موسم مسرحى مختلف

بقلم‏:‏ الفريد فرج - الأهرام - الأحد 3 مارس 2002

 

المخرج أحمد عبد الحليملم يقدم المسرح القومي عملا لشكسبير منذ‏1976..‏ اي منذ ربع قرن‏,‏ وهي مدة طويلة يغيب فيها فن شكسبير عن المسرح‏.‏ وكان المسرح القومي قد قدم نفس المسرحية الملك لير في أول موسم له‏(1935‏ ـ‏1936)‏ في ترجمة الكاتب المسرحي ابراهيم رمزي‏(1884‏ ـ‏1949)‏ وباخراج الفنان عزيز عيد‏(1883‏ ـ‏1942),‏ ومن بعدها قدم المسرح القومي لشكسبير تاجر البندقية سنة‏1936‏ بترجمة شاعر القطرين خليل مطران‏(1872‏ ـ‏1949)‏ باخراج زكي طليمات‏(1895‏ ـ‏1982)‏ وعطيل سنة‏1939‏ ترجمة خليل مطران‏,‏ ثم ماكبث اخراج نبيل الألفي‏,‏ وفي‏1977‏ قدم المسرح القومي انطوانيو وكليوباترة بترجمة الدكتور لويس عوض‏(1915‏ ـ‏1990)..‏ ثم ها هو المسرح القومي يسجل عودة شكسبير الي منصته الرفيعة بمسرحية الملك لير في اخراج الفنان القدير أحمد عبد الحليم‏.‏

ولعل نجاح المسرح القومي بتقديم أصعب مسرحيات شكسبير وهي الملك لير‏..‏ أن يفتح لنا بابا الي المسرح العالمي‏..‏ فيرحب الجمهور بروائعه التي يشاهدها النشء والشباب في انحاء العالم‏:‏ مسرحيات إبسن وتشيكوف وآرثر ميللر وهارولد بنتر الي آخر القائمة اللامعة‏.‏ كما أن نجاح المسرح الحديث في تقديم حلاق بغداد يفتح للتراث الادبي المسرحي المصري والعربي بابا لنشاهد روائع أحمد شوقي وتوفيق الحكيم ونعمان عاشور وعلي باكثير ويوسف ادريس وسعد وهبة والجيل المعاصر‏..‏ وبهذا يعود المسرح الي تحقيق رسالته باختيار روائع الأدب ذات العلاقة بالسياق الاجتماعي والفني وبالتواصل مع الذات الثقافية والتراث من جهة‏..‏ وبالتواصل مع دنيا الفكر والثقافة المسرحية والمسرح العالمي من جهة أخري‏.‏

وربما نتمني أن يعود المسرح الثقافي الي خطته التي نشأ عليها واتصلت معظم حياته وهي الاكثار من العروض حتي لو اقتضي هذا ضغط التكلفة لكل عرض‏.‏ فقد كان المسرح القومي يقدم خمسة عروض مسرحية جديدة أو عشرة عروض حين كانت له داران مسرحيتان هما الازبكية والجمهورية‏..‏ فضلا عما كان يقدمه في الصيف من اعادات لعروض الشتاء‏..‏ فيقدم بذلك للمتفرج فرصة واسعة للاختيار أو فرصة واسعة للاستمتاع بالمسرح المصري والعالمي علي حد سواء في ألوانها المتعددة‏.‏

تراجيديا الملك لير اعتبرها البعض أفضل مسرحيات شكسبير‏,‏ ففيها عبق الحكايات الشعبية أو الفولكلورية وفيها الدراما الصارخة‏.‏

لما أحس لير بالشيخوخة قرر أن يقسم مملكته ثلاثة اقسام ويهب كل بنت من بناته الثلاث جانبا من المملكة‏,‏ وعقد بين البنات مباراة في التعبير عن حبهن لأبيهن‏,‏ فبالغت بنتان في وصف حبهما للأب ونفاقه وكانت الثالثة امينة وصادقة ومقتصدة‏,‏ مما اغضب الملك عليها فحرمها من نصيبها وتزوجها الملك الفرنسي بلا بائنة‏.‏

وحين تمكنت الأختان طردتا الأب الي العراء في عاصفة عاتية‏..‏ واصابتا كل من أظهر للملك السابق ولاء أو شفقة أو حبا‏.‏

نكبة الأب دعت الابنة الصغري كورديليا للقدوم من فرنسا علي رأس جيش‏..‏ لتموت في ذراعي أبيها مقتولة بيد اعدائه‏..‏ ينتقم القدر من عقوق البنتين بأن تقتل كل منهما اختها ويقتل زوج احداهما بينما يثوب الزوج الثاني الي رشده‏..‏ الملك لير كتبها شكسبير سنة‏1607‏ وهي آخر مسرحياته التراجيدية الكبيرة‏.‏

المخرج البريطاني الكبير تريفور نان يصف حكمتها بأن الملك لير حين اصبح معدما لايملك شيئا أصبح كل شيء في دنياه كالعدم‏,‏ وأصبح العدم هو كل شيء في حياته‏(!)‏

صبحت المسرحية اليوم من الدرر الغالية للمسرح في العالم‏,‏ وأصبحت شخصية الملك لير أمل كل ممثل كبير أن يؤديها‏,‏ حيث ينتقل الممثل من ذروة الغطرسة بالسلطة الي مهاوي العجز والضياع‏.‏

وربما تعتبر المسرحية سياسية إذا اخذتها علي محمل المخاطر التي تنطوي عليها عملية تفويض السلطة أو نقل السلطات أو تمزيق السلطة‏(!)‏

وفي رأي البعض أن المسرحية كانت تناقش اتجاه الملك جيمس الاول‏(1566‏ ـ‏1625)‏ الي توحيد مملكتي انجلترا واسكتلندا وهو اتجاه عارضه البرلمان الانجليزي‏1605.‏

ولكن المسرحية ايضا يمكن ان تنتمي الي أدب الأسرة ويكون موضوعها عقوق ووفاء الابناء للأب‏,‏ وربما كان موضوعها النفاق والصدق‏..‏ وغفلة الذي يحب الثناء فيقع في احابيل المنافقين ويذهل عن الصوت الصادق والأمين‏.‏

ولكن فلنتجاوز التفسير الي الكشف عن سحر هذه المسرحية التي نجحت في المسرح العالمي في أي تفسير وفي مختلف الأشكال‏.‏

سحر المسرحية يكمن في شخصية الملك ومصيره من العز إلي اللا شيء‏..‏ واحواله واطواره في الأول والآخر‏,‏ فهي كنز للممثل القدير وتبهر المتفرج بأداء الممثل‏..‏

ومع أننا درجنا علي الظن بأن المسرح المترجم لاينجح عادة في شباك التذاكر‏,‏ فإنني اتصور أن لير ستنجح مع الجمهور‏.‏

خذها ببساطة‏..‏ المسرحية في جوها العام ميلودراما عائلية تثير الاهتمام وتردد لنا شكوي معاصرة من عدم اكتراث الابناء من الجيل الجديد بروابط الأسرة‏..‏ وخذها ايضا ببساطة‏.‏ وهي تصور أن الرجل الاحمق الذي لايفرق بين النفاق والصدق أو يرعي المساواة بين ابنائه أو من ولي أمرهم يقع في شر أعماله‏..‏
أو خذها علي نحو اكثر حكمة‏..‏ وقل إن الإنسان لايملك شيئا في الواقع‏,‏ لأن الزمن يوهن سيطرته علي النفس والظروف‏..‏ وإن الانسان يأتي من الغيب ويذهب الي الغيب ولايملك من مصيره في الواقع إلا أن يجود عليه القدر بما يعوض ضعفه‏..‏

أو تأمل في القصة ماتراه كما تشاء‏..‏ ففي كل فن سحر جذاب يعز علي التفسير‏,‏ والممثل الموهوب يستبطن ويستظهر من وجدانه وفطنته أسلوبه في اداء دوره‏.‏  ويحيي الفخراني من هؤلاء الممثلين المتمتعين بالفطنة والوجدان اليقظ‏..‏ ونحن ننتظر نجاح المسرحية الصعبة في الشباك‏..‏ خاصة وقد هيأ لها المخرج الفنان احمد عبد الحليم اطارا متميزا وايقاعا ممتازا وصورة درامية رائعة‏,‏ واستثمر أدوات المسرح اروع استثمار‏.‏

 

Hosted by www.Geocities.ws

1