دراسة أعمال هذا المفكر اليمني ـ العربي والعالمي جهود مجموعة كبيرة من الباحثين. ولن يقوى أحدهم على حمل هذا العبء وحده. إذ يفتح كل كتاب من كتبه، وكل مقالة من مقالاته، وكل خاطرة من خواطره تداعيات لا حدود لها. إذ ينبغـي الغوص في كل عمل على حدة حتى تتكشف مواقف الرجل ومواقعه الوطنية والفكرية. فهو يجمع في كل كتاب من كتبه بين السياسي المجرب والمؤرخ النابه والمحلل الناقد والعالم النفساني والداعية الاجتماعي. يتبدى كل هذا في لوحة لغوية أنيقة نعرف من خلالها سعة عقل هذا الرجل الذي استوعب علوم وتجارب عصره والعصور الغابرة على السواء. ولا غرو بعد ذلك أن يضعه الباحث المنصف في صف واحد مع دعاة النهضة في العالـم العربي والإسلامي من أمثال جمال الدين الأفغاني، الشيخ محمد عبده، شكيب أرسلان، وقاسم إبراهيم، وغيرهم من الدعاة المخلصين الذي كان لقمان على اتصال بهم اتصالا فكريا.

ترك المجاهد محمد علي لقمان المحامي مجموعة كبيرة من الأعمال الفكرية ـ السياسية والاجتماعية ـ التاريخية التي تشكل تراثه الإبداعي في مختلف مجالات الحياة. وهي على النحو الآتي:

1.    is This A scrap Of paper  ـ هل هذه قصاصة ورقية ؟  (1923م).

2.    بماذا تقدم الغربيون ؟ (1932م).

3.    رسالة رجب.

4.    سعيد (رواية). (1939م).

5.    الشعب البريطاني.

6.    أرض الظاهر. (1945م).

7.    كملا ديفي (رواية). (1947م).

8.    انتصار الفكر. (1947م).

9.    قصة الدستور اللحجي. (1952م).

10. عدن تطلب الحكم الذاتي.

11. قصة الثورة اليمنية.

12. جولة في بلاد الصومال. (1934م).

13. وهناك عدد كبير جدا من المقالات والمذكرات التي كان ينشرها تباعا في صحيفة "فتاة الجزيرة" و"Aden Chronicle" وهي لم تصدر حتى هذا الوقت في كتاب.

هذه هي أعمال المحامي محمد علي لقمان، ومن المحتمل أن تكون هناك أعمال أخرى، لم تصل إلى أيدينا، ربما تظهرها لنا الأيام القادمة. ولابد من الإشارة إلى أننا لم نعثر إلا على هذه الأعمال:

.          بماذا تقدم الغربيون ؟

2.          قصة الدستور اللحجي.

3.          عدن تطلب الحكم الذاتي.

4.          قصة الثورة اليمنية.

5.          سعيد.

6.          كملا ديفي أو آلام شعب وآماله.

7.          جولة في بلاد الصومال.

الأعمال الستة الأولى كانت قد نشرت في حياة الراحل المرحوم محمد علي لقمان، أما العمل السابع فقد عثرنا عليه عند ابنه ماهر لقمان الأستاذ المهندس، وهو عمل مخطوط لا غير، ولم ينشر من قبل على الإطلاق، على الرغم من ورود ذكر هذا العمل في مقالة الأستاذ جعفر مرشد، التي ننشرها في هذا الكتاب، وقد ورد هذا الكتاب عنده تحت عنوان: "رحلاتي إلى الصومال والحبشة" ذاكرا أنه لم يقم بطبعه ونشره. كما ورد ذكر هذه الرحلة في مقالة الباحث عبدالله الحبشي، التي ننشرها في هذا الكتاب كذلك. ويبدو أن هذه الأعمال كلها وغيرها التي لم نوفق في الحصول عليها، هي التي جعلت الإمام الدستوري عبدالله الوزير يقول عند استقباله لقمان: " هذا بيت الثورة، هذا بيت الجهاد، هذا فتى الجزيرة "، وهي التي جعلت رسول الأدب السوداني، الشيخ البنا يخاطب لطفي أمان الذي عرض عليه أحد أعداد "فتاة الجزيرة" بقوله: "هذا هو الذي يشق لكم طريق المستقبل فاتبعوه...". وهي التي جعلت لطفي أمان نفسه، يقول في ذكرى وفاة الشاعر: "... كان محمد علي لقمان اسماً نصع به جبهة الوطن. ألم يكن أول صوت للفكر استنهض الهمم العربية في هذا الوطن الحبيب ؟ ألم يكن أول ضربة تهدم بلا وهن لترسي دعائم الوطن ؟... ". وهي التي جعلت زعيم الهند غاندي يسأل حاكـم عــدن: " أين صديقي لقمان ؟ ".

في الحقيقة يتطلب كل عمل من هذه الأعمال المنشورة وغير المنشورة دراسة مستفيضة شاملة خاصة به قائمة بذاتها، لما يشكل كل كتاب على حدة من أهمية بالغة الخطورة، بعض هذه المصنفات دار لغط حولها، مبني على بعض الشائعات التي لم تقرأ الرجل ولم تمسك كتابا واحدا من كتبه بيديها حتى تعرف الكاتب وتفهمه حق الفهم. ولم يهتم الكتاب أو الباحثون في الآونة الأخيرة إلا بعمليه الروائيين: " سعيد وكملا ديفي " غير أن أحدا لم يدرس العمل الثاني، إذ لم يعثر عليه أحد سوانا كما يبدو. وكان هذا الاهتمام يمضي في سياق البحث عن الريادة في كتابة الرواية اليمنية.

في الحقيقة قد يبدو أن أحدا لن يهتم ببعض الأعمال، من مثل " قصة الدستور اللحجي " و  " عدن تطلب الحكم الذاتي " وربما كذلك " بماذا تقدم الغربيون ؟ "، بعد أن تكشفت حقائـق ومعلومات أخرى، وبعد أن طوت الثورة والوحدة صفحات الإقليمية والمحلية. غير أننا بحاجة إلى قراءة كل هذا، ولو حتى من الوجهة التاريخية. إذ ينبغي أن نتعرف إلى تاريخ نضال قادة الفكر في بلادنا في مختلف المراحل والحقب، لنعرف الطريق الذي  قطعه هؤلاء إلى الحرية والعدالة، ولنقف على بحثهم الدؤوب عن المجتمع المدني وعن دولة المؤسسات، ولنفهم معاني النظام والقانون اللذين جاهد المحامي محمد علي لقمان من أجل تطبيقهما في حياة الناس والدولة. وإذا كانت سنوات ما بعد الاستقلال حتى عشية قيام الوحدة قد أضاعت هذا الجهد المبذول، وأخرت تحقيق قيام المجتمع المدني المؤسساتي، فإننا اليوم أحوج ما نكون إلى قراءة وإعادة قراءة أعمال المحامي محمد علي لقمان الذي شكل صفحة ناصعة في سجل الشعب اليمني وفي كتاب تاريخ المجتمع اليمني، في سعيه الدؤوب نحو الحق والخير والجمال.

 

-6-

كتب الدكتور شهاب غانم في كتابه " علي محمد لقمان. " نزيل عصيفرة " ومختارات من شعره ": "... المناضل والأديب اليمني محمد علي إبراهيم لقمان أول من حصل على شهادة جامعية في المحاماة من أبناء عدن وأول من أنشأ صحيفة عربية مستقلة في اليمن وهي " فتاة الجزيرة " عام 1940م، ثم أول صحيفة إنجليزية مستقلة في اليمن وهي " إيدن كرونكل " عام 1953م، كما كان أول من نشر رواية في اليمن وهي " سعيد " وأيضا نشر عددا من الكتب السياسية والإصلاحية منها " بماذا تقدم الغربيون ؟ " الذي كتب مقدمته الأمير شكيب أرسلان. وكان محمد علي لقمان يرتبط بعدد من الشخصيات السياسية والصحفية والفكرية في زمنه أمثال المهاتما غاندي والثعالبي ومحمد كرد علي ومحمد على الطاهر وبرتراند رسل وفرايا ستارك وكبار رجالات اليمن أمثال الشاعر القاضي محمد محمود الزبيري والأستاذ أحمد محمد نعمان والشاعر السيد أحمد محمد الشامي والشاعر زيد الموشكي والإمام عبدالله الوزير والقاضي عبدالله الحجري... " (ص 19). وهو الشيء الذي يدل على أن المحامي محمد علي لقمان كان يقف في قلب الحياة الأدبية ـ الفكرية ـ السياسية في عدن على امتداد نصف قرن من الزمان. لقد كان هذا المجاهد محطّ أنظار مختلف فئات المجتمع اليمني، ومؤئل كثير من المفكرين والمجاهدين الباحثين، مثله، عن الحقيقة. ولا يستطيع أي قادم منهم إلى عدن أن لا يمر به ويقصده قصدا، فقد كان قلبه وعقله وبيته مفتوحين أمام العفاة وأمام رجال الفكر الذين يبحثون عن الصديق وعن المأوى. وليس أدل على ذلك مما رواه الدكتور أحمد عبدالله السومحي في كتابه " علي أحمد باكثير. حياته. شعره الوطني والإسلامي ". كتب هذا الباحث الجاد "... وقد نزل باكثير في عدن في ضيافة الشاعر العدني محمد علي لقمان، وكان يعطف عليه ويواسيه، وقد ربطته به صداقة متينة خففت بعض الشيء من آلامه... ويرحل هذا الصديق إلى (الصومال) فتضيق الحياة على باكثير في (عدن) ويملها ويألم لفراق هذا الصديـق وتهزه الذكريات ويتمنى لقاءه... ولم يطل المقام بباكثير بعد هذا الصديق في عدن، ولم يصبر على الحياة بعيدا عن عطفه وأفضاله فيرحل بعده إلى الصومال ولكنه يستقر في (هرقيسا)، أما لقمان فقد كان في (بربرة) ويرجو من لقمان أن يوافيهم في (هرقيسا)... " (ص 52-53). ويبدو أن الشاعر الكبير محمد سعيد جرادة، يمضي في الإطار نفسه، عندما يقول في رثائه المحامي محمد علي لقمان:

لا يبعدن أبو الأحرار إن لـــــه             صوتاً كما كان حيا يمـــــلأ النــادي

له علي أياد لست أجحدهـــــا               وكيف يجحد فضل المحسن البـــــادي

أصغى إلي وزكاني وقرضنــــي  ولــــــم أكن بعـــــد شيئا بـــين أنـــدادي

حق علي له ذرف الدموع دمـــا           لــو أسعــــد الدمــع مضنــــى بيـن عــواد

من أجل حزني وأحزان البـــلاد           وأبنــــاء  لــه خـــلصــــاء الــــود أمــــجــــاد

ولو أننا رجعنا إلى ما كتب عن لقمان المحامي في حياته وبعد وفاته من قصائد ومقالات، لوجدنا أن هذه الأعمال وغيرها تقدم لوحة متكاملة عن شخصية هذا المجاهد ونشاطه المتعدد الاتجاهات. وهي لوحة صادقة ترسم لنا رجلا شجاعا وجريئا، عالما ومناضلا، سياسيا وحكيما، رائدا عظيما في كل ما مسته يداه، رائد الإحياء، زعيم التجديد، قائد التحديث، نصير المظلومين، شيخ عدن، كريم اليد والنفس، عفيف اللسان والقلب، طاهر العمل والنية، حادي الركب، الداعية المخلص، الطود الأشم، أبو الأحرار، دليل قافلة التحرير، مصباح الشعب، صوت البلاد، أبو الدستور، أمير الصحافيين، شيخ الحقوقيين، ليث قتال، المرشد والموجه، رجل البلاد، السيف البتار، النبراس، رجل البيان، المشعل المتوهج، الكاتب الجبار، سفير الحقيقة. والقائمة طويلة للغاية يمكن أن نضيف إليها عشرات الصفات والأسماء التي تدل على ذلك الإجماع الكبير على مصداقية نضال هذا المجاهد الكبير وجهاده المقدس الذي شنه بلا هوادة في صراعه الجهـل والتخلف، الاستعمار والطغيان.

وربما تكون مقدمة الشاعر حسن علي السقاف التي كتبها نثرا يمهد بها الدخول إلى قصيدته في رثاء المحامي محمد علي لقمان، وكان قد بعثها أو كتبها في السجن تحت عنوان " رثاء من وراء الأسوار" هي الأخرى علامة على هذه اللوحة الجميلة الأخاذة. كتب السقاف " في 18 سبتمبر 1962م، وفي الوقت الذي كان الاستعمار البريطاني يحاول جاهدا أن يدمج عدن قسرا إلى الاتحاد الفيدرالي، طار الأستاذ الفقيد محمد علي لقمان رحمه الله إلى نيويورك على نفقته الخاصة، وقضى الليالي الطوال يحاول أن يكسب تأييد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والسماح له ليخطب ويشرح قضية الوطن المغلوب على أمره، وتحققت أمنية ابن عدن البار، وأنصت العالم متمثلا في لجنة تصفية الاستعمار إلى صوت الحق يجلجل ويفضح ألاعيب الاستعمار وينادي بتصفية قواعده وإعلان الاستقلال التام. وهذه هي الصورة التاريخية للفقيد وهو يلقي خطابه الذي استغرق أربع ساعات متوالية، وبعدها طار إلى لندن وعقد مؤتمرا صحفيا أكد فيه ما قاله في نيويورك وخرجت صحف لندن تقول: " إن لقمان رجل ندر مثله في البلاد العربية ". واليوم جدير بنا أن نبعث بدعواتنا للرجل الذي كان أول من أسمع الأمم المتحدة صوت الشعب وطالب بتطبيق قرارات حقوق الإنسان... ". تستند هذه المقدمة إلى حقائق الجغرافية والتاريخ، وهي تدحض بعض الشائعات والأقاويل التي روجها الجوانجوانيون الجدد في زمن البؤس وعصر الاغتراب.

-7-

على هذا النحو كان المحامي محمد علي لقمان رائدا من رواد الحركة الوطنية اليمنية، كان رائدا كبيرا وهو يعمل على أن تصبح " حركة الأحرار " في عدن حزباً سياسياً له قواعده وأركانه، كان رائدا عظيما وهو يسهم في قيام " الجمعية اليمنية الكبرى "، وإصدار " صوت اليمن " في دار " فتاة   الجزيرة "، كان وطنيا كبيرا وهو يشكل " الجمعية العدنية " التي أثارت من اللغط والدهشة ما أثارت حتى يومنا هذا. وهي جمعية قامت في نهاية الأربعينيات في داخل وعي محلي، إقليمي محدود. ولم تكن هي وحدها في هذا المجال، إذ تشكلت في هذه الفترة وما بعدها الجمعيات القروية المحلية التي كانت تحمل أسماء قرى وعزل لم يدر حولها من الهذر والثرثرة ما دار حول " الجمعية العدنية " التي حاولت أن تحافظ على حقوق أبناء هذه المدينة الطيبة في ظل موجة هجرة كاسحة من كل مكان، حرمت العدني ـ العربي من أبسط مقومات الحياة الحقة.إذ أصبحت هذه " الجمعية العدنية " هي البذرة الأولى والنواة الأولى، هي اللبنة الأولى والأساس الأول للنشاط الاجتماعي ـ السياسي الذي انبنى في عدن على مدماك تقبل الآخر والتحاور معه بعيدا عن العنف والتصفيات الجسدية التي حملها العمل السياسي المسلح إلى الناس. كان محمد علي لقمان المحامي رائدا وطنيا وهو يرتبط برجالات الفكر والثورة، وقادة العمل السياسي والاجتماعي في وطنه وفي خارج بلاده. كان رائدا وطنيا وهو يحدد مع النخبة من أبناء جيله وعصره معالـم الطريق إلى المستقبل الحر الذي أساسه تعليم أبناء جيله والأجيال اللاحقة على السواء، وفي دعوته إلى جعل التعليم مجانا من أجل الجميع.

ولابد في الأخير أن يتأمل القارئ في وفاة المجاهد المحامي محمد علي لقمان، قبل وصول الحكام الجدد القادمين من الأرياف إلى السلطة، وهم الذين أغرقوا البلاد والعباد في صراعات مازال أوارها يشتد حتى كتابة هذه السطور، في صورة خفية أو ظاهرة. لقد مات في الأراضي المقدسة ودفن فيها حسب وصيته قبل أن تضيع عدن، كما كان هو يحب أن يردد ذلك. ولم يشاهد البؤس الكالح الذي شاهدناه بأم أعيننا حين ألقى القادمون الجدد بالآلاف من أبناء المنطقة في سجون عدن المعروفة قبل الاستقلال وأخرى اخترعوها من المدارس والمستشفيات وبعض دور العبادة وفي سجون الأرياف المجاورة، انتقاما من الرفاهية المزعومة التي عاش في ظلها من دونهم أبناء عدن.

-8-

ولابد أن يعرف القارئ أن المقالات المنشورة في صحيفة " فتاة الجزيرة " للأستاذ المجاهد المحامي محمد علي لقمان، تدل على أن هذا المصلح الاجتماعي قد كتب في موضوعات مختلفة ومحتويات متعددة لا حصر لها، يصعب علينا سردها في هذه الدراسة التي تحاول التغلغل في بعض معاني تجربة محمد علي لقمان المحامي الإبداعية والوطنية. لقد كتب في معظم قضايا عصره، وفي معظم الموضوعات التي شغلت الناس والديار في العالم العربي والإسلامي، وفي العالم الخارجي من حولنا. لقد كان في كل هذا مفكرا عربيا ـ إسلاميا وعالميا جذبته أحداث العالم من حوله، فلم يصمت، ولم يترك معانيها تغيب عن قرائه في بلده، وإنما راح يناقشها، ويحاورها، ويفندها في بعض الأحيان. ويبدو أن مجرد الاطلاع على عناوين هذه المقالات المنشورة في الصحيفة الأم " فتاة الجزيرة " توحي بأن المؤلف قد كتب في كل شيء كان يهم زمنه وأبناء زمنه، ولم يترك شيئا منها يفوته، وكأنه كان يبحث بحثا متعمدا عن الموضوعات الخطيرة ويعمل على اقتناصها واصطيادها وتقديمها إلى القارئ في بلده، حتى يقف على قضايا العصر ومشاكل الزمن الحالي والغابر على السواء. ويبدو أن هذه المقالات يمكن أن تشكل كتابا واحداً من أجزاء متعددة. وهي مقالات تضيف إلى لوحة هذا المجاهد المحامي بعداً أو أبعاداً أخرى، تزيد هذه اللوحة جلاء وانفراجا. وإذا كانت كتبه ومنشوراته تحاول أن تفسر الواقع الاجتماعي وتقدم مشاكله الأبدية المهمة والجوهرية الخطيرة، فإن هذه المقالات تعالج قضايا اليوم ومشاكل الأمس، وتوضح هموم الساعة ومهمات اللحظة الراهنة.

في الحقيقة تدل هذه الأعمال المنشورة في صحيفة " فتاة الجزيرة على موقف إيجابي عظيم من قضايا الثورة اليمنية وقضايا الثورة العربية ومهام العالم الإسلامي في زمن متقلب، يحاول أن يبحث لنفسه عن مركز أو مراكز، يقف عليها في ثبات أو في شيء من الثبات. تكشف هذه الأعمال موقف المحامي المجاهد محمد علي لقمان من الثورة السبتمبرية ومن قادتها تحت زعامة المشير عبدالله السلال، كما تكشف موقفه من الثورة المصرية وقائدها جمال عبدالناصر، وهي مواقف إيجابية، ثابتة، تؤكد الموقف المتقدم والشريف الذي وقفه هذا المجاهد اليمني في عدن.

على هذا النحو يلتزم المحامي محمد علي لقمان جانب الخير والتقدم الاجتماعي، ويمضي مع دعاة التحرر في مقدمة الركب، إذ يصبح حادي المسيرة على امتداد نصف قرن من الزمان، مسيرة البناء القائم على معرفة واقعية وعميقة بالظروف المحيطة والعوامل المؤثرة في كل ذلك، فلم يشتط، ولم يعنف، ولم يتخاذل أو ينتكس في أي وقت من الأوقات.  

ومن هنا فهو يشكل حلقة كبيرة من حلقات التنوير، ويمثل في كل ذلك الحلقة الأولى. كتب الأستاذ الدكتور سيد مصطفى سالم في كتابه " البريد الأدبي ": "... وهكذا نقترب من تعريف " البريد الأدبي " في اليمن في فترة محددة هي سنوات الأربعينيات من القرن العشرين... وتعتبر هذه القلة القليلة التي عثرنا عليها من البريد الأدبي نموذجا فقط من حلقة مجهولة واسعة من حلقات التنوير في اليمن في فترة ما قبل ثورة 1948م. فقد سبقتهما حلقة مهمة أخرى ظهرت في صورة علنية منشورة، وتمثلت فيما استطاع أن ينشره بعض المستنيرين في مجلة " الحكمة اليمانية " التي صدرت أعدادها الثمانية والعشرون في المدة من 1938م ـ 1941م، والتي نشرنا عنها دراسة خاصة في كتاب بعنوان " مجلة الحكمة اليمانية وحركة الإصلاح في اليمن، 1938م ـ 1941م ". أما الحلقة الثالثة من حركة التنوير في تلك الفترة فهي التي ظهرت على صفحات صحيفة"صوت اليمن " التي أصدرها الأستاذان أحمد محمد نعمان ومحمد محمود الزبيري في عدن عام 1946م واستمرت في الظهور حتى قيام ثورة 1948م... " ص (9).

في الحقيقة قد لايعترض أحد على هذا التحليل الذي يفترض وجود ثلاث حلقات للتنوير في اليمن، كان لها الدور الكبير في عملية الصحوة الخاصة والعامة على مستوى الوطن اليمني كله. غير أن الباحث لا يشير إلى حلقة أخرى، هي الأولى في هذه العملية.

تمضي هذه العملية منذ عام 1925م، عندما أنشأ محمد علي لقمان " نادي الأدب العربي " و " مخيم أبي الطيب المتنبي" عام 1939م، وعندما أصدر أعماله التنويرية منذ عام 1923م الواحد تلو الآخر، التي تدفقت حتى قبل وفاته بعام واحد على وجـه التقريب. كان المحامي محمد علي لقمان حاضرا في الحلقة الأولى مع زعماء "حركة الأحرار"، الذين قادوا انقلاب 1948م وهو معهم، وكان حاضرا في الحلقة الثالثة، عندما صدرت صحيفة "صوت اليمن" من دار   "فتاة الجزيرة " في البداية، وهو لم يكن غائبا على الإطلاق عن الحلقة الثانية، حلقة " البريد الأدبي ". ولا أشك مطلقا، بعد ذلك، في أن التاريخ السياسي والاجتماعي، سوف يكشف حقيقة أن المجاهد المحامي محمد علي لقمان كان الأول في كل شيء. نحن هنا في هذا العمل الذي بين يدي القارئ والباحث نفتتح شريط البداية الصحيحة، البداية الحقة، وهي إعادة نشر تراث هذا المجاهد العظيم الذي عمل في زمن صعب وفي بلد  أصعب ومع قوم يرجفون على أنفسهم أكثر مما يرجفون على غيرهم. وسـوف يبدي هذا التراث حقيقة أن هذا المناضل الوطني قد سبق هذه الحلقات الثلاث زمنيا وفكريا، وهو كذلك لم يقف عند الفكر الإصلاحي لا غير، وإنما تعداه إلى التجديد والتحديث مخلفا أقرانه هنا وهناك وراءه في أشياء كثيرة. 

غير أن محمد علي لقمان لم يكن وحده في هذا العمل الطيب، فقد كانت هناك النخبة العدنية ـ اليمنية، من أمثال الشيخ أحمد عوض العبادي، الشيخ عبدالمجيد الأصنج، الأستاذ أحمــد محمد سعيـد الأصنج، وغيرهم كثيرون، كل واحد منهم يؤدي عمله في صدق منقطع النظير. الفــارق الأساسي هو أن الحلقات الثلاث وجدت من يكتب عنها، وينقب عن تراثها، ويذيعه على الناس في الوقت الذي لم يستطع أحد أن يقترب من الرائد الأول المحامي محمد علي لقمان ومن زملائه في الجهاد المقدس، وهم الذين حملوا لواء الإحياء والتجديد  والتحديث في اليمن نصف قرن من الزمان، وهم الذين تركوا تراثا عظيما من الكتب المنشورة ومن المقالات المشهورة، وكانوا روادا في فتح الصحف وإنشاء النوادي والجمعيات. وكان الواحد منهم يجمع في ثقافته بين اللغتين العربية والإنجليزية، ويعرف أكثر من بلد آخر غير بلده، ويكتب باللغتين كما فعل المحامي محمد علي لقمان وأنجاله، عندما كانوا يتصدرون الحياة الأدبية والثقافية، مخلفيــن وراءهــم الدواوين الشعرية والمسرحيات النثرية والشعرية، والأعمال الأجنبية المترجمة وغير ذلك كثير في مختلف مجالات الحياة والإبداع.

- 9 -

على هذا النحو يمثل محمد علي لقمان الحلقة الأولى من حلقات التنوير في اليمن، والمرحلة الأولى من مراحل حركة الإحياء على امتداد الوطن اليمني كله، إذ هو الذي كان قد قدم عام 1923م برنامجا كاملا وشاملا للإصلاح والإحياء والتحديث يصلح أن يوجه الحياة اليمنية في مختلف معانيها إلى أفق جديد من آفاق النمو والتطور. ولم نعرف حتى هذه اللحظة أن أحدا آخر قد قام بعمل من هذا النوع، لقد كان هناك أفراد يئنون في هذه الفترة ولا شيء سوى ذلك، كما عبر أحد النقاد البلغاء. محمد علي لقمان المحامي يمتلك مشروعا تنويريا وحضاريا متكاملا، تدل على ذلك أعماله المنشورة في المجلد الذي أصدرناه في بيروت عام  2005 (1) فهو يقدم برنامجا وطنيا وقوميا في كل أعماله التي كتبها على امتداد حياته، بدءا من عمله " بماذا تقدم الغربيون ؟ " حتى كتابه " قصة الثورة اليمنية ". يشمل هذا البرنامج الحياة اليمنية في اتجاهاتها المختلفة، ولا يوجـد هناك شيء داخل هذه الحياة لم يمسه هذا المشروع في شيء من التفصيل والتحليل.

يقوم هذا المشروع الحضاري التنويري الذي قدمه المحامي محمد علي لقمان على قاعدتين أساسيتين ومهمتين: الأولى هي الأساس الحضاري والتاريخ المشرق للأمة العربية ـ الإسلامية،والثانية هي قاعدة التطور الحاصل في الغرب. في مواجهة القاعدة الأولى هناك التخلف الرهيب الذي يعيشه العالم العربي والإسلامي في الوقت الحاضر، وفي مواجهة القاعدة الثانية هناك الاستعمار الذي كان المحامي محمد علي لقمان يرفضه من كل قلبه ويعده السبب الأول في تأخر الشرقيين.

من هنا يقدم هذا المفكر اليمني عوامل التطور والتأخر في وضوح كبير، ويركز على موضوع التعليم والتأهيل اللذين لا يمكن أن يقوم من دونهما أي تطور وتقدم، ولو في صورة ضئيلة.

يتسع مشروع المحامي محمد علي لقمان الحضاري والتنويري من أجل قيام دولة عربية ـ إسلامية قوية البنيان، راسخة التقاليد أساسها العدل والحرية وقوامها المساواة والتسامح الشامل القائم عل مفاهيم عربية ـ إسلامية صحيحة. غير أن هذه الدولة القوية تنبني على الدعامة المادية الغربية والدعامة الروحية الإسلامية الشرقية. ومن هنا فهو لا يفرغ هذه الدولة من القوام المادي والقوام الروحي اللذين لايمكن أن يقوم بدونهما أي تطور حضاري في الوقت الحاضر. إذ إن محمد علي لقمان الذي يعرف عنجهية الأوروبـــي وإذلاله لغير أبناء جنسه، لا يلغي أسباب التطور التي أخذ بها هذا الأوروبي المتعجرف. وهو مع هذا لا يتخذ أي موقف عدائي من الأوروبي، الإنسان  أو المواطن. إنه يرفض الاستعمار ويمقته أيا كانت مصادره، ومهما تعددت أشكاله وتباينت أساليبه في استعباد الآخر. ومن هنا جاءت مطالبه الليبرالية من مثل الدعوة إلى الدستور، ومحاربة التخلف والجهل، والعمل على تعليم أبناء جلدته وتأهيلهم على مختلف المستويات، وإذا كان المحامي محمد علي لقمان يحمل حبا كبيرا نحو العرب المسلمين ويؤمن إيمانا عميقا بضرورة تطور وتقدم مجتمعاتهم، فهو كذلك يحمل الحب نفسه والإيمان نفسه تجاه الشعوب الإسلامية على اختلاف الجنس واللغة. وهو يدرك تماما أنه لا يمكن أن نبني مجتمعا فاضلا على طريقته الخاصة من دون الأساس العلمي ـ التكنولوجي الواسع. ومن هنا فهو يحارب الخرافات والشعوذات، وهو يعرف كذلك أن الجهل وعدم المعرفة  هو السبب الذي جعل الشرقي يمجد الخرافة ويؤمن بالشعوذة ويقنع بالقليل من الحياة المرغوبة والمنشودة. على هذا الأساس لاتقف أفكار المحامي محمد علي لقمان عند الشأن المحلي والقومي وإنما تمتد لتشمل الشأن العالمي والأممي. لقد ناضل محمد علي لقمان المحامي نضالا حارا من أجل تحرير بلاده من الاستعمار وتبعاته على كل المستويات. كما وقف مواقف إيجابية من الحركة الوطنية اليمنية التي كانت تحاول الخروج من نفق الأئمة وكهف الإمامة. وكانت مواقفه القومية والعالمية تمثل خلاصة أفكار ودعوات النخبة القومية والعالمية في كل أعماله التي قدمها إلينا على امتداد نصف قرن من الزمان على وجه التقريب أو التحديد. ومن هنا يمكن القول إن هذا الرجل المحامي هو صاحب مشروع متكامل في تاريخ الحركة الوطنية اليمنية على امتداد نصف قرن من الزمان ومازالت مطالبه التي قدمها في ذلك الوقت هي مطالب النخبة اليوم، على الرغم من تغير الزمان وتبدل المكان. كان هذا المشروع يتكئ على دولة دستورية في وقت لم يكن هناك فيه دستور، ويعتمد على رجال أصحاء، أقوياء، متعلمين ومؤهلين تأهيلا عاليا، بعيدا عن الزعيم المؤبد والقائد المؤبد. ولم يكن هو نفسه يضع شخصه في هذا المكان الذي كان لايريده لغيره.

ولابد أن يرجع القارئ إلى أعماله المنشورة في المجلد الذي نشرناه وإلى غيرها الذي لم ينشر بعد، حتى يقف على هذا المشروع الحضاري التنويري المتكامل، إذ إننا لا نرغب هنا في تقديم موجز أو مختصر لهذا المشروع، قد يضر بالمعنى العام والفكرة العامـة. ولا يتجلى هذا المشروع في أعماله الفكرية ـ السياسية الطابع من مثل: (" هل هذه قصاصة ورقية ؟ "، " بماذا تقدم الغربيون ؟ "، " قصة الدستور اللحجي "، " عدن تطلب الحكم الذاتي "، " قصة الثورة اليمنية ") لا غير وإنما كذلك يتبدى في أعماله الأخـرى، بما فيها القصصية ـ الروائية حين يترك المحامي المفكر محمد علي لقمان السرد ويلجأ إلى الخطابة والموعظة.

 

- 10 -

كتب المحامي محمد علي لقمان في مختلف الموضوعات، وطرق مختلف المضامين وتناول مختلف المحتويات، في السياسة والاجتماع وفي الفكر والاقتصاد، وفي التاريخ والأدب وغير ذلك مما أوردناه هنا ومما لم نورده. وكل نوع من هذه الأنواع المتعددة تضعه في الصدارة، إن لم يكن فيها الأول الذي لم يسبقه أحد. ويركز الأدباء على عمليه القصصيين الروائيين ("سعيد"،"كملا ديفي أو درب الآلام") في سياق الحديث عن البدايات الأولى لنشوء الرواية اليمنية ويدرسونها على أنها الحلقة الأولى في تطور القصة والرواية اليمنية. ويبدو أننا هنا لأول مرة ننشر هذين العملين كاملين من مصادرهما.

على هذا النحو يمكن القول إن المفكر والمجاهد محمد علي لقمان المحامي كتاب لم يفتح بعد، ولم نتمعن حتى في فصوله الأولى، وعندما نفتح هذا الكتاب، ونقرأ فصوله الأولى سوف تعترينا الدهشة، ويستولي علينا الإعجاب الممزوج بالمرارة، الإعجاب والدهشة لما قدمه هذا المفكر على امتداد حياته، والمرارة لما حصل من ضياع هذه الأعمال ومحاولة إخفاء هذا العمل العظيم الذي أداه محمد علي لقمان المحامي.

- 11 -

ولابد أن يلتفت الباحث وهو يقرأ هذه الأعمال التي تركها المجاهد محمد علي لقمان المحامي إلى ذلك الأسلوب المتميز والمميز الذي قامت عليه كتاباته المختلفة بما فيها رحلاته إلى خارج اليمن وداخلها. يعتمد محمد علي لقمان اللغة العربية الفصحى السليمة الخالية من كل أذى، وهي لغة أنيقة وجذابة، تبتعد تماما عن التقعر، ولا تستند مطلقا إلى المحسنات اللفظية، ولا يسيطر السجع على اتجاهاتها المختلفة. تبدو هذه اللغة في الثلاثينيات متقدمة إلى حد كبير، ومتحررة إلى حد كبير، وهو الشيء الذي جعل هذا الأسلوب هو المقدمة الأساسية إلى الكتابات الصحفية السيارة فيما بعد. ولا يثقل محمد علي لقمان على قارئه بالرجوع إلى القاموس، ولا يحرمه متعة التأمل الرصين في الأفكار المتعددة المطروحة أمامه، والمعروضة على بساط البحث، وإنما يجد القارئ نفسه منغمسا في الأفكار، مستغرقا في المعاني يعب من لغة عذبة صافية كالماء السلسبيل.

لقد كان هذا أسلوب محمد علي لقمان المحامي الذي استقاه من قراءاته المعمقة في التراث والذي نهله من اطلاعه العميق على ثقافات العصر، والذي أقامه من لغات عدة أقلها العربيـة والإنجليزية والهنديـة. ولا يمكن أن يستقيم هذا النوع من الأسلوب في تلك الفترة، إلا عند رجل نير العقل، كامل البصيرة، وقاد الذهن، شملت معارفه معظم علوم عصره القريبة من اهتماماته الخاصة والعامة.

ولعل المتأمل في المنهج الذي اتبعه محمد علي لقمان يجد أن هذا الباحث الكبير والعالم الجليل قد وقف على مناهج عصره واعتمد الاستقراء والوصف والتحليل، وتشكل عنده ما يمكن أن نسميه المنهج التكاملي المزيج من كثير من المناهج المعروفة في زمنه.

يلتزم محمد علي لقمان في كتاباته المختلفة معمارية واضحة تتبدى للقارئ منذ الفصول الأولى. فهي تتكئ على العناوين الرئيسة، وفي داخل العنوان الرئيس هناك عناوين فرعية واضحة ومحددة تتصل اتصالا مباشرا بموضوع الكتاب ولا تخرج عنه مطلقا  إلا فيما ندر. ولعل هذا الشيء هو الذي يمكن القارئ من الاستفادة الكاملة من الفكرة المعروضة أمامه ومن الموضوع القائم تحت هذا العنوان الفرعي أو ذاك. ويبدو أن هذه الطريقة المنهجية هي التي تتيح للقارئ كذلك أن ينفصل عن الكتاب بعض الوقت متأملا فيما قرأ قبل ذلك، أو منصرفا إلى بعض أعماله. ومن المميز أن المادة المعروضة تحت العنوان الفرعي ليست طويلة كذلك، وهو الشيء الذي يجعلها سهلة الاستيعاب وسريعة الهضم.

ويبدو أن هذا الأسلوب المتميز وهذه المنهجية الواضحة هما اللذان أسبغا على كتابات المجاهد محمد علي لقمان المحامي هذا العبق الخاص الذي يميزه وحده عن سواه. من هنا جاءت كتاباته ملتصقة بحياة العصر وليست بعيدة عنه، قريبة جدا من روح العلم والتنوير الذي حمل لقمان مشاعله على امتداد خمسين عاما على وجه التقريب أو التحديد.

لقد كانت هذه الأعمال هي روح العصر، وهي أصل التنوير الفكري المتعدد الاتجاهات المتشعب الأبعاد والمتباين الخطوط في زمن كان يبحث عن نفسه داخل نفسه، وفي عصر لا يقر على حال.

أصبح هذا الأسلوب وهذه المنهجية هما سبيل المجاهد محمد علي لقمان إلى التحديث الذي دعا إليه، وحاول تطبيقه على المستويات المختلفة كلها من حياة المجتمع المدني في مدينته الطيبة. إذ لم يقدم هذا الرجل تنظيرا خاليا من كل محتوى، وإنما كان يشفع أفكاره وآراءه بالتطبيق العملي الذي كان يساعد على تقريب أفكاره إلى الناس.

وليس أدل على ذلك من رحلاته إلى الخارج والداخل. لقد كانت رحلته إلى بلاد الصومال وإلى بلاد الظاهر نموذجا في هذا المجال. تصبح هذه الرحلة أو تلك وثيقة تاريخية أدبية في الأوضاع المختلفة لهذين المكانين، يستطيع أن يعثر القارئ فيها على حقائـق عدة: اقتصادية، اجتماعية، سياسية وغير ذلك في زمان محدد وفي مكان معروف. وهو كذلك يتبنى في هذين العملين هذه اللغة السهلة الطيعة والممتنعة علـى سواه. إذ كانت هذه اللغة هي التي دعا إليها عندما كتب في بعض مقالاته في صحيفة " فتاة الجزيرة " حول الحركة الأدبية في عدن. لقد دعا إلى تحرير النثر من كل عبودية ومن كل نير. فجاءت لغته الوجه العملي لهذه الدعوة، مؤسسا بذلك لغة جديدة ومؤصلا هذه اللغة في كتاباته كلها، الشيء الذي تبدى في وضوح في أعمال زملاء القلم في عدن وغيرها. ولعل هذه اللغة المشرقة هي التي تخفف من الجمل الطويلة والعبارات الطويلة التي تغيب عنها علامات الترقيم في كثير من الأحيان. ويجعل التركيب والتبويب الأفكار والمعاني قريبة من القارئ ومستساغة لا يعكر صفوها سوى ما تحمله من التعبير عن بؤس العالم وحرمان الفقراء من الوصول إلى مبتغاهم.

 

- 12 -

المجاهد محمد علي لقمان الذي دخل معترك الحياة الاجتماعية والسياسية في وقت مبكر جدا  كان يمتلك رؤية سياسية ـ اجتماعية ـ تاريخية واضحة ومحددة مكنته من أن يضع لنفسه والناس من حوله قضايا محددة ومواضيع مهمة عالجها في أعماله المختلفة على المستويات كلها في صرامة العالم ودقة الباحث الذي لا يثنيه شيء عن الوصول إلى الحقيقة.

غير أن هذا العالم الكبير والباحث الصارم يفسح مجالا واسعا للحب في أعماله. يتبدى هذا الأمر على أكمل وجه في العملين القصصيين "سعيد"           و"كملا ديفي". يصبح الحب الطاهر والعفيف في هذين العملين هو القوة الأساسية وربما الوحيدة التي توجه نشاط الأبطال وحياتهم إلى تحقيق المآثر الكبيرة في كثير من المستويات. يعيد الحب الطاهر في هذين العملين صياغة حياة الناس على وجه أكمل، يمحو القبح من دنياهم ويدخل عليها السعادة والفرح. تصبح الحياة في "سعيد" معقولة ومقبولة من معظم الأطراف، كما تصبح الحياة في " كملا ديفي " جميلة وجذابة. يقف وراء كل هذا الحب النقي الصافي الذي يقبع في أعماق الأبطال الشرفاء ولا يغادرهم على الإطلاق. ولا يستطيع الأبطال الشرفاء من دون ذلك تحمل مشاق الحياة ومتاعبها. إنهم يصبرون على مآسيهم ويحاولون التخلص منها ويعملون على بناء حياة داخلية جديدة، عندما يكون الحب معهم في حلهم وترحالهم. ولا يستسلم أبطال الكاتب الشرفاء إلا للحب الصادق والفعال، وهم لا يقوون على معاشرة الكذب والنميمة وعلى التقرب من الكذابين والنمامين. هؤلاء الأبطال هم الذين ينتصرون في هذين العملين القصصيين، وهم وحدهم الذين يحققون تطلعاتهم. قد يفتقر هؤلاء الأبطال هنا وهناك إلى التجسيد والتجسيم وإلى التشخيص والترسيم، لكنهم يمثلون قيما ومبادئ آمن بها الكاتب وناضل من أجلها طيلة حياته. ومن هنا نحن نجد أن إهداء الكاتب بعض أعماله تارة إلى أم فضل وتارة أخرى إلى أم صلاح، شكل من أشكال هذا الحب البريء والطاهر، وشكل من أشكال الوفاء الذي عرف به المجاهد محمد علي لقمان تجاه وطنه وعائلته وأصدقائه ومعاريفه.

- 13 -

لم يتبوأ المجاهد محمد علي لقمان هذه المكانة الرفيعة في حياته وفي حياة أهله وقومه في يسر وسهولة، وإنما جاء كل ذلك بعد مخاضات هائلة وإرهاصات كبيرة. فقد عرف عنه وهو طالب في مدرسة البادري أنه كان يحتفظ بالمبلغ الضئيل الذي كان أبوه يقدمـه له من أجل المواصلات، حتى يستطيع أن يساعد به أمه في الحيــاة العائليــة والمنزلية، كما عرف عنه أنه كان يعمل دهانا في أوقات الفراغ من الدراسة. وقد ذكر لي أحد أبنائه أن أباه عندما عاد من الهند حاملا شهادة في الحقوق أو القانون كان يملك في جيبه أربع آنات لاغير، لكنه عندما دخل بيته جاءته امرأة وقدمت له خمس روبيات طالبة منه أن يكون محاميها قي قضية ما. وسرعان ما أخذ الفقيد هذا المبلغ وتوجه به إلى دكان الحارة واشترى به ما تحتاجه أسرته من الغذاء والدواء، وكان خير محام لهذه المرأة. كما كانت وسيلة المواصلات عنده في بداية حياته العملية هي الدراجة الهوائية التي كان ينتقل بواسطتها من مكان إلى آخر.

على هذا النحو لم تكن حياة المجاهد محمد علي لقمان كلها رخوة ومؤاتية، وإنما عانى الحاجة وجالد الحياة على أشد ما تكون المجالدة صراعا مع الواقع الذي حوله وحتى البعيد عنه. وربما كانت مجالدته النفس أمر وأدهى. ومن هنا استطاع أن يكون المجاهد محمد علي لقمان الذي أصبح معروفا في أقطار الدنيا البعيدة والقريبة من عالمه الخاص والعام. وربما هنا قد تحققت دعوة أبيه له، وهو يغادر عدن إلى الهند من أجل دراسة الحقوق، عندما قال له: " كثر الله، يا بني، حسادك ! ". فقد كثر حاسدوه، وانقسم الناس فـي شأنه إلى مع وضد في صورة عجيبة ونادرة تمثل الواقع اليمني في أدق تفاصيله.

على هذا النحو نحن نجد أنفسنا مع عالم كبير وباحث جليل ومصلح عظيم أفنى حياته في سبيل خدمة أمته العربية والإسلامية، محققا الشيء الكثير في بلده وخارج بلده، ويكفي أنه، من منظورنا، قد نجح في تغيير عقلية الناس، وغرس في أذهانهم مفاهيم لـم يكونوا ليسمعوا بها لولا كتاباته المختلفة الاتجاهات التي علمت الناس معنى التعددية والحرية ومعنى الديمقراطية والعدالة ومعنى تقبل الآخر في اتجاه ليبرالي واضح الدلالة، معتمدا في كل ذلك على معاني التراث العربي الإسلامي الذي ظل لقمان يدعو الناس إلى قراءته في صدق وموضوعية.

- 14-

ولن يستطيع الباحث الجاد والمنصف أن يقدم تصورا متكاملا لنفسه أو أن يرسم لوحة كاملة لغيره في الجهاد المقدس الذي قاده المحامي محمد علي لقمان على كل المستويات وفي كل الأصعدة، إلا إذا تحقق من المحطات الرئيسة في هذا الجهاد. ونحن نرى خمس محطات أساسية في داخل هذا الجهاد المقدس الذي دام نصف قرن من الزمان.وهي على النحو الآتي:

أولا: النشاط الإبداعي – الثقافي – الأدبي في " نادي الأدب العربي " 1925م.

ثانيا: النشاط الديني والاجتماعي – الإصلاحي في " نوادي الإصلاح العربية الإسلامية "منذ 1929م.

ثالثا: النشاط الثقافي – الأدبي – الفكري في " مخيم أبي الطيب المتنبي " منذ 1939م.

رابعا: النشاط الفكري الصحافي والإبداعي الشامل في صحيفة " فتاة الجزيرة " وفي  "دار فتاة الجزيرة " فيما بعد. منذ عام 1940م.

خامسا: النشاط السياسي – الفكري في " الجمعية العدنية " منذ عام 1949م.

في الحقيقة نحن لا نحصر الجهاد المقدس الذي قاده هذا الرجل في هذه المحطات لا غير، إذ هناك محطات أخرى أساسية أو ثانوية يمكن أن يعثر عليها الباحث، لكنه -في رأينا – لا يستطيع أن يبتعد كثيرا أو قليلا عن ما قدمناه من محطات في هذا المجال. ويمكن أن تصبح كل محطة من هذه المحطات مجالا للبحث والدراسة المستفيضة في القريب العاجل أو في المستقبل إن شاء الله.

على أن الصورة لن تكتمل ولن تستقيم من دون معالجة هذه المحطات الخمس التي ذكرناها في الأعلى. إذ هي التي تبين العمل الحقيقي، المتعدد المواهب والمتنوع الاتجاهات، الذي قدمه هذا الرجل  على امتداد حياته العملية والإبداعية.

كل محطة من هذه المحطات تمثل مرحلة ما في تجربة المجاهد محمد علي لقمان الوطنية والعملية والإبداعية، قد تكون قائمة بذاتها ومستقلة عن غيرها، وقد تكون مرتبطة بالأخرى من هذه الناحية أو تلك، غير أن كل محطة من هذه المحطات بما تمثله من مرحلة ما تندرج في الإطار العام الذي يشكل صورة واضحة المعالم،محددة الأبعاد لهذه الشخصية المجاهدة التي لن يكتمل تصورنا عنها من دون استيعاب هذه المحطات جميعها وجملة أخرى من الحقائق والمعلومات التي تنطوي في داخل كل محطة على حدة، وفي داخل هذه المحطات كلها. ولن يقوى الباحث الذكي على تقديم سيرة فعلية لحياة هذا الرجل ونشاطه المتعدد إلا إذا وقف على هذه المحطات. إذ يبدو لنا في بعض الأحيان أن هذه المحطات مجتمعة هي التي يمكن أن ترسم معالم سيرة متكاملة من المهد إلى اللحد. ولا بد مـن أجل أن تكتمل هذه السيرة من معرفة حياة هذا الرجل ونشاطه في فترة دراسته في الهند، كما ينبغي أن نكشف نشاطه في ميدان العمل في المحاماة. ثم قبل ذلك كله كيف كانت حياته العملية وحتى الإبداعية في بلاد الصومال، التي مازلنا نعرف عنها الشيء القليل. ولن تتضح الصورة كذلك إلا إذا عرفنا حياته في بيت أبيه منذ نعومة أظفاره، وكذا حياته مع أمه فيما بعد. كل هذه المحطات وتلك الحقائق هي مكونات سيرة وطنية إبداعية لا مثيل لها، سيرة المجاهد الكبير محمد علي لقمان المحامي , قد يبدو أن ذكرياته أو مذكراته التي نشرها تباعا في صحيفته " فتاة الجزيرة "، هي التي يمكن أن تكشف كل ذلك في القريب العاجل. نحن نعتقد أن المجلد الذي نشرناه هو الأول لا غير.

إذ نحــن سوف نستكمل البحث عن أعماله، وسوف نعثر على البقية الشبه الضائعة، ويكفي أن نشير هنا إلى أن مقالات هذا الرجل في صحيفته " فتاة الجزيرة " وافتتاحيات أعدادها المتتابعة قد تشكل مجلدات أخر. وقد بدأنا بالفعل نجمع هذه المقالات وتلك الافتتاحيات التي كتبها على امتداد ربع قرن من الزمان.

 

-15-

على هذا النحو ينبغي أن يفسر الباحث تلك الجوانب المضيئة والمهمة التي حملها نشاط المحامي محمد علي لقمان الأدبي إلى الحياة الأدبية والثقافية. على سبيل المثال عمله في فتح الصالونات الأدبية – الثقافية، على غرار ماهو معمول به في مصر والشام والعراق وغيرها، من مثل "نادي الأدب العربي" 1925م،       و" مخيم أبي الطيب " 1939م. وما هو العمل الأدبي – الثقافي الذي حققه في هذين الصالونين، مثل نشر كتاب " بأقلام   المخيم " 1942م، الذي حوى مجموعة من المحاضرات التي كان يلقيها المفكرون في عدن في هذا المخيم. ولابد أن يبين الباحث تأثيرات لقمان في الأندية الأدبية الأخرى التي انتشرت في عدن في كل مدنها، والتي كانت امتدادا لذلك الجهد الفكري الذي بذله هذا الرجل وبدأه في نهاية النصف الثاني من عشرينيات القرن العشرين.

ولم ينحصر هذا الجهد الأدبي في هذين الصالونين، وإنما كانت هناك       " فتاة الجزيرة " ودارها التي أسهمت في نشر الوعي الأدبي والفكري على كل المستويات، فقد بدأت هنا الأعمـال القصصية والمسرحية والكتابات النقدية المختلفة وحتى الترجمة من اللغات الأخرى، ولاسيما اللغة الإنجليزية. ومادام قد ذكرنا هنا صحيفة " فتاة الجزيرة " وجهدها الإبداعي، فلا بد من الإشارة إلى ذلك الحافز الكبير الذي قدمه محمد علي لقمان من أجل انتشار الصحافة العربية في عدن والمنطقة كلها. وإذا كان محمد علي لقمان هو المؤسس الأول للتجمع أو الحزب الأول " الجمعية العدنية " فإن عمله في خلق تعددية سياسية وحزبية تتقبل الآخر وتحاوره ولا تعتدي عليه، كان كبيرا وهائلا، فقد تبع ذلك قيام تنظيمات وأحزاب تباينت اتجاهاتها وتعددت وجهاتها، وأصبح لقمان في كل ذلك هو المحرك الأول والداعية الأول.

ولا بد من أن يقف الباحث على تلك الإصدارات التي خرجت من " دار فتاة الجزيرة "، ليقدم إلينا إحصاء كاملا وشاملا عنها، ويعمل على تقويمها تقويما أدبيا – تاريخيا ممكنا، ويكشف تأثيرها في الحركة الأدبية اليمنية المعاصرة. كما ينبغي عليه أن يظهر لنا شروط النشر نفسها والتسهيلات التي كان يقدمها محمد علي لقمان للأدباء والكتاب من أجل نشر أعمالهم المختلفة في هذه الدار.

ينبغي على الباحث كذلك أن يظهر الأداء المتميز الذي قام به الرجل في إطار " نوادي الإصلاح العربية والإسلامية " التي انتشرت في كل من كريتر والتواهي والشيخ عثمان، وكان محمد علي لقمان من أبرز الشخصيات والمؤسسين الذين قامت هذه النوادي على أكتافهم. ولابد من تبيان موقف الرجل من الحياة الاجتماعية والدينية في المنطقة في هذه الفترة، وهو الذي كان يخطب في المساجد من أجل إيصال أفكاره إلى الناس قبل وبعد أن امتلك الكلمة المقروءة في " فتاة الجزيرة ". وقد كان محمد علي لقمان لا يكتفي بمخاطبة القادرين على القراءة، فيلجأ إلى المساجد من أجل أن تصل كلمته إلى أكبر عدد من الناس، وقد أشار الشيخ محمد سالم البيحاني إلى خطب محمد علي لقمان في المساجد وأثره في تحريك الوعي الراكد في المنطقة على المستويات كلها. ولابد كذلك من إبراز نوعية العمل الذي قام به في إطار خلق وعي جماهيري في سبيل التربية والتعليم، تعليم البنين والبنات على السواء.ولابد من أن يقدم لنا الباحث تلك القضايا التي شغلت المجاهد محمد علي لقمان المحامي في هذه الفترة داخل هذه الأندية وخارجها.

ولابد في الأخير من الحديث حول نشاط " مجلس عدن الثقافي " الذي افتتح سلسلة كتبه بكتاب المجاهد محمد علـي لقمـان " انتصار الفكر في الثورة الفرنسية الكبرى " الذي لم نستطع العثور عليه حتى هذا الوقت. ولاينبغي أن ينسى الباحث عمل لقمان في صحيفته الناطقة باللغة الإنجليزية " إيدن كرونيكل ".

 

-16-

في الحقيقة نحن نعتقد أن تناول كل هذه المحطات ومعالجة كل تلك المعلومات يمكن أن تـؤدي إلى تقديم تصور متكامل عن المجاهد محمد علي لقمان في مراحل جهاده المختلفة. ونحن على هذا الأساس نرى أن تجربة المجاهد لقمان قد مرت بثلاث مراحل تكشف الواحدة منها الأخرى، وتكمل الواحدة منها الأخرى، وتفسر هذه المرحلة تلك الأخرى.

المرحلة الأولى وتبدأ من حياة لقمان في منزل أبيه وأمه ودراسته في مدارس عـدن، ورحلته إلى بلاد الصومال ودراسته في الهند الحقوق والقانون وحتى إصداره صحيفته " فتاة الجزيرة " (1898م - 1940م). وهي مرحلة اتسمت بالتنوع والتعدد في نشاط هذا المجاهد، إذ تحتوي هذه الفترة نشاطه الديني والاجتماعي والثقافي – الإبداعي الشامل. وتتعدد هنا اتجاهاته الإحيائية والإصلاحية وحتى التحديثية الليبرالية. تضم هذه المرحلة جهاده في " نادي الأدب العربي " و " نوادي الإصلاح العربي الإسلامية " وفي " مخيم أبي الطيب المتنبي" وعمله في بلاد الصومال قبل التخرج والمحاماة في عدن بعد التخرج. وهي مرحلة تشكل وتحول، يبحث فيها المجاهد لقمان عن مكان له في إطار حركة التنوير في اليمن، وهو الذي وقف فيها موقف الريادة.

المرحلة الثانية تبدأ من ظهور " فتاة الجزيرة " 1940م  وتنتهي بقيام "الجمعية العدنية " 1949م. وهي مرحلة غنية بالنضال، مفعمة بالكفاح الذي خرج من نطاق عدن ليشمل اليمن كلها. في هذه المرحلة يتبنى محمد علي لقمان رجال حركة الأحرار الفارين إلى عدن من بطش الإمامة، يفتح لهم بيته وصحيفته ودارها، ويعمل معهم على إحداث انقلاب 1948م  في وجه الإمام يحيى وأسرته كلها، ويبدو أن كلمة دستور قد جاءت من بعض معاني نضال هذا الرجل وجهاده مع رجال حركة الأحرار الذين وجدوا فيه وفي نضاله المثل الأعلى. تتعدد في هذه المرحلة اتجاهات نضال الرجل في الصحافة والصحفيين وفي  " مخيم أبي الطيب المتنبي " وأصبحت صحيفة " فتاة الجزيرة  " هي المنبر الأساسي الذي حمل أفكار الرجل وآراءه المختلفة في قضايا عصره وبلده. يلتحم في هذه المرحلة النضال الوطني – السياسي بالجهاد الإبداعي – الأدبي،  بالكفاح الديني والاجتماعي، يتبدى في كل ذلك محمد علي لقمان رائدا كبيرا من رواد الحركة الوطنية اليمنية.

المرحلة الثالثة وتبدأ  مع قيام " الجمعية العدنية " عام 1949م، وتنتهي مع رحيله إلى العالم الآخر في الأراضي المقدسة عام 1966م. في هذه المرحلة يتجلى نضال محمد علي لقمان السياسي على أوضح ما يكون، ويتكشف فكره الليبرالي داخل أعماله المختلفة المنشورة هنا وهناك في توجهه نحو إحداث تغييرات رئيسة وثانوية، أحيانا غير جذرية، وأحيانا أخرى جوهرية تمس الحياة الخاصة والعامة في وطنه اليمن.

ويبدو موقف الرجل الإيجابي من ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، منذ اليوم الأول من الإعلان عنها، امتداداً لموقفه من ثورة 1948م ورجال حركة الأحرار الذين ارتبط لقمان بهم حتى آخر أيام حياته. يقول الشاعر محمد سعيد جرادة:

صنعاء تشهد أن الثـورة انطلقــــــت         على يديك انطلاق السيــل في الـوادي

نصرتها أنت والأقــدام راجـفــــــــــة        والخـوف يلقي أكفا فـــوق  أكبـــــاد

نصرتـها أنت مستلا لـها قلمـــــــــــا         خاض الغمار كصمصام ابــن شــداد

رفعت صوتك ثم السوط يسنــد ذا  حق ويلهـب هــذا ظـهـر جـــــــــــــــــــــــلاد

حرية الشعب أسمى ماهتـفت بـــــه          في حاضر من بـلاد العـرب أو بــــــــــــاد

مؤلفاتك في الإصـلاح مابـرحــــــت          لسان صـدق وعدل بيـن  أشـهـــــــــــــــاد

أودعتها كل ما تحيا الشعـوب به    مـن نشـر وعـي ومن تثقيف أفــــــــــــراد

حللت نفسية المستعمرين كـمــــــا تحلل النار خبث المعــدن الصـــــــــــادي

بينت فيهـا عتو القوم إن حكمـوا    شعباً بـغـيـر قـيـــادات وقـــــــــــــــــــــــــواد

وكيف يسعون في تمزيق وحدتــه  خنقا لفكر وتفـتـيتـــا لأعـضــــــــــــــــاد

كل الذي قلت أدركنــا نـتائجــه      والغيب يجلوه وحي الفطنـة الـهــــــادي

تعد هذه المرحلة من أخطر المراحل التي عاشها المجاهد محمد علي لقمان خاصة والوطن اليمني عامة في كل صورها ومعانيها. فقد كانت مرحلة صراعات مريرة ونزاعات دامية تركت آثارها على الإنسان اليمني حتى يومنا هذا.خاض لقمان هذه الأحداث وانغمس في تلك الصراعات والنزاعات، وتبنت صحيفته" فتاة الجزيرة " موقف جبهة التحرير، فتعرضت هذه الصحيفة ودارها للإحراق من قبل مجهولين معروفين،وكاد الحريق أن يأتي على كل شيء، وقد أغلقت الجبهة القومية هذه الصحيفة وهذه الدار منذ اليوم الأول من الاستقلال. وكان هذا الإغلاق هو بداية المسلسل الأسود والدامي الذي عاشه الوطن في جنوب اليمن حتى عشية الوحدة المباركة.

ويبدو أن المجاهد محمد علي لقمان كان قد ترك الانغماس بالأحداث والخوض في غمارها مع سقوط الثورة المسلحة في الجنوب في مسلسل الاغتيالات المتبادلة ونشوب الحربين الأهليتين بين جبهة التحرير والجبهة القومية التي سلمها الاستعمار البريطاني  السلطة ودعمها الجيش في ذلك. يقول الشاعر محمد سعيد جرادة:

جنحت للصمت في العهد الأخير سوى       ذكرى صباك وماضي عمرك الفادي

راجعت فيها سطور الـذكريـات كما يراجع الفصل حرصاً ذهـن نـقــــــــــــــــاد

دعاك للصمت ما شاهدت مـن وهـــــن      فــــــــي صفنا والعدا مـنا بـمــــــــــــــرصاد

ساءتك حـالـة هـذا الشـعب بالغـــــــــــــــة حدا من السـوء لا تفضي لآمـــــــــــــــــــاد

مـدارس أوصـدت أبوابـهـا أبـــــــــــــــــــداً         أو أنـها فتحـت رهـنا لإيـصـــــــــــــــــــــــــاد

ودور عـلـم جفـا الـطلاب ساحتهــــــــــــا   كأنها مسـجد مـن غـير عـبـــــــــــــــــــــاد

وسـوء حـكـم دخـيل لـيلـــــــه أبـــــــــــــد يا للأريقيـن مـــــــــــن لـيـل كـآبـــــــــــــاد

 

-17-

على هذا النحو نحن نرى أن المجاهد محمد علي لقمان قد مرت تجربته الوطنية والإبداعية بثلاث مراحل لا رابع لها كما قد يبدو ذلك، لا تنفصل الواحدة منها عن الأخرى،ولا تدخل معها في تضاد، وإنما تسبغ الواحدة منها على الأخرى معنى الاستمرارية والتواصل الذي يحقق التكامل والاكتمال. ولايمكن دراسة حياة الرجل وتجربته المتعددة الجوانب من دون النظر إلى هذه المراحل على أنها تمثل تجربة واحدة لرجل واحد كبير وعظيم،كما لا يمكن دراسة هذه التجربة من دون الالتفات إلى أن تلك المحطات جميعها التي تحدثنا عنها سابقاً هي أيضا تمثل محمد علي لقمان المجاهد الذي خاض تجربة وطنية – عملية-إبداعية لامثيل لها.      

 

-18-

ولابد في هذا المجال ونحن نحاول النبش في فكر المجاهد محمد علي لقمان المحامي وفي تاريخه السياسي و الاجتماعي، من أن نلتفت إلى تقويمات القريبين منه والبعيدين عنه هذا الفكر وذاك التاريخ. فقد ترك معاصرو الكاتب جملة من التقويمات شعرا ونثرا، أشرنا إلى بعضها في سياق الحديث عنه في هذا المدخل. في الحقيقة نحن نستطيع أن نجمع ديوانا شعريا متكاملا لمجموعة من الشعراء اليمنيين من مختلف مناطق اليمن، كانوا قريبين من المجاهد محمد علي لقمان، وبعيدين عنه في الوقت نفسه، وكانوا قد نشروا هذه القصائد العصماء على صفحات " فتاة الجزيرة " ونحن كذلك نستطيع أن نجمع كتابا نثريا متكاملا لمختلف الكتاب يقرظون فيه هذه الصحيفة وصاحبها على امتداد سنوات صدورها. كل هذه التقويمات تقدم صورة إيجابية، واضحة المعالم عن هذا المفكر الكبير الذي حمل إلى الناس عصارة فكره وحشاشة روحه من دون أن يأخذ منهم شيئا يذكر. ولابد من القيام بهذا العمل في القريب العاجل.

لكننا هنا ينبغي أن نلتفت إلى تقويمات واحد من القريبين جداً من رجل التنوير الأول في اليمن. وهو الشاعر اليمني الكبير علي محمد لقمان، الابن البكر للمحامي محمد علي لقمان. قدم الشاعر علي لقمان تقويمه النثري أباه وفكره المتجدد على الدوام في الإهداء الذي نشره على الصفحة الثانية من ديوان  "أشجان في الليل"الصادر عام 1945م، وهو يقول في هذا الإهداء "أرى الآن أجيالا قادمات تلهج بالثناء عليك، ويبدو لي أحرار في جنوب الجزيرة يحملون مشاعل كنت أول من حملها في نواحينا.

و أقرأ منصفين استطلعوا عدن عنك فعرفوك، وأسمع رجالا تعلموا أن لا يتكلموا إلا الحق فحدثوا عنك العاملين.

هذا أنت أمامي تناضل من آنسوا فيك مناضلا، و تقاتل من ألفوا فيك مقاتلا، وتحارب من جعلوا المصلحين أعداء و اتخذوا المؤمنين خصوماً؛ وأنت تنتقل من معركة إلى أخرى دامياً ولكن ظافراً، أليماً ولكن سعيداً؛ لأن نفسك أبت أن تعيش ناعماً وأمامك شعب كبير في الجنوب يفتك به الفقر وتمزقه الجهالة.

لا أزال أذكر ليالي قضيناها معك في انتظار العقاب الطبعي لدعاة الخير، وأياماً لم تسلم من أهوال أصباحها إلا لتتخطى شرور أمسائها؛ وأنت مع ذلك تبتسم كأنما ما كان عارض غير جدير بالالتفات.

هذه بلاد عرفتك سباقاً إلى الخير، تواقاً إلى المعالي، حريصاً على النهوض، تستسهل الصعاب دون نفعها وتلاقي في سبيل الإصلاح ما تلاقي من هم وعذاب، وأنت أنت مشغول بعظائم الأمور.

إنني أراك، فأرى الرجل....!!

فإليك ياسيدي الوالد أهدي هذه الأشجان..."

يتبدى المجاهد محمد علي لقمان في هذا الإهداء داعية من دعاة التحرير الاجتماعي والسياسي، ومناضلا كبيرا لا يكل ولا يمل في سبيل حركة التنوير اليمنية  التي وقف منها في مقدمة الركب حتى آخر لحظة من حياته. قدم علي لقمان هذا التقويم وهو لا يزال ابن سبعة وعشرين عاماً، يخطو الخطوات الأولى و الثابتة في درب الإبداع و السياسة. ولا يبدو أن هذا التقويم النثري يختلف كثيرا أو قليلا عن التقويم الشعري الذي قدمه علي لقمان في رثاء أبيه الذي اختطفته المنية في 24 مارس عام 1966م في المدينة المنورة،  والذي يقول فيه:

نعاك إلي البرق فانهل مدمعـــــــــــــــــــــي       وما مدمعي بالسهل في الأزمــــــــات

بكيت الذي يبكيه علم وحكمـــــــة         وحرية محمودة  الحركــــــــــــــــــات

وتندبه الأخلاق في كل مجمـــــــــــــــــع نصير مساكين وكهف  عفــــــــاة

وأستاذ أجيال إلى كل ســـــــــــــــــــــؤدد         أحاديثه من غاليات  عظــــــــــــــــــات

ومصباح شعب في ظلام ومحنـــــــــــــــــة       وصوت بلاد جمة  العبـــــــــــــــــــــرات

ففي "اليمن الميمون" من صوته صدى  وفي بلد " الصومال " رجع  حيــــــــاة

وفي " القدس " من أنفاسه وبيانـــــــــــه         صرير جهاد صادق  العزمــــــــــــــات

وفي كل دار للعروبة صيحـــــــــــــــــــــــة       دوت من يراع خالد النفثــــــــــــــــــات

يهيب بها الأحرار أن يتقدمـــــــــــــــــــــوا        إلى عزة مقصودة  العرصـــــــــــــــــات

له غرر الأمثال في كل معضــــــــــــــــل من الحكم الغراء في الصفحــــــات

أعاد إلى الفصحى جلال مجالهــــــــــــا   وأحيا هنا مغمورة الصدفـــــــــــــــــات

يسهده شعب يئن توجعـــــــــــــــــــــــــــــــــا    بغير ظهير تحت رحمة عــــــــــــــــــــات

ويحزنه من يحمل القيد مرسفــــــــــــــا  رعايا، ضحايا  فاجرين رعــــــــــــــاة

أيرضى أبو الأحرار حكما مسلطـــا        على أمة في فرقة وفــــــــــــــــــــــــــــوات ؟

أيرضى أبو الدستور أن يحكم الورى         بغير كتاب الله، شرع عصــــــــــــاة ؟

وفي يده مستشهد، لا يـــــــــــــــــــــــــــرده     عن الله في الهيجاء ضرب قســــــــاة

أشد على الكفار من كل صــــــارم،        إذا شدّ في حرب، وكل قنـــــــــــــــاة

*         *        *

منابر في طول البلاد وعرضهـــــــــــــــــا         تنوح عليه عند كل صــــــــــــــــــــــلاة

فكم صاح منها هاديا غير خائـــــــف      تألب أعداء ومكر جفــــــــــــــــــــــــــاة

ينادي إلى العلياء من كل منبـــــــــــــــر  ويستنهض الأرواح منطويـــــــــــــــــــات

ويستل سم الصل من ناب غــاصـــــــب  ويحمي حمى شعب بغير حمــــــــــــــاة

ويخطو على الأفعى الكمين ويحتمـي          أمينا برب البيت في  الخطــــــــــــــوات

يصول بفكر عبقري فتنجلـــــــــــــــــــي غياهب تطوي الأرض محتلكـــــــات

عرائس من أسلوبه وبديعـــــــــــــــــــــــــــه     حواسدها من خرّد وبنــــــــــــــــــــــــــات

إذا ما فتى هزت معانيه شــــــــــــــــــــردا        سمعت صداها عند كل فتـــــــــــــــاة

يسير في الآفاق صحفا أريجــــــــــــــــــــة        معطرة الأنفاس مستعــــــــــــــــــــــــرات

سلام على الإسلام، نار على العــــــدا     منزهــــــــــــــــــــــــة عـــن فتنــــــــــة وأذاة

أمير الصحافيين في كل منـــــــــــــــــزل وشيخ الحقوقيين في  النزعـــــــــــــات

وليث قتال، دون حق يغولـــــــــــــــــــــــــه      عدو أخو حمق، ورب  حصـــــــــــــــاة

*         *        *

فيا رب من ناديت، أستاذ أمـــــــــــــــــــة         ويا رب ! من لباك، صوت حيـــــــــاة

بقية جيل، من بهاليــــــــــــــــــــــــــل ذادة،      بناة، كرام، صالحـــــــين، هــــــداة

سعوا بكتاب الله، والكون قاتــــــم،        فكان كتاب الله نـــــــــور سعــــــــاة

بفضلك نادى المسلمين إلى العلــــــــــــــى         نداء دعاة، قانتين، تقــــــــــــــــــــــــــــاة

لقد مضى على التقويم الأول واحد وعشرون عاماً اتسعت فيه خبرات الشاعر       وتجاربه في الناس والحياة على السواء، و أصبحت تقويماته أباه أكثر شمولية وإحاطة من ذي قبل، حتى أصبح التقويم الشعري أقرب إلى الرحابة و الدقة في وصف جهاد المحامي محمد علي لقمان في طريق التنوير والتحرر الاجتماعي والسياسي الذي كان يسعى من خلاله إلى خلق حياة فضلى لأبناء وطنه و قوميته ودينه. لقد نضج علي لقمان  وترعرع في محيط أبيه الذي أصبح واحدا من أهم حملة مشاعل التنوير في اليمن، وقد نضجت معه أفكاره في عمل أبيه في هذا الاتجاه، فكانت القصيدة التي عبرت عن مأساة الفقد وعن معاني جهاد أبيه المتعدد الاتجاهات، التي ينبغي أن نضعها في الحسبان ونحن نحاول الولوج إلى عالم محمد علي لقمان المحامي في مختلف المراحل أو الفترات.

قدم علي لقمان التقويم الأول وهو بعد لم يحصل على درجة البكالاريوس في الصحافة من مصر، ولم ينشر سوى ديوانيه الأول و الثاني " الوتر المغمور أشجان في الليل"، وقدم تقويمه الثاني، وقد قطع جزءا كبير من حياته الإبداعية والعملية، فقد نشر معظم أعماله الشعرية والمسرحية وكتاباته النثرية الأخرى، وبعد أن كان مدير تحرير صحيفة والده "فتاة الجزيرة" ورئيس تحرير صحيفتيه: القلم العدني" و"الأخبار" ومن هنا كان هذا التقويم واسعا و متكاملا يحمل تجارب الابن البكر وخبرات الشاعر والسياسي وآفاق الصحافي والكاتب المسرحي. وإذا كان التقويم الأول قد جاء والأب في عنفوان إبداعه التنويري، فإن علي لقمان قد كتب التقويم الثاني بعد أن فارق الأب الحياة فجأة  ومن دون مقدمات، وهو في كامل قواه الإبداعية والصحية.

على هذا النحو تختلف معاني هذين التقويمين، الواحد عن الآخر، ويلتقيان في نقطة واحدة، نقطة المصدر الذي يحمل الحب الكبير نحو الأب، ويحاول أن يقدم صورة موضوعية عن نضاله في مرحلة صراعات خطيرة، وتحولات مريرة لا تكف أن تجذب إليها الناس من مختلف الاتجاهات ومن مختلف التيارات. غير أن الصورة صادقة وأمينة تدل على مكانة الوالد، ليس في قلب الابن وحده، وإنما في قلوب الأجيال التي مرت ويمكن أن تمر في وقت من الأوقات.

 

-19-

وإذا كان الفكر الإصلاحي ـ النهضوي ـ التحديثي قد بدأ على يد محمد علي لقمان الذي كان قد وضع صرح الحركة الفكرية الحديثة في اليمن منذ منتصف العشرينيات  أو حتى قبل ذلك عندما نشر مطالبه الأساسية في الإصلاح السياسي والاجتماعي والتربوي في عمله " هل هذه قصاصة ورقية ؟! " 1923م، منذ أن شرع في الإشراف على قيام "نادي الأدب العربي"  1925م ونوادي الإصلاح العربية الإسلامية، ومنذ أن ألف كتابه "بماذا تقدم الغربيون ؟" 1932م، وصنف مؤلفه " انتصار الفكر في الثورة الفرنسية " 1946م، وكتب روايتيه أو على وجه الدقة قصتيه "سعيـد" 1939م  و" كملا ديفي" 1947م، فإن هذا يعني أن المناخ الفكري ـ الاجتماعي ـ السياسي كان حرا ونقيا إلى حد ما، ذلك المناخ الذي عاش فيه محمد علي لقمان رائد الفكر الحديث وحادي التنوير في اليمن يحدد هو نفسه درجة حرارته الفكرية وبرودته السياسية ردحا طويلا من الزمن.

وإذا عرفنا أن كتاب محمــد علي لقمـــان " بماذا تقدم الغربيون ؟ " الصادر عام 1932م لا يعادي الحضارة الأوروبية وإنما يحاول أن يأخذ بأسبابها أدركنا أن محمد علي لقمان كان في الثلاثينيات قد تجاوز الفكر الإصلاحي وتعداه إلى الفكر النهضوي ـ التحديثي. لقد تغلغل هذا الفكر في الحياة العدنية خاصة والحياة اليمنية عامة بعد صــدور صحيفة "فتاة الجزيرة" التي دامت سبعة وعشرين عاما والتي شكلت مركــز الحياة الأدبية والفكرية في عدن والمنطقة كلها على امتداد هذه الفترة الزمنية. إذ كان ميلاد صحيفة  "فتاة الجزيرة " حدثا تاريخيا واجتماعيا ـ فكريا كبيرا عكس نفسه على مجمل نشاط الحركة الأدبية ـ الفكرية في البداية ومن بعد على الحركة الوطنية اليمنية في عدن واليمن كلها. إذ تجمع حول صحيفة " فتاة الجزيرة " 1940م-1967م رواد النهضة الفكرية الحديثة الذين صعدوا بالأدب والسياسة درجات في السلم الحضاري إلى الأعلى. وفي مطلع الأربعينيات مع ميلاد هذه الصحيفة ظهرت الأقصوصة والقصة اليمنية وحتى المسرحية، وانطلق الوعي القصصي إلى المقدمة في صورة حركة قصصية منتظمة، انتشرت فيمـا بعد مع ظهور الصحف الأخرى، كان من أبرز نتائجها خروج مجموعة من القصص إلى النور، لعل أهمها "سعيـد" 1939م، "كملا ديفي" مايو 1947م اللتان كتبهما  محمد علي لقمان. وهناك قصة " يوميات مبرشت " التي كتبها عبد الله الطيب أرسلان عـام 1948م والتي تتناول موضوع التهريب في فترة الحرب العالمية الثانية.

لقد كان محمد علي لقمان المحامي هو الوحيد الذي استطاع أن يقدم مشروعا حضاريا إصلاحيا ونهضويـا متكاملا، فقد حملت أعماله المتعـددة: " هل هذه قصاصة ورقية ؟ " 1923م، "بماذا تقدم الغربيـون ؟ " 1932م،" انتصــار الفكر في الثورة الفرنسة الكبرى" 1947م، "عدن تطلب الحكم الذاتي" 1954م، " قصة الثورة اليمنية " 1965م وغيرها مواقفه الثابتة في وضوح وجلاء من هذا المشروع الذي شمل أوجه الحياة المتعددة. يقول الأستاذ أحمد محمد سعيد الأصنـج: " فالأستاذ حفظه الله هو المؤسس للنهضة الأدبية في عدن، وكان العامل الأكبر فـي تأسيس " نادي الأدب العربي"، ثم " نوادي الإصلاح الإسلامية"، وله في الأعمال الخيرية أياد بيضاء. يخطب الناس في المساجد والنوادي، ويحرضهم على التآلف والاتحاد وطلب العلم. ويجمع إليهم الفواكه والمأكولات وهم في المحجر الصحي أو المستشفى الأهلي، وطالما ثبت في وجوه المضلين من الأجانب مدافعاً عن الإسلام، وطالما كتب وطالب بترقية التعليم في عدن، وقد عرفت الأستاذ منذ الصغر فألفيته من النوابغ المخلصين لدينهم ووطنهم، والعاملين بجد ونشاط نحو المصالح العامة، يجيد اللغتين العربية والإنجليزية، ويحسن الفرنسية ويتكلم الهندية والصومالية، ويحمل شهادة من جامعة كمبردج، وأخرى من جامعة ليدز الإنجليزية.

وكفى أن يشهد بفضل الأستاذ لقمان كاتب الشرق الأكبر أمير البيان شكيب أرسلان حفظه الله...".

أصبح محمد علي لقمان المحامي هو مركز الثقل الفكري والسياسي في هذه المرحلة وحتى المراحل السابقة. لقد كان واحدا من كبار رجالات الحركة الوطنية اليمنية، إذ هو الذي كان الحاضن الحقيقي والأول الذي رعى "حركة الأحرار" في عدن، وأمدهم بالدعم المادي والمعنوي على السواء. وعندما نجح انقلاب عام 1948م، كان مع رجال هذه الحركة في صنعاء، وقد نجا بأعجوبة من سيف الجلاد أحمد، وعاد هاربا من صنعاء إلى عدن بعد فشل الانقلاب في طائرة إيطالية كانت تعمل في مجال استكشاف البترول.

 

-20-

ونحن نستطيع اليوم أن نحدد مجموعة من المواقف السياسية المحلية والقومية التي وقفها المحامي محمد علي لقمان في وجه الاستعمار، وهي التي جعلته في مركز الصدارة الوطنية والسياسية. ولعل أهم هذه المواقف: تبنيه "حركة الأحرار" ومساعدتهم في نضالهم بيت حميد الدين، وبحثهم عن إيجاد دولة دستورية تقوم على النظام والقانون. دعمه الكامل والمطلق قيام الجمهورية العربية اليمنية وثورة السادس والعشرين من سبتمبر منذ اليوم الأول من الثورة والجمهورية. مساندته "جبهة تحرير الجنوب اليمني المحتل" بالقول والفعل على السواء. تأييده الثابت والراسخ الثورة المصرية وقائدها الزعيــم جمال عبد الناصر.

يبدو محمد علي لقمان المحامي رائدا في كل هذا وزعيما وطنيا وقوميا كبيرا، إذ تدل هذه المواقف على أن المحامي لقمان قد دخل في خصومة عنيفة مع الاستعمار، واختلف معه كل الاختلاف، إذ كان موقف الاستعمار من هذه القضايا التي ذكرناها في الأعلى سلبيا للغاية وعدائيا للغاية. في الوقت الذي كان موقف لقمان منها إيجابيا للغاية. لقد كانت هذه المواقف جزءا من حياته الوطنية والفكرية، إذ كانت حياته هذه كبيرة ومتنوعة كبر الحياة اليمنية وتنوع جهاده الوطني والقومي.

ولعل دعوة محمد علي لقمان إلى الحكم الذاتي الذي قدمه في كتابه        "عدن تطلب الحكم الذاتي" كانت مثار جلبة أزعجت الاستعمار وأقلقته، إذ هي الخطوة الأولى إلى الاستقلال، كما رأى الاستعمار نفسه ذلك، وأساء فهمه بعض من معاصري لقمان.

على هذا النحو يكون محمد علي لقمان رائدا أدبيا وفكريا، كما كان رائدا وطنيا وسياسيا في صورة من الصور وفي معنى من المعاني. ولاتفقد تجربة محمد علي لقمان المحامي الفكرية ـ الإبداعية والوطنية معناها في المراحل اللاحقة مع ظهور قيادات سياسية أو جماعات إبداعية في تنظيمات سياسية أو هيئات ثقافية جديدة. فقد ظل حتى عشية وفاته رائدا كبيرا من رواد حركة التحرير اليمنية، وحلقة أولى من حلقات التنوير الوطنية والمحلية ـ القومية.

ولم يكن محمد علي لقمان المحامي يعاني الانبهار أمام الحضارة الأوروبية في أية صورة من الصور، وفي أي شكل من الأشكال. لقد حاور هذه الحضارة حوارا جادا، بعيدا عن التعصب والأذى المتبادل، مبينا ما لها وما عليها، منتقدا الجوانب السلبية في صورة لاتشوبها شائبة، مظهرا العناصر الإيجابية في وضوح كبير. وهو لا يدعو مطلقا إلى الأخذ بأسباب هذه الحضارة من دونما تحفظ، إنه يتحفظ على أشياء كثيرة فيها، يرفضها ويدينها من منطلق العربي المسلم. لكنه لايعادي هذه الحضارة ولا ينفيها، إنه يحاورها ويتبنى أجمل ما فيها حتى تتحقق أحلامه في نهضة العالم العربي والعالم الإسلامي علـى السواء  ولابد أن يرجع القارئ إلى أعمال محمد علي لقمان حتى يطمئن إلى ما نقول.

ولعل صدور مجموعة من الدواوين الشعرية في وقت مبكر جداً، كان في مقدمتها ديوانا علي محمد لقمان: " الوتر المغمور" 1943م، 1944م  و" أشجان في الليل" 1945م، ديوان محمد عبده غانم "على الشاطئ المسحور" 1946م، يدل دلالة كاملة على أن الحركة الأدبيـة كانت قد تجاوزت وعيها الخاص بها في العشرينيات والثلاثينيات. وإذا عرفنا أن هـذه الأعمال وغيرها مما لم نذكره هنا هي من إصدار صحيفة أو على وجه الدقة دار " فتاة الجزيرة "، عرفنا قيمة الجهد الفكري المبذول، الذي قدمه آل لقمان تحت لواء محمد علي لقمان عميد الأدب اليمني الحديث والفكر المعاصر من دونما منازع.

في الحقيقة لم يقدم حتى هذه اللحظة أحد من الدارسين بيبلوغرافيا حول إصدارات دار " فتاة الجزيرة " حتى تكتمل صورة ذلك العمل العظيم الذي قام به محمد علي لقمان على امتداد سبعة وعشرين عاما. لكننا نعرف أن الأربعينيات كانت فترة ازدهار حقيقي على مستوى الإبداع وفي مستوى الطباعة والنشر. فقد أصــدر حمزة لقمان في هذه الفتــرة كتابه " خواطر " عام 1944م، واحتضن القراء ديوان لطفي جعفر أمـان الأول " بقايا نغم " 1948م، وكان علي محمـد لقمـان قد أخرج أول عمل مسرحي شعري في اليمن تحت عنوان "بجماليون" 1948م. ونحن لا نطمح في هذه العجالة إلى إحصاء الإصدارات الأدبية أو الفكرية، قدر ما نهدف إلى تطوير حقيقة كانت غائبة عن التاريخ الأدبي في اليمن، ولم يستطع أحد من الدارسين الاقتراب منها، وهي أن صحيفـة " فتاة الجزيرة " كانت عماد الحركة الأدبية والفكرية المعاصرة في اليمن حتى عشية الاستقلال، عندما أجبرت السلطة معظم آل لقمان على الهجرة، بعد أن صادرت ممتلكاتهم وفــي مقـدمتها الصحيفة ودار " فتاة الجزيرة ". ولايعني هذا مطلقا أننا لا نأخذ بعين الاعتبار الاتجاهات الأدبية ـ الفكرية التي تخلقت خارج دائرة آل لقمان أو تلك التي ظهرت على أساس صراعها معهم في عدة اتجاهات.

وإذا كنا في الأعلى قد تحدثنا حول تقويمات القريبين جدا من المجاهد محمد علي لقمان، فإننا هنا نذكر بعض تقويمات البعيدين عنه في المكان لا غير، وهم يحاولون أن ينظروا إليه بقلب مفتوح وصدر واسع. وهي شهادات خليقة أن تدل على أسرار ما نعرف، وتكشف مغاليق مالا يعرف البعيدون روحيا. إنها اعترافات بالجهد الذي بذله رائد التنوير الأول في اليمن.

يقول أمير البيان شكيب أرسلان: " اتصف أهل اليمن برقة الأفئدة كما جاء في الحديث وبشدة الذكاء وشغوف الحسّ كما أجمع الناس في القديم والحديث. ومن الأمثلة البارزة على هذه الحقيقة في هذا العصر ما نقرؤه في الأحايين لحضرة الكاتب البارع السيد محمد علـي لقمان... "

ويقول الأستاذ شكيب أرسلان في جريدة (" الشورى " العدد (312) ـ فبـرايـر  عام 1931م): "ما ألذّ مقالات الأديب اليماني محمد علي إبراهيم لقمان فإني برغم الشواغل والشواده أطالعها المرتين والثلاث ولا أزال أجد فيها طلاوة نكات ولطائف وتالد وطارف وأفكار عصرية ومعلومات تاريخية وملاحظات اجتماعية ودقائق اقتصادية وآراء سياسية ومنازع قومية ومبادئ وطنية. وكل هذا بعبارة سهلة مع الامتناع دانية مع الارتفاع. تدخل الآذان بلا استئذان وتوحي إلى القلب نفسا أبية ونصرة عربية وقريحة فياضة وهمة نهاضة يقول لها الإنسان حقا إن الأسماء تنزل من السماء وإن بين اســــم لقمان والحكمة صلة قرابة …".

 


([1]) انظر كتابنا: المجاهد محمد علي لقمان المحامي. رائد النهضة الفكرية والأدبية الحديثة في اليمن، المكتبة العصريـــة،  بيروت 2005 م.

 

 

 

 


Hosted by www.Geocities.ws

1