سياسة تغيير الواقع القومي لمدينة كركوك قديماُ وحديثاٌ
الدكتور
نوري طالباني استاذ جامعي في
القانون ورئيس المنظمة الكردية لحقوق
الإنسان في بريطانيا
كانت مدينة
كركوك جزءاُ من إمارتي أردلان (617هـ ـ 1284هـ) وبابان (1106هـ ـ 1267هـ) خلال
فترات متفاوتة، ثم أصبحت مركزا لولاية شهرزور العثمانية حتى عام 1879.(1)
وقد أشار إلى ارتباطها بإمارة بابان ومن ثم كونها مركزا لولاية شهرزور شاعر
كركوك المعروف الشيخ رضا طالباني (1835-1910) في قصائد وأشعارله باللغات الكردية
والفارسية والتركية.(2) فقد قال في قصيدة مطولة له باللغة الكردية: انه
يتذكر أيام حكم إمارة بابان التي كانت السليمانية مركزاً لها والتي لم تكن خاضعة
لا لحكم العجم ولا لسلطة آل عثمان.(3) وعندما كان الشاعر في العقد
الثالث من عمره تقريبا ونوى زيارة الآستانة، زار وهو في طريق سفره إليها قرية
(بريفكان) لزيارة مرقد الشيخ نور الدين البريفكاني.(4) ونظم الشاعر أمام
مزاره قصيدة باللغة الفارسية مجّد فيها الشيخ البريفكاني أحد كبار شيوخ التصوف
في كردستان. يبدأ الشاعر القادم من كركوك قصيدته بالقول: انه جاء من بلاد
شهرزور في طريق سفره لبلاد الروم - ويقصد بها تركيا حيث يطلق عليها الكرد هذه
التسمية- ليزور مرقد الشيخ نور الدين.(5) وفي عام 1879م
عندما قررت الدولة العثمانية نقل مركز أيالة شهرزور من كركوك إلى الموصل، سجل
لنا الشاعر في بيت شعر له باللغة التركية حزنه وأساه، محذَرا الأهالي أيضا من
هذا التحول، وذكر أيضا اسم الوالي الجديد الذي كان معروفاً لديه حيث كان في
كركوك قبل ذلك التاريخ. يقول الشاعر: أصبحت الموصل مركزاً للولاية، وأصبح
(نافع أفندي) والياً عليها، فالويل للرعية وليطمر الأهالي رؤوسهم بالرماد!(6) إضافة لهذه
الشهادة الشعرية للمراحل التي مرت بها كركوك ودونها لنا الشاعر قبل قرن ونيّف،
سجلَ لنا رحالة عثماني معروف شهادته عن هذه المدينة في موسوعته باللغة التركية
(قاموس الأعلام). يقول العلامة شمس الدين سامي بصدد مدينة كركوك في
موسوعته تلك: "أنها تقع ضمن ولاية الموصل التابعة لكردستان وعلى بعد 160كم
من الجنوب الشرقي لمدينة الموصل. وهي مركز أيالة سنجق شهرزور، لها من النفوس
30000 نسمة، وفيها قلعة و36 جامعاً ومسجداً و7مدارس و15تكية وخانقاه، و12 خاناً
و1282 دكاناً و8 حمامات".(7) وعن الحالة القومية في مدينة كركوك كتب:
"أن ثلاثة أرباع الأهالي من الكرد، والبقية من الأتراك والعرب
وغيرهم. وفي المدينة 760 يهودياً و460 كلدانياً ". واحتفظت مدينة
كركوك بطابعها الكردي رغم محاولات الإدارة العثمانية تقوية نفوذ ومراكز بعض
الأسر التركية التي كانت موضع ثقة سلاطين آل عثمان والتي استقر أجدادها في كركوك
بعد نجاح حملة السلطان مراد الرابع عام 1048هـ واستعادته العراق من
الصفويين.(8) وقد عهدت الإدارة العثمانية لرؤساء هذه الأسر التركية الأصل
منصب (المتسلَمية) أي الإدارة، مع منحهم ألقاباً عالية.(9) وقدمت هذه
الأسر بدورها دعماً مستمراً للحكم العثماني وثقافته، " وكانوا مصدراً خصباً
لتزويده بالموظفين".(10) وتتطرق دائرة
المعارف الإسلامية للوضع الإداري في منطقة كركوك خلال الفترة الأخيرة من الحكم
العثماني قائلة: "كانت كركوك مركزاً لايالة شهرزور في القرن الثامن عشر
التي كانت تضم الألوية الحديثة التالية: كركوك وأربيل والسليمانية. ثم
أطلق أسم شهرزور على سنجق كركوك وألحق به لواء كركوك، في حين ظل شهرزور التاريخي
– أي السليمانية - خارج السنجق الجديد. وشكلت ولاية الموصل عام 1879،
وبقيت كركوك مدينة عسكرية مهمة".(11) ثم تضيف أن ولاية الموصل
كانت مكونة من ثلاثة سناجق أو ألوية هي الموصل وكركوك والسليمانية، وفي عام 1918
فصلت ثلاث أقضية في شمال الزاب الصغير عن كركوك لتشكَل منها لواء
أربيل.(12) وبقيت هذه السناجق تابعة لولاية الموصل لحين اندلاع الحرب
العالمية الأولى حيث تمكنت القوات البريطانية من احتلالها في نهاية الحرب.
فقد احتلت تلك القوات مدينة كركوك في 17 أيار 1918 بقيادة الجنرال مارشال الذي
إنسحب منها في 27 من الشهر نفسه، وعاد أخيراً لاحتلالها بصورة نهائية في نهاية
تشرين الأول (أكتوبر) من العام نفسه، لدى إبرام معاهدة صلح مودروس بين بريطانيا
والدولة العثمانية.(13) ويلاحظ أنه باستثناء منطقة السليمانية التي تشكلت
فيها إدراة كردية برئاسة الشيخ محمود الحفيد يعاونه بعض المستشارين الإنجليز،
كانت المناطق الأخرى من ولاية الموصل خاضعة للإدارة المباشرة لجيش الاحتلال
الإنجليزي بإشراف عدد من الضباط السياسيين البريطانيين. واكتشف الإنجليز
خلال هذه الفترة من احتلالهم للولاية منابع النفط الهائلة في كركوك، فأعادوا
النظر في سياستهم السابقة في المنطقة وسعوا إلى البقاء فيها رغم أنها لم تكن ضمن
حصتهم بموجب إتفاقية سايكس-بيكو السرية المبرمة عام 1916 بينهم وبين
فرنسا. وأدت الجهود التي بذلوها لدى فرنسا إلى إقناعها بالتنازل عن هذه
الولاية وإبرام معاهدة سان ريمو في 24 نيسان 1920، التي تنازلت فرنسا بموجبها عن
الولاية لقاء إعطائها نسبة محددة في شركة النفط التركية TPC التي كانت قد تأسست سابقا بين تركيا العثمانية
وألمانيا بهدف البحث عن النفط واستثماره في حدود ولايتيْ بغداد والموصل.(14)
وهكذا كان اكتشاف النفط في كركوك وفي أطرافها سبباً أساسياً لإلحاق ولاية الموصل
بالدولة العراقية التي أنشأها الإنجليز عام 1921 من ولايتيْ بغداد والبصرة
والذين نصبوا الأمير فيصل بن الشريف حسين ملكاً عليها.(15) وقد تم إلحاق
ولاية الموصل التي تشكل كركوك جزءاً مهماً منها بالعراق بعد صدور قرار مجلس عصبة
الأمم في كانون الأول 1925 لتسوية حدود هذه الولاية. وقد أتخذ القرار
المذكور بعد تقديم لجنة الحدود الدولية تقريرها إلى مجلس العصبة، عقب زيارتها
للولاية في شهر شباط من العام نفسه.(16) وكانت الإدارة البريطانية قد جعلت
الأجواء مناسبة لزيارة هذه اللجنة الدولية للولاية والتي قدمت إليها بقصد
الاستكشاف والاستطلاع. فقد نظمت في كانون الأول من عام 1924زيارة للملك
فيصل الأول لأرجاء ولاية الموصل باستثناء منطقة السليمانية، لحث الناس فيها على
طلب الانضمام للدولة العراقية الحديثة التي تأسست في أواسط 1921. وقد جعلت
الإدارة البريطانية من زيارة الملك للولاية مناسبة لرفع العلم العراقي على مباني
الدوائر الرسمية فيها، وذلك قبل البت بمصيرها من قبل مجلس عصبة الأمم.(17)
ويؤكد العديد من الباحثين العراقيين، وفي مقدمتهم المرحوم عبد الرحمان البزاز
على أن الجهود البريطانية هي التي حسمت الأمر لصالح العراق وجعلت ولاية الموصل
جزءاً منه. ويجب القول هنا بأن المصالح الاقتصادية والإستراتيجية لبريطانيا هي
التي دفعتها لألحاق ولاية الموصل بالعراق. فقد كانت بريطانيا الدولة
المنتدبة علي العرق تخطط لإرسال نفط كركوك إلى الموانئ الواقعة علي الشواطئ
الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، ومن ثم شحنها من هناك إلى أوروبا والغرب.
وكان يتعذر آنئذ إرسال نفط كركوك إلى تلك الموانئ إلا عبر الأراضي العراقية، عن
طريق إنشاء خط للأنابيب تمتد من كركوك حتى الموانئ السورية
واللبنانية. فلم يكن بإمكانها مثلا إرسال نفط كركوك عبر الأراضي التركية
نظرا لتوتر العلاقات آنذاك بين بريطانيا وتركيا التي كانت تطالب بولاية الموصل
وتعتبرها جزءاً منها. وقد تم فيما بعد - في أواسط الثمانينات - ربط كركوك
بميناء جيهان التركي بأنبوب خط جديد لنقل النفط، ليتم شحنه من هناك إلى أنحاء
العالم.(18) ورغم أن إلحاق
ولاية الموصل بالدولة العراقية المستحدثة قد تم بقرار دولي، إلا أنه كان مشروطاً
بوجوب التزام كل من بريطانيا والعراق "الأخذ بالحسبان رغبات الأكراد الذين
كانوا يطالبون بوجوب تعيين موظفين من أصل كردي لإدارة بلادهم، وبأن تكون اللغة
الكردية هي اللغة الرسمية في المرافق الخدمية المختلفة".(19) لكن
الحكومات العراقية المتلاحقة تراجعت عن هذه الالتزامات الدولية ومارست في منطقة
كركوك بالذات سياسة مغايرة لتلك الالتزامات، إذ حاولت دوما منع الكرد من لعب إي
دور لهم في مقدرات كركوك، خاصة بعد إدراكها لأهميتها الاقتصادية والإستراتيجية
بالنسبة للدولة العراقية المستحدثة وللمصالح الحيوية الإنجليزية.(20) تبين
ذلك مباشرة بعد احتلال كركوك، حيث قررت الإدارة البريطانية المحتلة ومن بعدها
الحكومات العراقية المتعاقبة إبقاء اللغة التركية لغة للتعليم والإدارة في كركوك
وحتى نهاية العشرينات، مع إعطاء دور للتركمان لا يتناسب مع حجمهم ونسبتهم
السكانية داخل المدينة وفي اللواء، وهي نفس السياسة التي كان العثمانيون
يتبعونها فيما مضى. وتم التنسيق بين الحكومات العراقية المختلفة وإدارة
شركة نفط العراق التي كان الإنجليز يديرونها وتتخذ من كركوك مركزاً لها،
بهدف استقدام أبناء المحافظات العراقية الأخرى لاستخدامهم في منشآت الشركة داخل
كركوك وفي أطرافها. ولهذا السبب بالذات "تهافت على لواء كركوك آلاف
من العمال والمحترفين والفنيين، تتبعهم آلاف أخرى من أصحاب المهن المختلفة وصغار
التجار والباعة وطالبي الرزق".(21) وترتب على استخدام هذا العدد
الهائل من العمال والفنيين وغيرهم في منشآت الشركة والقادمين من الألوية الأخرى،
ظهور أحياء شبه مستقلة خاصة بالعرب والآشوريين والأرمن داخل الأحياء القديمة في
كركوك القريبة من تلك المنشآت.(22) ويقدر بعض الباحثين نسبة الزيادة في
عدد سكان كركوك للفترة من 1919 إلى 1968 إلى خمسة أضعاف ماكان عليه، وعدد
المهاجرين إليها للفترة مابين 1947-1957 وحدها ب(39000) مهاجر.(23) ويجب
الإشارة هنا إلى أن نسبة العمال والمستخدمين الكرد في منشآت الشركة كانت تأتي
بعد الآخرين ولا تتناسب مطلقاً مع عدد نفوسهم في المدينة وفي اللواء
(المحافظة).(24) تبين ذلك بوضوح بعد إنشاء شركة النفط في بداية الخمسينات
لمئات الدور السكنية لمستخدميها في منطقة أطلق عليها أسم (عرفة/ Arrapha ) أو كركوك الجديدة. لقد كان معظم شاغلي تلك الدور من
الآشوريين والأرمن والعرب والتركمان، ما جعل الكرد يشعرون بالغبن الذي لحق بهم
منذ البداية. وهكذا أدى استثمار حقول النفط في كركوك وفي أطرافها إلى
استيطان أعداد كبيرة من أبناء المحافظات الأخرى داخل مدينة كركوك. واستمرت
الحكومات العراقية في العهد الملكي في إتباع السياسة نفسها، أي تشجيع غير الكرد
على الاستيطان في كركوك ومنع استخدام اللغة الكردية في التعليم الابتدائي في
الأحياء الكردية،(25). كما منعت الكرد أيضا من الاحتفال بعيد نوروز في
كركوك، بينما كانت تسمح أحيانا بإحيائه في بعض مدن كردستان. ومع ذلك يجب
القول أن هذه الحكومات لم تكن تطرد الكرد من كركوك، ولا تضع العراقيل أمام هجرة
الفلاحين إليها من القرى الكردية التابعة للواء خلال سنوات القحط والجفاف. غيران
وزارة يا سين الهاشمي خططت في أواسط الثلاثينات لتوطين عشائر عربية رحالة في سهل
الحويجة في جنوب غربي اللواء، وذلك بإنشاء مشروع للري لجلب الماء من نهر
الزاب الصغير إلي السهل المذكور.(26) واستبشر
الكرد في كردستان وفي كركوك بالذات بوقوع ثورة تموز 1958 وساندوها بقوة بأمل أن
تضع حدا لسياسة التمييز التي كانت تمارس ضدهم وطالبوا قيادتها بالسماح باستخدام
اللغة الكردية في مرحلة التعليم الابتدائي في المناطق الكردية من
كركوك.(27) لكن تعيين عدد من المسؤولين العسكريين والمدنيين المعروفين
بضيق أفق تفكيرهم السياسي في مناصب حساسة في كركوك حال دون وقوع أي تغيير في
أوضاع الكرد، كما استمرت الأجهزة الأمنية في ملاحقة العناصر السياسية التي كانت
ملاحقة خلال العهد الملكي. وبحجة العمل على حفظ التوازن بين الكرد
والتركمان في كركوك، اتخذ المسؤولون الجدد، خاصة قائد الفرقة الثانية في كركوك
وهو الجنرال ناظم الطبقجلي، عدداً من الإجراءات التي كان يستشف منها الانحياز
للتركمان.(28) كذلك بعث الطبقجلي بالعديد من الكتب الرسمية السرية إلى
وزارة الدفاع في بغداد التي كانت تتولى عمليا حكم العراق، متهماً الكرد
بإثارة المشاكل والزعم بأنهم يعملون في كركوك على (إنشاء جمهورية كردستان)
و(بعث إقليم كردستان).(29) وقد اعتبر الطبقجلي مطالبة المثقفين الكرد
إنشاء مديرية للإشراف على الدراسة الكردية في كركوك "دليلاً على نواياهم
وسعيهم لإنشاء هذه الجمهورية " المزعومة.(30) وكانت هذه المديرية
موجودة في كركوك عام 1931 تحت اسم (مفتشية معارف منطقة كردستان). وقد أيدت
نقابة المعلمين المركزية وأوساط سياسية عراقية أخرى هذه المطالب الكردية.
ولا نجافي الحقيقية إذا ماقلنا أن ما قام به الطبقجلي عندما كان قائداً للفرقة
الثانية في كركوك وحاكماً فعلياً لكل المنطقة الشمالية لم يصب في خانة حفظ
التوازن بين القوميات المتآخية في كركوك وفي المنطقة، بل ساهم في إثارة التفرقة
بينها. إن تعيينه بهذا المنصب الحساس كان خطأ من جانب قيادة ثورة تموز
التي سارت هنا على نهج الحكومات العراقية السابقة التي كانت تعين كبار المسؤولين
في المنطقة الكردية من العرب وحدهم وتسمي بعض الكرد في وسط أو في جنوب العراق،
كتسميتها الجنرال فؤاد عارف (الكردي) متصرفا للواء كربلاء بدلاً من تعيينه
قائداً للفرقة الثانية أو متصرفاً للواء كركوك أو لأحد الألوية الكردية
الأخرى.(31) لقد كان الجنرال فؤاد عارف قريباً من زعيم الثورة الجنرال عبد
الكريم قاسم ويتمتع بثقته، بل حال دون اغتياله في مكتبه في وزارة الدفاع من قبل
العقيد عبد السلام عارف في تشرين الأول من عام 1958.(32) والراجح لدينا أن
وجود الجنرال فؤاد عارف في كركوك كان سيحول دون توتر الأوضاع فيها والذي مهّد –
فيما بعد- لوقوع الأحداث الدموية المؤسفة التي وقعت في كركوك في تموز 1959.
في الواقع أن الأوضاع في كركوك قد توترت بعد وصول الطبقجلي إليها بسبب انحيازه
المكشوف لإحدى القوميات فيها، ولإثارته النعرات والتفرقة بين القوميات المتآخية
فيها. تبين ذلك بوضوح بعد الكشف عن مضامين الكتب السرية التي أرسلها إلى
وزارة الدفاع بعد فترة قصيرة من وصوله كركوك.(33) واستمرت هذه الأوضاع غير
الطبيعية في كركوك حتى بعد إحالة الطبقجلي على التقاعد في شهر آذار 1959 وتعيين
قائد جديد للفرقة الثانية هو الجنرال داود الجنابي الذي كان معروفاً بميوله
اليسارية. لقد عين الجنابي عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة للعقيد عبد
الوهاب الشواف في الموصل والذي كان متعاونا مع الطبقجلي والأوساط القومية
والبعثية. وخلال وجود الجنابي في كركوك أصبح الوضع طبيعيا بالنسبة للكرد،
فاحتفلوا بصورة علنية بعيد نوروز وبمشاركة المسؤولين فيها أيضا. ومع ذلك
فان الأوضاع العامة في المدينة بقيت متوترة وغير طبيعية، وجاءت الأحداث السياسية
اللاحقة لتؤكد ذلك، خاصة بعد إحالة الجنرال الجنابي على التقاعد في أواسط حزيران
من عام 1959. وقد لعبت الأجهزة الأمنية في كركوك والدوائر المسؤولة في
وزارة الدفاع دورا مؤثرا ومكشوفا في إثارة التفرقة بين الكرد والتركمان من جديد،
ما مهد لإعادة الأوضاع في كركوك إلى ما كانت عليها في عهد الجنرال
الطبقجلي. وهكذا أصبحت الأجواء مهيأة لوقوع الأحداث المؤسفة التي وقعت في
تموز من عام 1959، تلك الأحداث التي أحدثت شرخاً في العلاقة مابين الكرد
والتركمان.(34) ومما زاد في تعقيد تلك الحالة غير الطبيعية وتوتر الأوضاع
في المدينة، قيام منظمات سرية تركمانية باغتيال وجوه كردية في كركوك، بالتعاون
مع الأجهزة الأمنية فيها.(35) وقد أجبرت هذه الاغتيالات عشرات بل مئات العائلات
الكردية في الأحياء المختلطة من المدينة إلى ترك مساكنها أو الانتقال إلي المدن
الأخرى، هذا فضلاً عن أن عدداً من الموظفين الكرد نقلوا إدارياً إلى خارج
كركوك. وعقب حوادث تموز 1959، نقلت وزارة الدفاع بدورها عدة وحدات عسكرية
من الفرقة الثانية إلى وسط وجنوب العراق، وكان معظم منتسبيها من ضباط وضباط صف
من الكرد. كذلك ساد في كركوك بعد تلك الأحداث إرهاب شديد ضد الكرد، وأعتقل
مئات الأشخاص الذين أحيل معظمهم الى المحاكم العرفية العسكرية في بغداد.
وتعتبر هذه الفترة بداية لسياسة إجبار الكرد على ترك كركوك بوسائل شاركت في
تنفيذها الدوائر الأمنية والتنظيمات الإرهابية التركمانية السرية التي أمعنت في
تنفيذ عمليات الاغتيال وحرق المحال التجارية للكرد، مع عدم اتخاذ أية إجراءات
قانونية جادة بحقهم.(36) وتعرض الكرد بعد
نجاح انقلاب 8 شباط 1963 إلى اعتداءات كثيرة، كما اعتقل عدد كبير منهم من قبل
(الحرس القومي) الذي انخرط في صفوفه أعداد من الشباب التركماني. وقامت
الأجهزة الأمنية بالتعاون مع الحرس القومي بهدم عدة أحياء شعبية كردية في كركوك
وإجبار ساكنيها على الرحيل من المدينة. واشتدت عمليات الانتقام ضد الكرد
بعد مباشرة الجيش العراقي هجومه على البيشمه ركه ( المقاتلين الكرد) في حزيران
1963. وقامت السلطة أيضاً بتدمير جميع القرى الكردية المجاورة لمدينة كركوك أو
للمنشآت النفطية والتي بلغ عددها (13) قرية، كما طردت الفلاحين الكرد من(33)
قرية أخرى في ناحية (دوبز) القريبة أيضاً من كركوك.(37) واتخذ النظام منذ
ذلك الحين إجراءات عديدة استهدفت جميعاً طرد الكرد من المدينة، منها: نقل أعداد كبيرة
من الموظفين في دوائر الدولة الرسمية وشبه الرسمية، الذي شمل أيضا المعلمين
والمدرسين الذين نقلوا إلي وسط وجنوب العراق، مع استقدام الموظفين العرب من
المحافظات الأخرى لإحلالهم محل الكرد. نقل أعداد كبيرة
من العمال الكرد العاملين في منشآت النفط أو تسريحهم من العمل، مع إحلالهم
بالعرب الوافدين وتعيينهم في أماكنهم رغم عدم كفاءتهم لان معظمهم كانوا من أبناء
العشائر. إنشاء الربايا
العسكرية فوق المرتفعات والتلال المحيطة بكركوك وبالمنشآت النفطية واعتبارها
(مناطق أمنية) لا يجوز الاقتراب منها، مع زرع الألغام حولها. تسليح العشائر
العربية التي تم توطينها في القرى التي طرد منها الكرد، وتشكيل وحدات نظامية
منهم ومن العشائر العربية القاطنة في قضاء الحويجة، وذلك لمساندة الجيش في
هجماته على القرى الكردية في اللواء. تغيير أسماء
المدارس والشوارع وحتى أسماء المحلات التجارية داخل كركوك، بأسماء عربية لاتمت
بصلة الى تاريخ المنطقة. واستمر نظام
الأخوين عبد السلام وعبد الرحمان عارف في اتباع السياسة ذاتها ولكن بدرجة أخف،
وذلك بعد الإطاحة بالبعثيين والانقلاب عليهم في تشرين الأول من عام 1963. لكن سياسة تغيير
الواقع القومي لمدينة كركوك اتخذت لها بعداً آخر بعد عودة حزب البعث الى السلطة
في انقلاب آخر في تموز 1968. فقد خطط النظام الجديد لسياسة أخرى اصبح هدفها
الأساس إجراء تغييرات عميقة في الحالة القومية في كركوك مع الأمر بتنفيذها
والالتزام بها بدقة من قبل جميع أجهزة النظام كمنهج ثابت للدولة. ولكي يبرر
النظام سياسته هذه، ضاعف من هواجس الخوف والقلق لدى المواطن العربي
لإشعاره بأنه في مواجهة خطر هيمنة الكرد على نفط كركوك، منبع الثروة في
العراق(38). ونشير بصدد ممارسات النظام بهدف تعريب كركوك، خاصة منذ أواسط
عام 1975 إلى: 1- نقل البقية
المتبقية من الموظفين الصغار والعمال الكرد العاملين في مختلف قطاعات ومنشآت
الدولة إلي خارج كركوك، وجلب العرب لإحلالهم محلهم. والكردي الذي يترك
كركوك، موظفاً كان أم عاملاً لا يسمح له بالعودة الى مدينته حتى بعد إحالته على
التقاعد أو تركه الوظيفة لأي سبب كان.(39) 2- تبديل أسماء
الأحياء الكردية وإطلاق أسماء عربية عليها بعيدة عن تراث المنطقة، وكذا الأمر
بالنسبة للمدارس والمحلات التجارية التي لاتحمل أسماء عربية. 3- فتح شوارع
عريضة في الأحياء الكردية واستملاك الدور فيها بتعويضات زهيدة، مع عدم السماح
لأصحابها بشراء قطع من الأراضي أو دور أخرى داخل كركوك، لإجبارهم على تركها. 4- منع الكرد من
حق بيع دورهم وعقاراتهم لغير العرب، كذلك منعهم من شراء أي عقار أو دار بأي وجه
من الوجوه. 5- امتناع دائرة
البلدية من إعطاء الكرد (إجازة البناء) أو (إجازة ترميم البناء) حتى ولو كانت
دورهم أو عقاراتهم بحاجة ماسة للترميم. 6- نقل مركز
المحافظة من بنايتها القديمة الى المنطقة المعربة من المدينة (طريق كركوك -
بغداد)، ونقل معظم الدوائر الرسمية الأخرى ومقرات المنظمات المهنية والنقابات
الى المنطقة ذاتها. 7- إنشاء العديد
من المعامل والمنشآت الحكومية في المنطقة الجديدة من كركوك التي تم توطين الألوف
من العوائل العربية فيها، خاصة بالقرب من طريق كركوك-الحويجة، مع بناء البيوت
السكنية للعمال الذين استقدموا من وسط وجنوب العراق للعمل فيها. 8- توطين عشرات
الألوف من العرب الذين تم جلبهم من وسط وجنوب العراق داخل مدينة كركوك. وقد
جلبوا في مجموعات متلاحقة وتم توفير السكن والعمل لهم. والعملية لاتزال مستمرة
لحد الآن أيضاً. 9-تشجيع الكرد
علي مغادرة كركوك وأعلان النظام بقرارات عديدة استعداده لاعطاء منحة مالية
للأسرة الكردية التي تتركها، مع تأمين السكن لها في (منطقة الحكم الذاتي) أو في
وسط وجنوب العراق، باستثناء تكريت وبغداد وديالى. ثم أصدر قراراً يحمل رقم 1391
في 20 تشرين الأول 1981، تشكل بموجبه لجنة للإشراف على نقل (العاطلين عن العمل
في منطقة الحكم الذاتي) بالإضافة إلى سكان كركوك إلى وسط وجنوب العراق. 10- بناء العديد
من الأحياء الجديدة داخل مدينة كركوك لتوطين (العرب الوافدين) فيها.(40)
وتشبه هذه الأحياء المستوطنات الإسرائيلية التي تم بنائها في الأراضي الفلسطينية
المحتلة. ويتمتع المستوطنون العرب في كركوك بنفس الامتيازات التي يتمتع بها
المستوطنون الإسرائيليون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كحقهم في حمل السلاح
والحصول على السكن وتأمين العمل لهم، وهو ما جعلهم ينظرون للسكان الأصليين نظرة
استعلائية كونهم أدوات الاستيطان في المنطقة. ويتمتع المستوطنون الجدد أيضا
بالحماية الأمنية الخاصة التي توفرها لهم النظام الذي سلح معظمهم بالأسلحة
الخفيفة. وقد تم تعيين معظم هؤلاء (الوافدين) – وهي التسمية الرسمية لهم -
في دوائر الأمن والشرطة والمخابرات، أو في منشآت النفط والمؤسسات والمعامل
والمصانع الحكومية. كما أن كثيراً من منتسبي القوات المسلحة من ضباط وضباط
صف وجنود تم توطينهم في الدور الخاصة التي بنيت لهم داخل كركوك وفي أطرافها،
بالقرب من الوحدات العسكرية للفيلق الخامس ومعسكر خالد المستحدث من قبل
النظام. ووزع النظام أيضا في بداية عام 2001 قطع أراض سكنية أخرى على
مجموعات جديدة من منتسبي القوات المسلحة، مع منحهم تسهيلات من المصرف العقاري
لأجل الإسراع بتشييد الدور عليها. ونكتفي هنا
بالإشارة الى أسماء الأحياء الجديدة التي بناها النظام داخل مدينة كركوك خلال
السنوات الأخيرة. علماً بأن عملية إقامة أحياء جديدة لازالت مستمرة نظراً
لاستمرار النظام في جلب المزيد من العوائل العربية لتوطينها في كركوك وفي
أطرافها. والأحياء أو (المستوطنات) العربية المستحدثة في كركوك منذ بداية
السبعينات هي: حي(الكرامة) قرب الطريق العام بين كركوك والسليمانية،(41) وحي
(المثنى) على الطريق بين كركوك ويارولي قرب مخازن عتاد الفرقة الثانية شمالي
مدينة كركوك، وحي (شهداء قادسية صدام) بالقرب من حي (الكرامة)، وحي (الأندلس)
على الطريق بين كركوك وأربيل في شمالي المدينة، وحي (البعث)، وحي (الو اسطي)،
وحي (السكك)، وحي (غر ناطة)، وحي (الحجاج)، وحي (العروبة)، وحي (الشرطة)، وحي
(قتيبة)، وحي (الأمن)، وحي (الوحدة)، وحي (الحرية). كذلك أضاف النظام
حوالي ألف وحدة سكنية جديدة لحي (عرفة) للعمال العرب الوافدين الذين تم
استخدامهم في شركة النفط، وبنى أيضاً عدة مئات من الدور السكنية للعمال الوافدين
العاملين في معمل استخلاص الكبريت وفي مصفى النفط على الطريق بين كركوك - دوبز
(التي عُربّت تسميته الى الدبس). وقد حول النظام أطراف مدينة كركوك الى
قواعد عسكرية ضخمة بنى فيها مئات الدور للضباط ومئات أخرى لضباط الصف، خاصة قرب
معسكر خالد ومقرات الفرق العسكرية والفيلق الخامس.(42) ويجب الإشارة أيضاً
الى العمل التخريبي الذي قام به النظام العراقي في قلعة كركوك التاريخية، حيث
حولها الى قلعة حربية بعد تدمير جميع الدور والمباني الأثرية فيها، بما فيها من
جوامع مع كنيستها القديمة. وإذا كان النظام العراقي قد باشر سياسته العنصرية هذه
ضد الكرد منذ 1963 وشدد في تنفيذها منذ بداية السبعينات، فقد بدا بتنفيذها ضد
التركمان أيضاً منذ بداية الثمانينات. أما الآشوريون والأرمن، فقد اعتبرهم عرباً
بجرة قلم! ولكي يسبغ (الشرعية) على عمليات توطين عشرات الألوف من العائلات
العربية في كركوك، قام بتزوير سجلات الأحوال المدنية فيها والمستندة على الإحصاء
الرسمي للسكان لعام 1957، وذلك بإضافة أسمائهم إليها حتى يعتبروا كما لو كانوا
مسجلين فيها قبل التأريخ المذكور. ولتحقيق هذا الهدف بالذات، استبدل جميع
الموظفين غير العرب من منتسبي دائرة الأحوال المدنية في كركوك، بآخرين بعثيين
جلبوا من مناطق أخرى من العراق. وبذلك يمكن القول أن الدولة آخذت تمارس بنفسها
عملية تزوير رسمية، من أجل أهداف سياسية غير مشروعة. وفي السياق نفسه, بدل
النظام الاسم التاريخي لكركوك وأطلق على المحافظة أسم (التأميم) بعد تأميم شركات
النفط العاملة في العراق في حزيران 1972. كذلك قلص من مساحة المحافظة عن
طريق ضم أربعة أقضيه منها للمحافظات المجاورة، بهدف جعل الكرد أقلية قصوى لدي
النظام العراقي، لذلك اقتصر إنشاء المستوطنات العربية في المناطق السهلية من
المحافظة حتى عام 1996. ومع تنشيط
عمليات الاستيطان في كركوك وأطرافها وإحداث تغييرات ديموغرافية عميقة فيها لإسباغ
الطابع العربي عليها، دمر النظام البنية التحتية للمناطق الريفية التي لم يستطع
توطين العرب فيها لأسباب أمنية خاصة بها.(43) فقد قام بتدمير جميع القرى
الكردية في المناطق الشرقية والشمالية من المحافظة، وأجبر سكانها على النزوح
منها والاستيطان في مجمعات سكنية بنيت خصيصا لهم تدار من قبل الأجهزة
الأمنية. وعندما نفذَ النظام عمليات الأنفال السيئة الصيت خلال عاميْ 1987
و1988 والتي تجاوز عدد ضحاياها 180 ألف مدني كردي، كانت حصة منطقة كركوك منها
اكثر من النصف، إذ لم يكن بوسع القرويين في هذه المناطق البعيدة نسبياً عن
الحدود الدولية الوصول إليها، فاضطروا إلى تسليم أنفسهم للسلطات العسكرية
والأمنية التي أرسلتهم إلي جنوب العراق قرب الحدود السعودية، ليدفنوا أحياء في
صحاريها القاحلة.(44) واستمر النظام
العراقي في تنفيذ سياسته الرامية لتعريب كركوك وأطرافها وسط صمت وعدم اكتراث على
النطاقين الإقليمي والدولي، رغم أن ممارساته العنصرية هذه كانت أشد قسوة ووحشيةً
من ممارسات الأنظمة العنصرية المدانة دولياً. وهكذا فقدت كركوك منذ بداية
الثمانينات وجهها الطبيعي بسبب نزوح موجات (العرب الوافدين) إليها وهيمنتهم على
جميع مراكز القوى وعلى الإدارة والأجهزة الأمنية والمخابراتية فيها، فضلاً عن
سيطرتهم على المرافق الاقتصادية والمؤسسات والتنظيمات المهنية المختلفة
واستحواذهم على معظم الأراضي الزراعية في المحافظة. واصبح بوسع المرء أن
يلاحظ بسهولة وجود حشود من البشر لا صلة لهم بالمدينة وبالمنطقة قد أصبحوا
الآمرين والناهين فيها، بينما تحول أبناء المدينة إلى غرباء وعرضة للاضطهاد
والاحتقار من قبل الوافدين من المستوطنين الجدد.(45) وشدد النظام من
إجراءاته القمعية ضد أبناء كركوك بعد اندحاره في حرب الخليج الثانية واندلاع
شرارة الانتفاضة في الجنوب والفرات الأوسط. فقد أمر علي حسن المجيد وزير
الدفاع والمشرف على القاطع الشمالي آنذاك، اتخاذ إجراءات قسرية ضد أبناء المدينة
خوفاً من وقوع أي تحرك فيها، فأمر في البداية بإلقاء القبض على اكثر من ثلاثين
ألف كردي من أبناء كركوك، كان من بينهم العديد من العسكريين المجازين. وقد
مات بعضهم بسبب حشرهم في أماكن ضيقة وغير صحية، مع عدم تقديم الماء والمأكل لهم
لأيام، علما بأن معظمهم كانوا صائمين بمناسبة شهر رمضان المبارك. وخلال
الفترة نفسها، أمر المجيد أيضا بهدم حي كردي في (شوريجة) وحي آخر يسكنه الكرد
والتركمان في (ألماس)، قرب منطقة (كاورباغي). وازدادت هواجس الخوف لدى
رموز النظام بعد تحرير معظم أجزاء كردستان خلال الأسبوعين الأوليين من شهر آذار
1991، فاتخذوا استعدادات عسكرية واسعة خوفاً لتعرض المدينة لهجوم المقاتلين
الكرد الذين تقدموا نحو كركوك وأحاطوا بها من أطرافها الشمالية والشرقية.
وبعد قتال عنيف داخل شوارع المدينة دام بضعة أيام واستخدم فيه الراجمات
والصواريخ والمدافع والمروحيات العسكرية في ضرب الأحياء الكردية، أضطر النظام
إلى التقهقر والانسحاب منها. وتم تحرير المدينة مساء يوم نوروز ولكن بثمن
باهض دفع من دماء العشرات من البيشمه ركه وآخرين من أبناء المدينة، بينهم بعض
النساء اللواتي كن يساعدن المقاتلين أثناء دك المعاقل الأمنية والمخابراتية
ومقرات حزب البعث فيها.(46) ونظراً لأهمية
كركوك بالنسبة للنظام وكونها تشكل عازلاً أمنياً لمناطق تكريت وبغداد، فقد ضاعف
من استعداداته العسكرية وتنسيقه الأمني مع مجموعات (مجاهدي خلق) الإيرانية التي
تحولت الى قوة من المرتزقة تدافع عن النظام بشراسة، فاستطاعت عدة مفارز منها
دخول مدينة كركوك بعد تخفي أفرادها بالأزياء الخاصة بالمقاتلين الكرد.
وتعرضت المدينة خلال ثلاثة أيام متوالية اعتبارا من 27 آذار 1991 إلي قصف مركز
بجميع أنواع الأسلحة الثقيلة، مما أجبر سكانها على الخروج منها تاركين ورائهم
جميع أموالهم وممتلكاتهم التي تعرضت للنهب والسرقة من قبل منتسبي وحدات القوات
الخاصة و(العرب الوافدين) الذين هرب معظمهم بعد وصول البيشمه ركه للمدينة، ثم
عادوا إليها بصحبة الجيش والقوات الخاصة. وتعذر على
الكثيرين من الكرد والتركمان الذين اضطروا إلي ترك كركوك، العودة إلي دورهم فيها
خوفاً من القصف ومن بطش القوات الخاصة فيها. وهكذا كان فشل انتفاضة آذار
1991 سبباً آخر يضاف للأسباب الأخرى التي أجبرت أبناء كركوك على الرحيل منها،
خاصة الشباب الذين شاركوا في الانتفاضة بشكل أو بآخر. وتعرض أبناء
كركوك بعد عودة الأجهزة الأمنية والتنظيمات الحزبية إليها في بداية نيسان 1991
إلي حملة شرسة شملت هدم عدد من الدور في الأحياء الكردية، بالإضافة إلي إلقاء
القبض على الكثير من الشباب بتهم المشاركة في الانتفاضة، وهو ما دفع الآخرين إلى
الهروب والتوجه نحو المناطق الأخرى من كردستان. ولم يحترم النظام تعهداته التي
التزم بها لممثلي الجبهة الكردستاينة خلال التفاوض معه في أواسط 1991 والمتمثلة
بالسماح لأهالي كركوك بالعودة إلى ديارهم. وكان ذلك بداية لحملة جديدة
أخرى من الطرد والترحيل أخذت تشتد مع الأيام. ويتبين من الإحصاءات التي نشرتها
المنظمات الكردية والعالمية المهتمة بحقوق الإنسان، والمراكز التي تشكلت داخل
وخارج كردستان للدفاع عن حقوق المهجرين والمرحلين من أبناء كركوك، أن وتيرة الطرد
بدأت بالزيادة بعد إخفاق المفاوضات مع النظام وسحبه لأجهزته الإدارية من محافظات
أربيل والسليمانية ودهوك في ايلول 1991. واشتدت حملات الطرد خلال السنوات
1994 و1995 و1996، خاصة منذ بداية 1997 أثناء تهيئة النظام الأجواء لإجراء إحصاء
رسمي في ذلك العام.(47) ولجأ النظام إلى أسلوب آخر غير مألوف حتى في الدول
المؤسسة على أسس عنصرية، كجمهورية جنوب أفريقيا سابقاً وإسرائيل. فقد طالب الكرد
بتغيير قوميتهم وتسجيل أنفسهم عربا، وأعد استمارات خاصة بذلك ورد فيها حقل يدون
فيه رب العائلة أن تسجيلهم كأكراد تم (خطأ) في الإحصاءات
السابقة!(48) وهدد النظام بطرد جميع من لا يملأ تلك الاستمارات من
كركوك. وباشر باتخاذ هذه الإجراءات قبل تنظيم إحصاء عام 1997 الذي جاء
اكثر تزويراً من الإحصاء العام لسنة 1977.(49) وقد استمر النظام في
ممارساته العنصرية هذه حتى بعد إتمام عملية الإحصاء. فقد جاء في خطاب لأحد
أقطاب النظام المشرف علي تعريب كركوك، وهو عزت إبراهيم الدوري، أنه ليس بوسع غير
العرب البقاء في كركوك ! (49) وذهب النظام إلى ابعد من ذلك، حيث منع في
السنوات الأخيرة نقل جثث موتى (الوافدين العرب) الشيعة إلى مدينة النجف الأشرف
وإجبار ذويهم علي دفنهم في كركوك، وذلك كي تكون للعرب مقبرة خاصة بهم في المدينة
علي غرار المقابر الخاصة بالكرد و التركمان. فمن المعلوم لدي الجميع انه
لا توجد في هذه المدينة غير مقابر خاصة بالكرد، وأخرى بالتركمان. إن الإحصاءات
الأخيرة تشير إلى أن عدد المرحلين من كركوك وأطرافها إلى المنطقة المحررة من
كردستان قد تجاوزت 108000 إنسان، معظمهم من مدينة كركوك. ويعيش هؤلاء
التعساء في ظروف سيئة للغاية وفي مخيمات ومجمعات لا تتوفر فيها أبسط مقومات
الحياة، ويعتمد معظمهم في عيشهم على المساعدات التي تقدمها لهم المنظمات
الإنسانية. وأمام حالة اليأس والبؤس التي يعيشون فيها والتي استمرت سنوات
عديدة، حاول ويحاول العديد من أبناء هؤلاء المرحلين التوجه نحو الغرب بطرق غير
شرعية. وفقد الكثيرون منهم حياتهم أو ما في حوزتهم من مال قبل وصولهم إلي
إحدى الدول الأوروبية. ومن المؤسف أن
المجتمع الدولي لا يزال يتجاهل الأوضاع المأساوية لهؤلاء المرحلين من ديار
آبائهم وأجدادهم، ولا يمارس الضغط على النظام العراقي لإيقاف حملات الطرد
والسياسة العنصرية المناوئة لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 688 لسنة 1991ولجميع
المواثيق الدولية التي التزم بها العراق كونه عضو في الأمم المتحدة وفي هيئاتها
العديدة.(50) والمؤسف أيضا أن
معظم أطراف وفعاليات المعارضة العراقية لا تزال تتجاهل هي أيضا ممارسات النظام
ولا تدينها بصورة صريحة، وهو ما يضع مسألة الثقة بين العرب والكرد في امتحان
عسير وما يترتب على ذلك من آثار قد تهدد الكيان العراقي بالانهيار. إن من واجب جميع
المخلصين لوحدة الكيان العراقي ولاستمرار العلاقات التاريخية بين العرب والكرد
والتركمان والكلدو-آشوريين إدانة سياسة النظام العراقي الرامية إلي تغيير الواقع
القومي في كركوك وفي المناطق الأخرى من كردستان الخاضعة لسيطرته. ويجب قبل
أن تتفاقم سياسة النظام وتصل إلى حد طرد جميع السكان الأصليين من كرد وتركمان
وكلدو-آشوريين من هذه المناطق، وما يترتب علي لذلك من آثار خطيرة في المدى
البعيد، وضع هده المناطق تحت حماية المجتمع الدولي تطبيقاً للقرار الدولي رقم
688 لسنة 1991 الذي يلزم الحكومة العراقية باحترام حقوق الإنسان في العراق بوجه
عام، وفي المنطقة الكردية بوجه خاص. إن استمرار
النظام العراقي في تنفيذ سياسته الرامية الى إخلاء كركوك من سكانها الأصليين
وعدم اكتراثها بالاحتجاجات شبه المستمرة والتقارير الدورية للمنظمات العالمية
المهتمة بحقوق الإنسان وبتقارير المنسق الدولي لحقوق الإنسان في العراق، يؤكد أن
لاشيء يوقف النظام عن تنفيذ سياسته العنصرية هذه إلا بإجباره على إيقاف
الترحيل. كما يجب إلزامه بإعادة المرحلين إلي ديارهم تحت إشراف دولي،
وإعادة المستوطنين العرب الى المناطق التي جلبوا منها. ولا يتم ذلك إلا
بوضع هذه المناطق تحت حماية دولية لحين سقوط النظام وإقامة نظام ديموقراطي سليم
في العراق، وهو ما طالبت به عشرات المنظمات المدنية والأحزاب السياسية
الكردستانية والهيئات والمنظمات والشخصيات العالمية المعروفة العاملة في مجال
حقوق الإنسان التي قدمت مذكرة في 29 كانون الأول 2000، موجهة إلى رئيس وأعضاء
مجلس الأمن والي جميع الهيئات الدولية الأخرى في المنظمة العالمية. لندن 30 / 5 / 2000 (1) تأسست إمارة
أردلان في القسم الشرقي من كردستان عام 617هـ، وكانت على جانب كبير من القوة
والشأن، واتسعت حدودها لتشمل خلال فترات معلومة منطقة كركوك، وانتهت الإمارة عام
1284هـ. أما إمارة بابان الثانية، فقد تأسست عام 1106 هـ وكانت بلدة (قلاجوالان)
عاصمة لها، ثم بنى إبراهيم باشا بابان عام 1199هـ /1784م مدينة السليمانية
وإتخذها عاصمة له، وانتهت أيام الامارة عام 1367هـ/ 1851 لتصبح خاضعة للإدارة
العثمانية المباشرة. محمد أمين زكي، تاريخ الدول والامارات الكردية في العهد
الإسلامي، ترجمة محمد علي عوني، الطبعة الثانية المنقحة، لندن 1986، ص276-291،
وص416- 422. (2) الشيخ رضا
طالباني هو من مشاهير شعراء كردستان وكركوك بالذات، وهو نجل الشيخ عبدالرحمان
طالباني (خالص) الذي كان واحداُ من أكابر شيوخ التصوف في كردستان ومن أبرز علماء
وشعراء كركوك في القرن التاسع عشر. وقد طبع ديوان أشعار الشيخ رضا باللغات
الكردية والفارسية والتركية لأول مرة في بغداد عام 1935 ولكن بصورة ناقصة،
ثم أعيد طبع ديوانه مرات أخرى، منها طبعة جديدة في بغداد أيضا تحت إشراف حفيده
المحامي علي طالباني عام 1946، وطبعة ثالثة في إيران، وأخرى في السويد عام 1996(
وهما إعادة لطبعة 1946)، وطبعة خامسة في السليمانية عام 1999، وأخرى في أربيل عام
2000. وقد كتب عن الشاعر و أشعاره العديد من الكتب والدراسات والبحوث، بعضها
باللغة الإنجليزية كدراسة لجي.دي.ادموندز، كما نوقشت في 2 أيار 2001 رسالة
ماجستير تحت عنوان: شعر الهجاء عند الشيخ رضا طالباني مقارناُ مع ابن الرومي،
أعدت من قبل السيد هاوكار رؤوف محمد أمين في كلية العلوم الإنسانية بجامعة
السليمانية. صحيفة (الاتحاد) الأسبوعية الكردستانية، العدد 419 في 4 أيار 2001 (3) يقول الشاعر
في قصيدة مطولة باللغة الكردية عن إمارة بابان:
له بيرم دى سليماني كه دارو لمولكي بـــــــابــــــــان بـــــو
نه مه حكومي عه جه م ،نه سوخره كيشي ئالي عوسمان بو (ديوان الشاعر، طبعة 1946،
القسم الكردي) (4) يقول الشاعر
في قصيدة له باللغة الفارسية لدى زيارته قرية (بريفكان):
عزم ديار روم جو كردم ز شهرزور
افتاد در ديار بريفكان مـــرا
عبـــور
(ديوان الشاعر، طبعة 1946، القسم الفارسي) (5) بريفكان
قرية تقع حاليا ضمن حدود محافظة دهوك بكردستان العراق، والشيخ نور الدين هو نجل
الشيخ عبد الجبار بن الشيخ زين العابدين بن الشيخ شمس الدين المعروف بالقطب. وقد
ولد عام 1205هـ وتوفى عام 1218 هـ في قريته (بريفكان). (6) يقول الشاعر
في بيت شعر له باللغة التركية:
موصل أولدى ولايت، نافع أفندي والي
ويل لكم رعية، كول باشوه أهالـــي عطا ترزي باشي
المحامي، كركوك شاعرلري (باللغة التركمانية) أي( شعراء كركوك)، الجزء الثاني،
مطبعة الجمهورية، كركوك 1968، ص144. (7) شمس الدين
سامي، قاموس الأعلام (باللغة التركية العثمانية)، مطبعة مهران، استنبول
1315هـ/1898م. راجع أيضا الدكتور هلكوت حكيم، كركوك مدينة النار والنور، مجلة
(جريكه/الصرخة) التي كانت تصدر باللغتين الكردية والعربية في لندن، العدد
الثالث، آب 1984، ص14 وما بعدها. (8) عبدالمجيد
فهمي حسن، دليل تاريخ مشاهير الألوية العراقية، الجزء الثاني الخاص بلواء كركوك،
مطبعة دجلة، بغداد 1947، ص،284. وقد ورد فيه بصدد أسرة (آل النفطجي) وبلسان
رئيسها المرحوم ناظم بن صالح باشا آل النفطجي أن نسب هذه الأسرة ينتهي "إلى
قبيلة تركية كانت تسكن آسيا الصغرى (الأناضول)، ثم هاجر بعض أفرادها إلى العراق،
وكان جد هذه الأسرة وهو (قهرمان آغا) هو الذي اكتشف منابع النفط في كركوك ووضع
يده عليها وعلى الأراضي المجاورة لها". (9) عبدالمجيد
فهمي حسن، المصدر السابق، ص284 بصدد آل النفطجي، وص301 بخصوص (آل آوجي). (10) دائرة
المعارف الإسلامية (باللغة الفرنسية)، الجزء الخامس، وقد ألف ما يتعلق بـ (كركوك
(Kirkuk فيها المستشرق (كرامرز)، ثم أضاف إليها
(تومابوا) ملاحظات هامة قبل إعادة طبعها ثانية، ص147. (11) دائرة
المعارف الإسلامية، المصدر السابق. (12) المصدر
نفسه. (13) يتبين من
بعض الوثائق البريطانية السرية أن وزارة الخارجية البريطانية كانت قد حذِّرت
قيادة قواتها في جبهة العراق من التقدم شمالاً صوب حدود ولاية الموصل. فقد
جاء في مذكرة سرية مؤرخة في 14 آذار 1915 موقعة من قبل السير آرثر هيرتزل مسؤول
القسم السياسي في الخارجية البريطانية "أنه يجب عدم تجاوز سلسلة جبال حمرين
بأي وجه من الوجوه، لما يمكن أن يترتب من مشاكل مع السكان الكرد في
المنطقة". راجع كل من: Briton Cooper Bush, Britain, India and Arabs, P.40; and
Marian Kent, Oil and Empire, P.120. وكانت بريطانيا
وفرنسا قد اتفقتا سابقا بموجب معاهدة سايكس-بيكو السرية على ان تكون ولايتي
بغداد والبصرة من حصة بريطانيا، وولاية الموصل لفرنسا، وهذا يعني أن هاتين
الدولتين لم تكونان تنظران للعراق بحدوده السياسية الحالية ككيان واحد.
راجع بحثنا الذي قدمناه في مؤتمر قانوني نظم في شهر تشرين الثاني عام 1999 من
قبل مؤسسة أحمد للدراسات الكردية في وا شنطن والذي نشر في: An Analysis of The Legal Rights of the Kurdish People; Nouri
Talabany, Southern Kurdistan in International Law, Virginia, USA 2000, P96. (14)
ibd. ,
P.97 Stephen
Longrigg, Four Centuries of Modern Iraq, Oxford, 1925, p.312n. Helmut
Mezcher, (15) Imperial Quest for Oil, Iraq, 1910-1928, Oxford, 1976, p.76. ومؤلفنا: منطقة
كركوك ومحاولات تغيير واقعها القومي، الطبعة الثانية، لندن 1999 ، ص 47 و48.
(يلاحظ أن دار الحكمة للطباعة والنشر في لندن التي تولت طبع ونشر الطبعة الثانية
من الكتاب لم تضع اسمها عليه لأسباب غير معلومة لدينا!).
(16) اكتفت
اللجنة الدولية بإجراء استفتاء شكلي بين الوجهاء والمختارين في الولاية عن طريق
طرح أسئلة محددة عليهم. د.فاضل حسين، مشكلة الموصل، مطبعة إشبيلية، بغداد 1977،
ص6. (17) مؤلفنا،
منطقة كركوك، المصدر المشار إليه آنفاً. (18) بحثنا الذي
قدمناه في الندوة التي نظمها نواب حزب الخضر الفرنسي في بناية البرلمان الفرنسي
بتأريخ الخامس من شباط 2001حول آثار الحصار الاقتصادي علي العراق ووضع حقوق
الإنسان فيه، وكان البحث بعنوان: La
Politique de l'Aarabization de la Region de Kirkuk par les Regimes Irakiens.
وأود أن سجل هنا
للتاريخ ما سمعته من المرحوم توفيق وهبي، الوزير الكردي السابق في العهد الملكي
الذي كان مقيما في لندن، حيث قال أن رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري السعيد
استشار عام 1956عددا من السياسيين والوزراء السابقين بسبب توتر العلاقات آنذاك
بين الحكومتين السورية العراقية، فاقترح البعض قطع خط أنابيب النفط بين كركوك
وسوريا وإنشاء خط جديد بين كركوك والموانئ التركية، فرفض الاقتراح جملة و تفصيلا
قائلا انه لا يريد إلحاق ضرر بشعب سوريا، لكن النظام البعثي في العراق نفذ في
الثمانينات ما رفضه نوري السعيد عام 1956. (19) د. وليد حمدي،
الكرد وكردستان في الوثائق البريطانية، دراسة تاريخية ووثائقية، لندن 1992،
ص186، ومقال عدنان حسين في مجلة (الزمن ) بعنوان: القضية الكردية ، قصة أم
المشاكل في العراق، العدد 26، ديسمبر 1997، ص7. وقد أشار الدكتور وليد حمدي إلي
وثيقة بريطانية سرية تتضمن إثارة المندوب السامي البريطاني في العراق موضوع
استخدام اللغة الكردية في كردستان طبقاً للالتزام الدولي المذكور، وذلك في
اجتماع له مع الملك فيصل الأول بتأريخ 20 أيار 1930، مع الإشارة إلى عدم اتخاذ
الحكومة العراقية أي إجراء بهذا الشأن وعدم تأسيسها منطقة تعليمية موحدة في
المنطقة الكردية، ص186 من المصدر المشار إليه
آنفا.
(20) الدكتور
جبار قادر، كركوك : قرن ونصف قرن من التتريك والتعريب، مجلة (الملف العراقي)،
العدد99، آذار 2000، ص42. (21) عبدالمجيد
فهمي حسن، دليل تأريخ مشاهير الألوية العراقية، الجزء الثاني الخاص بلواء كركوك،
مطبعة دجلة، بغداد 1947، ص54 (22) مؤلفنا،
منطقة كركوك المشار إليه آنفاً، ص51 (23) الدكتور
أحمد نجم الدين، أحوال السكان في العراق، معهد الدراسات العربية، القاهرة 1970،
ص109 (24) مؤلفنا:
منطقة كركوك، المصدر السابق، ص36. يلاحظ أن الدوائر البريطانية في العراق
كانت قد قدرت عدد نفوس الكرد في لواء كركوك عام 1921 بـ (75000) والأتراك
بـ(35000) والعرب(10000) واليهود بـ(1000) والكلدان بـ(600)، وهذه التقديرات
البريطانية مستمدة من أرشيف السجلات المحفوظة في المكتبة العامة في ستوكهولم،
حيث كانت السويد هي الدولة المشرفة على تنظيم عملية الاستفتاء في ولاية
الموصل. وبلغت نسبة الكرد في كركوك بموجب الإحصاء السكاني الرسمي لسنة
1957، 48,3% والعرب 28,2% والتركمان 21,4%. وبدأت بعد ذلك، خاصة منذ 1968،
عمليات الترحيل والطرد الجماعي للقوميات غير العربية من كركوك ، مما أفقدت
الإحصائيات اللاحقة مصداقيتها وشرعيتها. (25) أود
الإشارة هنا بوجه خاص لتجربتي الشخصية المريرة التي عشتها مع تلاميذ آخرين في
مرحلة الدراسة الابتدائية في كركوك. فقد كنا نضطر لحفظ الكتب
المدرسية عن ظهر قلب لأننا لم نكن نفهم منها شيئاً لكونها باللغة العربية.
واستمرت معاناتنا هذه حتى فيما بعد، أي في المرحلة الثانوية، ولكن بدرجة أخف
نسبياً. (26) راجع
مؤلفنا: منطقة كركوك ، المشار إليه آنفاً، ص51-56. (27) قدمت
مذكرات عديدة إلى وزارة المعارف (التربية حالياً) من قبل ممثلي القائمة المهنية
في انتخابات نقابة المعلمين في العراق بخصوص الحقوق الثقافية الكردية، كالتدريس
باللغة الكردية والاهتمام بالثقافة الكردية وإنشاء مديرية تربية للإشراف على
الدراسة الكردية في المنطقة الكردية، واعتبرت هذه المطالب – والتي أيدتها نقابة المعلمين
المركزية فيما بعد- بمثابة (تهيئة لإنشاء جمهورية كردستان) من قبل قيادة الفرقة
الثانية في كركوك، وعلى رأسها الجنرال ناظم الطبقجلي. (28) من بين
الإجراءات التي اتخذها قائد الفرقة الثانية الجنرال ناظم الطبقجلي بعد وصوله
كركوك بفترة قصيرة هي مفاتحته وزارة الداخلية لإقالة رئيس بلدية المدينة الكردي،
وتعيين آخر تركماني بدلا عنه وكان واحدا من رموز جماعة الإخوان المسلمين في
المدينة. (29) مؤلفنا،
منطقة كركوك، ص58 (30) كتاب قيادة
الفرقة الثانية / الاستخبارات / سري والمرقم 1س/142 في 19/1/1959 الموجه إلى
رئيس أركان الجيش تحت عنوان "الحالة السياسية في منطقة مسؤولية الفرقة
الثانية". (31) عينت قيادة
ثورة تموز اثنان من كبار الضباط العرب متصرفين للوائي السليمانية وأربيل،
ومدنياً عربياً متصرفاً للواء كركوك هو السيد عبد الجليل الحديثي, فضلاً عن
تعيين الجنرال ناظم الطبقجلي قائداً للفرقة الثانية التي يقع مقرها ووحدات مهمة
منها في مدينة كركوك. وكان لهذه الفرقة أيضا وحدات أخرى في كل من مدن
السليمانية وأربيل والموصل وقصبات قلعه دزه ورواندوز وعقره. وكان معظم
منتسبي هذه الفرقة من ضباط وضباط صف وجنود من الكرد، يليهم العرب والتركمان
والآشوريين من أبناء المنطقة الشمالية بوجه عام. (32) عاتب عبد
السلام عارف - بعد الإطاحة بحكم عبد الكريم قاسم - فؤاد عارف لمنعه إياه من قتل
عبد الكريم قاسم في مكتبه في وزارة الدفاع عام 1958، حيث كان موجودا معهما
أيضا. فقد عاد عبد السلام عارف.فجأة من ألمانيا الغربية التي عين سفيرا
فيها اثر خلافه مع قاسم، وتوجه من المطار مباشرة إلى وزارة الدفاع لمقابلة قاسم
ناويا قتله. والراجح أنه لولا وجود فؤاد عارف في مكتب قاسم وأخذه المسد س من يد
عبد السلام، لوقعت جريمة قتل قاسم في تشرين الأول عام 1958، وليس في شباط 1963
لدى نجاح انقلاب 8 شباط 1963. (33) أرسل قائد
الفرقة الثانية في كركوك عدداً من الكتب السرية إلي وزارة الدفاع بشأن الحالة
السياسية في كركوك، منها كتاب قيادة الفرقة /الاستخبارات المرقم ح – ش – 3-914
في 9/9/1958 حول (مذكرة المدرسين الأكراد إلى وزارة المعارف حول رفع مستوى
الثقافة في كردستان خاصة)، وكتاب الفرقة / الاستخبارات المرقم ح – ش- 3 – 17 في
6 /1 /1959 حول (مراجعة نقابة المعلمين في كركوك حول بعث مديرية معارف كردستان)،
وكتاب قيادة الفرقة أيضا ً/ الاستخبارات المرقم 1 س / 142 في 19 /1 / 1959 حول (
الحالة السياسية في منطقة مسؤولية الفرقة الثانية). وقد نشرنا النصوص
الكاملة لهذه المراسلات السرية لقيادة الفرقة الثانية في مؤلفنا: منطقة كركوك
المشار إليه آنفاً (الملاحق)، ص113-120 (34) الدكتور
نوري طالباني، العلاقات الكردية –التركمانية، مجلة (راية الإسلام) التي تصدر في
لندن، السنة الخامسة عشر، العدد الأول ، آذار 2001،ص2. (35) مؤلفنا،
منطقة كركوك، المصدر السابق، ص65. (36) ساهم بعض
المرتزقة الكرد أيضاً في قتل بعض وجوه كردية معروفة داخل كركوك لقاء دراهم
معدودات. وقد اعترف بعضهم فيما بعد بان عدداً من التركمان - وكشفوا عن
أسمائهم - اتصلوا بهم وأعطوهم المال والسلاح لقتل أشخاص محددين بالاسم.
ونشير هنا بوجه خاص للمعلومات التي أدلى بها المدعو لطيف فرقاني روزبياني الذي
كان يسكن حي شوريجه بكركوك، واعترف فيها باستلامه مبلغ 800 دينار مع مسدس لقاء
كل جريمة قتل ارتكبها. وكان الأفراد الذين يتصلون به يؤكدون له أن الأجهزة
الأمنية لن تلقى القبض عليه، وغالباً ما كانوا يطالبونه بتحديد وقت ومكان
ارتكاب الجريمة لكي يبتعد عناصر الأمن عن المكان والزمان المحددين! (37) ذكرنا
أسماء جميع القرى الكردية المجاورة لكركوك والقريبة من المنشات النفطية التي
دمرها النظام البعثي عام 1963 في مؤلفنا : منطقة كركوك المشار إليه أعلاه ،ص68.
وتعود ملكية قريتان من تلك القرى المدمرة لأسرتنا، الأولى هي (سونه كولي)
المجاورة للحدود الشمالية لبلدية كركوك، والثانية قرية (عمْشه) الواقعة بالقرب
من الطريق العام بين كركوك-دوبز. (38) برزت فكرة
الاستيطان في منطقة كركوك بدافع الهيمنة على منابع النفط الموجودة فيها أثناء
المفاوضات التي جرت بين النظام العراقي وبين وفد من (الجبهة الكردستاينة) في
أواسط عام 1991. فأثناء الحديث عن حدود المنطقة الكردية الخاضعة للحكم الذاتي،
كان وفد النظام يستعين بخرائط تفصيلية للمواقع التي تتوافر فيها منابع
النفط. ولاحظ الجانب الكردي أن وفد النظام كان يصر على وجوب اعتبار
المناطق التي تتوافر فيها منابع النفط خارج حدود المنطقة الكردية الخاضعة للحكم
الذاتي، بينما لم يكن متشدداً بشأن الأماكن الأخرى التي لا تتواجد فيها حقول
النفط. وفي ذلك يشبه أسلوب تفاوض وتعامل النظام العراقي مع الكرد، مع
طريقة تفاوض وتعامل النظام الإسرائيلي مع الوفد الفلسطيني لدى التفاوض معهم بشأن
تحديد مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة التي تكثر فيها منابع المياه القريبة
من المجمعات الاستيطانية الإسرائيلية. وهو ما فعله أيضاً العنصريون الصرب في
جمهورية البوسنة والهرسك وفي كوسوفو أيضاً. راجع مقال الكاتب الإسلامي فهمي
هويدي: الأكراد شعب الله المختار، كركوك سبقت كوسوفو في خطط الاقتلاع والإبادة،
مجلة (المجلة)، العدد 1005، 16- 22/5/1999. (39) وهذا ما
وقع لي شخصياً، حيث منعت من العودة إلى بلدتي كركوك بعد إحالتي على التقاعد
كأستاذ في جامعة بغداد لأسباب سياسية عام 1982 ، فاضطررت إلى الاستقرار في مدينة
أربيل. وقد أخبرني سائق سيارة الحمل الذي نقل أثاث دارنا من بغداد إلى أربيل أن
أحد عناصر دائرة أمن كركوك رافقه من نقطة مدخل مدينة كركوك على الطريق العام
بينها وبغداد، لحين وصول السيارة إلي نقطة الخروج منها على الطريق العام بين
كركوك – أربيل، ليتأكد من خروج السيارة من كركوك! (40) راجع بشأن
جميع هذه الممارسات العنصرية للنظام العراقي ضد الكرد من أبناء مدينة كركوك،
مؤلفنا المشار إليه آنفاً، ص71-77. (41) بنيت
أحياء (الكرامة) و(شهداء قادسية صدام) و(الإسكان) القديم والحديث في منطقة (جوار
باغ) التي تقع في شمال شرقي المدينة، قرب الطريق العام بين كركوك والسليمانية،
وكانت تضم بستانا كبيرا ومزارع عائدة لأسرة طالباني. وكانت هذه البساتين
والمزارع مرتعاً للناس خلال فصل الربيع بوجه خاص، حيث كانوا يذهبون للتمتع بجمال
الطبيعة وقضاء أوقات التسلية البريئة فيها، كما كانت فيها اكثر من كهريز للماء
ويمر عبرها أيضا - حتى أواسط الخمسينات - جدول للماء لسقي البساتين فيها وتزويد
التكية الطالبانية بالماء. وكان الجدول متفرعا من نهر (الخاصة)، بالقرب من (آشه
سوركه) شمال شرقي المدينة، علي طريق يارولي - كركوك. (42) كانت مدينة
كركوك مقراً لقيادة الفرقة الثانية وكان معظم منتسبيها من ضباط وجنود من
الكرد. ومنذ بداية الستينات تحولت المدينة وأطرافها تدريجيا إلي ثكنة
عسكرية كبيرة تضم العديد من الفرق العسكرية ثم قيادة الفيلق الخامس ومعسكر خالد
والمطار العسكري الكبير والعديد من المنشآت العسكرية الأخرى والتحصينات العسكرية
التي تحيط حاليا بالمدينة من أطرافها الأربعة. وتشبه كركوك حاليا المستوطنات
الإسرائيلية الكبيرة المحاطة بالتحصينات العسكرية من جميع جوانبها. (43) رغم أن
المؤسسة العسكرية كانت تتمتع بصلاحيات واسعة في كردستان، وكان بإمكانها استخدام
الأسلحة الكيماوية أيضاَ، إلا انه لم يكن بإمكانها حماية المستوطنات في المناطق
الواقعة في شمالي وشرقي كركوك ذات التضاريس المتموجة، وذلك خوفا من هجمات
المقاتلين الكرد عليها. وكان أمن المستوطنات العربية يتمتع بأهمية
سكانية في محافظة كركوك. فقد ألحق عام 1976 قضاء طوزخورماتو بمحافظة
صلاح الدين (تكريت) المستحدثة والبعيدة عن طوزخورماتو، بينما لم يلحق بها قضاء
الحويجة المجاور لها رغم أن معظم سكانه من العرب. كذلك ألحق قضائي جم جمال
وكلار بمحافظة السليمانية، وقضاء كفري بمحافظة ديالى. وأخيرا، جعل من قضاء
دوبز ناحية ملحقة بقضاء كركوك، بينما حول ناحية داقوق إلى قضاء، واستحداث ناحية
جديدة فيه باسم (الرشاد). وأجرى النظام تعديلات أخرى في الحدود
الإدارية لجميع الأقضية والنواحي التابعة لمحافظة (التأميم) بهدف تحقيق هدفه
المشار إليه أعلاه، أي جعل الكرد أقلية سكانية في كل الوحدات الإدارية التابعة
للمحافظة باسمها الجديد. (44) كتب الكثير
عن الأنفال وعن ضحايا هده الجريمة الكبرى، ونكتفي هنا بالإشارة إلى أسماء بعض من
كتبوا عنها باللغة الكردية، من بينهم طه سليمان، في ظل الأنفال، الجزء الأول،
مطبعة ئاسا، السليمانية 1999، و هه فال أبو بكر، الأنفال بين شراسة العدو وعدم
اكتراث الأصدقاء، مجلة (كركوك)، العدد الأول، السنة الثانية، صيف 2000، ص 57 وما
بعدها، والدكتور معروف عمر كول، الأنفال مرحلة لتتقيد جريمة الإبادة، مجلة
(كركوك)، العددين الثاني و الثالث، خريف 1999، ص7 وما بعدها. (45) مؤلفنا:
منطقة كركوك المشار إليه سابقاً، ص109. (46) سجل العديد
ممن شاركوا في تحرير مدينة كركوك ذكرياتهم وأدوارهم فيه، نشير بوجه خاص إلى ما
نشرته مجلة (كركوك) في عددها الرابع الصادر في ربيع عام 2000، ص55-86.
ويؤكد معظمهم أن المقاتلين الكرد كانوا يستقبلون بحفاوة ليس من قبل المواطنين
الكرد وحدهم، بل من قبل المواطنين التركمان والآشوريين والعرب من سكان
المدينة. وتعرضت الأحياء الكردية إلى خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات،
خاصة بعد تعرضها من جديد لهجوم شرس شنته القوات الخاصة وقوات (مجاهدي خلق)
الذين فتكوا حتى بالجرحى الراقدين في المستشفيات، مما أجبر الناس على الخروج من
كركوك والتوجه نحو السليمانية وأربيل، فقامت تلك القوات و(العرب الوافدين) بنهب
ممتلكاتهم. (47) نشرت منظمة
العفو الدولية والمنظمة الكردية لحقوق الإنسان في بريطانيا ومنظمات حقوق الإنسان
في كردستان والمراكز التي تأسست للدفاع عن حقوق أبناء كركوك، خاصة المرحلين
والمؤنفلين منهم، في كل من السليمانية وأربيل وفي أوروبا، نشرت قوائم بأسماء
المرحلين مع بيان تأريخ طرد كل عائلة. ونكتفي هنا بالإشارة إلى القوائم التي
نشرتها مجلة (كركوك) في عددها الخامس، ومجلة (هاواري كركوك) في عدديها الثالث
والرابع، وفي الدراسة القيمة التي نشرت في السليمانية تحت عنوان (أربع سنوات في
خدمة المرحلين عن كركوك) التي تتضمن أسماء وعناوين وتاريخ طرد آلاف العوئل
الكردية خلال السنوات 1996، 1997، 1998 و1999. (48) كانت نسبة
القومية الكردية في لواء كركوك بموجب إحصاء عام 1957، 3،48%، وانخفضت في إحصاء
عام 1977 إلى 53،37%، بينما ارتفعت نسبة القومية العربية من 2،28% في إحصاء عام
1957 إلى 14،44%، والقومية التركمانية انخفضت نسبتها من 4،21% في إحصاء عام 1957
إلى 13،16% في إحصاء 1977. وتوضح هذه النسبة العالية في الارتفاع والانخفاض
السريع وغير الاعتيادي أساليب النظام ولجوئه لإجراءات قسرية وغير طبيعية، من
بينها ترحيل عشرات الألوف من العائلات الكردية وآلاف من العائلات التركمانية
جبراً عن كركوك وأطرافها، مع جلب المزيد من العائلات العربية من مناطق أخرى من
العراق لتوطينها في هذه المدينة وفي أطرافها. وبطبيعة الحال ستكون نتائج إحصاء
عام 1997 -غير المعلنة لحد الآن- اكثر دلالة في فضح ممارسات النظام، خاصة بعد
إجباره المواطنين الكرد على (تصحيح قوميتهم) وترحيل من لم يملأ تلك الاستمارات
الشاذة إلىالمناطق المحررة من كردستان، مع استمراره في جلب الألوف من العوائل
العربية لتوطينها في المنطقة. راجع الدكتور خليل إسماعيل خليل، البعد
القومي لسياسة (الترحيل والتجميع) في محافظة كركوك، مجلة (هاواري كركوك)، العدد
الأول، أيلول 1998، ص 128 وما بعدها. (49) خطاب عزة
الدوري في كركوك في بداية أيلول 2000، وتأكيده على ذلك في كلمة أخرى أمام
المسؤولين البعثيين والعسكريين في المدينة في اجتماع آخر له بمناسبة وجوده فيها.
جريدة (الحياة) ليوم 21 أيلول 2000. (50) في مذكرة
أرسلت إلى رئيس وأعضاء مجلس الأمن وجميع الهيئات الأخرى في المنظمة الدولية وعدد
من دول العالم، وجه (مركز كركوك للبحوث والدراسات) مع (122) تنظيما مدنيا وحزبا
سياسيا كردستانيا من داخل وخارج كردستان، بالاضافة إلى عدد كبير من المنظمات
والشخصيات المهتمة بحقوق الإنسان في أوروبا، طالبوا فيها المجتمع الدولي بوضع
المناطق الكردية الخاضعة لسيطرة النظام تحت إشراف دولي تطبيقا للقرار الدولي رقم
688 لسنة 1991 بسبب ممارسة النظام العراقي لسياسة التطهير العرقي ضد القوميات
غير العربية فيها. وجاء في المذكرة أيضا أن هدا الطلب وبتماشي مع القرارات التي
اتخذها المجتمع الدولي في مناطق أخرى من العالم تعرضت هي أيضا لسياسة التطهير
العرقي. راجع نص المذكرة المنشورة في ملحق مؤلفنا: Arabization of the Kirkuk Region, p.131, Published by
Kurdistan Studies Press in Sweden, Uppsala, 2001. |
|
حقوق
الانسان والتنوع الاثني لسكان كركوك Human
Rights and the different Ethnic of population in Kirkuk الدكتور
منذر الفضل * بحث مقدم إلى
مركز كربلاء للبحوث والدراسات في الندوة العلمية المنعقدة عن – كركوك مدينة القوميات المتآخية ( نموذجا
لعراق المستقبل ) لندن 21-22 تموز 2001 تعتبر مدينة
كركوك من المدن المهمة والحيوية في العراق تبعا لعوامل متعددة ، لعل من أهمها
الثروة الطبيعية التي تكمن في باطنها من البترول والغاز الطبيعي وخصوبة أراضيها
الزراعية و كذلك لقدم تاريخ المدينة التي تدل عليها شواهد الآثار وما تناقلته
الكتب عن تاريخها من بين المدن العراقية ، هذا بالإضافة إلى موقعها الجغرافي
والتجاري المتميز فضلا عن مميزات التسامح والتعايش والوئام بين الأديان
والمذاهب المختلفة والأعراق من الكرد والعرب والتركمان والآشوريين والأرمن ، كما
ضمت المدينة تعايش المسلمين والمسيحيين واليهود جنبا إلى جنب حتى ما بعد الحرب
العالمية الثانية حتى هجرة اليهود من العراق بعد ظهور مشكلة فلسطين وقيام
الحكومة العراقية بإسقاط الجنسية عنهم. وهذا التعايش والوئام جنبا إلى جنب
بين القوميات والأديان ظل قائما رغم محاولات الأنظمة السياسية في العراق اتباع
نهج سياسة التمييز والتطهير العرقي وبخاصة سياسة التبعيث في عهدي حكم
البعث بفعل النظرة الشوفينية لبعض قادة النظامين من العرب في الفترة
الأولى عام 1963 ومن الفترة الثانية 1968-2001. ويعود تاريخ
مدينة كركوك إلى آلاف السنين وتشير الدراسات إلى أنها وجدت قبل الميلاد
فقد تأسست في زمن ( الكوتيين أو الكاشيين 1600 ق.م ) وهم أجداد الكرد
وكانت تعرف في الماضي بـ (كوركوا ) أي نور النار باللغة الميدية القديمة ،
بينما يرى البعض الأخر أن المقصود بتسمية المدينة ومنذ عهد السومرين (العمل
المنظم والشديد ) وهي ترجمة لكلمة ( كاركوك ) ، بينما سميت المدينة بأسماء
أخرى (1). ولذلك ينصب هذا
الموضوع على مسألتين مهمتين لهما صلة بالمجتمع المدني التعددي لعراق المستقبل
الذي يجب أن يقوم على التسامح والتعايش والتكافل والتعددية القومية والدينية
والسياسية والمذهبية ، وهاتين المسألتين هما أولا ، قضية حقوق الإنسان ووجوب
احترامها والالتزام بمعاييرها الدولية والقانونية والثانية ، هي خصوصية
مدينة كركوك في العراق وما تتميز به منذ القدم من التنوع العرقي للسكان والتعايش
والوئام بين مختلف الأديان والأجناس والمذاهب والآراء السياسية دون أن تكون هناك
أية حساسية أو اصطدام بين السكان إلى وقت ليس ببعيد من الزمان بفعل عوامل متعددة
منها التزاوج بين مختلف الأعراق وسيادة فكرة العيش المشترك في الوطن
الواحد في ظل مبدأ سيادة القانون ونهج التسامح بين السكان. وبذلك شكلت
المدينة في تسامحها وتعايشها بين السكان رمزا من رموز المدن العراقية دون
صراع بين أهلها ، غير أن هذه الحالة –
وللأسف
لم تستمر –
فقد
جرت عمليات كثيرة من الحكومات العراقية المتعاقبة وبخاصة الحكومة الحالية في
ممارسة سياسة تعريب السكان أو تبعيثهم ( أي إجبارهم على الانتماء إلى حزب البعث
) وممارسة سياسة التطهير العرقيEthnic Cleansing بصورة مخالفة للدستور والقانون والقواعد القانونية
الدولية وبخاصة ضد الكرد والتركمان. ولغرض إلقاء
المزيد من الضوء على هذا الموضوع لابد من تقسيم البحث على ثلاثة محاور وهي : القسم الأول – القواعد العامة لحقوق الإنسان في حماية الأعراق
البشرية القسم الثاني – جريمة التطهير العرقي ضد الكرد والتركمان في كركوك القسم الثالث – مستقبل مدينة كركوك ( التآخي والتسامح والعيش
المشترك ) القسم
الأول - القواعد العامة لحقوق الإنسان في حماية الأعراق البشرية من المعلوم أن
الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية
الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم ، كما أن من الضروري أن يتولى
القانون حماية حقوق الإنسان لكيلا يضطر المرء أخر الأمر إلى التمرد على الظلم
والاستبداد ، فالناس يولدون أحرارا ومتساويين في الكرامة والحقوق ( المادة 1 من
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ).(2) كما جاء في
المادة الثانية (( لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا
الإعلان دون تمييز كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو
الرأي السياسي أو أي رأي أخر أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد
أو أي وضع أخر ، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء…)). أذن فان لكل شخص أينما وجد الحق في أن
يعترف بشخصيته القانونية ( المادة 6 ). وفي نطاق
الاتفاقيات الدولية، جاءت نصوص اتفاقية منع جريمة إبادة الأجناس والمعاقبة عليها
لسنة 1948 واضحة في هذا الصدد في حماية الأعراق البشرية كجزء من سياسة احترام حقوق
الإنسان والمعايير الإنسانية الدولية. ويراد بجريمة إبادة الجنس البشري هو
التدمير المتعمد للجماعات القومية أو العرقية أو الدينية أو الاثنية حيث أن
التاريخ شاهد على وجود ممارسات خطيرة وجرائم بشعة في التاريخ الإنساني جرت وتجري
بصورة واسعة وفي مناطق مختلفة من العالم ، فالحكومة الألمانية النازية ارتكبت
هذه الجريمة ضد ملايين البشر بسبب دينهم أو اصولهم العرقية ، وهي من الجرائم
التي تمس الأمن الدولي وتهدد السلام والاستقرار في العالم ولا يقبل
القول بأن هذه الجرائم هي شأن داخلي للدول وبالتالي لا يحق للمجتمع الدولي
التدخل لمنعها ومحاسبة الفاعلين لها. (3) كما ارتكبت الجريمة في البوسنة والهرسك
وفي كوسوفو وفي أفريقيا. وهذا يعني أن
جريمة إبادة الأجناس البشرية هي جريمة عادية ( غير سياسية ) وهي لا تسقط
بالتقادم ( مرور الزمان المانع من سماع الدعوى ) وان مرتكبها لا يمنح حق اللجوء
السياسي ولا يمكن إعفاء الفاعل منها أو من عقابه حتى ولو كان رئيس دولة إذ تتقرر
مسئوليته حسب القانون لا سيما وان هناك اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم
المرتكبة ضد الإنسانية ، ذلك لان جريمة إبادة الجنس – كالتطهير العرقي والاثني –
هي جريمة ضد الإنسانية وتعد من جرائم الحرب إذا ارتكبت أثناء الحرب وكل من
الجريمتين هما من الجرائم الدولية International crimes كما أن وصف الجريمة هذا يبقى قائما حتى ولو لم تكن
الأفعال المذكورة إخلالا بالقانون الداخلي للبلد الذي ارتكبت فيه ، كما
لابد من القول أن هناك توافقا يجب حصوله بين (القوانين الوطنية الداخلية )
و (( الالتزامات الدولية )) ولا يعد تدخل المجتمع الدولي لوقف
الأعمال الإجرامية ضد الأعراق والأصول أو الأجناس الأخرى تدخلا في الشأن الداخلي
للبلد الذي تمارس فيه هذه السياسة المخالفة لقواعد حقوق الإنسان. وهذا الأمر يعد
قيدا على مبدأ السيادة المطلقة للدولة. لقد أكدت
الجمعية العامة للأمم المتحدة أن جريمة إبادة الأجناس تدخل تحت طائلة القانون
الدولي لأنها من الجرائم الدولية وأيا كان الشخص القائم بها فانه يخضع للعقاب
ومن الطبيعي أن وجود الاتفاقية الخاصة بمنع جريمة إبادة الجنس البشري يعني طبقا
للقانون الدولي ، الاتفاق بين الدول ذات السيادة ، أي على الدول الموقعة على
الاتفاقية القبول بالتزامات محددة واحترام النصوص المتفق عليها وتنفيذها وفقا
للاتفاقية. وجريمة
إبادة الأجناس البشرية ليس بالضرورة أن تتم بالقتل المادي أو بالسلاح الكيماوي
كما حصل في مدينه حلبجة عام 1988 التي استشهد فيها اكثر من خمسة آلاف إنسان من
نظام الرئيس صدام في كردستان العراق أثناء الحرب العراقية – الإيرانية
، و إنما يمكن أن ترتكب هذه الجريمة الدولية من خلال وسائل متعددة ذلك أن
إبادة الجنس البشري قد تحصل بفعل إيجابي أو بفعل سلبي ( الامتناع عن تقديم العون
) وبعبارة أخرى تعني ارتكاب أي أفعال معينة بقصد التدمير الكلي أو التدمير
الجزئي لجماعات قومية أو اثنية أو عنصرية أو دينية بصفتها هذه ، ومثال
ذلك ( جريمة القتل ) بإبادة جسمانية مباشرة أو إلحاق الضرر العقلي بها أو
من خلال فرض ظروف معيشية قاسية عمدا كما حصل في الاهوار في جنوب العراق
حين قامت أجهزة نظام الرئيس صدام بتسميم الاهوار وقتل الحياة فيها
وتجفيفها وتدمير البيئة بحجة منع العمليات العسكرية ضد النظام. ومن صور إبادة
الجنس البشري سياسة التعقيم للبشر والإجهاض والحيلولة دون إنجاب الأطفال ونقل
أطفال جماعة معينة بالقوة إلى جماعة أخرى وكذلك سياسة التهجير ضد الأكراد
الفيليية من مناطق العراق المختلفة بحجة انهم من التبعية الإيرانية حيث جرت ابشع
جريمة ضد الكرد الفيليين في العراق منذ عام 1971 وحتى أواخر الثمانينات. ومن
المعلوم أن قواعد القانون العامة ونصوص اتفاقية منع إبادة الأجناس البشرية توجب
معاقبة الفاعل الأصلي للجريمة ومن ساهم في وقوعها أو حرض عليها أو تأمر لغرض
ارتكابها أو حاول القيام بها لأنها من ابشع صور الجرائم ضد الإنسانية. ومن
المعلوم أن هذه الجريمة ارتكبت من نظام الرئيس صدام ويتحمل هو المسؤولية الأولى
عنها ، أثناء الحرب العراقية الإيرانية وفي وقت السلم أيضا ، ولا تجيز الاتفاقية
التي وافق عليها العراق تخلص أي مسؤول من العقوبة عن جرائمه حتى ولو كان
الفاعل هو رئيس دولة ( المادة الرابعة من اتفاقية منع جريمة إبادة الجنس البشري
)، حيث ارتكبت جريمة إبادة الجنس في العراق ضد الكرد في كردستان وضد التركمان
وضد الشيعة في جنوب العراق وضد الكرد الفيليين الذين تعرضوا إلى تجارب السلاح
الكيماوي والبيولوجي من الوحدة العسكرية رقم 513 أثناء الحرب العراقية –
الإيرانية. ومنذ عام 1968
انتهت الجمعية العامة للأمم المتحدة من إعداد و اعتماد اتفاقية عدم تقادم
جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية وبدأ تنفيذ الاتفاقية منذ
11-11-1970 ومن هذه الجرائم هي جريمة إبادة الأجناس crime of genocide الوارد تعريفها في اتفاقية عام 1948. وهذا
يعني أن الفاعل للجريمة يستحق العقاب ولو مرت مدة طويلة على ارتكاب
جريمته فمرور الزمان لا يكون مانعا من موانع العقاب أو المسؤولية على
المجرم لكي لا يحصل الإفلات من العقاب. وقد تكون
البواعث على ارتكاب جريمة الإبادة هي البواعث الدينية كما حصل في جنوب العراق في
تدمير الاهوار وتسميمها وتهجير البشر من مناطق سكناهم بسبب كراهية نظام الرئيس
صدام إلى عشائر الجنوب الشيعية في العراق المناوئة لنظامه المستبد فضلا عن
تدمير العتبات المقدسة في كريلا والنجف وقتل علماء الشيعة بتصفيتهم جسديا في كل
مناطق العراق. كما أن هناك باعثا سياسيا واجتماعيا لجريمة إبادة الجنس البشري
مثل جريمة إبادة الجنس الكردي والتركماني في كردستان العراق بسبب العنصر أو
العنصر والدين معا مثل الكرد الفيليين والتركمان الشيعة. أن الإعلان
العالمي لحقوق الإنسان نص في المادة الثانية على (( أن لكل إنسان حق التمتع
بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان ، دون تمييز ، كالتمييز بسبب
العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر ،
أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع أخر ، دون إيه
تفرقة بين الرجال والنساء )). كما نصت المادة 12 على (( 1- لكل فرد
حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة 2- يحق لكل فرد أن يغادر أية
بلاد بما في ذلك بلدة كما يحق له العودة أليه )). ومنعت المادة 5 تعريض أي
إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية .. كما نصت المادة
9 على عدم جواز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفا، ووفقا للمادة 15 لكل
فرد حق التمتع بجنسية ما ولا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفا أو إنكار حقه في
تغييرها ونصت المادة 17 على أن لكل شخص حق التملك بمفردة أو بالاشتراك مع غيرة
ولا يجوز تجريد أحد من ملكة تعسفا. القسم
الثاني - جريمة التطهير العرقي ضد الكرد والتركمان في كركوك ليس هناك أدنى
شك في وقوع سلسة من جرائم التطهير العرقي ضد الكرد والتركمان في مدينة
كركوك بصورة خطيرة لتغيير هوية المدينة ومعالمها والتأثير على وجودها ومن
خلال تفكيك القرى المحيطة بها وفك ارتباطها من المدينة المذكورة وقد شملت سياسة
التغيير لهويتها حتى القبور الموجودة فيها لكي لا تكون دليلا على كشف الهوية
الكردية لسكان المدينة. ولم تتوقف سياسة
أنظمة الحكم في العراق عن عمليات التطهير العرقي رغم الاحتجاجات المحلية
والدولية والإقليمية ، فقد مارست السلطات وما تزال تمارس عملية مصادرة
الأراضي للكرد والتركمان وتوزيعها على العرب وبخاصة منتسبي الأجهزة الأمنية ذلك
لآن مدينة كركوك خاضعة لسلطتها المركزية وتمارس عملية نقل وطرد السكان الكرد والتركمان
من كركوك والمناطق المحيطة بها إلى مناطق أخرى في الجنوب أو ترحيلهم إلى كردستان
للتأثير على الوضع السكاني في المدينة ومنع السكان الأصليين من الأكراد
والتركمان وغيرهم من نقل ملكية الأراضي والعقارات أو بيعها فضلا عن قيام الحكومة
العراقية بتوزيع الأراضي على العرب من العراقيين والفلسطينيين من العاملين
في الأجهزة الأمنية والعسكرية ومصادرة الأملاك للسكان الكرد والتركمان وعدم
السماح لهم بتسجيل الأملاك بأسمائهم.(4) وهذه الأعمال مخالفات خطيرة لحقوق
الإنسان. ومن سياسات نظام
الرئيس صدام ممارسة أسلوب التهجير القسري الداخلي و الخارجي ، ويتمثل
التهجير الداخلي في فرض الإقامة الجبرية في محل الولادة أو المحل المقيم فيه قبل
إحصاء عام 1957 أي وضع القيود على حرية السكن والانتقال داخل الوطن وهو ما يخالف
حقوق الإنسان وحقه في التنقل واختيار السكن وحقه في التملك ( المادة 17 )
وكذلك تدمير القرى كليا ومسحها من الخارطة أو تغيير أسمائها كما حصل في خانقين
وكركوك والموصل ومخمور وكفري وتلعفر وداقوق ومناطق كردية عديدة و أخرى
يسكها التركمان. أما التهجير
القسري الخارجي ونقصد به جريمة التطهير العرقي ضد العوائل الكردية
والتركمانية وكذلك ضد الشيعة من الكرد الفيليين وطردهم من بلادهم ( العراق ) إلى
إيران والاستيلاء على دورهم واموالهم وثرواتهم خلافا للدستور والقانون وقد بلغ
عدد هؤلاء ما يقارب مليون نسمة. ويشير العديد من
الباحثين إلى أن أولى محاولات التعريب في كركوك جرت إبان الحكم الملكي (
عهد وزارة ياسين الهاشمي ) من خلال إسكان عشائر العبيد والجبور في الحويجة وذلك
لتوفر الأراضي الزراعية الخصبة و بحجة منع النزاعات مع عشائر عزه في ديالى التي
كانت قائمة مع عشائر عربية أخرى في مناطق أخرى من العراق (6). ووفقا إلى إحصاء
عام 1957 فان نسبة السكان الكرد في مدينة كركوك هي 48.3 % وهو الإحصاء
الذي اتفق علية وفق بيان آذار عام 1970 بينما نقصت النسبة لعدد السكان الكرد في
إحصاء عام 1977 وصارت 37،33 % بفعل سياسة التعريب والتطهير العرقي ، أما
التركمان فقد كانوا حوالي 21.5 % ثم أصبحت النسبة في إحصاء عام 1977 16.31 % (7)
، وفي هذا الصدد يشير الأستاذ الدكتور حسن الجلبي في معرض حديثه عن الفيدرالية
للكرد في كردستان عن مدينه كركوك قائلا مايلي: (( وحيث يتعلق
الأمر بالمنطقة الكردية يبرز ما يسمى بـ عقدة كركوك ، حسنا يتعلق السؤال بما إذا
كانت كركوك تدخل ضمن منطقة كردستان أم لا ؟ من ناحية المعطيات التاريخية و
الواقعية والسكانية فان المعلوم أن كركوك كانت تتكون من الأكراد (وهم الأكثرية)
والتركمان ومن ثم العرب ، ولهذا فمن الحتمي أن تدخل كركوك ضمن إقليم
كردستان في الاتحاد الفيدرالي أو في صيغة أخرى )) (8) أما الدكتور
غسان العطية فيرى عكس ذلك قائلا (( . . . كركوك يقطنها مزيج مذهبي وقومي -
تركمان وكرد وعرب – كما تعرضت ولا
تزال لإجراءات تمس التركيبة الاثنية للسكان بسبب سياسة تعريب أو غيرها ، كل ذلك
يجعل منطقة كركوك ذات خصوصية تحتاج إلى صيغة توفيقية خاصة ، الأمر الذي يتمثل في
اعتماد كركوك ك – امانه غير
تابعة لآي جهة أخرى ، شأنها في ذلك شأن بغداد التي يقطنها إلى جانب العرب
المسلمين ، التركمان والأكراد والآشوريين والمسيحيين..))(9) بينما يذهب
الدكتور نوري طالباني –
بحق
– إلى القول إذا
كانت منطقة كركوك ضمن حدود كردستان الجغرافية وان فقهاء القانون والمؤرخين
العراقيين يثبتون ذلك قانونيا وتاريخيا ، فلماذا إذن القول بصيغة توفيقية وفقا
لطروحات نظام صدام في مفاوضات عام 1970 وعام 1984 و عام 1991 ( 10 ) ، وهو نظام
ارتكب جرائم التطهير العرقي ضد الكرد والتركمان. وفي عهد حكم
البعث الأول عام 1963 جرت سلسلة من الإجراءات الخطيرة والممارسات ضد السكان من
الكرد والتركمان في مدينة كركوك من خلال تدمير القرى القريبة منها وإتباع سياسة
الترحيل واسكان بعض العشائر العربية بدلا منها ونقل العاملين الكرد من مناطق
كركوك إلى أعمال أخرى خارج المدينة وجعل المنطقة أشبه بالمعسكر الذي تحيط به
الربايا العسكرية وتبديل أسماء القرى والأحياء وتسليح العشائر العربية
والبدو بحجة الوقوف ضد البشمركة الكرد ، إلا أن اكبر عملية تطهير عرقي
حصلت في الفترة من 1968 وقد ازدادت بصورة خطيرة جدا بعد عام 1974 ثم بعد تأسيس
الكرد للحكم الفيدرالي في إقليم كردستان حيث ارتكبت – وما تزال – ابشع صنوف تغيير الهوية ومعالم المدينة
بصورة دفعت المنظمات الدولية إلى استنكار هذه الإجراءات غير القانونية والتي
تشكل جريمة دولية و مخالفة ضد قواعد حقوق الإنسان. كما عقد اكثر من مؤتمر بخصوص
مدينة كركوك في كردستان وأبلغت العديد من المنظمات الدولية بجريمة التطهير
العرقي المستمرة وبعمليات تغيير معالم مدينه كركوك وتفكيكها إداريا وطرد سكانها. بل أن سياسة
الاستفزاز ضد الكرد لم تنحصر في كركوك أو خانقين أو مخمور فقط وإنما امتدت إلى
كل المناطق الكردية وجرت ممارسات خطيرة جدا ضد الكرد وقراهم وضد أملاكهم
وثرواتهم في مختلف مناطق كردستان وهو يوجب محاسبة المجرمين الدوليين عن هذه
الجرائم وفقا للوثائق المتوفرة والتي تمت السيطرة عليها عقب انتفاضة الكرد عام
1991 ، كما نشير إلى النظام الحاكم في بغداد كان يختار المسؤولين الحزبين والأمنيين
والعسكريين للقيام بهذه الأعمال من العرب غير الشيعة (الانبار ، الموصل ، تكريت
..) أو من الفلسطينيين - أحيانا - ذلك لآن العرب الشيعة يتعاطفون مع
القضية الكردية وحركتها التحررية ، هذا بالإضافة إلى أن المرجع الشيعي الأعلى
المرحوم السيد محسن الحكيم لم يوافق على إعطاء أي فتوى لضرب
الثورة الكردية في حزيران من عام 1963 رغم محاولات التهديد والوعيد
التي تعرض لها أثناء حياته من عبد السلام عارف ومحاولات إلصاق تهمة الشيوعية
بالحركة التحررية في كردستان ، كما أن شخصية المرحوم الملا مصطفى البارزاني
وأولاده والقيادة الكردية والشعب الكردي محط احترام وتقدير من
العديد من العشائر والشخصيات العربية في وسط وجنوب العراق ممن يتعاطفون مع
قضية الشعب الكردي وينادون بالوحدة الوطنية والحل السلمي للقضية الكردية
وبالاعتراف بحقوق التركمان وحقوق الاقليات الأخرى في عراق موحد يقوم على العدل
والمساواة واحترام القانون وتفعيل الدستور والالتزام بقواعد حقوق الإنسان
ومعاييرها المتعارف عليها في المجتمع الدولي. لقد أدانت لجنة
الأمم المتحد لحقوق الإنسان في نيسان 2000 بسبب انتهاكات نظام صدام المنظمة
والقاسية والواسعة النطاق لحقوق الإنسان وقد تبنت اللجنة قرارا قدمه الاتحاد
الأوربي ينتقد نظام صدام على ممارسات القمع والاضطهاد والإرهاب وصوت لصالح
القرار 32 دولة من مجموع 53 دولة عضو في اللجنة ، كما حثت اللجنة في قرارها
الصادر في نيسان 2001 نظام صدام على ضرورة احترام حقوق القوميات والاقليات
العرقية والديانات المختلفة والامتناع عن تهجير الكرد والتركمان أو إرغامهم على
تغيير محل إقامتهم ، كما صدر قرار منظمة العفو الدولية في نيسان من عام 2001
يدين انتهاكات حقوق الإنسان في العراق ومنها عمليات التطهير العرقي ضد الكرد
والتركمان والاقليات الأخرى وكذلك سياسة التعريب والتخريب في هذه المناطق. القسم
الثالث - مستقبل مدينة كركوك ( التآخي والتسامح والعيش المشترك ) لاشك أن مدينة
كركوك كانت واحدة من العقد التي وقفت أمام إيجاد الحل السلمي للقضية الكردية في
العراق إذ كانت العنصرية والتطرف من بعض العرب في السلطة والنظرة الضيقة لنظام
الحكم الدموي في بغداد حائلا أمام إيجاد الحل الأخوي والاعتراف بالحقوق
القومية المشروعة للكرد وفقا للدستور والقانون ووفقا للالتزامات الدولية
المعروفة ، لا سيما وان الكرد قدموا مئات الآلاف من التضحيات من اجل هذه الحقوق
ورفضا للظلم والاستبداد ومن اجل حرية العيش .(11) ونحن
نعتقد أن وضع مدينة كركوك التاريخي والجغرافي والاجتماعي والثقافي
والاقتصادي والاثني يشير بما لا يقبل الشك إلى أن كركوك مدينة
مهمة تقع ضمن حدود كردستان العراق تاريخيا وقانونيا وان الكرد هم
السكان الذين يشكلون الأغلبية في المدينة وضواحيها منذ القدم وعلى الرغم من وجود
القوميات الأخرى ، كالعرب والتركمان والآشوريين وغيرهم ، إلا أن السكان من
الأكراد هم الذين شكلوا أغلبية السكان ولعل من أهم الأدلة على ذلك هي إحصاء
النفوس عام 1957 وكذلك قبور الكرد التي سعت حكومة البعث إلى العبث بها وتغيير
ملامحها و بخاصة بعد مطالبة الزعيم الملا مصطفى البارزاني إحصاء القبور من الكرد
كشاهد على دخول المدينة ضمن حدود كردستان في معرض رده على الوفد الحكومي المفاوض
على 1970 وهو ما دفع الأنظمة المتعاقبة – وبخاصة في عهد البعث – إلى اتباع نهج عدواني ضد الكرد والتركمان
وغيرهم بتطهير الأعراق والسيطرة على مقدرات المدينة من الثروات الطبيعية وهو
تدخل – كما بينا
يتنافى وحقوق الإنسان – اثر على النسيج
الاجتماعي والتركيب العرقي والبنية التحتية والحدود الجغرافية. بل أن نهج
السلطات امتد حتى إلى المقابر بدرسها تارة وبدفن العرب في مناطق كركوك وفي توطين
عشرات الآلاف من الفلسطينيين فيها إلى جانب تغيير أسماء الأحياء والمناطق
الكردية وتسميتها بأسماء عربية أو بعثية عنصرية واستفزازية مثل حي البعث وحي
النخوة وحي العمل الشعبي وحي القادسية وأم المعارك وصدام والصمود …وغيرها ولابد من
الإشارة إلى موقف الزعيم المرحوم الملا مصطفى البارزاني هنا حيث قال أثناء
مفاوضات عام 1970 للوفد الحكومي المفاوض بخصوص كركوك مايلي: (( أن كركوك هي جزء
من كردستان وإذا ظهر في الإحصاء أن أكثرية سكانها ليسوا من الأكراد فأنا لن
اعترف بذلك ، إنني لن أتحمل أمام الأكراد مسؤولية التخلي عن كركوك .)). ومن اجل عراق
موحد تتعزز فيه قواعد الاحترام للقانون ومفاهيم حقوق الإنسان لابد من ملاحظة
مايلي : 1- وقف
حملات الاستفزاز للكرد والتركمان وللاقليات الأخرى واحترام خيارات القوميات
المتآخية واحترام الأديان والمذاهب والطوائف والآراء السياسية والفكرية ومحاربة
العنصرية والفكر الشوفيني من أي مصدر كان ، ولا يجوز مطلقا اتباع سياسة تبعيث
البشر بفرض العقيدة السياسية بالقوة أو تعريب السكان ( جعلهم من القومية العربية
) بالترهيب والترغيب لأنها سياسة فاشلة لن تقود إلا إلى المزيد من الآلام
والأحقاد ولآن من يزرع الريح لا يحصد إلا العاصفة وهي سياسة مخالفة للإعلان
العالمي لحقوق الإنسان. ذلك أن كركوك هي واحدة من المدن العراقية التي تعد رمزا
من رموز الاخوة والتسامح والوئام بين الكرد والتركمان والعرب والأرمن والآشوريين
ومختلف الديانات والمذاهب والأفكار. 2- اعتماد
ثقافة التسامح والاعتراف بالأخر ونشر ثقافة حقوق الإنسان. 3- تأسيس
صندوق وطني يسمى بـ ( صندوق تعويض المتضررين ) لتعويض السكان الذين تضرروا من
سياسات التطهير العرقي والتهجير وكل متضرر من جرائم النظام من عائدات النفط
وتخصيص نسبة منها لضحايا هذه السياسة المخالفة للقانون الدولي وللدستور العراقي
وللقوانين الوطنية ، كما لابد من تعويض كل متضرر من جرائم النظام في حلبجة
الشهيدة وقلعة ديزه وخانقين وضحايا جريمة الأنفال وإعادة المهجرين والمهاجرين
وبترك الحرية في الاختيار ونبذ سياسة القوة والاستبداد المدمرة. ولا بد من تعويض
التركمان الذين طردوا من ديارهم وقراهم وهجروا قسرا بدون أي مبرر والسماح
بإعادتهم إلى مناطقهم. 4- إعادة
التقسيمات الإدارية السابقة وفقا إلى خرائط وإحصاءات عام 1957 ووفقا
لأشراف لجنة وطنية ودولية. 5- إدخال
مدينة كركوك ضمن فيدرالية كردستان على أن تقع ضمن سيطرة حكومة إقليم كردستان أي
أن المدينة تكون واقعة ضمن الحدود الجغرافية لكردستان ، ثم أن الشعب الكردي هو
جزء من الشعب العراقي ولكنه ليس جزءا من الشعب العربي ولا يجوز القول بذلك أو
استفزاز الكرد أو غيرهم بهذه المقولات العنصرية الضيقة أو القيام بسياسة التعريب
وبهذا تكون عقدة كركوك قد حلت قانونيا وتاريخيا في إرساء أسس السلام والاستقرار
في عراق موحد. وفي هذا ضمان للحل السلمي والأخوي والتعايش بين الجميع وفقا للقانون. 6- إلغاء
التسمية الحالية للمدينة وهي ( التأميم ) وإعادة التسمية السابقة لها ( كركوك)
وكذلك إعادة تسميات القرى والمدارس والأحياء السكنية والمناطق السابقة إلى
حالها الذي كان سائدا قبل عام 1957 أو إيراد تسميات أخرى غير استفزازية
للكرد والتركمان والآشوريين والكلدان والأرمن. 7- الاعتراف
بالشراكة في مدينة كركوك لجميع القوميات والأديان والمذاهب والأفكار وممارسة
الحقوق وفقا للقانون بالتساوي واحترام قواعد حقوق الإنسان حيث يري الأستاذ
المناضل جلال الطالباني (( أن أكثرية مدينه كركوك ما زالت كردية ويليها التركمان
الذين يشكلون نسبة كبيرة من سكان المدينة ، أما العرب فما زالوا أقلية لا تتجاوز
العشرة بالمائة من نفوس كركوك …))
12. وفي معرض حديثه عن الشراكة يقول الأستاذ جلال مايلي (( وفي اعتقادي
يجب أن لا يثير موضوع كركوك خلافا لآن الشعب الكردي يعارض الانفصال عن العراق
أولا ولان ثروة العراق شماله ووسطة وجنوبه يجب أن تكون لجماهير الشعب الكادحة
بعربة وكرده وتركمانه )). أن التعايش في
مدينة كركوك في عراق المستقبل القائم على النظام الفيدرالي ضمن سياسة
التسامح والوئام وبتفعيل دور القانون ومؤسسات المجتمع المدني الاختيارية سيؤدي
إلى تحقيق العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع الأصول الاثنية
والديانات والمذاهب والاتجاهات السياسية وضمان حرية التفكير والرأي طبقا للدستور
الفيدرالي ودستور حكومة إقليم كردستان من اجل توظيف ثروات العراق الطبيعية لبناء
السلام والاستقرار وخدمة الإنسان. References 1- انظر عبد
القادر البريفكاني –
صحيفة
الحياة يوم 8-5-2001 وانظر كذلك عوني الداودي –
صحيفة
الاتحاد العدد 402 22-12-2001 ص 10 وجرجيس فتح الله – زيارة للماضي القريب –
مشار
إلية في بحث الداودي وكذلك الأستاذ شاكر خصباك –
الكرد
و المسألة الكردية – بغداد –1959 ص 14-15 وانظر حول تسميات مدينه كركوك
زميلنا الأستاذ الدكتور نوري طالباني – منطقة كركوك ومحاولات تغيير واقعها القومي – 1995 ص 8-11 2- الإعلان
العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 3- انظر
نصوص اتفاقية منع جريمة إبادة الأجناس والمعاقبة عليها لسنة 1948 وانظر كذلك
اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية التي دخلت حيز
التنفيذ في 11 نوفمبر 1970 وانظر أيضا دكتور عبد الرحيم صدقي – القانون الدولي الجنائي – القاهرة 1986 ص 13 و 44 وانظر بخصوص جرائم
نظام صدام ضد الكرد الفيليين في التطهير العرقي والتهجير من العراق والمخالفات
ضد حقوق الإنسان بما فيها قرارات مجلس قيادة الثورة في إسقاط الجنسية عنهم وعن
كل شخص عراقي إذا تبين عدم ولائه للوطن والشعب !! ( القرار رقم 666 في 7-5-1980
) وراجع الدكتور مصطفى الانصاري – عمليات التهجير في العراق – 1991 ص 105 4- ومن
الجدير بالذكر أن جريمة إبادة الجنس البشري تعد من الجرائم ضد الإنسانية إذا
ارتكبت وقت السلم ومن جرائم الحرب إذا ارتكبت وقت الحرب وان كلا منهما جريمة
دولية تتحقق بوجود أركانها ( الركن الشرعي وهو العرف الدولي والاتفاقيات الدولية
) والركن المادي وهو الفعل ذاته سواء وقع بصورة عمل إيجابي أم بصورة سلبية وكذلك
حالة التحريض والتآمر والاشتراك سواء بصورة مباشرة أم غير مباشرة ، ثم الركن
المعنوي أي إنها جريمة عمدية تقع عن قصد ( القصد الجنائي )وهي دائما تكون في
مرتبة الجنايات وليست الجنح بفعل خطورة الجريمة. المرجع السابق ص 52-55
وانظر كذلك مجلة الحقوقي –
لندن
– جمعية الحقوقيين
العراقيين - العدد 2 ص 83 وانظر مقال الدكتور رياض عبد المجيد – سياسة التهجير القسري الداخلي والخارجي – مجلة الحقوقي لندن العدد 1 2001 ص 35 -37 5- انظر
صحيفة صوت التأميم التي تصدرها السلطة العراقية –
العدد
57 في 23 نيسان من عام 2001 وانظر كذلك صحيفة الاتحاد الوطني الكردستاني- العدد
418 في 27 نيسان 2001 6- انظر
عزيز قادر –
التاريخ
السياسي للتركمان –
دار
الساقي –
لندن
–
1999 ص 93 وانظر المؤلف القيم للدكتور نوري طالباني – منطقة كركوك ومحاولات تغيير واقعها
القومي – لندن 1995ص
32-33 وعوني الداودي – ص 10 7- انظر
عوني الداودي والمراجع التي يشير إليها وكذلك مقال الدكتور نوري طالباني – صحيفة الاتحاد العدد 323 في 18-6-1999 8- انظر
رأي الأستاذ الدكتور حسن الجلبي المنشور في مؤلف الأستاذ الدكتور عبد
الحسين العطية – مأساة شعب
العراق والرادة الحياة – 1995 ص 214 9- انظر
رأي الدكتور غسان العطية –
مقترحات
في الوضع الدستوري لعراق ما بعد صدام ( التصدي للقضية الكردية والمسألة الطائفية
) – الملف العراقي – لندن العدد 90 –1999
10- انظر
رأي الدكتور نوري طالباني –
مقترحات
دستورية تعمل على تعقيد المسألة الكردية وليس حلها –
صحيفة
الاتحاد العدد 323 في 18-6-1999 وهو منشور كذلك في مجلة أوراق عراقية – العدد الثاني 1999 ص 147 بينما يذهب السيد
عزيز قادر في كتابة الموسوم التاريخ السياسي لتركمان العراق ص 259 إلى الاعتماد
على وضع سكان كركوك قبل إحصاء عام 1957 بحجة أن التركمان كانوا هم الأغلبية من
السكان وان كركوك هي قلب التركمان النابض و رمز وجودهم القومي والتاريخي. ونحن
لا نؤيده في هذا الرأي لانه لا توجد إحصاءات رسمية يمكن الركون أليها قبل عام
1957 لكي تكون دليلا رسميا وحجة قاطعة على ما يقول ، و لآن الفقيه القانوني (
الأستاذ الدكتور حسن الجلبي ) أكد قائلا أن حدود كركوك هي ضمن كردستان
العراق ويلزم أن تتبع إلى حكومة إقليم كردستان لان أغلبية السكان هم من الكرد
قبل وبعد إحصاء عام 1957 حيث كانت نسبة السكان الكرد التقريبية قبل إحصاء عام
1957 هي 51 % بينما شكل التركمان نسبة 21.5 % ووفقا إلى
إحصاء عام 1957 وبفعل سياسة التعريب نزلت نسبة الكرد إلى 48.3
% وبينما كانت نسبة العرب في إحصاء عام 1957 هي 28.2 % ارتفعت
إلى 44.41 % في إحصاء عام 1977 ونقصت نسبة الكرد في الإحصاء
المذكور إلى 37.53 % و نزلت نسبة التركمان إلى 16.31 % . هذا فضلا عن
آن موسوعة الأعلام للعلامة التركي شمس الدين سامي الذي آلفها عام 1896 م ص 3842
جاء فيها (( أن كركوك هي مدينه كردية وتقع في قلب كردستان ))، كما لا نتفق
مع السيد عزيز قادر في اعتباره بعض السكان العرب في كركوك هم في
حقيقة الأصل من التركمان قاصدا بذلك زيادة أعداد نسبة التركمان في
المدينة وجعلهم من الأغلبية قبل إحصاء عام 1957 ذلك لآن سياسة التعريب
والتطهير العرقي تجعل العكس هو الصحيح لتغيير نسبة العرب في المدينة بجعلهم
من طرف الحكومات هم الأغلبية من خلال الترحيل والتعريب .وهنا لابد من الاعتراف
بحقوق التركمان والعرب والأرمن والآشوريين في شراكتهم في المدينة الكردية
كركوك .ونشير إلى أن افضل معيار يمكن الرجوع إلية هو إحصاء عام 1957 لأنه أول
إحصاء رسمي معترف به أما التقديرات السابقة على ذلك فهي تخمينية وغير
رسمية ووفقا لهذا الإحصاء فان أغلبية السكان هم من الكرد – كما بينا - حيث بلغت نسبتهم 48.3 % . 11-
اطلعت على رسالة سرية غير منشورة من المرحوم المهندس نوري محمد أمين أحد
المؤسسين للحزب الديمقراطي الكردستاني في كونفرانس عام 1948 ومن مؤسسي حزب شورش
وقد رد فيها على رسالة صدام التي استفسر فيها عن أسباب عدم حضوره اجتماع قاعة
الخلد للكرد المستقلين عقب انهيار المفاوضات عام 1974 حيث أجاب تحريريا ( ..إنني
من الرافضين لمشروع حكومة البعث في تطبيق الحكم الذاتي ومن المؤيدين لمشروع
الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة الملا مصطفى البارزاني .. وان كركوك جزء لا
يتجزأ من حدود كردستان ..). 12- انظر
مؤلف الأستاذ جلال الطالباني –
كردستان
والحركة القومية الكردية –
دار
الطليعة –
بيروت
ط2 1971 ص 36 وانظر باللغة الفرنسية مؤلف زميلنا الفاضل المرحوم الدكتور علي
بابا خان ( أكراد العراق Les Kurdes D'Irak )
وهي أطروحة قيمة طبعت في باريس 1991 وكذلك المؤلف القيم له باللغة الفرنسية أيضا
المعنون ( العراق من 1970-1990 ). وفيهما يتحدث المؤلف عن جرائم النظام في كركوك
وفي مختلف أنحاء كردستان وضد الشيعة أيضا. Munther
Al-Fadhal . BA, MA, Ph.D Former
Professor of law- University of Baghdad – Doctorate Department - Former
Vice. Dean of college of law- University of Amman Former
Head of public and private law Departments- Jordan Legal
adviser of Middle East and Islamic laws Stockholm-
Sweden Web
site : http://home.bip.net/alfadh |
|
خطورة
سياسة النظام العراقي في منطقة كركوك على مستقبل الكيان العراقي الدكتور
نوري طالباني كتب
الرحالة العثماني شمس الدين سامي في موسوعته (قاموس الأعلام) المكتوبة باللغة
التركية بصدد مدينة كركوك أنها " تقع ضمن ولاية الموصل التابعة لكردستان
وعلى بعد 160 كم من الجنوب الشرقي لمدينة الموصل. وهي مركز أيالة سنجق شهرزور،
لها من النفوس 30000 نسمة، وفيها قلعة و36 جامعاً ومسجداً و7مدارس و15تكية
وخانقاه، و12 خاناً و1282 دكاناً و8 حمامات". وكتب عن الحالة القومية
لمدينة كركوك: "أن ثلاثة أرباع الأهالي من الكرد، والبقية من الأتراك
والعرب وغيرهم. وفي المدينة 760 يهودياً و460 كلدانياً ".(1) وبقيت مدينة
كركوك مركزا لولاية شهرزور حتى عام 1879 واحتفظت بطابعها الكردي رغم محاولات
الإدارة العثمانية تقوية نفوذ ومراكز بعض الأسر التركية التي كانت موضع ثقة
سلاطين آل عثمان، والتي استقر أجدادها في كركوك بعد نجاح حملة السلطان مراد
الرابع عام 1048هـ لاستعادة العراق من الصفويين. وقد عهدت الإدارة
العثمانية لرؤساء هذه الأسر التركية الأصل بمنصب (المتسلمية) أي الإدارة، مع
منحهم ألقاباً عالية.(2) وقدمت هذه الأسر بدورها دعماً مستمراً للحكم
العثماني وثقافته، "وكانوا مصدراً خصباً لتزويده بالموظفين".(3) وتتطرق دائرة
المعارف الإسلامية للوضع الإداري في منطقة كركوك خلال الفترة الأخيرة من الحكم
العثماني بالقول: "كانت كركوك مركزاً لايالة شهرزور في القرن الثامن عشر
التي كانت تضم الألوية الحديثة التالية: كركوك وأربيل والسليمانية. ثم
أطلق أسم شهرزور على سنجق كركوك وألحق به لواء كركوك، في حين ظل شهرزور التاريخي
– أي السليمانية - خارج السنجق الجديد. وشكلت ولاية الموصل عام 1879،
وبقيت كركوك مدينة عسكرية مهمة".(4) ثم تضيف أن ولاية الموصل
كانت مكونة من ثلاثة سناجق أو ألوية هي الموصل وكركوك والسليمانية، وفي عام 1918
فصلت ثلاث أقضية في شمال الزاب الصغير عن كركوك لتشكَل منها لواء أربيل،
وبقيت هذه السناجق تابعة لولاية الموصل لحين اندلاع الحرب العالمية الأولى حيث
تمكنت القوات البريطانية من احتلالها في نهاية الحرب. وباستثناء منطقة
السليمانية التي تشكلت فيها إدارة كردية برئاسة الشيخ محمود الحفيد يعاونه بعض
المستشارين الإنجليز، كانت المناطق الأخرى من ولاية الموصل خاضعة للإدارة
المباشرة لجيش الاحتلال الإنجليزي. واكتشف الإنجليز خلال فترة
احتلالهم للولاية منابع النفط الهائلة في كركوك، فسعوا إلى البقاء فيها رغم أنها
لم تكن ضمن حصتهم بموجب اتفاقية سايكس-بيكو السرية المبرمة عام 1916 بينهم وبين
فرنسا.(5) وأدت الجهود التي بذلوها لدى فرنسا إلى إقناعها بالتنازل عن هذه
الولاية وإبرام معاهدة سان ريمو في 24 نيسان 1920التي تنازلت فرنسا بموجبها عن
الولاية،لقاء إعطائها نسبة محددة في شركة النفط التركية TPC التي كانت قد تأسست سابقا بين تركيا العثمانية
وألمانيا بهدف البحث عن النفط واستثماره في حدود ولايتيْ بغداد والموصل.
وهكذا كان اكتشاف النفط في كركوك وفي أطرافها سبباً أساسياً لإلحاق ولاية الموصل
بالدولة العراقية التي أنشأها الإنجليز عام 1921 من ولايتيْ بغداد والبصرة ونصبوا
الأمير فيصل بن الشريف حسين ملكاً عليها. وقد تم إلحاق ولاية الموصل التي
تشكل كركوك جزءاً مهماً منها بالعراق بعد صدورقرار مجلس عصبة الأمم في كانون
الأول 1925 لتسوية حدود هذه الولاية.(6) وقد أتخذ القرار المذكور بعد
تقديم لجنة الحدود الدولية تقريرها إلى مجلس العصبة، عقب زيارتها للولاية في شهر
شباط من العام نفسه. وكانت الإدارة البريطانية قد جعلت الأجواء مناسبة
لزيارة هذه اللجنة الدولية للولاية التي قدمت إليها بقصد الاستكشاف
والاستطلاع. فقد نظمت في كانون الأول من عام 1924زيارة للملك فيصل الأول
لأرجاء ولاية الموصل باستثناء منطقة السليمانية، لحث الناس فيها على طلب
الانضمام للدولة العراقية الحديثة. وقد جعلت الإدارة البريطانية من زيارة
الملك للولاية مناسبة لرفع العلم العراقي على مباني الدوائر الرسمية فيها، وذلك
قبل البت بمصيرها من قبل مجلس عصبة الأمم.(7) ويؤكد العديد من الباحثين
العراقيين، وفي مقدمتهم المرحوم عبد الرحمان البزاز، على أن الجهود البريطانية
هي التي حسمت الأمر لصالح العراق وجعلت ولاية الموصل جزءاً منه. وكانت
المصالح الاقتصادية والإستراتيجية لبريطانيا هي الدوافع الحقيقية وراء سعيها
لإلحاق ولاية الموصل بالعراق. فقد كانت بريطانيا الدولة المنتدبة علي
العراق تبحث عن طريق لإرسال نفط كركوك إلى الموانئ الواقعة علي الشواطئ الشرقية
للبحر الأبيض المتوسط، ومنها إلى أوروبا والغرب. وكان يتعذر آنئذ إرسال
نفط كركوك إلى تلك الموانئ بطريق آخر غير عبر الأراضي العراقية، كان يتم نقله
مثلا عبر الأراضي التركية، نظرا لتوتر العلاقات بين بريطانيا وتركيا التي كانت
تطالب بولاية الموصل وتعتبرها جزءاً منها. وقد تم فيما بعد ( في أواسط
الثمانينات) ربط كركوك بميناء جيهان التركي بأنبوب لنقل النفط بينهما، ثم يتم
شحنه من هناك إلى أنحاء العالم.(8) ورغم أن إلحاق
ولاية الموصل بالدولة العراقية المستحدثة قد تم بقرار دولي، إلا أنه كان مشروطاً
بوجوب التزام كل من بريطانيا والعراق "الأخذ بالحسبان رغبات الأكراد الذين
كانوا يطالبون بوجوب تعيين موظفين من أصل كردي لإدارة بلادهم، وبأن تكون اللغة
الكردية هي اللغة الرسمية في المرافق الخدمية المختلفة".(9) لكن
بريطانيا والحكومات العراقية المتلاحقة تراجعت عن هذه الالتزامات الدولية ومارست
في منطقة كركوك بالذات سياسة مغايرة لتلك الالتزامات، إذ حاولت منع الكرد من لعب
إي دور لهم في مقدرات كركوك بعد إدراكها لأهميتها الاقتصادية والإستراتيجية
بالنسبة للدولة العراقية المستحدثة وللمصالح الحيوية الإنجليزية. تبين ذلك من
قرار الإدارة البريطانية المحتلة ومن ثم الحكومة العراقية إبقاء اللغة التركية
لغة للتعليم والإدارة في كركوك، مع إعطاء دور للتركمان لا يتناسب مع حجمهم
ونسبتهم السكانية داخل المدينة وفي اللواء، وهي نفس السياسة التي كان العثمانيون
يتبعونها فيما مضى. وتم التنسيق أيضا بين الحكومات العراقية المتعاقبة
وإدارة شركة نفط العراق التي كان الإنجليز يديرونها وتتخذ من كركوك مركزاً لها،
لاستقدام أبناء المحافظات العراقية الأخرى لاستخدامهم في منشآت الشركة داخل
كركوك وفي أطرافها. ولهذا السبب بالذات "تهافت على لواء كركوك آلاف
من العمال والمحترفين والفنيين، تتبعهم آلاف أخرى من أصحاب المهن المختلفة وصغار
التجار والباعة وطالبي الرزق".(10) وترتب على استخدام هذا العدد الهائل
من العمال والفنيين وغيرهم في منشآت الشركة والقادمين من الألوية الأخرى، ظهور
أحياء شبه مستقلة خاصة بالعرب والآشوريين والأرمن داخل الأحياء القديمة في كركوك
القريبة من تلك المنشآت. ويقدر بعض الباحثين نسبة الزيادة في عدد سكان
كركوك للفترة من 1919 إلى 1968 إلى خمسة أضعاف ما كان عليه، وعدد المهاجرين
إليها للفترة ما بين 1947-1957 وحدها ب(39000) مهاجر.(11) ويجب الإشارة
هنا إلى أن نسبة العمال والمستخدمين الكرد في منشآت الشركة كانت تأتي بعد
الآخرين ولا تتناسب مطلقاً مع عدد نفوسهم في المدينة وفي اللواء (المحافظة).(12)
تبين ذلك بوضوح بعد إنشاء شركة النفط في بداية الخمسينات لمئات الدور السكنية
لعمالها في منطقة (عرفة/ Arrapha
) أو كركوك الجديدة. لقد كان معظم شاغلي تلك الدور من الآشوريين والأرمن
والعرب والتركمان، ماجعل الكرد يشعرون بالغبن الذي لحق بهم منذ البداية. وهكذا
أدى استثمار حقول النفط في كركوك وفي أطرافها إلى استيطان أعداد كبيرة من أبناء
المحافظات الأخرى داخل مدينة كركوك. ومع ذلك يجب القول أن الحكومات العراقية في
العهد الملكي لم تكن تمارس سياسة طرد الكرد من كركوك، ولا تضع العراقيل أمام
هجرة الفلاحين إلي المدينة من القرى الكردية التابعة للواء في سنوات القحط
والجفاف. غيران وزارة يا سين الهاشمي خططت منذ أواسط الثلاثينات لتوطين عشائر
عربية رحالة في سهل الحويجة في جنوب غربي اللواء، وذلك بإنشاء مشروع للري
لجلب الماء من نهر الزاب الصغير إلي السهل المذكور. واستبشر الكرد
في كردستان وفي كركوك بالذات بوقوع ثورة تموز 1958 وساندوها، بأمل أن تضع حدا
لسياسة التمييز التي كانت تمارس ضدهم. لكن تعيين عدد من المسؤولين
العسكريين والمدنيين المعروفين بضيق أفق تفكيرهم السياسي في مناصب حساسة في
كركوك، حال دون وقوع أي تغيير في أوضاع الكرد فيها. كما استمرت الأجهزة
الأمنية في ملاحقة العناصر السياسية التي كانت ملاحقة خلال العهد الملكي.
وبحجة العمل على حفظ التوازن بين الكرد والتركمان في كركوك، اتخذ المسؤولون
الجدد، خاصة قائد الفرقة الثانية في كركوك وهو الجنرال ناظم الطبقجلي، عدداً من
الإجراءات التي كان يستشف منها الانحياز للتركمان في المدينة.(13) كذلك
بعث بالعديد من الكتب الرسمية السرية إلى وزارة الدفاع في بغداد
التي كانت تتولى عمليا حكم العراق، متهماً فيها الكرد بإثارة المشاكل والزعم
بأنهم يعملون في كركوك على (إنشاء جمهورية كردستان) و(بعث إقليم كردستان). وقد
اعتبر مطالبة المثقفين الكرد إنشاء مديرية للإشراف على الدراسة الكردية في كركوك
"دليلاً على نواياهم وسعيهم لإنشاء هذه الجمهورية المزعومة".(14) وتعرض الكرد بعد
نجاح انقلاب 8 شباط 1963 إلى اعتداءات كثيرة، كما اعتقل عدد كبير منهم من قبل
(الحرس القومي). وقامت الأجهزة الأمنية بالتعاون مع الحرس القومي بهدم عدة
أحياء شعبية كردية في كركوك وإجبار ساكنيها على الرحيل من المدينة.
واشتدت عمليات الانتقام ضدهم بعد مباشرة الجيش العراقي هجومه على المقاتلين
الكرد في حزيران 1963. وقامت السلطة أيضاً بتدمير جميع القرى الكردية المجاورة
لمدينة كركوك أو للمنشآت النفطية والتي بلغ عددها (13) قرية، كما طردت الفلاحين
الكرد من(33) قرية أخرى في ناحية (دوبز) القريبة أيضاً من كركوك. واتخذ
النظام بعد ذلك إجراءات عديدة استهدفت جميعاً طرد الكرد من المدينة، منها: نقل أعداد كبيرة
من الموظفين في دوائر الدولة الرسمية وشبه الرسمية، الذي شمل أيضا المعلمين
والمدرسين الذين نقلوا إلي وسط وجنوب العراق، مع استقدام الموظفين العرب من
المحافظات الأخرى لإحلالهم محل الكرد. نقل أعداد كبيرة
من العمال الكرد العاملين في منشآت النفط أو تسريحهم من العمل، مع إحلالهم
بالعرب الوافدين وتعيينهم في أماكنهم رغم عدم كفاءتهم لان معظمهم كانوا من أبناء
العشائر. إنشاء الربايا
العسكرية فوق المرتفعات والتلال المحيطة بكركوك وبالمنشآت النفطية واعتبارها
(مناطق أمنية) لا يجوز الاقتراب منها، مع زرع الألغام حولها. تسليح العشائر
العربية التي تم توطينها في القرى التي طرد منها الكرد، وتشكيل وحدات نظامية
منهم ومن العشائر العربية القاطنة في قضاء الحويجة، وذلك لمساندة الجيش في
هجماته على القرى الكردية في اللواء. تغيير أسماء
المدارس والشوارع وحتى أسماء المحلات التجارية داخل كركوك، بأسماء عربية لاتمت
بصلة إلى تاريخ المنطقة. لكن سياسة تغيير
الواقع القومي لمنطقة كركوك اتخذت لها بعداً آخر بعد عودة حزب البعث إلي السلطة
في انقلاب آخر في تموز 1968. فقد خطط النظام الجديد لسياسة أخرى تهدف إلى إجراء
تغييرات عميقة في الحالة القومية في كركوك، مع الأمر بتنفيذها والالتزام بها من
قبل جميع أجهزة النظام كمنهج ثابت للدولة. ولكي يبرر النظام سياسته هذه، ضاعف من
هواجس الخوف والقلق لدى المواطن العربي وإشعاره بأنه في مواجهة خطر هيمنة
الكرد على نفط كركوك، منبع الثروة في العراق(15). ونشير بصدد ممارسات
النظام بهدف تعريب كركوك، خاصة منذ أواسط عام 1975 إلى: 1- نقل البقية
المتبقية من الموظفين الصغار والعمال الكرد العاملين في مختلف قطاعات ومنشآت
الدولة إلي خارج كركوك، وجلب العرب لإحلالهم محلهم. والكردي الذي يترك
كركوك موظفاً كان أم عاملاً لا يسمح له بالعودة إلي مدينته حتى بعد إحالته على
التقاعد أو تركه الوظيفة لأي سبب كان. 2- تبديل أسماء
الأحياء الكردية وإطلاق أسماء عربية عليها بعيدة عن تراث المنطقة، وكذا الأمر
بالنسبة للمدارس والمحلات التجارية التي لاتحمل أسماء عربية. 3- فتح شوارع
عريضة في الأحياء الكردية واستملاك الدور فيها بتعويضات زهيدة، مع عدم السماح
لأصحابها بشراء قطع من الأراضي أو دور أخرى داخل كركوك، لإجبارهم على تركها. 4- منع الكرد من
حق بيع دورهم وعقاراتهم لغير العرب، كذلك منعهم من شراء أي عقار أو دار بأي وجه
من الوجوه. 5- امتناع دائرة
البلدية من إعطاء الكرد (إجازة البناء) أو (إجازة ترميم البناء) حتى ولو كانت
دورهم أو عقاراتهم بحاجة ماسة للترميم. 6- إنشاء العديد
من المعامل والمنشآت الحكومية في المنطقة الجديدة من كركوك التي تم توطين الألوف
من العوائل العربية فيها، خاصة بالقرب من طريق كركوك-الحويجة، مع بناء البيوت
السكنية للعمال الذين استقدموا من وسط وجنوب العراق للعمل فيها. 7- توطين عشرات
الألوف من العرب الذين تم جلبهم من وسط وجنوب العراق داخل مدينة كركوك. وقد
جلبوا في مجموعات متلاحقة وتم توفير السكن والعمل لهم. والعملية لاتزال مستمرة
لحد الآن أيضاً. 8-تشجيع الكرد
علي مغادرة كركوك وأعلان النظام بقرارات عديدة استعداده لاعطاء منحة مالية
للأسرة الكردية التي تتركها، مع تأمين السكن لها في (منطقة الحكم الذاتي) أو في
وسط وجنوب العراق، باستثناء تكريت وبغداد وديالى. 9- بناء العديد
من الأحياء الجديدة داخل مدينة كركوك لتوطين (العرب الوافدين) فيها الذين
يتمتعون بالحماية الأمنية الخاصة التي توفرها لهم النظام الذي سلح معظمهم
بالأسلحة الخفيفة. وقد تم تعيين معظم هؤلاء (الوافدين) – وهي التسمية
الرسمية لهم - في دوائر الأمن والشرطة والمخابرات، أو في منشآت النفط والمؤسسات
والمعامل والمصانع الحكومية. كما أن كثيراً من منتسبي القوات المسلحة من
ضباط وضباط صف وجنود قد تم توطينهم في الدور الخاصة التي بنيت لهم داخل كركوك
وفي أطرافها، بالقرب من الوحدات العسكرية للفيلق الخامس ومعسكر خالد المستحدث من
قبل النظام. ونكتفي هنا بالإشارة الى أسماء الأحياء الجديدة التي بناها
النظام داخل مدينة كركوك خلال السنوات الأخيرة. علماً بأن عملية إقامة
أحياء جديدة لازالت مستمرة نظراً لاستمرار النظام في جلب المزيد من العوائل
العربية لتوطينها في كركوك وفي أطرافها. والأحياء العربية المستحدثة
في كركوك منذ بداية السبعينات هي: (الكرامة) و(المثنى) و(شهداء قادسية صدام)،
و(الأندلس)، و(البعث)، و(الو اسطي)، و(السكك)، و(غرناطة)، و(الحجاج)،
و(العروبة)، و(الشرطة)، و(قتيبة)، و(الأمن)، و(الوحدة)، و(الحرية). كذلك
أضاف النظام حوالي ألف وحدة سكنية جديدة لحي (عرفة) للعمال العرب الوافدين الذين
تم استخدامهم في شركة النفط، وبنى أيضاً عدة مئات من الدور السكنية للعمال
الوافدين العاملين في معمل استخلاص الكبريت وفي مصفى النفط على الطريق بين كركوك
- دوبز (التي عُربّت تسميته الى الدبس). وقد حول النظام أطراف مدينة كركوك
الى قواعد عسكرية ضخمة بنى فيها مئات الدور للضباط ومئات أخرى لضباط الصف، خاصة
قرب معسكر خالد ومقرات الفرق العسكرية والفيلق الخامس. ويجب الإشارة أيضاً
الى العمل التخريبي الذي قام به النظام العراقي في قلعة كركوك التاريخية، حيث
حولها الى قلعة حربية بعد تدمير جميع الدور والمباني الأثرية فيها، بما فيها من
جوامع مع كنيستها القديمة. وإذا كان النظام العراقي قد باشر سياسته العنصرية هذه
ضد الكرد منذ 1963 وشدد في تنفيذها منذ بداية السبعينات، فقد بدا بتنفيذها ضد
التركمان أيضاً منذ بداية الثمانينات. أما الآشوريون والأرمن، فقد اعتبرهم عرباً
بجرة قلم! ولكي يسبغ (الشرعية) على عمليات توطين عشرات الألوف من العائلات
العربية في كركوك، قام بتزوير سجلات الأحوال المدنية المستندة على الإحصاء
الرسمي للسكان لعام 1957، وذلك بإضافة أسمائهم إليها حتى يعتبروا كما لو كانوا
مسجلين فيها قبل التأريخ المذكور. وفي السياق نفسه بدل النظام الاسم التاريخي
لكركوك وأطلق على المحافظة أسم (التأميم) بعد تأميم شركات النفط العاملة في
العراق في حزيران 1972. كذلك قلص من مساحة المحافظة عن طريق ضم أربعة
أقضية منها للمحافظات المجاورة، بهدف جعل الكرد أقلية سكانية في محافظة
كركوك. فقد ألحق عام 1976 قضاء طوزخورماتو بمحافظة صلاح الدين (تكريت)
المستحدثة والبعيدة عن طوزخورماتو. كذلك ألحق قضائي جم جمال وكلار بمحافظة
السليمانية، وقضاء كفري بمحافظة ديالي. ومع تنشيط
عمليات الاستيطان داخل كركوك وأطرافها وإحداث تغييرات ديموغرافية عميقة فيها
لإسباغ الطابع العربي عليها، دمر النظام البنية التحتية للمناطق الريفية التي لم
يستطع توطين العرب فيها لأسباب أمنية.(16) فقد قام بتدمير جميع
القرى الكردية في المناطق الشرقية والشمالية من المحافظة والتي وصل عددها إلى
779 قرية في نهاية الثمانينات، بما فيها من مساجد ومدارس ومراكز صحية، وأجبر
سكانها على النزوح منها والاستيطان في مجمعات سكنية بنيت خصيصا لهم تدار من قبل
الأجهزة الأمنية. وعندما نفذَ النظام عمليات الأنفال السيئة الصيت خلال
عاميْ 1987 و1988 والتي تجاوز عدد ضحاياها 180 ألف مدني كردي، كانت حصة منطقة
كركوك منها اكثر من النصف، إذ لم يكن بوسع القرويين في هذه المناطق البعيدة
نسبياً عن الحدود الدولية الوصول إليها، فاضطروا إلى تسليم أنفسهم للسلطات
العسكرية والأمنية التي بعثتهم الى جنوب العراق، ليدفنوا أحياء في صحاريها
القاحلة.(17) واستمر النظام
العراقي في تنفيذ سياسته الرامية لتعريب كركوك وأطرافها وسط صمت وعدم اكتراث على
النطاقين الإسلامي والدولي، رغم أن ممارساته العنصرية هذه كانت أشد قسوة ووحشيةً
من ممارسات الأنظمة العنصرية المدانة دولياً. وهكذا فقدت كركوك منذ أواسط
الثمانينات وجهها الطبيعي بسبب نزوح موجات (العرب الوافدين) إليها وهيمنتهم على
جميع مراكز القوى وعلى الإدارة والأجهزة الأمنية والمخابراتية فيها، فضلاً عن
سيطرتهم على المرافق الاقتصادية والمؤسسات والتنظيمات المهنية المختلفة
واستحواذهم على معظم الأراضي الزراعية في المحافظة. وكان بوسع المرء أن
يلاحظ بسهولة وجود حشود من البشر لا صلة لهم بالمدينة وبالمنطقة قد أصبحوا
الآمرين والناهين فيها، بينما تحول أبناء المدينة والمحافظة إلى غرباء وعرضة
للاضطهاد والاحتقار من قبل الوافدين الجدد. وشدد النظام من
إجراءاته القمعية ضد أبناء كركوك بعد اندحاره في حرب الخليج الثانية واندلاع
شرارة الانتفاضة. فقد أمر علي حسن المجيد وزير الدفاع والمشرف على القاطع
الشمالي آنذاك، اتخاذ إجراءات قسرية ضد أبناء المدينة خوفاً من وقوع أي تحرك
فيها. فأمر في البداية بإلقاء القبض على اكثر من ثلاثين ألف كردي من أبناء
كركوك، كان من بينهم العديد من العسكريين المجازين. وقد مات بعضهم بسبب
حشرهم في أماكن ضيقة وغير صحية، مع عدم تقديم الماء والمأكل لهم لأيام، علما بأن
معظمهم كانوا صائمين بمناسبة شهر رمضان المبارك. وازدادت هواجس الخوف لدى
رموز النظام بعد تحرير معظم أجزاء كردستان خلال الأسبوعين الأوليين من شهر آذار
1991، فاتخذوا استعدادات عسكرية واسعة خوفاً لتعرض المدينة لهجوم المقاتلين
الكرد الذين تقدموا نحو كركوك وأحاطوا بها من أطرافها الشمالية والشرقية.
وبعد قتال عنيف داخل شوارع المدينة دام بضعة أيام، استخدم فيه النظام الراجمات
والصواريخ والمدافع والمروحيات العسكرية في ضرب الأحياء الكردية، أضطر إلى
التقهقر والانسحاب. ونظراً لأهمية كركوك بالنسبة للنظام وكونها تشكل عازلاً
أمنياً لمناطق تكريت وبغداد، فقد ضاعف من استعداداته العسكرية وتنسيقه الأمني مع
مجموعات (مجاهدي خلق) الإيرانية التي تحولت إلى قوة من المرتزقة تدافع عن النظام
بشراسة، فاستطاعت عدة مفارز منها دخول مدينة كركوك بعد تخفي أفرادها بالأزياء
الخاصة بالمقاتلين الكرد. وتعرضت المدينة خلال ثلاثة أيام متوالية اعتبارا
من 27 آذار 1991 إلي قصف مركز بجميع أنواع الأسلحة الثقيلة، ما أجبر سكانها على
الخروج منها تاركين ورائهم جميع أموالهم وممتلكاتهم التي تعرضت للنهب والسرقة من
قبل منتسبي وحدات القوات الخاصة و(العرب الوافدين) الذين هرب معظمهم مع الجيش،
ثم عادوا إليها بصحبة القوات الخاصة. وتعذر على الكثيرين
من الكرد والتركمان الذين اضطروا إلي ترك كركوك، العودة إلي دورهم فيها خوفاً من
القصف ومن بطش القوات الخاصة بهم. وهكذا كان فشل انتفاضة آذار 1991 سبباً
آخر يضاف للأسباب الأخرى التي أجبرت أبناء كركوك على الرحيل منها، خاصة
الشباب الذين شاركوا في الانتفاضة بشكل أو بآخر. وتعرض أبناء
كركوك بعد عودة الأجهزة الأمنية والتنظيمات الحزبية إليها في بداية نيسان 1991
إلي حملة شرسة شملت هدم عدد من الدور في الأحياء الكردية، بالإضافة إلي إلقاء
القبض على الكثير من الشباب بتهم المشاركة في الانتفاضة، ما دفع الآخرين إلى الهرب
والتوجه نحو المناطق الأخرى من كردستان. ولم يحترم النظام تعهداته التي
التزم بها لممثلي الجبهة الكردستاينة خلال التفاوض معه في أواسط 1991 والمتمثلة
بالسماح لأهالي كركوك بالعودة إلى ديارهم. وكان ذلك بداية لحملة جديدة
أخرى من الطرد والترحيل أخذت تشتد مع الأيام. ويتبين من الإحصاءات التي نشرتها
المنظمات الكردية والعالمية المهتمة بحقوق الإنسان أن وتيرة الطرد بدأت بالزيادة
بعد إخفاق المفاوضات مع النظام وسحبه لأجهزته الإدارية من محافظات أربيل
والسليمانية ودهوك في أيلول 1991. واشتدت حملات الطرد خلال السنوات 1994
و1995 و1996، خاصة منذ بداية 1997 أثناء تهيئة الأجواء لإجراء إحصاء رسمي في ذلك
العام. ولجأ النظام إلى أسلوب آخر غير مألوف حتى في الدول المؤسسة على أسس
عنصرية، كجمهورية جنوب أفريقيا سابقاً وإسرائيل. فقد طالب الكرد بتغيير قوميتهم
وتسجيل أنفسهم عربا، وأعد استمارات خاصة بذلك ورد فيها حقل خاص يدون فيه رب
العائلة أن تسجيلهم كأكراد تم (خطأ) في الإحصاءات السابقة! وهدد
النظام بطرد جميع من لا يملأ تلك الاستمارات. وقد باشر بهذه الإجراءات قبل
تنظيم إحصاء عام 1997 الذي جاء اكثر تزويراً من الإحصاء العام لسنة 1977.
واستمر النظام في ممارساته العنصرية هذه حتى بعد إتمام عملية الإحصاء. فقد
جاء في خطاب لأحد أقطاب النظام المسؤول عن تعريب كركوك وهو عزت إبراهيم الدوري،
أنه ليس بوسع غير العرب البقاء في كركوك ! (18) وذهب النظام إلى ابعد من
ذلك، حيث منع في السنوات الأخيرة نقل جثث موتى الوافدين العرب الشيعة إلى مدينة
النجف الأشرف، وذلك لكي تكون للعرب أيضا مقبرة خاصة بهم في كركوك علي غرار
المقابر الخاصة بالكرد و التركمان. فمن المعلوم لدي الجميع انه لا توجد في
هذه المدينة غير مقابر خاصة بالكرد وأخرى بالتركمان. إن الإحصاءات
الأخيرة تشير إلى أن عدد المرحلين من كركوك وأطرافها إلى المنطقة المحررة من
كردستان قد تجاوزت 108000 إنسان، معظمهم من مدينة كركوك. ويعيش هؤلاء
التعساء في ظروف سيئة للغاية وفي مخيمات ومجمعات لا تتوفر فيها أبسط مقومات
الحياة، ويعتمد معظمهم في عيشهم على المساعدات التي تقدمها لهم المنظمات
الإنسانية. وأمام حالة اليأس والبؤس التي يعيشون فيها والتي استمرت سنوات
عديدة، حاول ويحاول العديد من أبناء هؤلاء المرحلين التوجه نحو الغرب بطرق غير
شرعية. وفقد الكثيرون منهم حياتهم أو ما في حوزتهم من مال قبل وصولهم إلي
إحدى الدول الأوروبية. ومن المؤسف أن
المجتمع الدولي لا يزال يتجاهل الأوضاع المأساوية لهؤلاء المرحلين من ديار
آبائهم وأجدادهم ولا يمارس الضغط على النظام العراقي لإيقاف حملات الطرد
الجماعية والسياسة العنصرية المناوئة لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 688 لسنة
1991ولجميع المواثيق الدولية التي التزم بها العراق كونه عضوا في الأمم المتحدة
وفي هيئاتها العديدة. والمؤسف أيضا أن معظم أطراف وفعاليات المعارضة
العراقية لا تزال تتجاهل ممارسات النظام ولا تدينها بصورة صريحة. إن من واجب
جميع المخلصين لوحدة الكيان العراقي إدانة سياسة النظام العراقي الرامية إلي
تغيير الواقع القومي لمنطقة كركوك والمناطق الأخرى من كردستان الخاضعة لسيطرة
النظام. ويجب قبل أن تتفاقم سياسة النظام وتصل إلى حد طرد جميع السكان
الأصليين من كرد وتركمان وكلدو-آشوريين من هذه المناطق وما يترتب علي دلك من
آثار خطيرة، وضع هده المناطق تحت حماية المجتمع الدولي تطبيقاً للقرار الدولي
رقم 688 الذي يلزم الحكومة العراقية باحترام حقوق الإنسان في العراق بوجه عام،
وفي المنطقة الكردية بوجه خاص. (1) شمس الدين
سامي، قاموس الأعلام (باللغة التركية العثمانية)، مطبعة مهران، استنبول 1315هـ/1898م.
(2) عبدالمجيد
فهمي حسن، دليل تاريخ مشاهير الألوية العراقية، الجزء الثاني الخاص بلواء كركوك،
مطبعة دجلة، بغداد 1947، ص،284. وقد ورد فيه بصدد أسرة (آل النفطجي) وبلسان
رئيسها المرحوم ناظم بن صالح آل النفطجي أن نسب هذه الأسرة ينتهي "إلى
قبيلة تركية كانت تسكن آسيا الصغرى (الأناضول)، ثم هاجر بعض أفرادها إلى العراق،
وكان جد هذه الأسرة وهو (قهرمان آغا) هو الذي اكتشف منابع النفط في كركوك ووضع
يده عليها وعلى الأراضي المجاورة لها". (3) دائرة
المعارف الإسلامية (باللغة الفرنسية)، الجزء الخامس، وقد ألف ما يتعلق بـ (كركوك
(Kirkuk فيها المستشرق (كرامرز)، ثم أضاف إليها
(تومابوا) ملاحظات هامة قبل إعادة طبعها ثانية، ص147. (4) دائرة
المعارف الإسلامية، المصدر السابق. (5) يتبين من
بعض الوثائق البريطانية السرية أن وزارة الخارجية البريطانية كانت قد حذِّرت
قيادة قواتها في جبهة العراق من التقدم شمالاً صوب حدود ولاية الموصل. فقد جاء
في مذكرة سرية مؤرخة في 14 آذار 1915 موقعة من قبل السير آرثر هيرتزل مسؤول
القسم السياسي في الخارجية البريطانية "أنه يجب عدم تجاوز سلسلة جبال حمرين
بأي وجه من الوجوه، لما يمكن أن يترتب من مشاكل مع السكان الكرد في
المنطقة". راجع كل من: Briton Cooper Bush,
Britain, India and Arabs, P.40; and Marian Kent, Oil and Empire, P.120. وكانت بريطانيا وفرنسا قد اتفقتا سابقا بموجب معاهدة
سايكس-بيكو السرية على ان تكون ولايتي بغداد والبصرة من حصة بريطانيا، وولاية الموصل
لفرنسا، وهذا يعني أن هاتين الدولتين لم تكونان تنظران للعراق بحدوده السياسية
الحالية ككيان واحد. بحثنا الذي قدمناه في مؤتمر قانوني نظم في شهر تشرين الثاني
عام 1999 من قبل مؤسسة أحمد للدراسات الكردية في وا شنطن والذي نشر في: An Analysis of The
Legal Rights of the Kurdish People; Nouri Talabany, Southern Kurdistan in
International Law, Virginia, USA 2000, P96)
ibd.
, P.97. (6) اكتفت
اللجنة الدولية بإجراء استفتاء شكلي بين الوجهاء والمختارين في الولاية عن طريق
طرح أسئلة محددة عليهم. د.فاضل حسين، مشكلة الموصل، مطبعة إشبيلية، بغداد 1977،
ص6. (7) بحثنا
الذي قدمناه في الندوة التي نظمها نواب حزب الخضر الفرنسي في بناية البرلمان
الفرنسي بتأريخ الخامس من شباط 2001حول آثار الحصار الاقتصادي علي العراق ووضع
حقوق الإنسان فيه، وكان بعنوان: La Politique de l'Aarabization de la Region de
Kirkuk par les Regimes Irakiens. (8) أود أن سجل
هنا للتاريخ ما سمعته من المرحوم توفيق وهبي، الوزير الكردي السابق في العهد
الملكي والذي كان مقيما في لندن، الذي قال أن رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري
السعيد كان قد استشار عددا من السياسيين والوزراء السابقين عام 1956 بسبب توتر
العلاقات بين الحكومتين السورية والعراقية، فاقترح البعض قطع خط أنابيب النفط
بين كركوك وسوريا وإنشاء خط جديد بين كركوك والموانئ التركية، فرفض الاقتراح
جملة و تفصيلا قائلا انه لا يريد إلحاق ضرر بشعب سوريا، لكن النظام البعثي في
العراق نفذ في الثمانينات ما رفضه نوري السعيد عام 1956. (9) د. وليد
حمدي، الكرد وكردستان في الوثائق البريطانية، دراسة تاريخية ووثائقية، لندن
1992، ص186، ومقال عدنان حسين في مجلة (الزمن ) بعنوان: القضية الكردية ، قصة أم
المشاكل في العراق، العدد 26، ديسمبر 1997، ص7. وقد أشار الدكتور وليد حمدي إلي
وثيقة بريطانية سرية تتضمن إثارة المندوب السامي البريطاني في العراق موضوع
استخدام اللغة الكردية في كردستان طبقاً للالتزام الدولي المذكور، وذلك في
اجتماع له مع الملك فيصل الأول بتأريخ 20 أيار 1930، مع الإشارة إلى عدم اتخاذ
الحكومة العراقية أي إجراء بهذا الشأن وعدم تأسيسها منطقة تعليمية موحدة في
المنطقة الكردية، ص186 من المصدر المشار إليه آنفا. (10) عبدالمجيد
فهمي حسن، دليل تأريخ مشاهير الألوية العراقية، الجزء الثاني الخاص بلواء كركوك،
مطبعة دجلة، بغداد 1947، ص54 . (11) الدكتور
أحمد نجم الدين، أحوال السكان في العراق، معهد الدراسات العربية، القاهرة 1970،
ص109 (12) يلاحظ أن
الدوائر البريطانية في العراق كانت قد قدرت عدد نفوس الكرد في لواء كركوك عام
1921 بـ (75000)
والأتراك بـ(35000) والعرب ب(10000) واليهود بـ(1000) والكلدان بـ(600)، وهذه
التقديرات البريطانية مستمدة من أرشيف السجلات المحفوظة في المكتبة العامة في
ستوكهولم، حيث كانت السويد هي المشرفة على تنظيم عملية الاستفتاء في ولاية
الموصل. وبلغت نسبة الكرد في كركوك بموجب الإحصاء السكاني الرسمي لسنة
1957، 48,3% والعرب 28,2% والتركمان 21,4%. وبدأت بعد ذلك، خاصة منذ 1968،
عمليات الترحيل والطرد الجماعي للقوميات غير العربية من كركوك ، مما أفقدت
الإحصائيات اللاحقة مصداقيتها وشرعيتها. (13) من بين
الإجراءات التي اتخذها قائد الفرقة الثانية الجنرال ناظم الطبقجلي بعد وصوله
كركوك بفترة قصيرة هي مفاتحته وزارة الداخلية لإقالة رئيس بلدية المدينة الكردي،
وتعيين آخر تركماني بدلا عنه. (14) كتاب قيادة
الفرقة الثانية / الاستخبارات / سري والمرقم 1س/142 في 19/1/1959 الموجه إلى
رئيس أركان الجيش تحت عنوان "الحالة السياسية في منطقة مسؤولية الفرقة
الثانية". (15) برزت فكرة
الاستيطان في منطقة كركوك بدافع الهيمنة على منابع النفط الموجودة فيها أثناء
المفاوضات التي جرت بين النظام العراقي وبين وفد من (الجبهة الكردستاينة) في
أواسط عام 1991. فأثناء الحديث عن حدود المنطقة الكردية الخاضعة للحكم
الذاتي، كان وفد النظام يستعين بخرائط تفصيلية للمواقع التي تتوافر فيها منابع
النفط. ولاحظ الجانب الكردي أن وفد النظام كان يصر على وجوب اعتبار المناطق التي
تتوافر فيها منابع النفط خارج حدود المنطقة الكردية الخاضعة للحكم الذاتي، بينما
لم يكن متشدداً بشأن الأماكن الأخرى التي لا تتواجد فيها حقول النفط، وفي ذلك
يشبه أسلوب تعامل النظام العراقي مع الكرد مع طريقة تعامل النظام الإسرائيلي مع
الوفد الفلسطيني لدى التفاوض معهم بشأن تحديد مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة
التي تكثر فيها منابع المياه القريبة من المجمعات الاستيطانية الإسرائيلية. وهو
ما فعله أيضاً العنصريون الصرب في جمهورية البوسنة والهرسك وفي كوسوفو أيضاً.
راجع مقال الكاتب الإسلامي فهمي هويدي: الأكراد شعب الله المختار، كركوك سبقت
كوسوفو في خطط الاقتلاع والإبادة، مجلة (المجلة)، العدد 1005، 22/5/1999. (16) رغم أن
المؤسسة العسكرية كانت تتمتع بصلاحيات واسعة في كردستان، وكان بإمكانها استخدام
الأسلحة الكيماوية أيضاَ، إلا انه لم يكن بإمكانها حماية المستوطنات في المناطق
الواقعة في شمالي وشرقي كركوك ذات التضاريس المتموجة، وذلك خوفا من هجمات المقاتلين
الكرد عليها. وكان أمن المستوطنات العربية يتمتع بأهمية قصوى لدي النظام
العراقي، لذلك اقتصر إنشاء المستوطنات العربية في المناطق السهلية من المحافظة
حتى عام 1996. (17) كتب الكثير
عن الأنفال وعن ضحايا هده الجريمة الكبرى، ونكتفي هنا بالإشارة إلى أسماء بعض من
كتبوا عنها باللغة الكردية، من بينهم طه سليمان، في ظل الأنفال، الجزء الأول،
مطبعة ئاسا، السليمانية 1999، و هه فال أبو بكر، الأنفال بين شراسة العدو وعدم
اكتراث الأصدقاء، مجلة (كركوك)، العدد الأول، السنة الثانية، صيف 2000، ص 57 وما
بعدها، والدكتور معروف عمر كول، الأنفال مرحلة لتتقيد جريمة الإبادة، مجلة
(كركوك)، العددين الثاني و الثالث، خريف 1999، ص7 وما بعدها. (18) خطاب عزة
الدوري في كركوك في بداية أيلول 2000، وتأكيده على ذلك في كلمة أخرى أمام
المسؤولين البعثيين والعسكريين في المدينة في اجتماع آخر له بمناسبة وجوده فيها.
جريدة (الحياة) ليوم 21 أيلول 2000. |