الفخرانى يراهن على زوق الجمهور المصرى فى نجاح هذا العمل التراجيدى الصعب

يحيى الفخرانى: "الملك لير" حرمنى من الأكل

حوار: كرم محمود عفيفى.

 

"هو نجم تليفزيونى كبير استطاع أن يصنع نجوميته بجهده ودأبه وحسن اختياره للشخصيات الدرامية التى يؤديها ومثلما نجح فى التليفزيون نجح أيضاً فى المسرح وأصبح له جمهوره الخاص الذى يعشق فنه .. ويؤدى هذه الأيام دور البطولة فى مسرحية شكسبير الشهيرة "الملك لير" وهى شخصية تراجيدية فى المقام الأول تنبأ البعض بأن جمهور هذا الفنان لن يتقبله فى هذه الشخصية وها هو ويعلن التحدى . من خلال هذا الحوار . ويثق ثقة كبيرة فى أن جمهوره سوف يتقبل هذا الدور مثلما تقبله من قبل فى شخصيات كثيرة وعن دوره فى مسرحية "الملك لير" وقضايا مسرحية أخرى كان لنا هذا الحوار مع النجم الكبير يحيى الفخرانى الذى حاورناه فأجاب:


 

كرم: ما الذى جذبك إلى شخصية "الملك لير" فى مسرحية شكسبير الشهيرة والمسماة بنفس الأسم؟

الفخرانى:

أول عنصر فى تصورى جذبنى لأقوم بأداء شخصية "الملك لير" هو قديم عمل كلاسيكى فى المقام الأول لقد تأملت تاريخى المسرحى، فوجدت أننى لم أسع أو بمعنى أصح لم تسع إلى هذه النوعية من الأدوار لأقوم بأدائه، فقلت فى نفسى لماذا لا أقوم بدور لير حينما عرضت على المسرحية؟ ما المانع أو الحائل الذى يحول بينى وبين أداء شخصية شهيرة فى الأدب العالمى بها أبعاد نفسية وإنسانية كثيرة .. وهى شخصية فى تصورى مطمع لأى فنان أو مبدع يحاول أن يترك بصمة من خلال شخصياته الفنية التى يؤديها فكما هو معروف أن مسرحية "الملك لير" يدور حول الملك الذى يقرر حين تتقدم به السن أن تقسم مملكته على بناته الثلاث حسب ما تبديه كل منهم من آيات المحبة والعطف .. فجونريل وريجان تجيدان إلقاء الكلمات المعسولة لأبيهما .. بينما تفشل الصغرى كورديليا فى التعبير عن حبها الحقيقى فيظن لير أنها لا تحبه فيطردها ويحرمها من نصيبها من المملكة. أما الخط الدرامى الثانى الفرعى والذى يلقى بظلاله على الحدث الرئيسى أيضاً فيحكى نسبته جلوستتر صديق لير الذى يقع ضحية لأبنه غير الشرعى إدموند إذ يوحى إليه هذا بأن أبنه الشرعى "إدجار" يدبر مكيدة أو مؤامرة لقتله ويصدق جلوستر هذا الفرية وينقلب ضد أدجار الذى يفر هارباً فى زى شحاذ مجنون والمتأمل للقصة سيجد أن جلوستر أيضاً لم يستطع التمييز بين زيف إدموند وإخلاص أدجار مثلما فشل أيضاً لير فى التمييز بين زيف جونريل وريجان وصدق كورديليا. فالمسرحية تدور حول العمى والإبصار والعلاقة بين البصر والبصيرة. وأنا أسرد قصة المسرحية متعمداً لأنها عنصر جذب أيضاً فهى فى تصورى معاصرة جداً تبدو للمتفرج العادى بأنها قصة مضمونها عقوق الوالدين.

فالمعنى واضح ورغم كلاسيكية المسرحية فى شكلها ومضمونها ودعنى أصدق القول .. ما الذى يمنعنى من تقديم عمل راق للناس وسط كم هائل من السطحية وأعمال تخلو من كل معنى .. هذه هى الأعمال التى تبقى ويخلد صاحبها، وليس الأعمال التافهة التى تحدث فرقعة ثم لا شأن بعد ذلك فعناصر الجذب فى تلك الرائعة كثيرة لا تعد ولا تحصى.
 

كرم: بصراحة هل يتقبل المشاهد المصرى الأن تقديم مثل تلك الكلاسيكيات؟

الفخرانى:

أولاً .. ليس ثمة غرابة فى تقديم أعمال كلاسيكية فى الألفية الثالثة فمازالت المسارح الأوربية إلى الأن تقدم الأعمال الكلاسيكية لكبار كتاب المسرح مثل شكسبير وراسين وإبسن وإسترندبرج وموليير وأرثر ميللر وتنسى ويليامز ودريتمات وماكس فيشر وسوفوكليس واسخولوس واريسبوفان وغيرهم. هذا جانب أما الجانب الأخر، فإنى أثق ثقة كبيرة فى قوة تأثير الفن العظيم ونص لير رائع وعظيم بكل المقاييس كما أننى أثق ثقة مطلقة فى ذوق الجمهور المصرى واثق أنه سيتقبل هذه النوعية من الأعمال الكلاسيكية، فالجمهور المصرى أشد الجماهير العربية حساً وإرهافاً لكل فن عظيم يقدم له بشرط تقديم هذا الفن العظيم فى ثوب رشيق ومعاصر وهذا ما سوف تراه فى إخراج المبدع المخرج أحمد عبد الحليم من رؤية تفسييرية وجديدة لنص كلاسيكى قديم وعظيم مثل نص لير لشكسبير.

 

كرم: تمثل شخصية لير بجميع أبعادها النفسية والإنسانية تحدياً كبيراً لكل ممثل يؤديها هل هو نوع من التحدى منك القيام بأداء شخصية تراجيدية فى المقام الأول؟

الفخرانى:

نعم .. هو نوع من التحدى، القيام بأداء شخصية درامية مركبة وبها أبعاد نفسية وإنسانية شديدة الثراء، فأعظم شئ فى مهنة التمثيل هو تحدى ذاتك، فأنت تشعر حين تتحدى نفسك بشخصية صعبة للغاية مثل لير بأنك قد استطعت أن تنتصر على نفسك وتقهر فشلك ومن هنا يتعمق إحساسك بالوجود من حولك وهذا شعور بعيد تماماً عن الغرور الذى يصيب البعض لعلى لا أذيع سراً إذ قلت لك إننى كل يوم وأثناء البروفة وبعدها أكتشف أبعاداً جمالية فى نص لير وأعتقد أن هذا الشعور سيلازمنى حتى فى العرض وبعد أن ينتهى العرض .. لقد قبلت أداء هذه الشخصية التراجيدية وأنا أعلم تماماً أن الجمهور سيندهش من أدائى لشخصية ليست كوميدية، فالممثل الحقيقى فى تصورى هو والذى يستطيع القيام بأداء جميع الشخصيات وتقديم جميع الألوان الفنية وأزعم أننى قدمت من قبل وعلى خشبة المسرح القومى أيضاً شخصية بها مسحة تراجيدية وهى "دومينكو" فى مسرحية "جوازة طليانى" للمخرج المبدع الإيطالى "ماريا نوريجيلو" ولقد تقبل الجمهور المصرى وقتها أدائى لهذه الشخصية وبإذن الله سيتقبل أدائى لـ "لير".

 

كرم: ما سر عشقك للوقوف على خشبة المسرح القومى بالذات؟

الفخرانى:

فى المقام الأول يرجع هذا العشق للبمنى ذاته وجمالياته وروعة مبانية كذلك لذكرياته الجميلة لدى كشاب كان يأتى فى أيام شبابة الأولى لمشاهدة أروع المسرحيات الكلاسيكية على خشبة هذا المسرح العريق، أضف إلى هذا العشق حالة النشوة التى تغمرنى حينما أتذكر ليلة أول يوم وقفت فيه على خشبة المسرح القومى، وأنا طالب بالجامعة وبين صورتى الأن، فالمسافة بين الحدثين هى حجم العشق الذى أكنه لهذا المسرح العريق، الذى أكنه لهذا المسرح العريق، فلكما تذكرت أول يوم وقفت فيه على الخشبة وبين الأن كونى والحمد لله نجم شباك أشعر بالنشوة تكاد تخترق كل مسام جسدى وأن تاريخى المسرحى لم يكن سهلاً على الإطلاق، وأن الطريق إلى النجاح لم يكن مفروشاً بالورود والرياحين، هذا بالإضافة إلى أن هذا المسرح وخشبته العريقة شهدت نجاحاتى المتتالية فى المسرح المصرى، فلقد كانت تجربة "البهلوان" مع المبدع د. يوسف إدريس والمخرج المبدع د. عادل هاشم ثم "غراميات عطوه أبو مطوه" للكاتب المبدع ألفريد فرج والمخرج الكبير سعد أردش، فأنا بصراحة أشعر بالتفاؤل حينما تكون الراوية على خشبه هذا المسرح، هذا بالإضافة إلى شئ مهم وهو أن الإداريين بالمسرح القومى يتعاملون مع الفنانين بمنطق الفنانين وليس بمنطق الإداريين البيروقراطيين، فأنا أتصور أن الموظفين بالمسرح القومى فنانون فى المقام الأول ويتعاملون معنا بعشق.

 

كرم: هناك طقوس أدائية للدخول فى الشخصية الدرامية .. ما هى طقوسك التى قمت بها للدخول فى إيهاب شخصية "الملك لير"؟

الفخرانى:

 فى المقام الأول - الصدق هو الباب السحرى الذى أدلف من خلاله إلى كل شخصية درامية أقوم بأدائها، فالصدق هو أول طقس من الطقوس الادائية للدخول إلى الشخصية المسرحية أو التليفزيونية فعن طريق عنصر الصدق أستطيع أن أحقق أولى خطوات النجاح فى تقبل الجمهور لأداء أية شخصية أقوم بأدائها. فعن طريق هذا الصدق أجسد مختلف الأحاسيس والمشاعر مهما تناقصت أو تشابكت، ومن هنا يصدقنى المشاهد أو المتفرج فيما أقدمه له، فالصدق باب سحرى لا ينفتح إلا إذا قمت بدراسة وافية للشخصية التى أقوم بأدائها للدخول فى إيهاب الشخصية حتى أتمكن من تجسيد انفعالاتها وأحاسيسها المختلفة، أضف إلى ذلك أننى عند قيامى بأداء شخصية جديدة أتبع نظام غذائياً صارماً، بالإضافة إلى التدريبات الرياضية اليومية حتى أكون فى كامل لياقتى مثلى مثل لاعب كرة القدم.

 

كرم: فى بداية مشوار الفنى بدأت ممثلاً بالمسرح الجامعى، ثم أخذت التليفزيون ومن حين إلى حين يعاودك الحنين إلى المسرح .. هل التليفزيون هو سبب هجرة نجومنا من المسرح؟

الفخرانى:

أنا لست من الرأى القائل إن التليفزيون يما يملكه من قوة تأثير استطاع أن يخطف نجوم المسرح لكل فن خصوصيته وفن المسرح كفن حى لا يستطيع أى فنان مهما بلغ حجم نجوميته أن يتخلى عن فن المسرح، ولكن كل ما هناك هو أننى أدقق كثيراً قبل قبول أى دور مسرحى يسند إلى وخلال مدة البحث عن نصر جيد يكون قد فات وقت أزعم أنه طويل مما يجعل البعض يظن أن النجم المفضل لديه قد هجر المسرح وهو فى الحقيقة يبحث عن نص جيد به رسالة فنية وثقافية واجتماعية تليق بتاريخه، فأنا لا أستطيع أن أقدم تنازلات فنية تجاه أى شخصية أتصدى لأدائها هذا مستحيل ومرفوض، فأنا لا أستطيع المغامرة بالرصيد أنها مسرحيات تعد على أصابع اليد، ولكنها نجحت جماهرياً ونقدياً وهو ما يعنينى أن أرضى ذوق الجمهور والنقاد.
 

Hosted by www.Geocities.ws

1