العنوان: النووي الإيراني .. عندما يتحول الطموح إلى مأزق
التاريخ : Apr 5, 2005
المصدر: صفية حمدي / جريدة مصر العربية
نص الموضوع :
منذ أواخر عام 2002 والملف النووي الإيراني يمثل أزمة بالمعنى الحرفي
للكلمة، أثار مخاوف نشوء حالة من التصعيد العسكري لوح به مسئولون
بالإدارة الأمريكية بل وعمل مسئولون كبار بجهاز الموساد الإسرائيلي على
تسريب ونشر تقارير تحدثت عن مخطط إسرائيلي لتوجيه ضربة قاضية للمنشآت
النووية الإيرانية لحث المجتمع الدولي على ممارسة ضغوط جدية على طهران
للحيلولة دون وصول إيران إلى نقطة اللاعودة في صنع اليورانيوم المخصب.
بدأت مرحلة الشك في النوايا الإيرانية مع التوقيع على اتفاق التعاون
النووي الإيراني - الروسي في يناير 1995 الذي ينص على قيام روسيا ببناء
محطة للطاقة النووية في بوشهر بجنوب إيران .. تؤكد إيران أنها في إطار
الاستخدامات السلمية لتوليد الطاقة الكهربية، وهو ما آثار التساؤل حول
أهمية أن يكون هذا هدفاً لدولة غنية بالنفط والغاز.
وذكر الدكتور أحمد إبراهيم محمود في دراسته بعنوان الأزمة النووية
الإيرانية، أن الاتهامات استندت على أن هناك بنوداً سرية في الاتفاق إضافة
لما نشر ببعض التقارير بمحاولة إيران الحصول على كميات من اليورانيوم
تكفي لصنع قنبلة نووية من جمهورية كازاخستان عام 1994، وتقرير آخر عن
محاولتها للشراء من جنوب أفريقيا كميات من أكسيد اليورانيوم المشبع
وقليل التخصيب عام 1996، إلا أن جنوب أفريقيا رفضت التجاوب وتدخلت
الحكومة الأمريكية لدى حكومة كازاخستان لعدم إبرام صفقات مع إيران.
وظلت الفترة من عام 1995-2002 ما بين شكوك من الولايات المتحدة وبعض
الدول الأخرى وتأكيدات مستمرة من إيران بأن برنامجهم بالكامل في إطار
الاستخدامات السلمية. ولم تكتف الولايات المتحدة بإثارة الشكوك إنما عملت
في هذه المرحلة على إيقاف مصادر التوريد الخارجية وبالتعاون مع دول أخرى
خاصة إسرائيل. ونجحت في عقد اتفاق عام 95 ينص على امتناع روسيا عن بيع
أي مكونات نووية لإيران يمكن أن تستخدم في صنع السلاح النووي.
وأصدر الكونجرس الأمريكي مشروع قانون يربط بين وقف التعاون النووي وصرف
المساعدات المقدمة لروسيا عام 1998. ولكن من التحولات السياسية بروسيا
ووصول فلاديمير بوتين لرئاسة البلاد في مارس 2000، أعلنت الحكومة الروسية
عدم التزامها بالاتفاق مع الولايات المتحدة واتفق على إنشاء مفاعل نووي
ثاني روسي الصنع فور استكمال المفاعل الأول في بوشهر.
بدأت الأزمة النووية الإيرانية مرحلة جديدة مع حصول الولايات المتحدة على
معلومات من المعارضة الإيرانية ببناء إيران منشأتين نوويتين جديدتين في
منطقتي أراك وناتنز لتخصيب اليورانيوم بعيداً عن رقابة الوكالة الدولية.
وفي أغسطس 2003 أكتشف مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية آثاراً مشعة
من عينات مأخوذة من البيئة في إيران وأثبت التحليل وجود مستويات عالية
لتخصيب اليورانيوم بصورة تطابق مع الموجودة في المواد المستخدمة لإنتاج
السلاح النووي ولكن الحكومة الإيرانية أكدت أن التفتيش يتم فقط مع وصول
أول شحنة للمواد النووية للمنشأة وهو ما لم يكن قد تحقق حتى مطلع عام
2003.
وحتى بعد زيارة مفتش الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فبراير 2003
وعثورهم على 160 جهازاً للطرد المركزي وأجزاء 1000 جهاز آخر، فإن إيران
نفت بشدة الاتهامات وقالت إن هذه الآثار كانت عالقة بأجزاء آلات مستوردة من
الخارج.
الوكالة الدولية للطاقة الذرية كان دورها الأول من نوعه وإن اختلف عن
حالة العراق، حيث كانت كل التقارير الخاصة بها ترفع لمجلس أمناء الوكالة
وهي التي اكتشفت الأنشطة الإيرانية المحظورة، في حين كانت الحالة العراقية
مرتبطة بتنفيذ قرار مجلس الأمن وترفع التقارير لمجلس الأمن مباشرة.
وتعرضت الوكالة الدولية في إدارتها للأزمة لضغوط عديدة من طرفي الأزمة
باتهامها بعدم الحياد والانحياز، وكانت أعنف الضغوط هي الضغوط الشخصية
التي مورست على المدير العام للوكالة من قبل الإدارة الأمريكية لدفعه
لتبني موقف مؤيد لها والتهديد بمطالبة مجلس أمناء الوكالة بتنحيته من
منصبه أو اتهامه بالتواطؤ مع طهران.
تميزت ردود فعل الوكالة بالموضوعية دائماً وكانت تشير لمجالات التعاون
بينها وبين إيران ورغم هذا التعاون ظل دائماً غير كاف لتلبية مطالب
الوكالة بشأن إزالة الغموض حول أنشطتها النووية، وفي ذات الوقت طرح
الإتحاد الأوروبي مبادرة متكاملة في 21 أكتوبر 2004 بعد إعلان إيران
استئناف عمليات تخصيب اليورانيوم رداً على عدم التزام الأوروبيين
بتعهداتهم بإغلاق ملف إيران في يونيو 2004.
وكانت التحولات الجوهرية في التعاون بين إيران والوكالة تحدث في الفترات
التي تفرض فيها مهلة نهائية أو إنذاراً زمنياً محدد حتى لا تتعرض لعقوبات.
مع براعة شديدة في تحديد الأهداف تبدو كما لو أنها تتجاوب مع الضغوط
الدولية ولكنه دائماً تجاوباً مؤقتاً ومشروطاً.
كان جوهر الأزمة في مطالبة إيران بالتوقيع على البروتوكول الإضافي الذي
يسمح لمفتش الوكالة بالقيام بعمليات تفتيش مفاجئة واقتحامية للمواقع
النووية الإيرانية المشتبه فيها، إضافة لمطالبتها بوقف عمليات تخصيب
اليورانيوم بصورة شاملة ودائمة. وافقت إيران على التوقيع على البروتوكول
في المهلة التي وجهها مجلس أمناء الوكالة في 12 سبتمبر 2003 حتى آخر
أكتوبر 2003.
رغم موافقتها اشترطت الإعلان عن هذه الموافقة أثناء زيارة وزراء خارجية
ألمانيا وفرنسا وبريطانيا لطهران وحصولها على تعهدات منهم بألا تتضمن
عمليات التفتيش ماساً بالسيادة الوطنية أو استغلالها كستار للتجسس على
إيران خاصة برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، وكانت تطالب أيضاً
بضمان حقها في الحصول على التكنولوجيا النووية المتطورة الخاصة
بالاستخدامات السلمية وإسقاط الولايات المتحدة للعقوبات المفروضة عليها.
واشترطت كذلك عدم خضوع مقر المرشد العام للجمهورية وبعض المراكز
العسكرية والأمنية الحيوية التابعة لمكتب المرشد للتفتيش بموجب نصوص
البروتوكول.
أما وقف تخصيب اليورانيوم خلال المهلة المعطاة لإيران حتى نوفمبر 2004
فكانت محادثاته أشبه بالماراثون. بموجبه تلتزم إيران بوقف عمليات تخصيب
اليورانيوم بصورة شاملة ودائمة في مقابل التزام دول الإتحاد الأوروبي
بتزويدها بمفاعل يعمل بالمياه الخفيفة لتوليد الكهرباء والالتزام
بتزويدها بالوقود النووي ودعمها للحصول على عضوية منظمة التجارة
العالمية وهي العضوية التي تقف الولايات حائلاً دونها منذ عام 2001.
واشترطت إيران أن إيقاف عمليات التخصيب يظل سارياً طالما استمر تنفيذ
بنود الاتفاق. ووصلت المفاوضات الإيرانية الأوروبية لحافة الانهيار حول مدى
شمولية عملية تعليق برامج التخصيب ومدتها، حيث طالبت إيران باختصار
التعليق على غاز اليورانيوم دون المراحل الأخرى خاصة عمليات إنتاج بودرة
اليورانيوم ويكون التعليق لمدة ستة أشهر فقط . إضافة لاستثناء 20 جهازاً
من أجهزة الطرد المركزي لأسباب فنية.
هذا أمام إصرار الجانب الأوروبي ومطالبته بالوقف الشامل والدائم بل
وتفكيك منشآت تخصيب اليورانيوم. وسحبت طهران طلبها باستثناء أجهزة الطرد
المركزي حتى 15 ديسمبر 2004 موعد الاجتماع الإيراني – الأوروبي، لبحث اتفاق
التعاون طويل المدى، وظل الخلاف كما هو عليه.
إلا أن الاتفاق عمل على تسوية جانب كبير من نقاط الخلاف في المسألة
الإيرانية، وهو ما دعا المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية لإعلان
عدم إصدار الوكالة أي تقارير في المستقبل عن عملها بشأن إيران إلا
حينما " يكون ذلك مناسباً" مما يعني إسقاط الحالة الإيرانية من جدول أعمال
مجلس أمناء الوكالة.
الولايات المتحدة وسياسة التصعيد.
دائماً ما تشكك الإدارة الأمريكية في الجهود الأوروبية القائمة على الترغيب
والترهيب.
كانت الصيغة الأمريكية المطروحة إما التعاون الكامل والوقف الكامل
لعمليات تخصيب اليورانيوم أو نقل الملف النووي الإيراني لمجلس الأمن. وهي
أكبر إشكالية لم تستطع أن تجمع التأييد اللازم للقيام بها، وحاولت
التحايل في نوفمبر 2003 بالدعوة لرفع ملف إيران النووي لمجلس الأمن ليس
بصورة شكوى وإنما بهدف إطلاع المجلس على هدف المسألة ولكنها لم تفلح
أيضاً. ورغم هذا فإن أمريكا مستمرة في وضع الملف الإيراني كموضوع رئيسي في
التفاعلات الثنائية مع العديد من الدول لا سيما روسيا الاتحادية وفي كافة
المحافل الدولية ذات الصلة.
وتعاونت باكستان وقدمت معلومات هامة عن التعاون بين طهران وإسلام أباد
وحتى عن المنشآت السرية التي زارها علماء باكستانيون أثناء تعاونهم مع
نظرائهم في إيران، أما روسيا فرغم تأكيدها التزامها باستمرار تصدير
الوقود النووي لإيران فإن الرضوخ لضغوط واشنطن ظهر في تأجيل التوقيع على
اتفاق التصدير الذي كان جاهزاً منذ منتصف 2002.
وكان المفترض التوقيع أواخر فبراير 2005 لتصل أول حاوية بعد شهرين من
التوقيع وعليه يبدأ تشغيل محطة بوشهر النووية التي ينتظر أن تنتج ألف
ميجاوات من الطاقة بحلول أواخر عام 2005، ومن زاوية حسابات الأمن القومي
الروسي فامتلاك إيران للسلاح النووي يعني ظهور قوة إسلامية نووية، تترتب
عليه تحولات إستراتيجية في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى التي تعد الأكثر
تهديداً للأمن القومي الروسي.
وبالنسبة لأمريكا فإن الخيار العسكري لم يكن مطروحاً بجدية وفي نفس الوقت
لم تستبعده تماماً، فقد تحدثت بعض التقارير الأمريكية عن تسلل فرق عمليات
خاصة أمريكية تقوم باستطلاع داخل إيران لرصد ما يقدر بحوالي 36 هدفاً
إيرانياً ترتبط بالبرنامج النووي الإيراني لضربها في حالة اللجوء للخيار
العسكري مع التأكيد على عدم قابلية سيناريو حرب العراق للتكرار مرة أخرى
وليس فقط لتفوق إيران في التماسك الداخلي والقدرات العسكرية والروح
القتالية إنما لأنه ليس هناك حرب مثل أخرى مع توقيت الأزمة.
وتركز الإدارة الأمريكية على السعي الحثيث لإحداث تغيير سياسي حاد يطيح
بالنخبة الدينية المحافظة وتمكين الإصلاحيين الذين يحرصون على بناء علاقات
وثيقة مع الغرب.