العنوان:  الانتخابات مسرحية هزلية

التاريخ : Sep 8, 2005

المصدر:  برلين ­ وليد الشيخ - جريدة الأسبوع

نص الموضوع :

ابتسامة ساخرة .. كانت دائما تقابلنا كلما سألنا مصريا في ألمانيا عن
رأيه في الانتخابات المصرية التي ستجري بعد غد ، واصفين ما تسمي بالحملة
الانتخابية بأنها كانت 'مسخرة': لدرجة أن بعض العائلات المصرية في أوربا
كانت تتجمع حول البرامج التي تستضيف بعض من أطلق عليهم بمرشحي الرئاسة
ليضحكوا عليهم بدلا من مشاهدة أفلام أو مسرحيات كوميدية ، بينما غضب آخرون
من محاولة البعض إظهار أن الرئيس مبارك هو أفضل من يحكم مصر بهذه
الطريقة قد ألحق إهانة بالغة باسم مصر ومنصب 'الرئيس' في نفس الوقت.
وكادت آراء المصريين هنا تجمع علي أن ما يحدث ما هو إلا مهزلة حقيقية
بإخراج أمريكاني سخيف، ففي الوقت الذي طالب فيه مرشح الحزب الوطني بعد 24
عاما من الحكم بإلغاء قانون الطوارئ وحل مشكلة البطالة ومحاربة الفساد
وإلغاء وزارتي العدل والإعلام ... لم يجد معظم المعارضين سوي ترديد كلام
أقل ما يوصف به هو أنه كوميدي ومن أمثلته قول مرشح حزب الأمة 'إنني سأعطي
صوتي للرئيس مبارك، ولو انتخبت 'لا قدر الله' فإنني سأتنازل له عن المنصب!'
، بينما طالب مرشح حزب الوفد بإلغاء أجهزة الرقابة .. رغم كل حالات
الفساد والاستيلاء علي أموال البنوك، في الوقت الذي لم يبد فيه أيمن نور
ورغم أنه أفضل من قال كلاما له معني .. بهذه الهالة التي أحيط بها ، بعد
أن كانت زوجته قد أكدت في حديث لإحدي الصحف الألمانية أثناء القبض عليه
بأنه 'سيغير وجه مصر'!
وبينما ذهب 'متولي إبراهيم متولي' إلي القول إنه ليس لديه أي ثقة في أن
تكون الانتخابات نزيهة ، واصفا ما يبث في التليفزيون سواء من الحزب
الوطني أو ما تسمي بأحزاب المعارضة بأنه مجرد 'هراء' لا يتناسب أبدا مع
إمكانات مصر ، مضيفا أنهم مصرون وحتي الآن علي أن 'يستغبونا' بهذا الأسلوب
السخيف المفضوح الذي وصل إلي حد إعلان أحد المرشحين وبكل علانية .. أنه
سينتخب مبارك! وختم بالتأكيد أنهم لم يفهموا فعلا معني الانتخابات ، والتي
تتطلب من الأساس وجود وعي لدي الناس بمعرفة ماذا تعني حقيقة كلمة
انتخابات ، وليس 'طبخ' المسائل خلال ايام قليلة .
إلا أن أخطر ما قاله 'متولي' هو حالة قصها عن صديق أكاديمي مصري له حاول
إقامة مشاريع علمية مع بعض الجامعات الألمانية إلا أنه فوجئ برفض الجانب
الألماني لإقامة مشروعات مشتركة بالذات مع الجانب المصري، وحين سأل عن
السبب أخبره أستاذ جامعي ألماني بأن ألمانيا منزعجة جدا من السياسة
المصرية ومن موقفها المرتمي في أحضان أمريكا ، في الوقت الذي تسعي فيه
ألمانيا لبلورة موقف عالمي ضد السياسة الأمريكية ، وأن ألمانيا بسبب ذلك
تعمل علي إيقاف أو علي الأقل إبطاء التعاون الاقتصادي المشترك مع مصر، بل
والتعاون العلمي وإقامة المشاريع الجامعية المشتركة!
هذا في الوقت الذي لم ير فيه الدكتور 'علاء بركات' أي فارق بين الاستفتاء
والانتخابات بهذه الصورة بعد الخروق التي تتكشف يوما بعد يوم وكان آخرها
منع اللجنة المشرفة علي الانتخابات لأكثر من '1700' قاضي من شرفاء مصر من
الإشراف علي الانتخابات ، وحتي لو أعطت الحكومة فرصة حقيقية لبقية
المرشحين كانت فرصتهم ستظل ضعيفة : لأن من لهم تاريخ مثل 'نعمان جمعة'
ليسوا محبوبين من الشعب ، بينما 'أيمن نور' لا يزال غير معروف ويذكرنا
بالجيل الجديد من القيادات العراقية الحالية ، وختم بالقول إن منظمي
الحملة الانتخابية للحزب الوطني ليسوا علي الوعي المطلوب فهم أناس
مبتدئون فلو كانوا أذكياء لكانوا أجروا انتخابات نزيهة فعلا ، لكنهم
وضعوا عديدا من العراقيل أمام مرشحين يبدون من الأساس مجرد أقزام ، بحيث
يبدو أنهم عازمون علي التربع علي البلاد وتوريثها.
وربما يكون الوحيد الذي رأي أن الانتخابات يمكن أن تأتي بخير هو
الأستاذ 'محمود يوسف' الذي قال إنه رغم عدم رضا الجميع عنها ، إلا أنها قد
تكون بداية لعملية تطور قد تأتي بنتائجها في المستقبل.
لكن الأمر المفاجئ فعلا كان هو متابعة معظم المصريين لما يحدث في مصر لحظة
بلحظة عن طريق القنوات الفضائية والإنترنت ، لدرجة أننا لاحظنا أن كثيرين
منهم يعرفون بدقة كل التطورات اليومية ربما أكثر من ملايين يعيشون في مصر
، وفي سؤال لنا للدكتور الصيدلي 'سعد سلامة' والذي يعيش في ألمانيا منذ 49
سنة كاملة حيث وصل إليها عام 1957 عن رأيه قال بكل تلقائية : ولا
حاجة .. إنها مهزلة ، إنهم يكتبون علي علبة السكر ملح حتي لا يقترب منها
النمل : لكن لا النمل يقرأ ما هو مكتوب ، ولا السكر سيصبح ملحا ، وهو في
النهاية .. وطن يباع ويشتري ، ويصيح فليحي الوطن! مضيفا 'أنهم' حولوا
الشعب كله إلي مجموعة من المتفرجين لا يتأثرون بما يحدث في مصر والعالم
العربي ، وكأنه يحدث في كوبا أو عطارد، حتي أننا أصبنا باللامبالاة تماما
كالأرانب في المتاهة كلما داهمنا الخطر .. فتحوا لنا أبوابا وأغلقوا لنا
أبوابا أخري بأحجام معينة ، حتي يخرج فقط نوع معين من الأرانب ، حتي
أصبحنا دولة لا يكفي إنتاجها لأكل الشعب سوي 45 يوما فقط ، وباقي أيام
السنة ال 320 يوما نعيش عالة علي الآخرين ، لذلك فنحن دولة غير حرة وغير
مستقرة.
والغريب أن كثيرا من المصريين كانوا يتخيلون أن يتم فتح السفارات
المصرية في أنحاء العالم لمشاركة المصريين في الاستفتاء تماشيا مع الموضة
ومع ما يحدث في الانتخابات الديمقراطية خاصة أن ما يسمي بالجيل الجديد في
الحزب الوطني تربي علي 'النهج الأمريكي' سواء في 'الشو' أو طريقة استخدام
الإعلام أو حتي وسائل التضليل ، إلا أن الجميع، ورغم تأكيد الغالبية العظمي
عدم مشاركتهم في هذا الاستفتاء المسمي بالانتخابات ­ غضبوا من تجاهل رأي
ملايين المصريين المغتربين في أنحاء العالم وكأنهم لا وجود لهم ، في الوقت
الذي يوجد فيه وزراء مصريون مزدوجو الجنسية والولاء. وحين
استفسرت 'الأسبوع' من أحد القريبين من السفارة المصرية في برلين قيل لنا
إنهم يخشون من مصريي المهجر وبالذات في أوربا ، حيث إن خداعهم بالحملة
الانتخابية الأمريكاني أو محاولة تزوير أصواتهم .. أمر يكاد يكون مستحيلا :
لأن ما يزيد علي 90 % منهم لن يعطوا أصواتهم للرئيس مبارك، وحينئذ ستكون
معضلة لا داعي لها.
وفي استطلاع لرأي الأستاذ 'علي عبد الوهاب' المرشح لعضوية البرلمان
الألماني 'البوندستاج' التي ستقام في 18 سبتمبر الجاري ، قال لنا إن ما
يحدث في مصر ليس أكثر من تمثيلية هزلية كلنا نعرف نتائجها، منتقدا بشدة
الخلاف مع نادي القضاة الذي يمثل ضمير مصر ومسألة استبعاد عدد كبير من
القضاة أمر يمس بشدة نزاهة الانتخابات التي تتم من الأساس في ظل نظام
طوارئ غير شرعي وعدم تكافؤ للفرص بين المرشحين ، مؤكدا أنه هو نفسه لمس
ذلك حينما حاول طبع بوسترات حملته الانتخابية للانضمام للبرلمان الألماني
في مصر لرخص السعر الذي يبلغ 175 قرشا للبوستر لأنه يمول حملته من جيبه
الخاص ، إلا أنه فوجئ بالرد عليه من قبل أكثر من مطبعة بأن هناك تعليمات
من أجهزة الأمن بعدم طبع أي منشورات لأي أحد حتي نهاية الانتخابات!
المشكلة لدي كثير من المصريين الموجودين في أوربا بوجه عام .. هي أن
تكون هذه الانتخابات الصورية وكذلك انتخابات مجلس الشعب ضربة قاصمة
للحركة الشعبية الوطنية التي بدأت في التشكل في العامين الماضيين والتي
تعبر عنها حركة 'كفاية' و'التجمع الوطني' بالإضافة للأحزاب الوطنية ذات
الثقل في الشارع المصري خاصة بعد خروج حزب الوفد ثم الإخوان المسلمين
لمصالح ذاتية عن الإجماع الذي كان قد تشكل رافضا المشاركة في هذه المهزلة
بعد التعديلات العبثية للمادة 76 والتي تجعل تقدم اي مرشح للانتخابات
مرتبطا بموافقة الحزب الوطني.
 

Hosted by www.Geocities.ws

1