العنوان:  مصطفى بكري...سيرة تستحق أن تروى

التاريخ : Sep 16, 2005

المصدر:  غرفة الأخبار / جريدة مصر العربية

نص الموضوع :

من قال إن حرية الرأى تقاس برؤساء تحرير يطلبون من الفساد الرضا؟ ..ومن
السلطة العفو؟

من قال إن الشرفاء - مع معاناتهم - سوف يتوبون عن حب هذا الوطن.. أو
يتزحزح عشقهم لخريطته الكبيرة من المحيط إلى الخليج؟

الكافرون بالعروبة، والقومية..

والفرحون بانتهاك الأراضى، والأعراض..

الذى ينظرون لهمومنا بنظارات سوداء..

من خلف ستائر سوداء..

توقفوا..

يقولها الواقع..

ويقولها الضمير..

فالمهنة تقتضي مزيدًا من الأمانة..

مزيدًا من الجسارة..

مزيدًا من واقعية التفكير..

فى محطات الحبس تظهر المعادن..

فالسجن غربة.. وحدة..قلق على الخارج.. وترقب لما يحدث فى الداخل..
فما بالك إذا كان الداخل والخارج كلاً لا يتجزأ..موقفاً لا يتزحزح..

معارك تسترشد بمصلحة الوطن..رغم انقلاب المفاهيم.. وسقوط المعايير..
وانهيار أصحاب الشعارات.. وتهاوى قلاع كنا نظنها حصينة.. رغم كل ذلك..
سنبقى قابضين على الثوابت.. متمسكين بالمبادئ.. ولو ظللنا نحارب وحدنا،
ما دمنا على الخط الصحيح.

شكلت هذه المعطيات أسس مرحلتين حاسمتين فى حياة مصطفى بكرى.. وما بين
الماضى القريب والواقع الآنى استمرت المعارك، وكأنه قد كتب على الشرفاء
فى بلاط صاحبة الجلالة ركوب قطار يشق طريقه فى الأفق المظلم، باحثاً عن محطة
الحرية.

فى تفاصيل محطات السجن فضلنا الرجوع لصفحات كتبها الزميل محمود بكرى تصف
هذه اللحظات الحاسمة والتى لم تكن أبدًا قاصمة ، نبدؤها من آخر أزمة.

عجـــائب «الأقـــــــــدار» فى قضية «عبد العال» .. كنت غارقاً فى النوم
فى هذا الوقت المبكر.. فقد كانت عقارب الساعة تشير إلى نحو الرابعة
والنصف فجرًا حين دق جرس الهاتف فى منزلى.. رحت مسرًعا أرفع سماعة الهاتف
لأفاجأ بصوت حرم شقيقى الأستاذ مصطفى تقول لى بصوت خافت: «فى حد جالك»؟..
رحت أسألها عما تقصد بـ«حد جالك» قالت: «البوليس» رددت عليها بسرعة: أى
بوليس؟ ولماذا؟ قالت: ضباط مباحث تنفيذ الأحكام جاءوا للقبض على مصطفى
وهم موجودون الآن داخل الشقة، وسيأتون إليك ليأخذوك معهم.

بدا الأمر بالنسبة لى غريبًا ومفاجئاً.. ورحت أسأل حرم شقيقى: أحكام إيه
اللى جايين ينفذوها علينا الآن؟

قالت: حكم السنة حبس الصادر ضدكما فى قضية محمد عبدالعال.

زادت دهشتى ورحت أقول: ولكن حكم السنة موقوف بقرار من النائب العام منذ
صدوره فى أكتوبر 1998م.

قالت لى: الضباط بيقولوا إن محكمة النقض نظرت القضية بالأمس 1/6 وقررت
تأييد الحكم.
أصابنى الذهول، ورحت أتساءل عن كيفية نظر قضية معروضة منذ خمس سنوات
أمام محكمة النقض دون أن نعلم، أو يتم إخطارنا، أو يعلم محامونا أى شىء.

لم أصدق الأمر.. ورحت بعد أن أغلقت سماعة الهاتف أطلب شقيقى مصطفى على
الهاتف لأحادثه هو هذه المرة.. فقد تصورت أن الأمر خدعة، لأنه من غير
المعقول ـ حسب ما أرى ـ أن تنعقد محكمة النقض وتؤيد الحكم دون أن نأخذ
فرصتنا حتى فى الاستعداد لتنفيذ الحكم، ثم إننى توقعت أن يكون هؤلاء
القابعون فى شقة شقيقى من المنتحلين لصفة الضباط، وقد يكونون من
العصابات التى تستأجرها بعض جماعات الفساد ـ ممن نلاحقهم ـ للانتقام من
ملاحقاتنا لهم على صفحات «الأسبوع».. فلم أكن أتوقع، ونحن فى القرن الحادى
والعشرين.



وفى العام 2003م منه أن يأتى ضباط مصريون على هيئة «زوّار فجر» يقتحمون
مسكن رئيس تحرير، ونائب رئيس تحرير عند هذا الوقت المبكر جدًا، ليروعوا
الأطفال، ويثيروا الذعر فى المكان.. وقلت فى نفسى: «لو أنهم ضباط حقيقيون
لرفعوا سماعة الهاتف، أو أرسلوا إلينا قصاصة ورق، ولذهبنا إليهم بأنفسنا
إلى إدارة تنفيذ الأحكام.. فلسنا نحن مَنْ نخاف مِنْ تنفيذ حكم - أيا كان -
ولسنا نحن مَنْ يفكر فى الهرب حتى يتعاملوا معنا بهذا الشكل .. فلقد قررنا
منذ زمن بعيد أن نحمل رسالتنا فى قلوبنا، وأن نتمسك بأرض الوطن حتى آخر
لحظة فى حياتنا.

كانت هذه الهواجس التى انتابتنى حافزًا لأن أطلب من شقيقى مصطفى أن يتأكد
من شخصية هؤلاء الضباط.. وكانت المفاجأة أنه أكد لى أنهم ضباط مباحث
تنفيذ الأحكام، وراح يحثنى على سرعة الاستعداد، لأنه على وشك النزول مع
الضباط، وأنهم سيتجهون إلى منزلى لاصطحابى.

توقعت أن يصلوا إلىّ فى غضون عشر دقائق لا أكثر.. فالمسافة من مسكن مصطفى
حتى مسكنى لا تستغرق أكثر من هذا الوقت.. على الفور رحت استعد للمغادرة،
فيما انخرطت زوجتى فى إعداد حقيبة صغيرة بها بعض اللوازم الضرورية لمثل
هذه الرحلة التى تمتد لنحو العام.

بهدوء شديد تعاملت مع الأمر.. وخلال دقائق كنت قد هبطت إلى الشارع، حيث
استقبلت الضباط ومعهم شقيقى مصطفى، والذين توجهوا بنا على الفور إلى قسم
حدائق القبة.. فمن هناك تبدأ رحلة الإجراءات اللازمة لتنفيذ الحكم.

وفيما كانت السيارات المصاحبة لنا تشق طريقها صوب قسم الحدائق .. رحت
أسترجع بذاكرتى هذا الحكم المثير، الذى كنا نتوقع تنفيذه فى أى وقت منذ
أصدره ضدنا المستشار حسيب البطراوى بعد جلسة لم تستغرق ثلث الساعة فى
الثانى والعشرين من أكتوبر لعام 1998م، والذى تم إيقاف تنفيذه بقرار من
النائب العام المستشار رجاء العربى آنذاك .. لحين الفصل فى الطعن
بالنقض.

أقول.. كنا نتوقع تنفيذه فى أى وقت إلا هذا الوقت على وجه التحديد.. لأنه
وقبل أسبوع فقط على موعد صدور حكم النقض، والذى صدر يوم الأحد (1/6) كان
الأحد الذى يسبقه (52/5) يحمل شهادة تامة ببراءتنا المطلقة من الاتهامات
التى وجهناها لـ (محمد عبدالعال)، وتم بسببها صدور الحكم بحبسنا لمدة
عام.

لقد اتهمناه بالفساد، والرشوة، والابتزاز، ثم شاءت الأقدار أن تقرر نيابة
أمن الدولة العليا إحالة محمد عبدالعال إلى المحاكمة أمام محكمة أمن
الدولة العليا بتهمة الابتزاز وتقاضى رشاوى، وبعد جلسات استمرت لعدة شهور
أصدرت محكمة أمن الدولة العليا برئاسة السيد المستشار وصفى ناشد حكمًا
تاريخيًا أثلج صدورنا.. إذ جاء مؤيدًا لكل ما حوكمنا بسببه فى قضية
عبدالعال، حيث قررت المحكمة معاقبة محمد عبدالعال بالسجن لمدة عشر سنوات
مع الشغل، وتغريمه 40 ألف جنيه، وفصله من موقعه كرئيس للحزب الذى يترأسه
وهو «حزب العدالة» ومن موقعه الصحفى كرئيس لمجلس إدارة صحيفة «الوطن
العربى».



بعد أن صدر الحكم فى الخامس والعشرين من مايو بسجن عبدالعال، بلغت ثقتنا
مائة بالمائة بأننا سنربح النقض ونحصل على البراءة بمجرد تقديم صورة
تنفيذية من الحكم الصادر بحقه إلى محكمة النقض ليضم إلى الطعن المقدم،
والذى سيدعمه بلا شك، ويثبت، وبما لا يدع مجالاً للشك، أننا حين تصدينا له
مبكرًا على صفحات جريدة «الأحرار» خلال عامى 95و1996م لم نقل غير الحقيقة.

كانت ـ فى تلك اللحظات ـ تتردد فى مسامعى الكلمات البليغة التى أعلنتها
المحكمة برئاسة السيد المستشار وصفى ناشد وهى تعلن الحكم على عبدالعال..
وتوقفت عند الكلمات التى أهابت فيها بالصحافة وأصحاب الأقلام ونقابة
الصحفيين والمجلس الأعلى للصحافة أن يتصدوا لهؤلاء الدخلاء على الصحافة من
أمثال عبدالعال.. وألا يتركوهم يسيئون بأفعالهم الدنيئة، وابتزازهم
للشخصيات العامة إلى سمعة الصحافة.

وبينما كانت السيارات تقترب من قسم حدائق القبة.. رحت أردد فى داخلى
معلقاً على الكلمات البليغة والمناشدة الموضوعية للمستشار وصفى ناشد.
فقلت فى صمت: «لقد تصدينا لصاحب مدرسة الابتزاز الرخيصة.. والنتيجة أننا
وبسبب هذا فى طريقنا إلى السجن لتنفيذ حكم بالحبس لمدة عام.. لأننا قلنا
فى عبدالعال.. أقل بكثير مما قالته المحكمة».

حين أوقفت السيارات محركاتها أمام قسم الحدائق.. هبطنا -أنا وشقيقى
مصطفى- من سيارة العقيد محمد هاشم، مدير إدارة تنفيذ الأحكام بالقاهرة،
حاملين معنا حقائبنا إلى حيث الطابق الثانى، حيث وضعنا فى غرفة رئيس
المباحث.
كانت الساعة قد تجاوزت السادسة بقليل من صباح الاثنين حين صعدنا لغرفة
رئيس المباحث.. وعلى الفور بدأ العقيد محمد هاشم إجراءات الحبس
والترحيل.. ولم تمض لحظات حتى كان الزملاء بـ«الأسبوع» يتوافدون علينا بعد
أن انتشر الخبر بسرعة فائقة فى هذا الوقت المبكر من الصباح.. كان الزميل
السيد جمال الدين، رئيس قسم الحوادث بـ«الأسبوع» أول الوافدين بعد أن ترك
تشييع جثمان عمته، التى توفيت وكانت على وشك الدفن، ثم وصل الزميل
عبدالفتاح طلعت مدير التحرير وبصحبته شقيقنا عبدالحميد بكرى.. وهكذا راح
الزملاء يتوافدون للاطمئنان، ثم المغادرة.

بعد قرابة خمس ساعات قضيناها فى قسم الحدائق، توجهنا بصحبة ضباط تنفيذ
الأحكام إلى نيابة غرب القاهرة الكلية الكائنة بمحكمة جنوب القاهرة بباب
الخلق .. قضينا نحو الساعتين داخل النيابة فى انتظار الإجراءات المتممة
لعمليات الحبس .. وكانت المفارقة المثيرة التى واجهتنا فى النيابة أن
أوراق القضية التى نحبس من أجلها لم تصل بعد من محكمة النقض إلى
النيابة. وحين تساءلنا: إذن على أى أساس يتم تنفيذ الحكم، بينما الأوراق
التى تحمل الصيغة التنفيذية للحكم لم تصل بعد إلى النيابة؟! جاءنا الرد
على لسان المحامى العام بأن الحكم تم تبليغه بإشارة تليفونية.

علت الدهشة ملامحى، وزادت الأسئلة الغامضة التى راحت تتراكم منذ الصباح..
فلماذا هذه السرعة فى التنفيذ؟ ولماذا يتم التنفيذ فجرًاً؟ ولماذا اختيار
يوم الاثنين الذى كان هو موعد وصول السفاح چورچ بوش إلى مصر لعقد قمة شرم
الشيخ فى أول زيارة يصل فيها الرئيس الأمريكى لمصر؟! ولماذا؟! ولماذا؟!
ولماذا؟!



وبينما كنت غارقاً فى جمع التساؤلات، وربط الأحداث.. أبلغنا رئيس النيابة
المختص أن إجراءات نيابة غرب القاهرة قد انتهت.. وكان علينا آنذاك أن
ننتهى من المرحلة الثالثة من الإجراءات.

من الباب الخلفى لمحكمة جنوب القاهرة اصطحبنا الضباط إلى مبنى إدارة
تنفيذ الأحكام الملاصق لمبنى مديرية أمن القاهرة.. هناك كان علينا التوقيع
على نماذج الحبس، وعمل الفيش والتشبيه المكون من ثلاث نسخ.. وعند تلك
المرحلة ـ مرحلة عمل الفيش والتشبيه ـ وبينما كان مساعد الشرطة ينهى هذا
الإجراء، وبالرغم من كل التعاطف الذى شهدناه من الضباط منذ الصباح وحسن
المعاملة، إلا أن أحد ضباط الشرطة فى إدارة تنفيذ الأحكام أقدم على موقف
دفع بدمعة من عينى لأن تخرج عنوة.

كان شقيقى مصطفى قد سبقنى إلى عمل الفيش والتشبيه.. وما أن أنهى
إجراءاته، وفيما كنت أستعد بدورى، فوجئت بأحد ضباط مباحث تنفيذ الأحكام
يهرول مسرعًا نحو أحد الدواليب ويخرج منه «فوطة وصابونة» وراح مسرعًا يتجه
نحو الأستاذ مصطفى الذى كان يغسل يديه على الحوض من آثار الحبرالأسود الذى
ملأ يديه
بسبب عمل الفيش.. راح الضابط يعطى الصابونة لشقيقى مصطفى ليغسل بها
يديه، وحين انتهى من ذلك، وجد الضابط واقفاً إلى جواره حاملاً
له «الفوطة».. حينذاك راح الأستاذ مصطفى يشكره على هذا التصرف النبيل..
فما كان من الضابط إلا أن رد عليه قائلاً: «أنا لى الشرف أن أخدمك يا أستاذ
مصطفى.. فأنت صاحب قلم حر.. وبتعبر عنا جميعًا».

كانت تلك الكلمات تعبيرًاً حقيقيًاً عن المشاعر الوطنية التى قابلتنا خلال
تلك الساعات العصيبة.. سمعناها من ضباط ووكلاء نيابة، ومحامين، ومواطنين
عاديين قابلونا ونحن نتنقل داخل تلك الأماكن.. وكانت محصلتها أن شعورًاً
متزايدًاً بالمواقف الوطنية ها نحن نلمس نتائجه على كل المستويات.

كان الاتجاه فى بداية إجراءات الحبس هو أن نودع سجن الاستئناف ـ أكثر
السجون المصرية سوءًا ـ ولكن يبدو أن بعض من يديرون الأمور برؤية أمنية
مستنيرة فى وزارة الداخلية استدركوا الأمر وقرروا تغيير مكان الحبس إلى
سجن مزرعة طرة.. خاصة بعد أن أبدينا اعتراضنا على سجن الاستئناف.

عند الساعة الثالثة والربع عصرًاً تقريبًاً كانت الإجراءات قد انتهت من إدارة
تنفيذ الأحكام.. وما هى إلا لحظات حتى انطلق طابور السيارات الذى يصحبنا
إلى خارج مبنى المديرية، حيث ودعنا الأصدقاء والزملاء الذين تجمعوا خارج
المبنى لوداعنا.. كان بعضهم يذرف الدموع.. وكنا نحن نشجعهم ونقول
لهم: «هذه ضريبة محاربة الفساد... ونحن راضون عما أصابنا، ومؤمنون بقضاء
الله وقدره أيًا كان.. وطلبنا من زملائنا الصحفيين أن تستمر «الأسبوع» فى
غيابنا كما هى طريقاً للباحثين عن الحقيقة.. وسوطاًً يلهب أجساد الفاسدين،
ويقتص للمقهورين والمحرومين».



انطلقت السيارات إلى حيث المحطة الأخيرة فى هذا اليوم وبعد رحلة استمرت
لأكثر من عشر ساعات.. وبعد نحو ثلاثة أرباع الساعة كنا قد وصلنا إلى مدخل
منطقة سجون طرة على طريق الأوتوستراد.. عند المدخل كان على السيارات التى
جاءت من خلفنا أن تعود، حيث لن يسمح لها بالمرور إلى الداخل فى الطريق
إلى سجن المزرعة.. كان الحاج رفعت بشير عضو مجلس الشعب عن السويس قد علم
بخبر القبض علينا.. وفوجئنا به عند مدخل السجن يهبط من احدى السيارات
ومعه أحد المواطنين.. كان النائب رفعت بشير متأثرًاً للغاية بالخبر
المؤسف.. وأراد أن يودعنا بطريقته فاقترب من باب السيارة التى تحملنا
وراح يقبل يد مصطفى، فيما انخرط من معه فى بكاء مرير.. رغم أننا لم
نتشرف بمعرفته من قبل.

لحظات وكنا نودع العالم الخارجى، ونتجه صوب بوابة صغيرة، كتب فوقها
عبارة «سجن مزرعة طرة العمومى».. من غرفة المأمور العميد سمير
عبدالغفار.. إلى غرفة نائب المأمور العقيد أسامة أبو الهيثم إلى غرفة
ضابط المباحث رائد شيرين،
رحنا نتنقل لإنهاء المرحلة الأخيرة من الإجراءات قبل أن نتجه إلى أماكن
الحبس فى الداخل بعد أن جلسنا مطولاً فى مكتب المقدم محمد عشماوى ضابط
مباحث أمن الدولة.

ولأننا «محكومون» بلغة أهل السجون.. فقد أخذت منا الفلوس التى معنا
وأودعت فى الأمانات، فيما صودرت الملابس غير الزرقاء التى لا تتناسب مع
ملابس السجون بالنسبة للمحكوم عليهم..وتمت إعادتها.. ومن هذه اللحظات
أصبحنا مسجونين بالملابس الزرقاء ننفذ حكمًاً بالحبس، وننقطع عن عالمنا
وعملنا ووطننا وعائلاتنا لأننا كشفنا فاسدًاً أثبت القضاء فساده.. وبدلاً من
أن نكافأ لأننا سبقنا الجميع فى كشف فساد محمد عبدالعال.. وبدلاً من أن يتم
تقديرنا لتصدينا لهذا الفاسد.. بدلاً من كل ذلك.. ها نحن نقضى عقوبة الحبس
فى سجن مزرعة طرة وفقاً لسيناريو بدا لنا أكثر درامية ومأساوية مما كنا
نتخيل.

«هذه إرادة الله.. وما علينا إلا أن نصبر ونحتسب».. هكذا قلت لشقيقى مصطفى
ونحن نجتاز مبنى الإدارة إلى حيث محبسنا.. ورحت أذكره بالكلمة التى قلتها
له يوم تآمروا عليه فى «الأحرار» فجر 28 من أغسطس لعام 1996م.. قلت له
آنذاك :«رب ضارة نافعة».. وكانت بالفعل نافعة.. فلم تمض ستة أشهر حتى
كانت صحيفة «الأسبوع» تخرج إلى الدنيا.. لتتحول خلال سنوات معدودة إلى ملء
السمع والبصر، وقبلة لكل الوطنيين والأحرار والشرفاء فى مصر..

كنا نخطو نحو محبسنا، ولدى فى داخلى إيمان عميق بأن الخير فيما هو
قادم.. وأن بعد العسر يسرًا.. كان قلبى فى تلك اللحظات مليئا بالعزيمة
والإيمان والطمأنينة. ورحت أمازح شقيقى مصطفى وأقول له: «ها نحن يا أخى
نعود للحبس سويا مرة أخرى.. ففى العام 1981 ـ كنا صغارًا ـ حين جمعنا
ليمان طرة بعد مقتل السادات، وها نحن وبعد 22 عامًاً نعود سويًا لسجن مزرعة
طرة».



ورحت أضيف:«أنا فى منتهى السعادة فى هذا اليوم بالذات» سألنى مصطفى:
لماذا؟ قلت له: «لأننا مازلنا رغم كل هذه السنوات ثابتين على مواقفنا..
فالحمد لله أننا لم نضعف يومًا.. ولم نضل الطريق.. فهل هناك من سعادة أكثر
من أن يجد الإنسان نفسه محترمًا أمام ذاته؟!» أومأ لى مصطفى برأسه
قائلاً: «ولو قدر لنا أن نعيش مثل هذا العمر أو أكثر فلن تتبدل مواقفنا
بإذن الله.. وسنظل ندافع عن شعبنا ووطننا حتى ولو قضينا بقية عمرنا خلف
الأسوار».

كنا فخورين بأنفسنا ونحن نقترب من محبسنا.. وما هى إلا لحظات حتى وجدنا
أنفسنا وجهًا لوجه مع الدكتور محيى الدين الغريب، وزير المالية السابق،
الذى رحب بنا بحرارة وراح يطرح علينا أمام الضباط المصاحبين لنا سؤالاً
استفهاميًا:«طيب إحنا ومعروفين جينا هنا ليه.. وأنتم إيه اللى جابكم
هنا؟».. كان السؤال أصعب من أن نجيب عليه فى تلك اللحظات التى كنا ننتظر
فيها تجهيز المكان الذى سنتخذه محبسًا
لنا على مدار سنة السجن المحكوم بها علينا، والتى تحسب هنا بتسعة أشهر
وليست سنة كاملة.

يوم المحكمة.. العظيم

قبيل ساعات من نظر الاستشكال فى الحكم الصادر بسجننا.. حيث ستنقلنا إلى
دار القضاء العالى، حيث ينظر الاستشكال المقدم أمام الدائرة 19 شمال
القاهرة برئاسة المستشار أحمد عزت العشماوى.

عند الساعة التاسعة صباحًا انطلقت بنا السيارة التى تقرر أن تحملنا إلى
مقر المحكمة وتبعتها سيارات أخرى، فيما تقدمها أحد الموتوسيكلات.. جلست
أنا ومصطفى متجاورين فى السيارة الزرقاء وإلى جوارنا أحد الجنود ومن
خلفنا وأمامنا بعض ضباط وجنود فرقة الحراسة التى تقرر أن تصحبنا إلى
المحكمة.. ذهابًا وعودة.

كانت تلك المرة الأولى التى نخرج فيها من أسوار السجن بعد اثنين وعشرين
يومًا من الحبس بداخله.. وقبيل أن ينطلق الموكب صوب المحكمة كانت تعليمات
العقيد حسين والى قائد فرقة الحراسة للجميع أن التعليمات بشأن معاملتنا
يجب أن تصدر منه هو شخصيا.. كان الرجل ومعه زملاؤه من الضباط يتعاملون
معنا معاملة إنسانية رائعة.. وكان سلوكهم معنا يدعو لتقدير قيادتهم
وتوجهاتها.

سلك الموكب طريق الأوتوستراد، متجهًا إلى شارع صلاح سالم عبر كوبرى
القلعة.. ومن هناك إلى كوبرى الفردوس، فنفق الأزهر، فميدان الأوبرا، إلى
شارع عدلى ومنه إلى شارع عماد الدين يميناً، ثم شارع 62يوليو، ثم إلى
شارع شامبليون، حيث توقف الموكب أمام الباب الرئيسى لدار القضاء العالى.

كان وجه وليد زكى رفاعى مدير مكتب الأستاذ مصطفى هو أول وجه شاهدناه
أمامنا فور هبوطنا من السيارة.. وسرعان ما راحت الوجوه تظهر أمامنا..
فها هو أمير كامل وفرج الله إبراهيم وغيرهما من الزملاء.. وحين اتجهنا صوب
السلالم الرئيسية لدار القضاء العالى كانت عدة محطات فضائية فى الانتظار،
حيث استطاع مندوب قناة «العربية» اجراء لقاء سريع مع مصطفى أكد فيه أن
الأزمة الراهنة لن تثنينا أبدًا عن التخلى عن ثوابتنا، ومواقفنا المعادية
للفساد، والمناوئة للأطماع الأمريكية والصهيونية فى المنطقة.



ما أن خطونا صوب المدخل الرئيسى لدار القضاء العالى حتى فوجئنا بالمئات
يتدفقون نحونا فى مشهد فريد.. وراحت الحاجة «أم نظمى شاهين» بطل ثورة
مصر تحتضننى وتقبلنى بحرارة.. وراح العشرات يلقون بأنفسهم على صدر
الأستاذ مصطفى.. بعضهم يذرف الدموع، وبعضهم يرفع الهتاف «الله أكبر» فيما
راح الضباط يحاولون بصعوبة شق الطريق فى أوساط الجماهير المندفعة،
والذين لم يتعرض لهم أحد من الأمن بأى سوء.

وفى لحظات وصلنا إلى غرفة قائد الحرس بالمحكمة.. وبعد نحو 5 دقائق جاءنا
شقيقنا أحمد الذى جلس إلى جوارنا، ثم أعقبه وصول نجلينا خالد وأحمد حيث
كان لقاؤنا معهم حارًا ومؤثرًا.. وكنا - مصطفى وأنا - فى قمة السعادة أن
بلغ نجلانا هذه الحالة من النضج فى هذه السن المبكرة من حياتهما، وأدركنا
أن لدينا الآن سندًا إضافيًا لمواجهة حروبنا المتواصلة ضد الفساد ورموزه،
وانعكاساتها الإنسانية على أسرنا.

بعد فترة وجيزة علمنا أن المستشار أحمد العشماوى وهيئة المحكمة وصلوا
إلى غرفة المداولة، ولم تمض دقائق حتى جاء قائد حرس المحكمة ومعاونوه
لاصطحابنا إلى داخل قاعة المحكمة.

عبر ممر خلفى دفع بنا الحرس إلى معبر خاص إلى قفص المحكمة الذى كنا
ندخله للمرة الأولى فى حياتنا.. لقد بدا لنا الأمر طبيعيًا جدًا فى تلك
اللحظات، وتزايد لدينا الشعور بالفخر بأننا نسجن، ونودع قفص المحكمة
لأننا حاربنا الفساد ورموزه.

كان المشهد داخل قاعة المحكمة بليغاً ومؤثرًا.. فلم نكد نضع أقدامنا فى
القفص حتى شاهدنا الجمهور المحتشد، وراح المئات يصفقون، ويهللون فى مشهد
لم تألفه المحاكم من قبل، خاصة دار القضاء العالى التى تضم أعلى المحاكم
المصرية ومجلس القضاء الأعلى ومكتب النائب العام ورئيس محكمة الاستئناف
وغير ذلك من هيئات قضائية رفيعة.

فى العادة لا تستوعب قاعة المحكمة أكثر من مائتين أو ثلاثمائة فرد على
أقصى تقدير.. لكن التدفق الجماهيرى وصل بعدد المحتشدين بداخلها إلى نحو
سبعمائة فرد على الأقل، الأمر الذى انعكس على درجة الحرارة التى ارتفعت
بشكل ملحوظ داخل القاعة وأثرت على انعقاد هيئة المحكمة فى موعدها
المحدد.

كان الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى والفنان حمدى أحمد وسناء يونس
وسامح الصريطى هم الأقرب إلى قفص المحكمة، وبالتالى - منا نحن - وكعادته
كان الأبنودى متألقاً فى قفشاته، وروحه المرحة التى تبعث على البهجة حتى
فى اللحظات الصعبة.. وما أن جُلنا ببصرنا داخل القاعة حتى رحنا نتلقى
السلام والتحية من الكثير من الوجوه الشريفة التى احتشدت داخل المحكمة
منذ الصباح الباكر.. وكأننا فى مشهد عظيم، جاء كل واحد ليحجز له موطئ
قدم بداخله.. رحنا من جانبنا نرد السلام والتحية.. عشرات الوجوه نعرفها
جيدا.. ومئات أخرى نشاهدها للمرة الأولى.. وها هم أبناء شعب مصر الشرفاء
من الإسكندرية لأسوان، ومن وجه بحرى ومدن القناة، وحتى سيناء.. جاءوا
جميعهم يحملون حبًا للقيمة والمبدأ، وللكلمة الحرة التى أدركنا فى هذه
اللحظات مجددًا كم هى غالية وعزيزة ومؤثرة.. وتستحق كل التضحية من أجلها.



كانت لحظات، اختلطت فيها الدموع بالمشاعر الفياضة، وامتزج فيها الانفعال
بعلو الصوت.. وترافق فيها الدعاء مع الرجاء والأمل بالفرج من الله سبحانه
وتعالى.. رجال كبار كانوا يبكون.. فى قاعة المحكمة.. مواطن جاء من
محافظة البحيرة راح يخطب فى جمهور الحاضرين معتبرًا أننا ندفع الآن ثمن
كلمتنا الحرة ومواقفنا الوطنية، تمامًاً كما دفع كل المخلصين من أجل مصر
تضحيات جسامًا حبًا وعشقاً فى سبيل نهضتها.. شيخ طاعن فى السن راح يهتف كل
لحظة «الله أكبر.. الله أكبر».. الفنانة الوطنية سناء يونس اشتبكت مع أحد
الصعايدة حيث قال لها: «شكرًا لحضورك» فردت عليه بخفتها المعتادة: «انتوا
فاكرين نفسكوا بتحبوا مصطفى ومحمود أكتر مننا».. مواطنون عاديون يلقون
بعشرات علب المناديل والعصائر والمياه المثلجة داخل القفص، الكل كانوا
هناك.. يلهجون بالدعاء.. وينتظرون على أحر من الجمر أن يتحقق ما جاءوا
منذ الصباح يأملونه.

وبينما كنا نتصفح الوجوه التى امتلأت بها قاعة المحكمة.. ظهر أمامنا فجأة
وجه الأخ والصديق مصطفى النوبى المحامى.. لقد بدا وجهه شاحبًا.. وجسمه
هزيلاً.. أدهشنا حضوره.. ورحت استغيث بابن شقيقته سيد فراج الذى جاء خصيصًا
من الأقصر، طالباً منه أن يعيد مصطفى النوبى من حيث أتى.. فنحن نعرف أن
مصطفى النوبى خرج من المستشفى منذ أيام فقط بعد أن تم استئصال الكلية
التى تم زرعها له منذ عدة سنوات، وأصبح الآن بلا كلية، وندرك أن حالته
الصحية متدهورة بشكل متواصل.. حين تلاقت يدانا عبر القفص الحديدي، تساقطت
دموعه الضعيفة، وراح يبكى كالأطفال.. صرخت فيه: لماذا جئت يا مصطفى؟..
اذهب أرجوك وعد لبيتك.. رد علىّ بقول أثر فى نفسى كثيرًا: «أنا كنت حاموت،
لو مكنتش جيت علشان أشوفكم النهاردة».

ومن قلب وجوه المحبين والمخلصين الذين احتشدوا جاءتنا وجوه لا نعرفها،
راح بعضهم يقف أمامنا بعد أن شقوا طريقهم بصعوبة وسط الزحام.. ويطلبون
منا أن نردد خلفهم بعض الأدعية والأحاديث النبوية وبعضاً من آيات القرآن
الكريم.. كانت بانوراما مثيرة تجلت فيها الصورة المصرية كأنبل ما تكون..
بانوراما شاعرية رسمها نحو خمسة آلاف مواطن احتشدوا فى قاعة المحكمة..
وكانوا مجرد تعبير عن مشاعر شعبنا المصرى العظيم الذى كانت وقفته فى
المحنة مشهودة وتاريخية ومؤثرة لأبعد الحدود.

بعد أكثر من الساعتين ونصف الساعة، وبينما بلغت درجة الحرارة مداها داخل
القاعة، نادى الحاجب عند نحو الثانية عشرة ظهرًا.. «محكمة» معلناً دخول
هيئة المحكمة برئاسة المستشار أحمد عزت العشماوى.. فور دخوله أعلن
المستشار رئيس المحكمة أنه، وبالاستناد إلى القانون، تقرر نظر القضية فى
غرفة المشورة، على أن يكون الحضور مقصورًا على المحكومين ومحاميهم
المختارين والموكلين منهم رسميًا.. ثم رفع الجلسة عائدًاً إلى غرفة
المداولة.



كان قرار رئيس المحكمة يعنى أن القاعة لا تصلح فى ظل هذ الوضع المزدحم
لنظر القضية.. لذا رحنا نسعى مع الحاضرين والمحامين والصحفيين لإفراغ
القاعة حتى يتسنى للمحكمة الانعقاد بداخلها.. وبعد نحو ثلاثة أرباع الساعة
نجحت المحاولة، وعادت هيئة المحكمة لنظر القضية داخل القاعة بعد أن عدلت
عن قرارها السابق.

بدأ المستشار أحمد عزت العشماوى فى تدوين أسماء المحامين الحاضرين الذين
تجاوز عددهم الأربعين محاميًاً يتقدمهم الأستاذ سامح عاشور نقيب المحامين
والدكتور محمد سليم العوّا.. وقد تحدث عدد محدود منهم أمام هيئة المحكمة،
حيث بدأ الأستاذ سامح عاشور المرافعة، تلاه الدكتور محمد سليم العوّا، ثم
الأستاذ صبرى بسيونى، فالأستاذ عادل عيد، فالأستاذ محمد الدماطى.. ثم
الأستاذ أحمد عبدالحفيظ المحامى.. بعد سبعين دقيقة من المرافعة أعلن رئيس
المحكمة رفع الجلسة، وبعد عشر دقائق فقط، عاد المستشار أحمد عزت
العشماوى إلى داخل القاعة، وراح يتلو قرار المحكمة حيث قال «قررت
المحكمة قبول الاستشكال المقدم من المحكومين شكلاً.. وفى الموضوع بوقف
تنفيذ الحكم لحين الفصل فى الالتماس المقدم للنائب العام..

عند هذه اللحظات.. وقبل أن يكمل المستشار رئيس المحكمة قراره، انفجرت
القاعة بالهتاف، واقتحم المئات من خارجها الباب، ودخلوا إلى القاعة
يهتفون ويهللون ويبكون، لقد خرجت القاعة عن السيطرة، ولم يعد أحد يستطيع
السيطرة على تلك الجموع المنفعلة.. جاء الجميع يهنئوننا، وانطلقت
الزغاريد وراحت الهتافات بالعدالة ترتفع فى الخارج حتى زلزلت جدران دار
القضاء العالى.. الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى انخرط فى موجة بكاء
مثير.. الفنان سامح الصريطي راح يحتضن شقيقنا أحمد فيما دموعهما أكبر من
وصفها.. مئات الشباب يهتفون «بالروح بالدم نفديك يا بكرى».. حالة من
الانفعال العارم عمت داخل وخارج المحكمة.. انطلق المارد الشعبى ليعبر عن
مكنون تلك القلوب الشريفة التى جاءت زاحفة لتناصر من لا يملكان سوى
أقلامهما يذودان بها عن وطنهما، ويحاربان بها رموز الفساد.. كانت وجوه
أولادنا خالد وأحمد تنطق سعادة حين اقتربا من القفص.. وكان أهلنا،
وأحباؤنا، واخوتنا، وأصدقاؤنا، وأساتذتنا.. أكثر سعادة.. ملحمة من الحب
تجلت فى أبهى صورها فى تلك اللحظات.. التى لم تشهد دار القضاء العالى
لها مثيلاً منذ انشائها.. لقد انطلق خمسة آلاف مواطن من أبناء شعب مصر
يهللون ويرقصون داخل وخارج المحكمة وكأن كلا منهم حصل على البراءة لنفسه.

كان المستشار رئيس المحكمة قد رفع الجلسة، ولم يستطع استكمال إعلان قرار
المحكمة بفعل التدفقات الجماهيرية، وامتلاء القاعة بالجماهير.. وبعد نحو
ربع الساعة، وبعد أن تمكنا بالعافية من اقناع الجماهير بالخروج وإخلاء
القاعة حتى يتسنى لرئيس المحكمة العودة واستكمال منطوق القرار.



عادت هيئة المحكمة ليعلن رئيسها فى قرار مكتوب أنه «كان بإمكان هيئة
المحكمة بذات تشكيلها أن تعيد إلقاء القبض على المحكومين، وأن تحكم
عليهما بذات العقوبة، وأن توجه إليهما تهمة إهانة المحكمة بعد أن دنس
الحاضرون من الجماهير قاعة المحكمة، ولكن المحكمة لن تفعل ذلك تقديرًا
منها للظروف التى صدر فيها الحكم» ثم راح يستكمل تلاوة القرار الذى اشتمل
على فقرة اضافية تقول: بإدراج اسمينا على قوائم الممنوعين من السفر لحين
الفصل فى الالتماس المقدم.

وما أن أعلن رئيس هيئة المحكمة رفع الجلسة، حتى راحت الجماهير تواصل
هتافها لعدالة القضاء، وتعبر عن فرحتها، وانتظرنا نحن لأكثر من ربع
الساعة حتى جاء الحرس لاخراجنا.. وما أن خطونا أنا ومصطفى خطوات محدودة
حتى فوجئنا بمندوبى المحطات التليفزيونية والإذاعية والصحف المصرية
والعربية والدولية يغرقوننا فى بحر من أضواء فلاشات الكاميرات.. فيما
اندفع المئات من المواطنين من خلفنا محاولين اللحاق بنا وهم
يهتفون «بالروح.. بالدم نفديك يا بكرى».. إلا أن رجال الحرس الذين أصابهم
القلق من الحشود المندفعة أسرعوا بنا عبر باب جانبى لا يعرفه أحد،
وأغلقوه من الخلف فى وجه الجماهير الزاحفة.

لحظات.. وهبطنا إلى خلف دار القضاء العالى.. واستقللنا السيارة التى
جاءت بنا صباحًا.. وحين خرجت إلى شارع شامبليون.. كان الشارع قد أُغلق
تمامًا أمام السيارات الأخرى... فيما اندفع العشرات خلفنا يحاولون اللحاق
بنا.

اندفع رتل السيارات عائدًا بنا مرة أخرى إلى سجن مزرعة طرة ولكن عبر
الكورنيش هذه المرة.. مرورًا بكوبرى طرة، إلى الأوتوستراد ومن هناك وصلنا
باب السجن فى نحو الساعة الثالثة والنصف..

كان الدخول إلى السجن هذه المرة مختلفاً.. تأملنا المنظر الخارجى قبل أن
نجتاز البوابة الرئيسية إلى مبنى إدارة السجن.. وما أن وطئت أقدامنا
بداخله حتى فوجئنا باستقبال حار وبهجة بالإفراج عنا تطغى على مشاعر
الضباط الذين قابلونا بفرحة حقيقية.. وكانت مشاعر إنسانية أصيلة.

وحين جاء قرار الافراج ظهر اليوم الثالث الأربعاء 25 من يونيو رحنا مجددًا
نودع الاخوة النزلاء بالسجن.. قطعنا المسافة المتبقية من عنبر 4 إلى مبنى
إدارة السجن فى دقائق.. وما هى سوى لحظات، حتى رحنا نودع السادة الضباط
والمسجونين الذين آثروا أن يصحبونا حتى مبنى الإدارة.. نظرنا إلى السجن
من الداخل ونحن نجتاز بوابته إلى الخارج بصحبة أشقائنا الذين جاءونا،
فيما اللواء إيهاب فرج أحد كبار الضباط فى منطقة السجون يتعجل خروجنا
بسبب الازدحام الشديد عند بوابة السجن الخارجية، حيث احتشد المئات فى
انتظارنا.

اختطاف

واقعة أخرى قريبة الشبه حدثت فى شهر سبتمبر عام 1994 حيث تم اختطاف
الزميل مصطفى بكرى من جريدة «الأحرار» وفيما بعد تناولت التحقيقات تهمًا
محددة وخطيرة وهى:

1ـ أن رئيس النيابة أبلغه بأن لديه تسجيلات تثبت اتصاله بأنظمة عربية.

2ـ أنه له اتصالات مع الجماعات الاسلامية المتطرفة.

3ـ أنه تقاضى مبالغ مالية من اليمن مقابل تبنى مواقف الوحدويين ضد
الانفصاليين فى الحرب الدائرة هناك.

4ـ أنه هاجم نظام الحكم السعودى.


لقد خلقت تلك الاتهامات الكاذبة التى لفقوها لمصطفى جرحا غائرا فى نفوسنا
واشعلت بداخلنا نارا لم يطفئ لهيبها سوى القرار الذى اصدره السيد
المستشار رجاء العربى النائب العام فى 8/1/1998، حيث أمر بحفظ القضية
بعد ان تبين كذب كل ما ورد فيها من اتهامات وبعد ان ظلت بمثابة سيف مصلت
على رقبة مصطفى بكرى لمدة قاربت على السنوات الأربع وامتدت من الثامن عشر
من سبتمبر 1994 - يوم توجيه الاتهامات الكاذبة - وحتى حفظ القضية فى 8/10/
1998 خاصة ان بعض من فى نفوسهم مرض من أقزام هذا الزمان العجيب راحوا
يستغلون تلك القضية للإساءة بشكل متعمد إلى مصطفى بكرى .. وجاء قرار
الحفظ ليوجه صفعة مدوية على وجوه هؤلاء الساقطين من المتاجرين بالأكاذيب.

وقد قوبلت عملية اختطاف بكرى فى ذلك الوقت بـحملة واسعة من التنديد
والرفض، ففى المؤتمر الصحفى العالمى الذى عقد يوم الثلاثاء الموافق 20 من
سبتمبر 1994 أكد مصطفى كامل مراد رئيس حزب الأحرار تمسك جميع قيادات
الحزب بمصطفى بكرى رئيسا لتحرير الجريدة التى تعبر عن برامج الحزب
وسياساته فى مختلف القضايا ، مشيرا الى انه رفض ضغوطا عديدة لإبعاد مصطفى
بكرى عن رئاسة تحرير الجريدة.. واضاف مراد:[ إن ما حدث لمصطفى بكرى يصلح
لأن يكون قصة سينمائية لـ«أرسين لوبين»] وقال مراد: «ان النيابة زعمت ان
هناك تسجيلات حدثت بين بكرى وأحد المسئولين العرب بينما الحديث كان معى».
وجدد مراد تأكيداته ان الجريدة لم تخرج عن خط الحزب السياسى حيث أعلنا
ونعلن دائما اننا ضد استمرار الحصار على العراق وليبيا ونسعى لتنقية
الأجواء مع السودان.

وأكد المستشار مأمون الهضيبى المتحدث الرسمى للاخوان المسلمين ان هذا
التصرف يؤكد اننا لانزال أسرى القوانين المقيدة للحريات وترسانة الطوارئ
وقال:«إن ما حدث يكذب الادعاء بالديمقراطية واحترام حقوق الانسان وحرية
الرأى، متسائلا:اذا كانت الحكومة تريد اعتقال مصطفى بكرى فلماذا لم تقل
ذلك صراحة؟! فمن حق كل مواطن التقاضى امام قاضيه الطبيعى» وأعرب الهضيبى
عن أسفه لاتباع السلطة نظام «الكاوبوى» واختطاف رئيس تحرير «الأحرار».

واضاف :«إنها سلطة اعتقال قائمة ونحن ضد اعتقال أى مواطن لاسيما اذا كان
صحفيا فضلا عن كونه رئيس تحرير جريدة يومية»!!

وقال:« ان كل ما يفعله بكرى هو الكتابة وليس التآمر .. ويمارس عمله
ويؤدى واجبه فى التعبير عن رأيه هو وكل زملائه».

اما الدكتور أحمد الصاوى عضو المكتب السياسى للحزب الناصرى فأكد ان ما
حدث لبكرى يؤكد ان الحكومة لا تطيق أى صوت معارض رغم تشدقها بحرية
الصحافة، فنحن امام هجمة مسعورة شرسة لإسقاط هذا الصوت من خلال الحملات
التى يشنها البعض .. مما يذكرنا بنفس الهجمة التى أدت الى اغلاق
جريدة «صوت العرب» ويبدو ان البعض قد «عز عليه» ألا يحظى بهذا الشرف فسعى
وراء «الأحرار» ومصطفى بكرى مما يعد وصمة عار فى جبين الحكومة.
وأكد ابراهيم شكرى رئيس حزب العمل ان ما تعرض له بكرى يعد خرقا
للديمقراطية والتعددية الحزبية وحرية الصحافة ولا يتفق مع كافة القوانين
التى تكفل حرية الانسان وحقه فى التعبير عن رأيه.
وطالب شكرى كافة القوى المصرية بالوقوف الى جانب بكرى ليس بصفته الصحفية
فحسب بل كمواطن مصرى يتمتع بكافة الحقوق الانسانية.

وقال على الدين صالح رئيس حزب مصر الفتاة :«ان ما حدث يعتبر اجراء
تعسفيا بكل المعايير ضد حرية الرأى وحرية التعبير اللتين كفلهما الدستور
المصرى» مؤكدا ان الحكومة فى مصر تكيل بمكيالين فأنصارها يفعلون بحرية
تامة اما معارضوها فتمتلىء بهم السجون وتقصف اقلامهم مشيرا الى ان هناك
عددا من رؤساء تحرير الصحف الحكومية نشروا تشهيرات متعمدة وصريحة ببعض
رؤساء الدول العربية الا انه لم يتم التحقيق معهم كما يحدث لرؤساء صحف
المعارضة.

اما المهندس أبو العلا ماضى الأمين العام المساعد لنقابة المهندسين
فقال «ان هذا التصرف يعتبر اعتداء واضحا على حرية الصحافة المنقوصة
اساسا» وتساءل: «اذا كان هذا يحدث لرئيس تحرير جريدة محترمة فما بالنا
بمن هم دونه؟!»


عرض وطنى

وعلى صفحات الوفد كتب الدكتور أسامة أبو طالب «أعترف بأننى لم أشرف
بلقاء الاستاذ مصطفى بكرى سوى مرتين: الأولى أثناء لقاء الرئيس مبارك
السنوى مع الكتاب والمثقفين فى مهرجان الكتاب الماضى. والثانية بعد
كلمته أو بحثه الجاد فى مؤتمر أكاديمية أخبار اليوم الأخير فى فندق
كونراد. أما شقيقه الأستاذ محمود بكرى فلم أره غير مرة واحدة عابرة سريعة
نسيت مناسبتها. فقد صعد وتألق مع آخرين كثمرة طيبة شاهدة على حرية
التعبير المصرية العظيمة التى ظهرت بشائرها فى فترة غبت فيها كثيراً عن
الوطن. لكنى بالرغم من ذلك أعرفهما كما يعرف قارئ كتابه ومثقف رفاق قلمه
وكما يعرف وطنى صحبة المسيرة الشريفة من أجل حاضر آمن ومستقبل مضمون!
لكن حالة من الفساد تقنعت بالشرف واكتست بثياب الفضيلة وعمرت مثل
مثيلاتها زمنا حتى سقطت تاركة صاحبها عارياً امام أعين العدالة التى تنبهت
ويد القانون التى امتدت فطالته أخيرا بعد تنكر ماكر وتقنع محكم وتزييف
طويل!
إلا أن مشهد سقوطها المثير غطى ضجيجه على صوت شهادة مصطفى ومحمود بكرى
الشريفة وتركه يضيع وسط الزحام. ولكن بعد أن نال صاحبها «بخة» من سم
الأفعى وأصابتهما ضربة من ذيلها فوقعا وقد تشابكت حولهما خيوط القوانين
وتعقيد الإجراءات ورغم أنهما كانا فى طليعة المحذرين!

لقد أحاطت بهما مع الأسف وهما الشاهدان الصادقان «وعلى ذلك ينبغى أن
يعاملا مادام قد ثبتت صحة ما قالاه». زحمة التفاسير وبطء خطوات المراجعة
كى يظلا رهيني محبسهما إلى الآن لا يخفف عليهما سوى ثقة فى عدل وطن عظيم
وشفافية فى رؤية بدأت تنتشر فى جنباته مبددة ظلام عهود قديمة من قهر مغلظ
وصمت اجبارى طويل!
لكن لأن الضوء أقوى من العتمة وأشد منها سطوعاًَ فقد أضحى الإفراج عنهما
شاغل الشرفاء (سواء من خارج السلطة أو بداخلها) وحقهما عليهم كضمان
لحرية الكلمة الصادقة وحق الشهادة النزيهة ورهاناً مؤكداً عليهما.

وعندما تثبت الرؤية قريباً عن هذا الخيار العظيم ويعودان إلى الدار
والجريدة والقارئ والقلم ويصدر القانون المنتظر الجديد مؤكداً للشفافية
ضمانها بالأمان وحقها فى المراجعة والمحاسبة والتصحيح، أرجو ألا ننسى أن
معاملة كريمة أحاطت بهما وبزوارهما فى «سجن مزرعة طره» المعتنى به حقيقة
والحافل بالتسهيلات والمعاملة اللائقة الكريمة للجميع


ازدواجية غريبة

ومتهكمًاً على ما يحدث قص سعيد وهبة على صفحات «العربى» حواراً قصيراً مع
الطيار على مراد: «قال لى الكابتن طيار على مراد إن القبض على الشقيقين
مصطفى ومحمود بكرى تم قبل مرور 24 ساعة على حكم المحكمة، بينما أنا أحمل
معى حكماً يقضى بعودتى للعمل منذ أربعة أشهر ولم ينفذ حتى الآن»!!.

واختتم سعيد وهبة حواره مع الطيار على مراد بسؤال يحمل الكثير من ملامح
الموقف الذى غاب فى ظل غوغائية البعض وهو: هل صارت الوطنية تهمة ورذيلة؛
وأصبحت العمالة والتبعية حكمة وفضيلة؟!».
 

Hosted by www.Geocities.ws

1