|
 هنا
مسرح لأن هنا شكسبير .. وهذا يكفى، شكسبير معاصرنا كما قدمه "يان كوت" فى
دراسة كاملة تحمل نفس العنوان. وبالفعل هذه هى عبقريته الفذة أنه معاصر
دائما، فلم يسير اغوار النفس البشرية أحد كما فعل شاعر المسرح العظيم
شكسبير واضعا مصير الغنسان فى مقابل مصير البشرية بكاملها مهما أختلفت
نوازعه .. كما حدث فى هاملت أو عطيل أو ماكبث أو الملك لير، فمصير الإنسان
وماساته مرتبط بمصير الإنسانية والعكس، إذ دائما ما يقف هؤلاء الأبطال فى
مواجهة قوى الشر وغضب الطبيعة، من خلال مسرح مطلق يقرأ الحياة من خلال
أفراد، ليبقى شكسبير خالداً ..
فى خضم ما نشاهدة من سخف مسرحى فى
السنوات الأخيرة ينجح المسرح القومى فى تقديم رائعة شكسبير "الملك لير"
لتأتى كسعادة تغسل أرواح المشاهدين مما يشاهدونه من مستويات مسرحية هزيلة
لسنوات طويلة، وهذا ما شعرت به وأنا أشاهد العرض على خشبة المسرح القومى ..
حالة مختلفة تماما، ثلاث ساعات بمثابة غذاء العقل والروح من فلسفة شكسبير
وأداء يحيى الفخرانى.
والملك "لير" أعظم قصائد شكسبير شعرا
تختلف عن كل التراجيديات التى كتبها لاختلاط الفلسفة بالهزل لتأتى فيها
القسوة ممزوجة بالسخرية.
وإذ تصل المأساة نزعة جروتسكية تهزأ
بالتعارف عليه والتقليد منذ الحظة الأولى، حين يهزأ جلوستر من خليلته أم
أدموند. المرأة التى تجد ولداً لمهدها قبل أن تجد زوجا لفراشها، إذ يسخر
شكسبير من كل عناصر الطبيعة فى "لير" و"لير" فى المسرح المطلق مسرح
اللامكان واللازمان فالمشهد الرئيسى الأرض وعناصرها وأيضا السماء أما
الديكور فهو عناصر الطبيعة من عواصف وأمطار وبرق ورعد، وحين يفقد "لير"
توازنه تختل عناصر الطبيعة،فبراكين المراة والأسى داخله تقذفها الطبيعة فى
صورة عواصف غاضبة، فثمة اتحاد بين "لير" الفرد والطبيعة وعناصرها.
وقد نجح المخرج
أحمد عبد الحليم
فى تقديم مشهد بصرى من خلال ديكور سمير زكى اعتمد على عناصر الطبيعة فيما
عدا بعض الرموز مثل التاج الذى تم تقسيمه فوق واجهة خشبة المسرح ووضعه
فىدائرة داخل خشبة المسرح ليضم المشهد البصرى بعد ذلك العواصف والأمطار
والفضاء المسرحى الذى يتناسب وفكرة اللامكان أوالمسرح المطلق فبعد أن يتم
تقسيم المملكة بين ابنتيه "غونديل وايفن" واستبعاد كلورديليا، واكتشاف "لير"
لماساته نحن أمام أرض خالية وملك مجروح وأعمى "غلوستر" وبهلول ومجنون وتابع
مخلص فتنكر لحماية مليكه .. فماذا يحدث؟
الذى يحدث أننا نشاهد كيف جسد مجموعة
الممثلين هذه المأساة الساخرة بعد اكتشف الجميع خراب العالم وعبث الوجود ..
"لير" وجحود ابنتيه وغلوستر ومؤامرة ابنه أدموند عليه وعلى أخيه إدجار،
و"كنت" طيب "لير" المخص الذى صمم على أن يتبع مليكه رم طرده له والبهلول
الحزين وكورديليا وهى الست شخصيات العادلة فى مقابل الشخصيات الشريرة ريغن
وزوجها، وغوتديل والاخرين.
وتبدأ بالملك الفليسوف
يحيى الفخرانى
الذى صال وجال على مدى ثلاث ساعات فى أجمل أدواره قاطبا بل ومن أجمل ما
شاهدنا على خشبة المسرح المصرى مجسدا كل مراحل "لير" فىخرية مريرة جعلت
الجمهور يصفق له عشرات المرات ولأن
يحيى الفخرانى
عكف على شخصية "لير" بإخلاص فقد قدمها دون افتعال وبفلسفة عميقة من خلال
الأداء ونبرة الصوت وتعبيرات الوجة حتى فى حركته وهو يمشى أو يغضب أو يضحك
بالفعل ثمة فلسفة عميقة كانت تغلف أداء هذا الممثل الفذ ليبرز المعنى
العميق لمأساة "لير" اساخرة من خلال الحركة ونبرة الصوت وأيضاً محمد ناجى
فى دور "كنت" طبيب "لير" الذى طرده بعد رفضه لنصيحته ونجح بشكل رائع فى
تجسيد شخصيته التنكرية فى دور التابع لمساعدة كليكه حين غير من هيئته ونبرة
صوته. أما أشرف عبد الغفور فى دور غلوستر الذى قد عينيه لنبله وإخلاصه فقد
أدى الدور ببراعة .. أما البهلول لطفى لبيب فكان مشكلة العرض رغم أنه ممثل
قدير وأدى بشكل رائع كعادته إلا أنه لا يليق أن يتم الاستعانه بأشعار أخرى
مع شعر شكسبير، وهذا ليس اعتراضا على شعر أحمد فؤاد نجم بل لأن ذلك ليس
مكانه ولا أعرف لماذا قر المخرج ذلك لأنه فعلا أفسد دور البهلول، فالبلهول
هنا ضمير "لير" وحلمه وكابوسه معا وفى الوقت الذى يحول فيه التخفيف عن
الملك كان يؤلمه ويزيد من غضبه ولا تعرف كيف تم إفساد هذا الدول ولماذا؟
وتأتى إلى الأشرار وهما "التعيسان"
سوسن بدر "غونديل" وسلوى محمد على "ريغن" فقد جسدت كل منهما دور الأبنة
الجاحدة لتلقى المصير اللائق كما حدده شكسبير بالإضافة غلى أحمد سلامة "أدموند"
ومعهما ريهام عبد الغفور فى دور "كورديليا" ورغم صغر مساحة الدور إلا أنها
تركت انطباعا جيداً، وتأتى إلى موسيقى راجح داود التى كان أجمل ما فيها أنا
اعتمدت ايضاً على عناصر الطبيعة من مؤثرات صوتية العواصف وعناصر الطبيعة إذ
عبرت عن غضب الطبيعة، وقدم عاطف عوض ثلاث أستعراضات كان أجملها مشهد الحرب.
وفى النهاية نجح المخرج
أحمد عبد الحليم
فى تقديم مجموعة من العناصر الجيدة بدءا من النص إلى كل مفردات العرض
المسرحى لتجسد فى النهاية مشهد بصريا جميلاً ومناسباً لفلسفة "لير" وجاء كل
شئ فى العرض بحساب ودون ترهل أو زيادة مجسدا مأساة "لير" فى عصرنا الحالى
ليصمت الجمهور فى المسرح القومى ويحبس أنفاسه إلا التصفيق المتكرر وهو
يشاهد المجنون يقود الأعمى والبهلول يسخر من الملك فى أرض خربة.
المعروف أن "لير" هو أخر مشاريع
الدكتورة هدى وصفى فى المسرح القومى والذى خرج فى صورة عرض فى عهد الدكتور
هانى مطاوع. فتحية كبيرة لهذا المشروع العظيم الذى أعاد للمسرح القومى
صورته ودوره كضمير للأمة.
|