|
حقيقة
أساسية وبسيطة يؤكدها عرض (الملك لير) كل مساء علي خشبة المسرح القومي ..
وهي أن العرض المسرحي في أبسط تعريفاته هو (ممثل + جمهور) حيث (العلاقة) هي
جوهر المسرح وقيمته الحقيقية.
ولعل توهج الحالة الإبداعية لدي فناني العرض وعلي رأسهم
يحيي الفخراني
في دور (الملك لير) كانت سببا في تلك النشوة المسرحية التي تنتاب الجمهور
كل مساء وهي نفسها السبب في إخفاء الكثير من قصور وضعف عناصر العرض البصرية
خاصة الملابس والديكور.. واستطاع أيضا صدق الأداء التمثيلي وقوته وحساسية
أبطاله التخفيف من حدة (الميلودراما) التي حاصرت الرؤية المسرحية.
اعتمد المخرج
أحمد عبد الحليم علي ترجمة د.
فاطمة موسي للنص الشكسبيري لكنه قام باختصارات عديدة مبتعدا عن التفسيرات
السياسية بدلالاتها المتعددة خاصة للمشهد الافتتاحي الذي يتخلي فيه لير عن
سلطته كملك ممزقا خريطة المملكة إلي قطع متساوية وتوزيعها علي بناته وفقا
لاكثرهن قدرة علي الإفصاح عن محبته وهو ما عجزت عنه الابنة الصغري كورديليا
(ريهام عبد الغفور) رغم أنها الأكثر محبة لأبيها الملك.
ابتعد المخرج
أحمد عبد الحليم
عن التفسيرات السياسية وجميع أشكال
الاحتجاج والرفض تلك التي ميزت دائما القراءات المختلفة (للملك لير).. كما
ابتعد عن التفسيرات الدينية والعبثية والاجتماعية بل والنسوية أيضا التي
تعاملت مع النص.. مكتفيا بالتركيز علي الجانب الانساني والعاطفي حيث (الير)
شيخ مسن يتعثر في خطواته علي المسرح محاصرا في مظاهر الضعف البدني والعجز
الجسماني وحيث المآسي والفواجع والقسوة والخيانة وفقأ العينين والقتل
والعنف وعقوق الوالدين.. وقد حاول الممثلون كسر حدة تلك التأثيرات
الميلودرامية بأداء منضبط عاطفيا هادئي النبرة مثلما تدخلت الكوميديا لكبح
تلك المبالغات الميلودرامية.. لكنها في النهاية تظل رؤية (محافظة) (أخلاقية).
اعتمد المخرج (التجريد) واستخدام
الفراغ المسرحي كمعادل بصري او استعارة جمالية لتخلي الملك لير عن سلطته
وهو ما فعله في مشهد العاصفة حيث العراء الكامل والخروج من هيمنة القصور
والسلطات وكافة الأبنية الاجتماعية السائدة ليتضاءل الإنسان أمام القدر..
وبرغم قوة مشهد (العاصفة) داخل النص الشكسبيري بكل طاقته الاحتجاجية
والفلسفية العميقة إلا أن العرض المسرحي همش تأثيراته من خلال مؤثرات صوتية
ضعيفة للعاصفة وشرائح فيلمية تصور الرياح تتحرك في عمق المسرح ايضا ضعيفة
التأثير والدلالة إضافة إلي حالة من الخلط في الأداء تخلط الخرف بالهذيان
بالكوميديا دون جلال وعمق الحكمة والفلسفة التي تغلف المشهد بأكمله داخل
النص الاصلي.
فقد المهرج (لطفي لبيب) قيمته الدالة
بالنص وعجزت أشعار أحمد فؤاد نجم أن تمنحه الحكمة الواجبة وظلت دائما خارج
السياق، وهو ما أثر سلبا علي أداء لطفي لبيب.
وبرغم
ضعف الرقصة الافتتاحية بالعرض من حيث عدم ضرورتها الدرامية ألا أن تصميمات
عاطف عوض لمشهد المعركة بخطواته القوية وإيقاعاته الحيوية والسريعة إضافة
جمالية هامة وهو أيضا ما حققه مشهد المبارزة بين ادموند (أحمد سلامة)
وادجار (عماد العروسي).. تلك الدقة والمهارة والحيوية والتدريب.
اتسمت ديكورات العرض لسمير زكي
بالقبح الشديد تماما كالملابس المزرية والتي لا تليق ببلاط الملك وقصور
الأميرات.. وتكفينا الإشارة إلي ما فعله محمود مبروك بتصميمات مبهرة وجميلة
لملابس عامة الشعب في عرض (لن تسقط القدس) لندرك حجم الإساءة الجمالية التي
فعلها مصمم الملابس بالملك لير. اختار
أحمد عبد الحليم
مجموعة الممثلين بعناية فائقة ومنحهم
الإيقاع والحرية كاملة في إبداع العرض... منح العرض بتركيزه. علي الخيانة
وعقوق الوالدين الفرصة لشخصية (أدموند) الابن غير الشرعي لجلوستر.. والذي
قام بأدائه أحمد سلامة ليضيف إلي الشخصية كثيرا من
العمق
والوعي بعيدا عن المبالغة والنمطية في دور من افضل أدواره .. ومنحت سلوي
محمد علي لدور الابنة الثانية للملك لير مساحة أداء مختلف حيث الخيانة
والقسوة تمتزج بالنعومة والرقة.. محمد ناجي في دور طبيب الملك امتلك حضورا
هادئا وعميقا من خلال أداء بسيط يمتليء بالثقة والقوة.
اشرف عبد الغفور (جلوستر) اكثر الممثلين بالعرض وعيا باللغة
الفصحي وحساسية في التعامل معها بسلاسة وقوة، وقد كسب المسرح حضورا خاصا
لريهام عبد الغفور في دور (كورديليا) الابنة الصغري بوجهها البرئ وحضورها
الجميل والرقيق رغم حاجتها إلي الكثير من الخبرة والتدريب علي الأداء.
سوسن بدر المبدعة دائما لم تمنحها
مساحة دور الابنة الكبري للملك لير الفرصة كاملة لتفجير كل طاقاتها
الإبداعية الهائلة.
حرص الجميع علي تأكيد تألقه وإبداعه
احتفاء بالنص الشكسبيري وربما أيضا احتفاء بذلك الموهوب النادر
يحيي الفخراني
فرغم محدودية رؤية شخصية الملك لير وحصاره داخل العجز والضعف والعاطفية
المفرطة إلا ان يحيي
يمنح روحه للشخصية فتتوهج .. البكاء
والاهتزاز والترنح تلك العاطفية التي تسم الرجال المسنين.. وذلك الهذيان
وكوميديا الأداء التي تكسر إطار الميلودراما.. ودائما تلك الموهبة الحاضرة
أبدا. |