الشــــــــــــــــيــخ الـمربي ومــريـــــــــده

 

      الشيوخ أنواع؛ فهناك شيوخ (أولياء) متخصصون في فروع كثيرة وموصولون. ولكن من منهم يصلح لأن يكون شيخا للمرء في الطريق إلى الله؟

معظمنا إن لم يكن كلنا يعرف أن سيدي أحمد بن أبي الحواري كان تلميذا للإمام أحمد بن حنبل في الفقه، إلا أن شيخه في الطريق إلى الله كان سيدي أبو سليمان الداراني.

وسيدي عبد الوهاب الشعراني العالم الأزهري الجليل كان شيخه في الطريق إلى الله سيدي على الخواص الشيخ الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب.

فلا بد وأن الشيخ الدال على الطريق يكون فيه ميزة مختلفة عما يظنه كثير من الناس.

 

      الشيخ الدال للمريد في الطريق إلى الله يسمى الشيخ المربي, وهذا تخصص خاص من الأولياء, فليس كل ولي يصلح لأن يكون شيخا مربيا مهما علا مقامه، لأن المحك هل هو مأذون من الله ورسوله بالتربية أم لا, يقول تعالى (قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي).

نحن نعلم أن كثيرا من كبار الأولياء لم يكونوا شيوخ تربية رغم ما هم عليه من مقامات عالية, والبعض الآخر لم يربي إلا شيخا واحدا كسيدي عبد السلام بن بشيش ربى سيدي أبي الحسن الشاذلي فقط, والبعض ربى ألف ولي كسيدي أبي مدين الغوث.

 

     معرفة من هو الشيخ المقدر للشخص والمقدر له الشخص طرقه كثيرة, لعل النقطة المركزية فيها شدة إخلاص العبد في التوجه إلى الله ودوام الطلب منه أن يدله على من هو شيخه. ودوام الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقليل من كبار الشيوخ في الطريق لم يكن لهم شيخ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد كثرة الصلاة عليه إلا أن هذه حالات نادرة ولكنها حدثت.

والشيخ الحقيقي الموصول إذا أتاه مريد وهو قد أخبر أنه ليس من أولاده المقدرين له يدله على الشيخ المقدر له والذي يناسب مشربه وأنا شخصيا رأيت الشيخ يفعل ذلك مرارا.

 

      المريد الصادق للشيخ الحقيقي يكون موصولا بشيخه ليس فقط عن طريق الاتصال العادي ولكنه يتصل به روحيا, سواء كان هذا الشيخ مازال من الموجودين في الحياة الدنيا أو يكون قد انتقل, لا فرق. ويشرب من مشربه الطريق حسب قدرته وتوفيق الله له, فالمريد كما قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني لا مصدر له من العلم إلا قلب شيخه, أدرك ذلك أم لم يدرك, حتى يفطم ويقول له شيخه ها أنت وربك وها أنت ورسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

     أهل الطريق لهم مذهبان في المريد الذي انتقل شيخه قبل الفطام؛ الأول وهو رأيي الشخصي أيضا أن الشيخ المربي يكمل تربية مريديه من البرزخ وأنا على يقين من ذلك.

أما الرأي الثاني فيقول أن على المريد الذي توفي شيخه أن يذهب لشيخ آخر يكمل له الطريق. وأنا أعتقد والله تعالى أعلم أن هذا متعلق بحالة واحدة وهي أن يكون المريد لم تنشأ بينه وبين شيخه الرابطة الروحية التي تسمح بالاتصال المباشر قبل انتقال الشيخ ولم يترك الشيخ ممن ربى من يمكنه أن يتولى هو التربية من بعده.

 

     أما عن قول إخواننا من كبار السن الذي فهمت أنه يعني أن العمر كبير فهل من استدراك في الوقت. فأقول لهم سبحانه وتعالى يقول (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) ولذلك قيل: إن جذبة من جذبات الحق تساوي عمل الثقلين. لذلك قال أهل الله: ليس الطريق لمن سبق ولكن الطريق لمن صدق.

 

أسئلة وإجاباتها حول المقال:

سيدي مما سمعناه من مشايخنا حفظهم الله انه ينبغي للمريد الارتباط بشيخ كامل بعد انتقال شيخه وان كانت الرابطة الروحية قوية بشيخه الأول.
نرجو منكم أن تزيدونا مما علمكم الله
واحسن الله إليكم في الدارين

أخوكم أبو مؤيد

 

سيدي وأخي الفاضل الكريم أبو مؤيد أيدك الله به على الدوام.

شكر الله لك حسن ظنك بأخيك الجاهل, ولكن لنحاول سويا الفهم.

كما ذكرت من قبل أن أهل الطريق اختلفوا بين الرأيين, ولكن ما أخوك على يقين منه من أن الشيخ الكامل المربي يربي مريديه حين ينتقل رغم أن شيخي أطال الله عمره مازال على قيد الحياة إلا أن شيخه هو الذي انتقل ولكنه هو الذي يواصل دوره معنا مثلما كان يفعل فبل انتقاله ولكن بصورة أقوى وأوضح لمن عندهم بصيرة وصلة.

هذه تجربتي الشخصية ولا أستطيع أن أقول أكثر من ذلك أو أن أقول أن هذا الأمر يمكن أن ينطبق في جميع الأحوال.

الشيخ الكبير رحمه الله ورضي عنه وأرضاه قبل وفاته بعامين قال لي: أن لي شيئا عنده سأحصل عليه منه شئت أم لم أشأ. وهذا لعلمه عدم أخذي مباشرة من غير شيخي إلا عن طريق الشيخ نفسه أدبا معه. فتحيرت لأني أعلم من هو ثم مر الزمان وانتقل هو وبدأ الأمر بعد انتقاله والحمد لله تعالى وحتى الآن.

وأهل هذا الرأي يقولون: لا يكون شيخا من يفصله عن مريديه شبر من تراب.

هذا ما أعرف وأرجو ألا أكون قد زدتك حيرة, لأنه فعلا أعتقد أن القاعدة ليست ثابتة وأعتقد أن الأمر متوقف على تعليمات الشيخ نفسه قبل انتقاله.
فقد يقول أن فلانا من مريده شيخ لكم من بعدي يكمل لكم الطريق, أو يقول بعد انتقالي كل يكمل الطريق مع شيخ آخر.

وقد تختلف التعليمات من مريد لآخر.

والله تعالى أعلم.

 

سؤالي هو هل يمكن أن يصل الإنسان إلى مرحلة لا يعود فيها بحاجة إلى شيخ مربي ؟
وكيف يعرف الإنسان أنه قد بلغ هذه المرحلة ؟

 شاعرة الحرمين

 

الوليد حين يولد هل له من مصدر طعام غير صدر أمه؟ كذلك المريد في بدايته؛ لا مصدر لعلم أو توجيه إلا من شيخه المربي.

حين يشتد عوده قليلا نبدأ في إعطائه طعاما خارجيا (من كسب أبيه) مع استمرار الرضاعة؛ وهذا حال السالك, تبدأ عنده الواردات.

حين تبدأ مرحلة الفطام من الرضاعة تقل كميات وعدد مرات الرضاع, ويكون الاعتماد الأكبر على الطعام الخارجي؛ فتقل التوجيهات المباشرة من الشيخ المربي ويزيد التلقي من عالم الروح عند السالك. وهي مرحلة عادة تكون فيها معاناة كبيرة لأن المريد يظن أن شيخه يهمله ولا يرعاه.

أما مرحلة تمام الفطام فهي حين يقول الشيخ لمريده ها أنت ورسول الله صلى الله عليه وسلم وها أنت وربك. وهي مرحلة خادعة. فيطن المريد فيها أنه استقل عن شيخه في حين أنه بدأ يرفل في مدد شيخه, مثله مثل الطفل الذي يطعم مما يأتي به أبوه مما كسب وهو يظن أنه يطعم نفسه بنفسه. وإن مات أبوه استمر يعيش في ميراثه من أبيه.

يستمر الطفل في هذه المرحلة حتى يبلغ مبلغ الرجال ويبدأ الكسب بنفسه, ويأتي إليه مدد فوق ما هو عند شيخه, في هذه الحالة فقط يصح له أن يقول كما قال الشيخ أبي الحسن الشاذلي حين سؤل عن شيخه: كان شيخي الشيخ ابن مشيش أما الآن فأنا أنهل من عشرة أبحر, خمس سماوية, وخمس أرضية.

 

هل لهذا السبب عندما يغيب الشيخ عن المريد المبتدئ لسفر ما مثلا ، فالمريد يشعر بالضعف والتعب لبعد شيخه عنه .
أفيدونا أفادكم الله من واسع فضله وعلمه .

أخوكم أبو محمد

 

سيدنا الفاضل الكريم أبو محمد جعله الله من أهل حمده وشكره (وقليل من عبادي الشكور).

يا مولانا أولا جميعنا يقع في خطأ شائع بين أهل الطريق حين يحاول أن يصنف نفسه هل هو مريد أم سالك أم ماذا سواءا بحجة التواضع لمقاومة النفس أو لرغبة في علو.

ما شأننا نحن بأنفسنا؟ ونقول كما قال الشيخ عبد السلام بن بشيش لسيدي أبي الحسن الشاذلي وزميله في المغارة حين كانا يقولان "اليوم يفتح لنا غدا يفتح لنا" فقال لهم: كيف حال من يقول اليوم يفتح لنا, غدا يفتح لنا؟ يا نفس لما لا تعبدين الله؟

بالنسبة لغياب الشيخ لسفر أو غيره وإحساس المريد مثل الطفل الذي يغيب أبوه بالضياع والضعف, فهذا الإحساس لأن المطلوب أن يتحول حب الشيخ والارتباط به إلى حب الله فقط وأن يكون الذهاب للمجالس لله وليس لوجود الشيخ فيه. ثم أيضا أن يبدأ المريد نتيجة هذا الإحساس في الرغبة القوية ليكون متصلا بشيخه بصرف النظر عن التواجد المادي.
فيكون الشيخ متواجدا داخله على الدوام وفي خاطره على الدوام.

قيل لسيدي أبي العباس المرسي فلان (من مريديه) يقول: "لم لا يضعنا الشيخ في خاطره؟" فقال الشيخ رضي الله عنه وأرضاه: "يقول المريد: لم لا يضعنا الشيخ في خاطره؟ المريد يكون في خاطر الشيخ ما كان الشيخ في خاطره"

Hosted by www.Geocities.ws

1