هذا
الموسم تتألق فيه عدة مسرحيات، ففي مسرح
الجمهورية مسرحية لن تسقط القدس، وفي مسرح
السلام حلاق بغداد وفي مسرح الأزبكية الملك لير وفي مسرح الغد السلطان
يلهو.. بأضوائها الملونة الخلابة، وكل
واحدة من مسرحيات الموسم لها جاذبية خاصة وتحتاج الي وقفات كثيرة.
واذا كان المسرح اليوم يطرق أبواب
النهضة،, ويعود إلي تقاليده الراسخة في
الاهتمام بالنصوص وجمالياتها الأدبية، فلابد
أنه سيعيد من تقاليده الرائعة الحرص علي اتصال الجمهور بالأدب المسرحي
العالمي واحساس الجمهور المسرحي بالحضور في دنيانا وعالمنا،
ليتجاوز أي شعور بالغربة لدي الشباب أو الشعور بالاغتراب في الزمان.
وهكذا كان تقديم المسرح القومي
رائعة شكسبير الملك لير بادرة طيبة لها مابعدها فيما أظن وأرجو.
الملك لير يقدمها المسرح القومي في
الترجمة الممتازة للدكتورة فاطمة موسي المشرفة علي المشروع القومي
للترجمة الذي ينهض به المجلس الأعلي للثقافة وهي ايضا المحررة والمشرفة
علي المرجع المهم قاموس المسرح وترجمة الملك لير لابد أن تراعي خصوصية
هذا العمل الشكسبيري الحاشد بالمواقف والشخصيات.
والمسرحية
تحكي أنه لما هرم الملك لير أحب أن يوزع مملكته علي بناته الثلاث ــ كل
منهن حسب قدرتها علي التعبير عن حبها له ــ فوقع تحت تأثير المنافقتين
الكبري والمتوسطة، وغضب من الصغري التي أبت
أن تزايد علي أختيها في نفاق أبيها، وحرمها
من الميراث.
أصبح الملك بلا سلطة فاضطهدته
البنتان وطردتاه إلي العراء ليقع فريسة الغضب والجنون.. وتأتي ابنته
الصغري المحرومة من الميراث لإنقاذه علي رأس جيش،
وتضحي بحياتها ليرثيها الأب المفجوع قبل أن يموت.
والمسرحية تنتقل بين الحب والغضب،
وغطرسة السلطة وذل الحاجة، وجنون الندم وعقوق
البنات.
ويتدرج السياق علي مدارج هذه
الانفعالات المتباينة.
وقد قدمت الدكتورة فاطمة موسي
ترجمتها لمسرحية الملك لير بمقدمة ضافية ومفيدة فصلت فيها مختلف الآراء
حول المسرحية ومضمونها ولغتها, كما حددت اختياراتها في الترجمة,
فكتبت: هذه الترجمة نثرية في الظاهر، لكنها
منغمة موزونة بإيقاع شفهي نابع من الايقاع الدرامي للجمل حسب المعني الذي
قصد إليه شكسبير علي لسان الشخصيات.
وأكملت تقول: تختلف مستويات
اللغة في هذه المسرحية من شعر مركز مفعم بالصورة والاستعارة والموسيقي،
إلي نثر بارد متآمر أو تقريري، إلي هذر
ومجون نثري، وشتائم وسباب،
ثم هلوسات وشذرات متقطعة في لحظات الجنون... وقد عملنا علي ترجمة هذه
النقلات بالقرب أو البعد عن نمط التعبير بالفصحي..
هذه العبارات هي مفتاح النجاح في
الترجمة للمسرح. فترجمة المسرحيات ليست مجرد النقل من لغة إلي لغة أخري..
ولابد أن يراعي مترجم المسرحية مستويات الخطاب لمختلف الشخصيات والتوازن
الدرامي للجملة وتوافق القول مع انفعال الشخصية.
هذا كله كان من ميزات ترجمة
الدكتورة فاطمة موسي للملك لير ــ فكان عطاؤها ترجمة لغوية وأكاديمية
علمية وفنية درامية...
وقد قرأت حديثا ترجمة الدكتورة عزة
كرارة لمسرحية العصور الوسطي مجهولة المؤلف ابن آدم والمقدمة العلمية لها,
واسعدتني ايضا قراءة الترجمة الممتازة لمسرحية ماكبث للشاعر الانجليزي
شكسبير التي قام بها الدكتور مصطفي بدوي مع مقدمة علمية رائعة للمسرحية
فكان وجود المسرحيات الثلاث علي مكتبي في الوقت نفسه مصدر سعادة لي
وداعيا للتفاؤل بمستقبل زاهر للمسرح يرتبط فيه الفن بالفكر والعلم
ويتجاوب فيه القومي بالعالمي والتراث بالحاضر والمستقبل.
|