بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد
لله رب العالمين
يتساءل
كثير من الناس، عما يسمعون عنه من وجود رابطة بين الشيخ المربي وتلميذه مريد طريق
الله. فهل هي موجودة حقيقة؟ وماذا تعني هذه الرابطة؟ ولِم يجب أن يتتلمذ المريد
على شيخ؟ وهل استحضار التلميذ لشيخه أثناء الذكر يكون فيه شبهة إساءة أدب مع الله؟
الشيوخ
أنواع؛ فهناك شيوخ (أولياء) متخصصون في فروع كثيرة وموصولون. ولكن من منهم يصلح
لأن يكون شيخا للمرء في الطريق إلى الله؟
معظمنا إن لم يكن كلنا
يعرف أن سيدي أحمد بن أبي الحواري كان تلميذا للإمام أحمد بن حنبل في الفقه، إلا
أن شيخه في الطريق إلى الله كان سيدي أبو سليمان الداراني.
وسيدي عبد الوهاب الشعراني
العالم الأزهري الجليل كان شيخه في الطريق إلى الله سيدي على الخواص الشيخ الأمي
الذي لا يقرأ ولا يكتب.
فلا بد وأن الشيخ الدال
على الطريق يكون فيه ميزة مختلفة عما يظنه كثير من الناس.
الشيخ الدال للمريد في الطريق إلى
الله يسمى الشيخ المربي, وهذا تخصص خاص من الأولياء, فليس كل ولي يصلح لأن يكون شيخا
مربيا مهما علا مقامه، لأن المحك هل هو مأذون من الله ورسوله بالتربية أم لا, يقول
تعالى (قُلْ
هَـذِهِ
سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ
أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي).
نحن نعلم أن كثيرا من كبار الأولياء لم يكونوا شيوخ تربية رغم
ما هم عليه من مقامات عالية, والبعض الآخر لم يربي إلا شيخا واحدا كسيدي عبد
السلام بن بشيش ربى سيدي أبي الحسن الشاذلي فقط, والبعض ربى ألف ولي كسيدي أبي
مدين الغوث.
الشيخ المربي في حقيقته إن هو إلا ممثل لرسول الله صلى الله عليه
يستخدمه الله تعالى في تربية جيل تال مثلما استخدم رسول الله لتربية الصحابة.
وصلته
من شيخ لشيخ حتى تصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسلسلا. أو وُصِل هو مباشرة
برسول الله صلى الله عليه وسلم ورباه هو مباشرة، وإن كان هذا نادر الحدوث، لكنه
حدث ويحدث.
لا بد للناس من معلم
ونموذج أمثل يتبعونه ويقلدونه حتى يكونوا عبيدا كما طلب الله منهم بالصورة المثلى.
(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ
يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا). وهذا ما
يعرف باتباع السنة، وقد وصفته السيدة عائشة صلى الله عليه وسلم بأنه (كان خلقه
القرآن).
فالإنسان في
بدايته يكون قاصر الفهم والإدراك؛ لهذا يحتاج لنماذج ملموسة لديه ليفهم ويقلد
ويتبع، ولهذا فمن يتعلم كيف يحب شيخه ويطيعه، وهو حاضر أمامه، يتعلم كيف يحب ويطيع
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غائب عن رؤيته المباشرة، فيشعر بعظمته وفضله
عليه رغم أنه لا يراه أمامه فيتعلم طاعته باتباع سنته، وحين يتعلم حب رسول الله
صلى الله عليه وسلم وطاعته يسهل عليه بعد ذلك حب وطاعة الله سبحانه وتعالى وهو
بالنسبة له غيب مطلق. فهي مراحل إدراك.
فالمشكلة أن
المرء لا يتبع ويطيع إلا من يحب ما لم يكن مكرها، ولكن (لا
إكراه في الدين)، وكيف يحب من لا يعرف؟ وكيف يعرف من لا يستطيع إدراكه
بوضوح؟
المريد عادة يتجه لشيخ مرب
على طريقة توافق تركيبة هذا المريد، فمن حاول الاتجاه لطريقة لا تتوافق مع تركيبته سرعان ما
يتركها.
ومعرفة من هو الشيخ المقدر
للشخص والمقدر له الشخص طرقه كثيرة, لعل النقطة المركزية فيها شدة إخلاص العبد في
التوجه إلى الله ودوام الطلب منه أن يدله على من هو شيخه. ودوام الصلاة على رسول
الله صلى الله عليه وسلم, وقليل من كبار الشيوخ في الطريق لم يكن لهم شيخ إلا رسول
الله صلى الله عليه وسلم بعد كثرة الصلاة عليه إلا أن هذه حالات نادرة ولكنها
حدثت.
والشيخ الحقيقي الموصول
إذا أتاه مريد وهو قد أخبر أنه ليس من أولاده المقدرين له يدله على الشيخ المقدر
له والذي يناسب مشربه وأنا شخصيا رأيت الشيخ يفعل ذلك مرارا.
سبحانه
وتعالى جعل تنزل الأمر والعطاءات والمدد في الكون بنظام خاص.
يقول تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ
مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا).
وفي رواية
لمسلم قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: (إن اللَّه تعالى إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: إني أحب
فلاناً فأحبه. فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن اللَّه يحب فلاناً
فأحبوه. فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبداً دعا جبريل
فيقول: إني أبغض فلاناً فأبغضه. فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء: إن اللَّه
يبغض فلاناً فأبغضوه. فيبغضه أهل السماء ثم توضع له البغضاء في الأرض).
وقال صلى
الله عليه وسلم (أنا أبو القاسم: الله يعطي، وأنا
أقسم). الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة وقال السيوطي: صحيح.
وأخرج مسلم
عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي فإنما أنا أبو القاسم أقسم
بينكم).
وفي كنز
العمال عن مسند أبي هريرة رضي الله عنه. حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى عن
ابن عجلان قال سمعت أبي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي فإني أنا أبو القاسم الله عز وجل
يعطي وأنا أقسم).
يتضح مما
سبق أن من نظامه تعالى تنزل المدد على مستويات تنزل مختلفة من أعلى لأسفل.
ولعل
توضيح ذلك بمثال، ولله المثل الأعلى، يوضح الصورة.
حين تخرج
الكهرباء من محطة التوليد يكون جهد التيار مرتفعا للغاية ولا يصلح أن يدخل للمنازل
مباشرة فهو يكون
(100.000
فولت)، ولكن يذهب لمحطة توزيع رئيسية توزعه بعد ذلك على محطات توزيع أصغر تقوم هي
بدورها بتقليل الفولت وتوزيعه على المناطق التي هي مسؤولة عن توزيع الكهرباء
إليها، وحتى تقوم المحطة الأخيرة بإمداد الأجهزة المنزلية هذه بـ (110 فولت) وهذه
بـ (220 فولت) وتلك بـ (380 فولت) حسب طاقة كل جهاز.
لذلك يكون
ما يصل لقلب المريد ليس له مصدر إلا قلب شيخه كما قال الشعراني رضي الله عنه، فهو
مثل الجهاز المنزلي الذي لا مصدر للطاقة بالنسبة له إلا محطة التوزيع القريبة منه،
ومصدر ما في قلب شيخه الموصول المأذون ليس إلا قلبه صلى الله عليه وسلم الذي تتنزل
عليه عطاءات الله فيقسمها.
لهذا
حين يتجه المريد لقلب شيخه ليستمد منه في الذكر يكون متبعا لناموس الله في كونه
وليس فيه قلة أدب أو شرك أو ما شابه من شبهات.
والمريد
يشرب منهج شيخه بمعايشته ورؤية تصرفاته وأفعاله وكيفية تصرفه في مختلف المواقف،
فإن كان يحبه قلده في ذلك بل انطبع فيه سلوك هذا الشيخ، فإن كان سلوك ذلك الشيخ
محمديا تحول هو أيضا بالتدريج ليكون محمديا فيسهل عليه تقليده صلى الله عليه وسلم
فيما كان يفعل ويتصرف ويقول، وهذا ليس إلا ما أراده الله منا في كتابه الكريم لأن
خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن.
هل
سمعنا بمريد إلا في النادر على مر تاريخ الأمة أن يكون قدوته وشيخه المباشر هو
رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أليس هذا ما يعرف بسلاسل الطرق؟
أليس هذا النظام
أيضا مطبق أيضا فيما يعرف بالعلوم الدنيوية من طب وهندسة وغيرها؟
وعلى
هذا نخلص في النهاية فيما أرى والله تعالى أعلم أن الرابطة بين المريد وشيخه تجمع
بين الحب والاقتداء والتعلق، وأنها من نظام الله الطبيعي في كونه وأن من يقول غير
ذلك فقد يكون ذلك فقط لشدة حرصه أو ورعه- وهذا ما يجب أن نقوله من باب حسن الظن
بالمسلمين جميعا - نتيجة لعدم وضوح ما ذكرناه عنده.
وانتبهوا!
كل ميسر لما خلق له.