الـعــــدل
بين الـزوجـــــــــــات
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم
النبيين, وعلى آله وصحبه أجمعين.
سألت أخت غالية تسكن مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل الأصل في
الزواج التعدد أم الزوجة الواحدة؟
فنقول
وبالله التوفيق:
المرأة والرجل شريكان معا في رحلة
العودة لأحسن تقويم فيقول تعالى (لقد خلقنا الإنسان في
أحسن تقويم. ثم رددناه أسفل سافلين. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون) فرحلة
العودة لأحسن تقويم تعني الإيمان وعمل الصالحات .
والرجل والمرأة حين يقول تعالى (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها) تعني من ضمن ما تعني أنهما يكملان بعضهما البعض
بدون أن يعني ذلك أنهما متطابقان بل قد يكونا مختلفين تماما ولكن كل منهما يكمل
الآخر. فباتحادهما في زواج يكتملان ويكونان كيانا
واحدا يتجه إلى الله في رحلة العودة إلى أحسن تقويم.
فالغرض من
الزواج عند مستويات الفهم والإدراك العالية هو: إنشاء
كيان متكامل تكمل أجزاءه بعضها البعض يجعل الوصول لأحسن تقويم مهمة ممكنة التحقق
لاكتمال الكيان.
فإن كان الرجل أحد هذه المكونات
فالطرف الآخر هو المرأة؛ وامرأة واحدة تكمل الكيان إن كانت ممن تم لهن الكمال كما
سنعرف فيما بعد, وحيث أن هذه المرأة غير كاملة, فالكيان يمكنه الاكتمال بثانية أو
ثالثة أو رابعة, ولا يمكنه أن يكتمل بأكثر من ذلك لأن هذا هو الحد الأقصى الذي
حدده الله.
وعلى هذا
يكون الأصل وجود التعدد, ومن استقراء التاريخ الإنساني سواء أنبياء أم غيرهم من
عامة أممهم, نجد أن هذه هي سنة الله على الدوام إلا في بعض الشعوب القليلة التي
كانت تعتنق ديانات وثنية لا تقر التعدد.
بالنسبة لأسباب التعدد
سوف أكرر جزءا مما كتبت من قبل:
تعدد الزوجات:
قلنا قبل الآن أن الزوجين يكمل
كل منهما الآخر فيكونان كيانا واحدا متكاملا . إلا أنه عند بعض الرجال لا
يكتملون بزوجة واحدة ، فكان لا بد من تعدد الزوجات في سبيل اكتمال هؤلاء و لأن هذا في علم
الله بخلقه فقد أباحه بشروط.
والذي يجعل الرجل
يعرف أنه لا يكتمل إلا بتعدد زوجاته أن يكون بإمكانه تحقيق تلك الشروط كيلا يقع في المحظور أمام الله و هو الظلم و
عدم العدل فيقول تعال(وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء
مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى
ألا تعولوا) والجزء
الذي يقول فيه سبحانه و تعالى (فإن خفتم ألا تعدلوا
فواحدة) نسخ
بقوله تعالى (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو
حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة و إن تصلحوا وتتقوا فإن
الله كان غفورا رحيما).
هناك أيضا ضرورات اجتماعية في المجتمع
الإسلامي للتعدد مثل عدم ترك من توفي عنها زوجها بدون من يرعاها هي وأولادها و أيضا يعفها.
وهناك من الرجال ممن هم دون من يسعون إلى الاكتمال في المستوى الإيماني يرغبون
في إشباع رغباتهم من نساء
متعددات ولا يكتفون بامرأة واحدة، وإن لم يسمح لهم بالزواج و قعوا في المحظور وهو الزنا كما يحدث في الغرب حيث يحرم تعدد الزوجات.
وحين يعتادون على أن
الزنا هو الحل تسقط هيبة الدين من أعينهم و يتكلمون بتبجح عن الحرية الجنسية.
أما عن سبب عدم تزوجه صلى الله عليه وسلم
على السيدة خديجة ورفضه أن يتزوج سيدنا علي بن أبي طالب على السيدة فاطمة فلنقرأ ما يليي:
عن ابن عباس قال خط رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الأرض أربع خطوط فقال
أتدرون ما هذا قالوا اللّه
ورسوله أعلم، فقال: )أفضل
نساء الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، و آسية
بنت مزاحم امرأة فرعون)
التخريج (مفصلا): أحمد في مسنده والطبراني
في الكبير والحاكم في المستدرك عن ابن عباس
تصحيح السيوطي: صحيح.
وقال (كمل من الرجال
كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل
عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)
التخريج (مفصلا): أحمد في مسنده ومتفق عليه [البخاري ومسلم] والترمذي وابن ماجة
عن أبي موسى
تصحيح السيوطي: صحيح.
قال صاحب فيض القدير: (خير نساء العالمين أربع: مريم
بنت عمران) الصديقة بنص
القرآن وقدّمها إشارة إلى تقديمها في الفضل بل قيل بنبوتها (وخديجة بنت خويلد)
زوجة المصطفى صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم أول من آمن من هذه الأمة مطلقاً (وفاطمة
بنت محمد) صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم خير الأنبياء (وآسية
امرأة فرعون) التي نطق التنزيل
بالثناء عليها والمراد جميع نساء الأرض فيحمل على أن كلاً منهن خير نساء الأرض في عصرها، وأما التفضيل
بينهن فمسكوت عنه.
(حم طب عن أنس) ورواه عنه الديلمي أيضاً.
وقال الأحوذي في شرحه على الترمذي:
حَدّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ زَنْجَوِية،
حدثنا عَبْدُ الرّزّاقِ، أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قَتَادَةَ عن أَنَسٍ رضي الله عنه، أَنّ النّبيّ
صلى الله عليه وسلم قالَ (حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ: مَرْيَمُ ابنة
عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحمّدٍ، وَآسِيَةُ
امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ).
قال أبو عيسى: هَذا حديثٌ صحيحٌ.
ـ قوله: (عن عائشة قالت: ما غرت على أحد من
أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الخ) تقدم هذا الحديث مع شرحه في باب حسن العهد من أبواب البر
والصلة.
ـ قوله:(ما حسدت أحداً ما حسدت خديجة) ما
الأولى نافية والثانية مصدرية أي ما حسدت مثل حسدي خديجة، والمراد من الحسد هنا الغيرة (وما تزوجني رسول
الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد ما ماتت) أشارت عائشة بذلك إلى أن: خديجة لو كانت حية
في زمانها لكانت غيرتها
منها أشد وأكثر (وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرها الخ) كان لغيرة عائشة على خديجة أمران الأول كثرة ذكر رسول الله صلى الله
عليه وسلم لها كما في الحديث
السابق. والثانية هذه البشارة لأن اختصاص خديجة بهذه البشرى مشعر بمزيد محبة من النبي صلى الله عليه وسلم فيها (ببيت من قصب) بفتح القاف والمهملة
بعدها موحدة، قال في
النهاية القصب في هذا الحديث لؤلؤ مجوف واسع كالقصر المنيف. والقصب من الجوهر: ما استطال منه في تجويف (لا
صخب فيه ولا نصب) الصخب بفتح الصاد المهملة والخاء المعجمة بعدها موحدة الصياح والمنازعة برفع الصوت،
والنصب بفتح النون والصاد المهملة بعدها موحدة التعب.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
ـ قوله: (حدثنا عبدة) هو ابن سليمان الكلابي (عن عبد الله بن
جعفر) بن أبي طالب.
قوله: (خير نسائها خديجة بنت خويلد وخير
نسائها مريم بنت عمران) قال القرطبي: الضمير عائد على غير مذكور لكنه يفسره الحال والمشاهدة يعني
به الدنيا. وقال الطيبي:
الضمير الأول يعود على هذه الأمة، الثاني على الأمة التي كانت فيها مريم ولهذا كرر الكلام تنبيهاً على أن حكم كل واحدة منهما غير حكم
الأخرى وكلا الفصلين كلام
مستأنف، ووقع في رواية مسلم عن وكيع عن هشام في هذا الحديث: وأشار وكيع إلى السماء والأرض فكأنه أراد أن يبين أن المراد نساء الدنيا وأن
الضميرين يرجعان إلى الدنيا
وبهذا جزم القرطبي أيضاً. قال الحافظ: قد جزم كثير من الشراح أن المراد نساء زمانها لما تقدم في أحاديث الأنبياء في قصة موسى وذكر آسية من
حديث أبي موسى رفعه: (كمل من الرجال كثير ولم يكمل
من النساء إلا مريم وآسية). فقد أثبت في هذا الحديث الكمال لاَسية كما أثبته لمريم فامتنع حمل الخيرية في حديث
الباب على الإطلاق. وجاء ما يفسر المراد صريحاً فروى البزار والطبراني من حديث عمار بن
ياسر رفعه: )لقد
فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين) وهو
حديث حسن الإسناد انتهى. وقال النووي: الأظهر أن معناه أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها، وأما التفضيل بينهما فمسكوت عنه.
قوله: (وفي الباب عن أنس وابن عباس) أما
حديث أنس فأخرجه
الترمذي بعد هذا، وأما حديث ابن عباس فأخرجه النسائي بإسناد صحيح والحاكم عنه مرفوعاً: (أفضل نساء أهل
الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان والنسائي.
ـ قوله: (حدثنا أبو بكر بن زنجوية) هو محمد بن عبد الملك بن زنجوية البغدادي الغزال، ثقة من الحادية
عشرة.
وله: (حسبك) أي يكفيك (من نساء العالمين) أي الواصلة إلى مراتب الكاملين في
الاقتداء بهن وذكر محاسنهن
ومناقبهن وزهدهن في الدنيا وإقبالهن على العقبى. قال الطيبي: حسبك مبتدأ ومن نساء متعلق به ومريم خبره والخطاب إما عام أو لأنس أي
كافيك معرفتك فضلهن عن معرفة
سائر النساء. قال الحافظ في الفتح: قال السبكي الكبير الذي ندين الله به أن فاطمة أفضل ثم خديجة ثم عائشة والخلاف شهير ولكن الحق أحق أن
يتبع به. وقال ابن تيمية:
جهات الفضل بين خديجة وعائشة متقاربة وكأنه رأى التوقف، وقال ابن القيم: إن أريد بالتفضيل كثرة الثواب عند الله فذاك أمر لا يطلع عليه،
فإن عمل القلوب أفضل من عمل
الجوارح، وإن أريد كثرة العلم فعائشة لا محالة، وإن أريد شرف الأصل ففاطمة لا محالة وهي فضيلة لا يشاركها فيها غير أخوتها، وإن أريد شرف
السيادة فقد ثبت النص لفاطمة
وحدها. قال الحافظ: امتازت فاطمة عن أخواتها بأنهن متن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأما ما امتازت به عائشة من فضل العلم فإن
لخديجة ما يقابله وهي أنها
أول من أجاب إلى الإسلام ودعا إليه وأعان على ثبوته بالنفس والمال والتوجه التام. فلها مثل أجر من جاء بعدها ولا يقدر قدر ذلك إلا الله، وقيل انعقد الإجماع على أفضلية فاطمة، وبقي الخلاف بين عائشة وخديجة
انتهى.
وقال القاري في المرقاة: قال السيوطي في النقاية نعتقد أن أفضل النساء مريم
وفاطمة وأفضل أمهات المؤمنين
خديجة وعائشة. وفي التفضيل بينهما أقوال ثالثها التوقف. قال القاري: التوقف في حق الكل أولى، إذ ليس في المسألة دليل قطعي
والظنيات متعارضة غير مفيدة للعقائد المبنية على اليقينيات انتهى.
بجمع الحديثين معا نفهم أن السيدة
خديجة أم المؤمنين والسيدة فاطمة الزهراء كملن أيضا, ومن كملت تكمل زوجها فلا
يحتاج الزوج كما أوضحنا من قبل للتزوج بغيرها معها ليكتمل.
أما بالنسبة للعدل:
قال الإمام القرطبي في تفسيره لسورة النساء:
سورة النساء.
الآية: 129 (ولن
تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة
وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما).
قوله تعالى: (ولن تستطيعوا أن
تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل) أخبر تعالى بنفي
الاستطاعة في العدل بين النساء، وذلك في ميل الطبع بالمحبة والجماع والحظ من
القلب. فوصف الله تعالى حالة البشر وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى
بعض دون بعض؛ ولهذا كان عليه السلام يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: (اللهم إن هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)
أحمد في مسنده والأربعة [أبو داود،
الترمذي، النسائي، ابن ماجه] والحاكم في المستدرك عن عائشة وقال السيوطي: صحيح.
ثم نهى فقال: (فلا تميلوا كل
الميل) قال مجاهد: لا تتعمدوا الإساءة بل الزموا التسوية في القسم
والنفقة؛ لأن هذا مما يستطاع. وسيأتي بيان هذا في "الأحزاب" مبسوطا إن
شاء الله تعالى. وروى قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كانت له
امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل ).أ هـ
سورة الأحزاب.
الآية: 51 (ترجي
من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن
تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله
عليما حليما).
على الرجل أن يعدل بين نسائه لكل واحدة منهن يوما وليلة، هذا
قول عامة العلماء. وذهب بعضهم إلى وجوب ذلك في الليل دون النهار. ولا يسقط حق
الزوجة مرضها ولا حيضها، ويلزمه المقام عندها في يومها وليلتها وعليه أن يعدل...
كما يفعل في صحته، إلا أن يعجز عن الحركة فيقيم حيث غلب عليه المرض، فإذا صح
استأنف القسم. والإماء والحرائر والكتابيات والمسلمات في ذلك سواء. قال عبد الملك:
للحرة ليلتان وللأمة ليلة. وأما السراري فلا قسم بينهن وبين الحرائر، ولا حظ لهن
فيه.
ولا يجمع بينهن في منزل واحد إلا برضاهن، ولا يدخل لإحداهن في يوم الأخرى
وليلتها لغير حاجة. واختلف في دخول لحاجة وضرورة، فالأكثرون على جوازه، مالك
وغيره. وفي كتاب ابن حبيب منعه. وروى ابن بكير عن مالك عن يحيى بن سعيد أن معاذ بن
جبل كانت له امرأتان، فإذا كان يوم هذه لم يشرب من بيت الأخرى الماء. قال ابن
بكير: وحدثنا مالك عن يحيى بن سعيد أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان ماتتا في
الطاعون. فأسهم بينهما أيهما تدلى أول.
قال
مالك: ويعدل بينهن في النفقة والكسوة إذا كن معتدلات الحال، (ولا يلزم ذلك في
المختلفات المناصب. وأجاز مالك أن يفضل إحداهما في الكسوة على غير وجه الميل. فأما
الحب والبغض فخارجان عن الكسب فلا يتأتى العدل فهما، وهو المعني بقوله صلى الله
عليه وسلم في قسمه (اللهم هذا فعلي فيما أملك فلا تلمني
فيما تملك ولا أملك). أخرجه النسائي وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها.
وفي كتاب أبي داود "يعني القلب"، وإليه الإشارة
بقوله تعالى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو
حرصتم) [النساء: 129] وقوله تعالى: (والله
يعلم ما في قلوبكم). وهذا هو وجه تخصيصه بالذكر هنا، تنبيها منه لنا
على أنه يعلم ما في قلوبنا من ميل بعضنا إلى بعض من عندنا من النساء دون بعض، وهو
العالم بكل شيء (لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في
السماء) [آل عمران: 5] (يعلم السر وأخفى)
[طه: 7] لكنه سمح في ذلك، إذ لا يستطيع العبد أن يصرف قلبه عن ذلك الميل، وإلى ذلك
يعود قوله: (وكان الله غفورا رحيما). وقد
قيل في قوله: (ذلك أدنى أن تقر أعينهن) أي
ذلك أقرب ألا يحزن إذا لم يجمع إحداهن مع الأخرى ويعاين الأثرة والميل.
وروى أبو داود عن أبي هريرة
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه
مائل) (ويرضين بما آتيتهن كلهن) توكيد للضمير، أي ويرضين
كلهن. وأجاز أبو حاتم والزجاج "ويرضين بما آتيتهن كلهن" على التوكيد
للمضمر الذي في "آتيتهن". والفراء لا يجيزه، لأن المعنى ليس عليه، إذ
كان المعنى وترضى كل واحدة منهن، وليس المعنى بما أعطيتهن كلهن. النحاس: والذي
قاله حسن.
وفي كناب "الدر المنثور في التفسير بالمأثور"
للسيوطي:
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن
عباس في قوله (وأحضرت الأنفس الشح) قال:
هواه في الشيء يحرص عليه. وفي قوله (ولن تستطيعوا أن
تعدلوا بين النساء) قال: في الحب والجماع. وفي قوله (فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة) قال: لا هي
أيم ولا هي ذات زوج.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن
أبي حاتم عن ابن أبي مليكة قال: نزلت هذه الآية (ولن
تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء) في عائشة، يعني أن النبي صلى الله عليه
وسلم كان يحبها أكثر من غيرها.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن
ماجه وابن المنذر عن عائشة قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين
نسائه فيعدل، ثم يقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك
فلا تلمني فيما تملك ولا أملك).
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي
والنسائي وابن جرير وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم
القيامة وأحد شقيه ساقط).
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال:
كانوا يستحبون أن يسووا بين الضرائر حتى في الطيب، يتطيب لهذه كما يتطيب لهذه.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن جابر بن زيد
قال: كانت لي امرأتان، فلقد كنت أعدل بينهما حتى أعد القبل.
وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين في الذي له امرأتان يكره
أن يتوضأ في بيت إحداهما دون الأخرى.
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: إن كانوا ليسوون بين
الضرائر حتى تبقى الفضلة مما لا يكال من السويق والطعام، فيقسمونه كفا كفا إذا كان
مما لا يستطاع كيله.
وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في قوله (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء) قال: في
الجماع.
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن عبيدة في قوله (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء) قال في الحب (فلا تميلوا كل الميل) قال: في الغشيان (فتذروها كالمعلقة) لا أيم ولا ذات زوج.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد في قوله (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء) يعني في الحب، (فلا تميلوا كل الميل) قال: لا تتعمدوا الإساءة.
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية يقول: لا تمل عليها، فلا
تنفق عليها، ولا تقسم لها يوما.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في الآية يقول: إن أحببت واحدة
وأبغضت واحدة فاعدل بينهما.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن
أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فتذورها كالمعلقة)
قال: لا مطلقة ولا ذات بعل.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن قتادة
في قوله (كالمعلقة) قال: كالمسجونة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله
(وإن يتفرقا) قال: الطلاق.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وكان الله
غنيا) قال: غنيا عن خلقه (حميدا) قال: مستحمدا إليهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن علي. مثله.
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله (وكفى
بالله وكيلا) قال: حفيظا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في
قوله (إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين)
قال: قادر والله ربنا على ذلك أن يهلك من خلقه ما شاء ويأت بآخرين من بعدهم.
و في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة. لعبد الرحمن
الجزيري. الإصدار 1.25من برنامج المحدث:
في الجزء الرابع.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
مباحث القسم بين الزوجات
في المبيت و النفقة ونحوهما.
حكم القسم ودليله وشرطه.
حكم القسم ودليله وشرطه
والقسم المذكور واجب، فيفترض على كل واحد مستكمل للشروط الآتية
أن يقسم بين زوجاته في البيتوتة، ودليل ذلك قوله تعالى: (فإن خفتم أن لا تعدلوا فوا حدة) فقد أمر اللّه
سبحانه بالاقتصار على الزوجة الواحدة عند الخوف من عدم العدل، فدل ذلك على أن
إقامة العدل واجبة، سواء قلنا: إن الاقتصار على الواحدة عند الخوف من إقامة العدل
واجب، كما هو الصحيح أو قلنا: إنه مندوب، أما الأول فظاهر، لأنه إذا كان مجرد
الخوف من إقامة العدل بين الاثنتين جعل الجمع بينهما محرماً فتكون إقامة العدل
بينهما واجبة فلا تردد، أما الثاني فلأنه إذا كان مجرد الخوف من إقامة العدل جعل
الجمع بين الزوجات مكروهاً كان العدل بينهن واجباُ، لأن الذي يخاف المكلف من تركه
إنما هو الواجب، إذ لو كانت إقامة العدل بينهن مندوبة لما خاف أحد من تركها، لأن
الإنسان يخاف من العقاب، والمندوب لا عقاب عليه.
وأما شروطه فثلاثة:
أحدها: العقل، فلا يجب القسم على
المجنون، أما المجنونة فإنه يجب لها القسم إذا كانت هادئة قائمة بمنزل زوجها بحيث
يمكن وطؤها، وإلا فلا.
ثانيها: أن يكون مراهقاً (1) يمكنه
أن يطأ وتلتذ به النساء، فإن كان طفلاً فإنه لا يجب عليه القسم، وكذا إذا كانت
صغيرة لا تطيق الوطء، فإنه لا يجب لها القسم. أما التي تطيق فإنه يجب لها،
كالكبيرة بلا فرق، فإن جار المراهق كان إثمه على وليه لأنه هو الذي زوجه، وهو الذي
احتمل مسؤوليته في ذلك، فعليه أن يدور به على نسائه ليعدل بينهن.
ثالثها (2): أن تكون المرأة غير ناشزة، فلو كانت
خارجة عن طاعة زوجها فلا حق لها في القسم.
ولا يسقط القسم وجود مانع يمنع الوطء، سواء كان قائماً
بالمرأة، كحيض. أو نفاس. أو رتق. أو مرض. أو كان قائماً بالرجل، كما إذا كان
مجبوباً. أو عنيناً. أو مريضاً، لأن الغرض من المبيت الأنس لا الوطء، لما عرفت من
أن الوطء غير لازم فإذا كان مريضاً مرضاً لا يستطيع معه الانتقال أقام عند من
يستريح لتمريضها وخدمتها.
--------------------------
(1) (المالكية - قالوا: يشترط أن
يكون الزوج بالغاً، أما الزوجة فلا يشترط لها البلوغ، بل يكفي أن تكون مطيقة
للوطء، كما هو الحكم عند غيرهم).
(2) (الحنفية - زادوا شرطاً رابعاً، وهو أن لا يكون مسافراً فلا
قسم في السفر كما يأتي قريباً).
*** وجدت في: الجزء الرابع.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
مباحث القسم بين الزوجات
في المبيت و النفقة ونحوهما.
مبحث لا تجب المساواة
بين الزوجين في الحب القلبي وما يترتب عليه من شهوة.
كما لا تجب التسوية في النفقة كذلك لا تجب في الوطء والميل
القلبي، لأن ذلك ليس في اختيار الإنسان، وإنما هو تابع لحالة طبيعية، فقد تنبعث
شهوته إلى واحدة دون الأخرى، وقد يتعلق قلبه بواحدة من حيث لا يدري، وهذا هو معنى
قوله تعالى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو
حرصتم فلا تميلوا كل الميل)، فالمراد نفي الاستطاعة التي ليست في
اختيار الإنسان من المحبة القلبية وما يترتب عليها من استمتاع. أما ما عدا ذلك من
إقامة العدل في المبيت وإعطاء كل واحدة نفقة مثلها بدون جور فإنه مستطاع من كل
أحد، فلذا كان صلى اللّه عليه وسلم يتحرى الدقة في العدل بين نسائه في هذا ويقول:
"اللّهم ان هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك" ولكن ليس معنى
هذا أن الرجل يترك إحدى زوجاته بدون وطء فيعرضها للخنا والفساد، فإنه إن فعل ذلك
فقد ارتكب إثماً، بل يجب على الزوج أن يعف زوجته ويصرفها عن التعلق بغيره، وإن لم
يستطع وجب عليه أن يسرحها، وهل للزوجة الحق في طلب إعفافها؟ وإذا طالبته فهل يقدر
لها القاضي قدراً معيناً؟ وكذلك هل لها أن تشكو كثرة استعمالها إذا تضررت منه؟ وهل
يقدر القاضي له قدراً معيناً أو لا، في ذلك تفاصيل
المذاهب (1).
--------------------------
(1) (الحنفية - قالوا: إذا كان
الرجل متزوجاً بامرأة واحدة ولم يبت عندها لاشتغاله بالعبادة أو بجواريه كان لها
الحق في طلب المبيت عندها، ولا يقدر ذلك بمدة معينة في الأسبوع على الراجع بل
القاضي يأمر أن يبيت عندها ويصحبها من وقت لآخر بحيث لا تشعر بغيبة طويلة عنها،
وقدر لها بعضهم كل أربعة أيام ليلة، ولكنهم قالوا: إن هذا ضعيف، والمعتمد الأول.
أما الوطء فليس لها حق في المطالبة به إلا مرة واحدة، ولكنه
يفترض عليه ديانة أن يعفها وإلا كان من الآثمين، على أن بعض الحنفية يرى أنه يجب
الحكم لها عليه قضاء بما يعفها، فكما يجب لها القضاء بالبيتوتة عندها من وقت لآخر
بالقدر الذي يراه القاضي صالحاً، وكذلك يجب لها الحكم بالوطء من وقت لآخر بما يراه
القاضي كافياً في إعفافها، وهو حسن، أما إذا اشتكت من كثرة استعمال الرجل إياها.
فإنه يقضي لها بأن لا يجامعها فوق طاقها، ولا يقدر ذلك بعدد، بل الرأي فيه للقاضي أيضاً
فيقضي بما يغلب على ظنه أنها تطيقه، وهذا يتبع غالباً الصحة والسمن، ونحو ذلك،
نعم، قد توجد نحيفة تطيق أكثر من سمينة لأسباب داخلية، ولكن هذا غير الغالب، على
أنه ينبغي للقاضي أن يسألها عما تطيق، ويكون لها القول بيمينها، وأيضاً فإنه يصح
على امرأتين لهما خبرة بأحوال النساء بأن يكونا طبيتين، وقد صرحوا بجواز ذلك فيما
إذا كانت صغيرة لا تطيق وادعى الزوج أنها تطيق فلتكن هذه مثلها، ومثل ذلك ما إذا
كان للرجل آلة كبيرة تتصرف المرأة منها أو لا تطيقها فإنها لا تسلم له إلا إذا
قررت الخبيرات من النساء ذلك.
المالكية - قالوا: يترك أمر الوطء لسجية الرجل وطبيعته، فلا
يكلف أن يطأ إحدى زوجاته مثل ما يطأ الأخر، ولكن بشرط أن لا يتعمد الانصراف عن
إحداهن ليوفر قوته للأخر التي يتلذذ بها أكثر فإذا كان عند صاحبة النوبة ووجد في
نفسه ميلاً لوطئها وقدرة عليه ولكنه امتنع ليوفر للأخر التي اجمل منها مثلاً، كان
ذلك محرماً لأنه إضرار بها عن عمد منه حتى ولو لم تتضرر بالفعل.
فإن كان له زوجة واحدة وتركها بدون وطء ورفعت أمرها للقاضي
فإنه يقضي لها به في ليلة من أربع ليال على الأرجح لأن له تزوج ثلاث سواها. أما
إذا شكا الرجل قلة الوطء. أو شكت هي كثرته فإنه يقضي عليها بما تقدر عليه على
الصحيح، كالأجير على الخدمة، فلا يتقيد بأربع مرات في اليوم والليلة. ولا أكثر.
ولا أقل، وقد يقال: لماذا نظر في جانب المرأة إلى طاقتها فلا يقضي بما لا تستطيع
وقضي على الرجل بمقدار معين وهو أنه يجامع في كل أربع ليال ليلة، على أن المالكية
قد نقلوا عن عمر بأنه قضى بمرة في الطهر ليحبلها، وهذا معقول عند النزاع، فلماذا
لم يعمل به؟ اللّهم إلا أن يقال: إن هذا التقدير مشروط بكون الرحل شاباً جلداً
يستطيع أن يأتي في الجمعة مرتين بحيث لا يضره ذلك، وإلا نظر لحاله أيضاً ولكنهم لم
يصرحوا بذلك على أن المالكية لا يفرقون بترك الوطء بعد أن يطأ الزوج مرة خلافاً
للحنابلة.
الحنابلة - قالوا: لا يجب على الرجل أن يسوي بين زوجاته في
الوطء ومقدماته من لمس وقبلة ونحو ذلك، كما لا يجب عليه أن يسوي بينهن في النفقة
والكسوة والشهوة بحيث يشتهي هذه كما يشتهي تلك، ويجب عليه أن يطأ زوجته في كل
أربعة اشهر مرة إن لم يكن عدد، وهي مدة الإيلاء فإذا حلف أن لا يقرب زوجته وجب
عليه أن يطأها بعد أربعة أشهر، فعلم منه أن الوطء واجب بعد أربعة أشهر، ومعنى هذا
أن الاستمتاع حق مشترك بين الزوجين، ولهذا لا يصح له أن يعزل منيه فينزل في الخارج
بدون إذنها فإن لم يقدر الزوج على وطئها كل أربعة أشهر مرة فرق القاضي بينهما.
الشافعية - قالوا: لا يجب على الزوج
أن يسوي بين زوجاته في الوطء ولا في الاستمتاع بمقدماته، ولا في الكسوة والنفقة،
بل يؤدي لكل واحدة منهن نفقة مثلها المطلوبة منه. وما وراء ذلك فلا قسم فيه، ولكن
التسوية في هذا تسن، وليس للمرأة الحق في مطالبة الرجل بالوطء على الراجح، لأن عقد
النكاح واقع على أن يستمتع الرجل بها، فالمعقود عليه المرأة لا الرجل، وعلى هذا
فالوطء حقه، وقد تقدم هذا مفصلاً في تعريف النكاح أول الكتاب، وهذا لا ينافي أن
لها الحق في فسخ العقد إذا كان الرجل مجبوباً، ولو حدث له الجب بعد وطئها وكذا إذا
كان عنيناً قبل أن يطأها مرة، لأن بين الأمرين فرقاً ظاهراً،لأنها في بقائها مع من
لا يرجى منه وطء يأس تام، أما السليم الصحيح، فإن طمعها فيه لا ينقطع).