تساؤلات من أخي الخواجة
الفهرس
2. خلق_الإنسان
3.
أشهد_أن_لا_إله_إلا_ألله من_هو_الله مفهوم_رسول_الله_والنبوة_والوحي حسن_الخلق_مع_أنبياء_الله_ورسله
1. ما_هو_مرتبط_بأبواب_الفقه_الأربعة
4.
الإفتاء
الحمد لله رب العالمين ، الذي علم
عجزنا و ضعفنا و جهلنا فدلنا على نفسه بنفسه ، فأرسل الرسل برسالات منه لتدل الخلق
على الطريق القويم و الصراط المستقيم الموصل لمعرفته التي هي الغرض من خلقه لنا ،
فنشهد أنه لا إله إلا الله و حده لا شريك له ، و نشهد أن سيدنا و نبينا محمد عبد
الله و رسوله ، خاتم النبيين و المرسلين ، أرسله الله بالحق بشيرا و نذيرا و داعيا
إلى الله بإذنه و سراجا منيرا . اللهم صلي و سلم و بارك على سيدنا محمد المبعوث
رحمة للعالمين هاديا و مبشرا و نذيرا و بالمؤمنين رؤف رحيم ، و على آله المطهرين
الطيبين ، و أصحابه الصادقين المخلصين المقتدين , و سلم تسليما كثيرا .
كنت أتحدث مع أخي في الله عبد الخبير ،
الأسباني الجنسية ، عما يدور في عقول و قلوب إخواننا من مسلمي أوروبا من أفكار و
تساؤلات فقال: أنهم يقرأون الآية من القرآن أو الحديث من أحاديث الرسول صلى الله
عليه و سلم و يحاولون استخراج قاعدة أو حكم منه يطبقونه في حياتهم ، و في بعض
الأحيان يجدون أعداء الإسلام يسألونهم عن آية من الآيات منفردة يهاجمون بها الدين
فلا يستطيعون ردا . فقلت له: بالنسبة للأحكام فهي موجودة في كتب الفقه فلا يجوز أن
يذهبوا للنصوص مباشرة و إنما يذهبون إلى الأحكام الموجودة مباشرة لأن استخراج
الأحكام الفقهية من النصوص يخضع لقواعد ما اصطلح على تسميته بأصول الفقه . فقال:
أنهم يقولون: من وضع هذه القواعد رجال لهم عقول مثل عقولنا و لماذا يجب أن نأخذ بما
قالوه هم ؟ فقلت له: الآن فهمت أني لا يجب أن أبدأ الجواب من شرح أصول الفقه و لكن
يجب أن أبدأه من قبل ذلك من توضيح بعض الأصول الإيمانية الحاكمة على أصول الفقه و
التي يطلق أيضا عليها العقائد وبعد ذلك أوضح كيف نشأ علم الأصول و كيف أنه ليس
اختراع من واضعيه و لكنه مجرد
استقراء من واضعيه للقواعد غير المكتوبة التي عمل
بها الصحابة كما تعلموا من النبي صلى الله عليه و سلم للوصول إلى الأحكام الشرعية
فظهر كعلم مستقل ، ثم أوضح ما يحتاجه المجتهد من علوم يتقنها حتى يمكنه الاجتهاد ،
و ما لا يمكن الاجتهاد فيه ، و ما يمكن الاجتهاد فيه الآن .
بعد عودتي إلى المنزل أخذت أفكر فيما قاله أخي ،
فتنبهت أن إخواننا مسلمي أوروبا مظلومين لأسباب:
1. عدم
وجود العلماء الناطقين في الأصل باللغة العربية و يعرفون لغاتهم و يفهمون ما
يواجهونه من مشاكل و هي بالتأكيد مختلفة عما نواجهه نحن نتيجة للبيئة التي يعيشون
فيها ، و إن وجدوا فهم بأعداد غير كافية .
2. نحن
قد صدرنا إليهم مشاكل الشارع الإسلامي بالخلافات الموجودة بين التيارات المختلفة و
التي وجدت فيهم بيئة مناسبة و خصبة نتيجة لقلة علمهم بالدين ثم يذهب إليهم البعض
قائلا نحن ندلكم على صحيح الدين و ما كان عليه السلف ، و كل تيار يحاول أن يحصل
على أكبر عدد من المؤيدين له منهم . و هم نتيجة لذلك قد يكونون أكثر تطرفا في
الدفاع عما اعتقدوا أنه صحيح نتيجة لإخلاصهم الشديد للإسلام ، ربما أكثر منا نحن
المولودين أصلا مسلمين لأنهم أسلموا عن اقتناع و عقيدة . و الذين يتعلمون الدين
بعمق منهم يكونوا على مستوى عال من الفهم و الإخلاص .
3. ما
ذهبوا إليه في الذهاب إلى النصوص مباشرة بدلا من الأحكام موجود عندنا هنا أيضا في
البلاد المسلمة متمثلا فيمن يقولون نحن مع السلف و لا نفعل إلا ما فعل السلف و كل
ما عدا ذلك بدعة . و هو ما أدى إلى ظهور أخطاء كثيرة منهم في الوصول للأحكام حتى
تطرف بعضهم و طبق النصوص الخاصة بالكفار على المسلمين فذهب إلى تكفير المجتمعات
المسلمة و المسلمين عموما و هو أمر لا يجوز و لا يمكن أن يكون حقيقيا .
لهذا فقد
استخرت الله و توكلت عليه و نويت أن أكتب رسالة توضح كيف أن الإسلام دين اتباع لا
ابتداع ، و أن هناك قواعد تحكم تعامل المسلمين مع الأوامر الدينية و تحكم كيفية
وصولهم للأحكام الفقهية . و أيضا ما هي الشروط الواجب توافرها فيمن يقوم بالاجتهاد
في الوصول إلى حلول أو تطوير لأحكام فقهية لما قد يستجد من أمور في الحياة ؛ مثلا
أطفال الأنابيب أو الاستنساخ .
كتب أخانا في الله الحسن عارف حين استشرته في التساؤلات
السابقة فقال:
سبب الاحتياج لأصول الفقه:
سبب نشأة المشاكل الخاصة بسوء الفهم بين الأشخاص
أن كلا منهم يفهم نفس الأمر بشكل مختلف عن الآخر و ذلك لأن:
1. الطاقات
العقلية تختلف من شخص لآخر و هذا ثابت و مؤيد بالتجارب العلمية .
2. حينما
يريد شخص أن يعبر عن رأيه في أمر من الأمور فإنه يحاول أن يصيغ رأيه من خلال اللغة
؛ و هذا الإخراج اللغوي للفكرة يعتمد على:
أ- مدى إدراك
الفرد لفكرته .
ب- مدى قدرة الشخص على تطويع مفردات و أساليب اللغة للتعبير عن فكرته بشكل
جيد.
ج- مدى اتساق هذه الفكرة مع باقي الأفكار التي تكون معها موضوعا عاما له
صفات محددة بحيث لا تشذ عنها.
د- مدى أمانة الشخص في نقل الفكرة بدون تدخل هواه الشخصي و تطلعاته و
أطماعه الذاتية .
و
يمكن أن نلخص كل ما سبق في أن مشكلات سوء الفهم ترجع إلى عدم وجود ميزان عام يتم
الرجوع إليه في الحكم على صحة أو عدم صحة فكرة ما .
و الاجتهاد
هو بذل الجهد للوصول إلى حكم شرعي من دليل تفصيلي من الأدلة الشرعية وفقا لقواعد
أصول الفقه .
أما ما يخرج عن نطاق الاجتهاد فهو
كل موضوع من موضوعات الدين ورد فيه نص ثابت صحيح (قطعي الثبوت ، قطعي الدلالة)
فأعطى حكما شرعيا . فالقاعدة (لا اجتهاد مع وجود النص) .
ففي قوله تعالى (الزانية و الزاني فاجلدوا كل
واحد منهما مائة جلدة) لا مجال للاجتهاد في عدد الجلدات .
أما قوله تعالى (أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة) بعد
ذلك فسرت السنة المراد من الصلاة و الزكاة و كيفيتهما . و هذا يعتبر مثال للأدلة
الشرعية التي يجب أن توضع مع بعضها البعض لأن أحدها بمفرده لا يمكن أن يستخرج منه
حكم شرعي كامل .
و
لئن كانت قواعد أصول الفقه تبين طرق استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية
، فإن هذه الطرق لها سياج و حدود تحدها ألا و هو عدم الخروج عن العقائد التي
يعتقدها المسلم و التي تؤسس العلاقة بينه و بين الله على أساس سليم ؛ حيث أن الدين
عموما و الإسلام خصوصا يقوم على ثلاث محاور:
1.
علاقة المسلم بربه.
2. علاقة المسلم بنفسه .
3. علاقة المسلم بغيره من الناس مسلمين و غير مسلمين .
لذا
نسوق فيما يلي القواعد الإيمانية .
أولا: القواعد الإيمانية (العقائد)
مقدمة
الغرض من الخلق :
لقد حدد الحق جل و علا الغرض
من خلقه لنا في قوله تعالى ( وما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون . ما أريد منهم
من رزق و ما أريد أن يطعمون إن، الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) في هذه
الآية قصر الحق تعالى الغرض من خلقه لنا على أن نعبده باستخدامه النفي و الاستثناء
( ما و إلا ) و نفى أن يكون الغرض من خلقه لنا إيجاد الرزق، لأنه هو الرزاق ذو
القوة المتين . قد يتساءل البعض ، إن كان الله تعالى قد قصر الغرض من خلقه لنا على
العبادة ، فما علاقة الآية السابقة بقوله تعالى ( إني جاعل في الأرض خليفة
) ؟
إذا نظرنا بعمق
إلى هذه الآية و الآية الأخرى ( و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون )
لوجدنا أن الخلافة الحقة لا تأتي إلا بالعبودية الحقة و نتيجة لها . كيف ؟ لابد
أولاً أن نعرف معنى العبادة التي هي الغرض من الخلق ، ثم نعرف بعد ذلك معنى
الخلافة ، و المقصود منها ، و كيفية القيام بها .
معنى العبادة الطاعة
بحب .
لأنك إن أحببت أحداً كنت له مطيعاً . إن المحب لمن أحب مطيع .
و لكن كيف تحب من لا تعرف ؟ فالجهالة تنفي وجود المحبة . لذلك قال كثيرون أن معنى
العبودية في الآية المعرفة، وعلى رأس الذين قالوا ذلك سيدنا عبد الله بن عباس رضى
الله عنهما ، حتى أنه كان يقرأ الآية ( إلا ليعرفون ) وكان يظن أنها هكذا
أنزلت . إذاً فمعرفة الله تؤدي بالعبد إلى حبه ، و حبه يؤدي إلى طاعته . أي أن
معنى هذا أن أكثر الخلق معرفة بالحق أكثرهم له طاعة ، و أشدهم له حباً .
و
من أكثر معرفة بالله ممن كان قاب قوسين أو أدنى ، من كان خلقه القرآن ، من وصفته
زوجته السيدة عائشة أم المؤمنين عليها رضوان الله بذلك . لهذا؛ فالنموذج المحمدي
يمثل أعلى درجات التحقق بالعبودية . لذلك حين مدحه ربه قال ( عبد الله و رسوله
) و حين أخبرنا الحق تعالى عن أخطر رحلة في تاريخ بني آدم رحلة الإسراءِ والمعراج
ذكر سيدنا محمد بأعلى صفة على الإطلاق فقال ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من
المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ) قال تعالى بعبده و لم يقل برسوله و لا
بنبيه . فاختار تعالى أشرفَ صفة ، ألا و هي صفة العبودية .
أما قوله تعالى ( إني جاعل في الأرض
خليفة ) الخليفة هو الذي يقوم بتنفيذ و اتباع النظام الذي وضعه المستخلف . لذا
فالخلافة تعني القيام بتنفيذ نظام
الله ، و إتباع نواميسه التي وضعها بغير إفساد للأرض . فإذا كانت العبادة الغرض من
الخلق ، فالخلافة هي الوظيفة المناط تحقيقها بالعبد الذي هو المخلوق ليكون عبدا مطيعا لخالقه .
ومن أشد البشر حرصاً على تنفيذ مراد الله
ممن هو متحقق بالعبودية و الطاعة و الحب ؟
لقد قال تعالى ( ظهر
الفساد في البر و البحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون
) أي أن الفساد يظهر في الأرض نتيجة لابتعاد الناس عن نظامه الذي وضعه ، مثل مشاكل
التلوث في الهواء و الماء و الغذاء ، وأيضاً أمراض لم تكن موجودة ، أو على الأقل
لم تكن منتشرة كالإيدز والفشل الكلوي وغيرها . لِم يا رب ؟ ( ليذيقهم بعض الذي
عملوا لعلهم يرجعون ) إلام يرجعون ؟
يرجعون إلى النظام الذي وضعه الله لكل شئ
. أليسوا الآن يرجعون إلى المقاومة البيولوجية أو الحيوية للحشرات الضارة بعد
استخدام المبيدات الكيماوية سنوات طويلة ؟ ليس المهم العودة إلى النظام الإلهي فقط
و لكن المهم هو العودة إلى عدم الغفلة عن الله لتحقيق الغرض من وجودنا في هذه
الدنيا . أي أن تنجح في الامتحان و الاختبار ، و تكون النتيجة ناجح حين ينتهي وقت الإجابة، حين تخرج الروح من
الجسد بالموت الذي نتناساه في حين أنه النهاية الوحيدة و الأكيدة لكل فرد منا .
فسبحانه و تعالى يقول ( تبارك الذي بيده الملك و هو على كل شئٍ قدير . الذي خلق
الموت و الحياة ليبلوكم أيُّكم أحسن عملا و هو العزيز الغفور)
لم
يأمر الله الملائكة بالسجود إلا لآدم من الخلق لذلك قال (وإذ قال ربك للملائكة
إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون . فإذا سويته و نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين )
فالروح الموجودة في الإنسان لا بد و أن تكون مختلفة عن الروح الموجودة في باقي
المخلوقات . وهذا يؤيد صحة ما روي عن الإمام علي أن الروح ملك عظيم الشأن تخلق من
نفخته أرواح باقي المخلوقات ، رغم أن هذا الحديث ليس مرفوعا .
وقوله تعالى (وإذ قال ربك للملائكة
إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون . فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له
ساجدين . فسجد الملائكة كلهم أجمعون )
في
هذه الآيات ثلاث نقاط : التسوية و نفخت فيه من روحي و سجود الملائكة أجمعون .
التسوية
:
قد
تعني الاستواء ،أي جعله مستوي الطرفين كقوله تعالى ( و نفس و ما سواها فألهمها
فجورها و تقواها ) .
وقد
تعني الاكتمال و الإتمام كقوله تعالى (فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها
روحنا فتمثل لها بشرا سويا )
نفخت
فيه من روحي :
النفخ
يعني سريان شيء في شيء آخر فيغير من صفاته أو شكله أو الاثنين معا.
و
نفخ الله من روحه في الصلصال من حمأ مسنون جعله بشرا .
ومعنى
نفخ الروح الذي يوجب سجود الملائكة هو تجلي أسماء لله و صفات من صفاته في العبد و
تخلقه بها ، بما يجوز التخلق به من أسماء و صفات لله .
و
قوله تعالى عن سيدنا عيسى ( و روح منه ) تعني أسماء و صفات محددة و ليس كل
الصفات الإلهية، لأن روح هنا منكرة و مفردة مما يفيد تعدد أنواع و أعداد الأرواح
التي يمكن أن ينفخها الله ، حتى في سيدنا آدم قال ( نفخت فيه من روحي ) و
لم يقل و نفخت فيه روحي لأن (من) هنا تفيد التبعيض ؛ لأن هذه الروح التي
نفخت منحت صفات و أسماء لآدم ، و هي ليست جميع صفات الله و أسمائه لأنها لا يحاط
بها بأي شكل أو كيفية . و دليل ذلك دعاءه صلى الله عليه و سلم ( اللهم أسألك بكل
اسم هو لك سميت به نفسك ، أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في
علم الغيب عندك ) أي أن هناك أسماء لله لا يعلمها أحد .
و اختلاف اللفظ بين ( و نفخت فيه من
روحي ) ( آدم ) و بين ( و روح منه و كلمة ألقاها إلى مريم ) ( عيسى ) ، ناتج من اختلاف طريقة تنفيذ
النفخة ، في أن ( نفخت فيه من روحي ) عمل قام به الحق تعالى بدون واسطة.
أما بالنسبة للمسيح فالذي قام بالتنفيذ هو الملك . لذلك أكد الحق تعالى أنه هو
مصدر هذه الروح حتى لا يتوهم أن للملك دور أكثر من عامل التسليم .
سجود
الملائكة أجمعون :
سبحانه
و تعالى جعل التسوية و النفخ من روحه شرط لسجود الملائكة لآدم عليه السلام و
بالتبعية لأبنائه من البشر .
و سبحانه و تعالى حين قال ( فسجد
الملائكة كلهم أجمعون
) لم يضع أي استثناء لأي من الملائكة ، فحتى الملائكة الكبار كسيدنا جبريل داخلين
في هذا الأمر بالسجود .
و
السجود يعني الطاعة و الخدمة و المساعدة و التأييد لبني آدم الذين وجب السجود لهم
.
فسيدنا
جبريل كان هو الذي ينزل على الأنبياء بالوحي (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله
على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين )
و
هو روح القدس الذي كان مؤيدا لسيدنا عيسى عليه السلام (إذ قال الله يا عيسى ابن
مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا
وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني
فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني
وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر
مبين )
و
الملائكة تتنزل على الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تبشرهم و تخبرهم بأنهم
يتولونهم في الحياة الدنيا و الآخرة ؛ قال تعالى (إن الذين قالوا ربنا الله ثم
استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا
تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون . نحن أولياؤكم في
الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون . نزلا من
غفور رحيم )
الخلافة
و الوسطية: ( الفكرة التوازنية للعبد في الإسلام )
سبحانه
و تعالى و هو الذي سمى نفسه العدل ، لا يمكن أن يطلب من عبده أمرا ليس في إمكانه و
طاقته ، فهو القائل ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) . فلكي يتمكن الخليفة
الذي اختاره من القيام بمهامه فلا بد من أن يعطيه الحق جل و علا من القوى و الصفات
التي تمكنه من القيام بمهمة الخلافة .
و لعل ذلك يفسر الحديث (إن لله تعالى آنية من
أهل الأرض، وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين، وأحبها إليه ألينها وأرقه) للطبراني
في الكبير عن أبي عنبة.
فالحق
سبحانه و تعالى لا يحل في مكان ، فلا يحيط به المكان ، فلابد و أن ذلك له معنى آخر . فإذا وضعنا قوله صلى الله
عليه و سلم ( إن لله لوحا من زبرجد خضراء تحت العرش كتب فيه أنا الله لا إله إلا
الله أنا أرحم الراحمين خلقت بضعة عشر و ثلاثمائة خلق ، من جاء بواحد منها مع
شهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة ) وهو للبيهقي في الأوسط، مع الحديث السابق
الذكر لفهمنا أن المقصود في الحديث هو تجلي أسماء الله و صفاته التي ليست من أسماء
الذات في قلب العبد المؤمن ، و انعكاسها من القلب على ظاهره سلوكا .و هذا جائز ،
بل هو مطلوب من العبد تحقيقه.
فإذا أخذنا معنى التسوية على أنه الاكتمال ، فالتسوية المذكورة
في الآيات (وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون . فإذا
سويته و نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) اكتمال تخلق العبد المقصود
بالخلافة بالمسموح لمخلوق التخلق به من أسماء الله و صفاته ، (و نفخت فيه من
روحي ) أي أفضت عليه من أسمائي و صفاتي .
و
أكثر البشر تخلقا بما طلبه الله من عباده سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم ،
الذي ( كان خلقه القرآن ) فهو الصورة المثلى للعبودية لله و مدحه سبحانه و تعالى
في مواضع كثيرة في القرآن بصفة العبد . و هذا واضح من قوله تعالى (و كذلك
جعلناكم أمة و سطا لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا ) .
في
هذه الآية ثلاثة أمور:
الأول:
أن أمة المسلمين أمة وسطا .
الثاني:
أن يكونوا هم الأمة المثلى التي تقاس عليها الأمم .
الثالث:
أن الرسول صلى الله عليه و سلم هو النموذج الأمثل لأمته الذي
تقاس عليه الأمة.
نتيجة
لذلك يكون هو صلى الله عليه و سلم النموذج الأمثل الذي يقاس عليه كل بني آدم بما
فيهم الأنبياء (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا)
ولكن
ما هي الوسطية التي تميزت بها أمة الإسلام و نبيها صلى الله عليه و سلم أولا؟
نحن
نعرف أن الإنسان مكون من روح و نفس و جسد و قلب و عقل ، و سبحانه و تعالى حين خلق
الإنسان في أحسن تقويم جعلهم في صورة توازنية مثلى ، كل له دور و واجب و حق .
و
المطلوب منا في الرحلة الأرضية ( رحلة العودة إلى أحسن تقويم ) هو إعطاء كل مكون
من هذه المكونات حقه و دوره في حدود نسبته المثلى و لا يتجاوز دوره و يجور على دور
غيره مثلا ، أو العكس ، أي يضعف دور أحدها حتى لا يمكنه القيام بما هو منوط به و
هذا ما سوف نستوضحه معا في رحلة الطريق إلى الله.
حين نقول أشهد ،
ماذا تعني كلمة أشهد ؟ الشهادة تعني العلم بيقين ، فقد قال صلى الله عليه و سلم (على مثل الشمس فاشهد أو دع) رواه الحاكم والبيهقي عن ابن
عباس مرفوعا بلفظ (إذا علمت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع) ورواه الديلمي عنه بلفظ (يا
ابن عباس لا تشهد إلا على أمر يضيء لك كضياء الشمس) ورواه الطبراني والديلمي أيضا
عن ابن عمر، وقال النجم بعد أن عزاه بلفظ الترجمة للسخاوي لا يعرف بهذا اللفظ،
وأقول بل لا يظهر المراد منه فتأمل،
وزاد النجم: حديث على مثلها فاشهد
أو فدع قال أورد الرافعي بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الشهادة، فقال
للسائل( ترى الشمس؟) قال نعم، قال (مثلها فاشهد أو فدع) قال ابن الملقن وهو غريب
بهذا اللفظ، انتهى .
أي علمت بأمر علما
كعلمك بوجود الشمس وظهورها ووضوحها فاشهد بهذا الأمر . و سبحانه و تعالى
قال ( عالم الغيب و الشهادة ) فالغيب بنوعيه ، الغيب المطلق و الغيب النسبي بقسميه ، الغيب الزماني
و الغيب المكاني ، هو كل مالا تعلمه ، أما الشهادة فهي كل ما تشاهده و تعلمه .
و لكن بالنسبة لله فشهادتنا بوجوده ليست نابعة من رؤيته ، حاشا
لله ، ولكن مما نرى من آثار تجلي أسمائه وصفاته و أفعاله من خلق و إبداع و تدبير و
إمداد لكل الموجودات بأسباب وجودها .
فشهادتنا بوجود الله ليست إثباتا لوجوده ، و لكنها إقرار منا و
اعتراف بوجوده ، فشهادته سبحانه و تعالى لنفسه هي أعظم شهادة على الإطلاق ( شهد
الله أنه لا إله إلا هو ) . فكما قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي : كيف يظهره شئ
و هو الذي أظهر كل شئ ،و كيف يحيط به شئ و هو الذي أحاط بكل شئ.
نأتي بعد ذلك لمعنى إله ، فالإله هو الذي يؤله ، أي يعبد ،
فيقصد إليه بالطاعة و الحب .
والإله معنى مختلف عن الرب . فالرب هو
الذي يتولى بالرعاية و العناية و التربية و الإرشاد و الحماية . فحين تقول فلان رب
الإبل أو الغنم ، فأنت تعني من يتولاها بالإطعام و الحراسة و السياسة و غير ذلك .
و كذلك حين تقول رب الأسرة فأنت تعني من يقوم بالرعاية و العناية و التربية و
الإرشاد و الحماية والتأديب . لذلك في فاتحة الكتاب نقرأ قوله تعالى ( الحمد لله
رب العالمين ) . فسبحانه و تعالى رب العالمين ، العالمين جمع عوالم على صورة
المبالغة دلالة على عظم عدد العوالم التي خلقها الله . لذلك يوجهنا الحق جل و علا
إلى أن أداء حق الربوبية بالحمد ، ولعلمه بعجز خلقه عن القيام بالحمد حق الحمد ،
حمد نفسه بنفسه ، لأنه لا يعلم حقيقة الله إلا الله . فحمد نفسه بالصفة التي تستوجب
الحمد و هي الربوبية. فالربوبية
تعني قيام الأعلى ، أي الرب ، بشؤون المربوبين ،أي الخلق . أي أن الربوبية تولي
الأعلى للأدنى بالرعاية ، و الألوهية قصد الأدنى للأعلى بالطاعة والحب و العبادة .
لذلك قال أهل التوحيد ، أن توحيد الربوبية واجب كتوحيد
الألوهية . بمعنى ؛ أن توحد الإله الذي تقصده بالطاعة و الحب و العبادة ، و توحد
أيضا الرب الذي تطلب منه أن يعطيك . فلا تظن أن أحدا غير الله يمكنه أن ينفعك أو
يضرك أو يعطيك ما لم يكتب الله ذلك لك أو عليك . و إنما الله يجري مقاديره من خلال
خلقه وليس الخلق هم الذين يجرون المقادير . كأن تكون لك مصلحة عند فلان و قضاها لك
، تكون قد أخطأت في حق الربوبية إذا ظننت أن فلانا هذا هو الذي قضى لك المصلحة ،
وإنما الله هو الذي أجرى قضاء المصلحة على يديه . روى الإمام الترمذي عن عبد الله
بن عباس رضي الله تعالى عنهما انه قال ( كنت خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم
يوما فقال : يا غلام ، إني أعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك
، إذا سألت فاسأل الله ، و إ ذا استعنت فاستعن بالله ، و اعلم أن الأمة لو اجتمعت
على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، و إن اجتمعوا على أن
يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك . رفعت الأقلام و جفت الصحف )
ثم من هو الله ؟
كلمة الله كما أخبرنا السادة العلماء أنها اسم علم على الذات الإلهية ،
1. الذات
الإلهية:
سبحانه و تعالى في ذاته واحد لا شريك له ، فرد لا مثل له ، صمد لا ضد له ،
متوحد لا ند له ، و أنه قديم لا أول له ، أزلي لا بداية له ، مستمر الوجود لا آخر
له ، أبدي لا نهاية له ، قيوم لا انقطاع له ، دائم لا انصرام له ، لم يزل و لا
يزال موصوفا بنعوت الجلال ، لا يقضى عليه بالانقضاء و الانفصال بتصرم الآماد و
انقضاء الآجال . بل هو الأول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شيء عليم .
2.
التقديس:
سبحانه و تعالى ليس بجسم مصور ، و لا جوهر محدد مقدر ، و أنه لا يماثل الأجسام لا
في التقدير و لا في قبول الانقسام ، و أنه ليس بجوهر و لا تحله الجواهر ، و لا
بعرض و لا تحله الأعراض ، بل لا يماثل موجودا و لا يماثله موجود ، و ليس كمثله شيء
و لا هو مثل شيء ، و أنه لا يحده المقدار و لا تحويه الأقطار ، و لا تحيط به
الجهات ، و لا تكتنفه السماوات ، و أنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله ، و
بالمعنى الذي أراده استواء منزها عن المماسة و الاستقرار ، و التمكن و التحول و
الانتقال ، لا يحمله العرش ، بل العرش و حملته محمولون بلطف قدرته ، و مقهورون في
قبضته ، و هو فوق العرش و فوق كل شيء إلى تخوم الثرى فوقية لا تزيده قربا إلى
العرش و السماء ، بل هو رفيع الدرجات على العرش ، كما هو رفيع الدرجات على الثرى ،
و هو مع ذلك قريب من كل شيء موجود ، و هو أقرب إلى العبيد من حبل الوريد ، و هو
على كل شيء شهيد ، إذ لا يماثل ذاته ذات الأجسام ، و أنه لا يحل في شيء و لا يحل
فيه شيء ، تعالى عن أن يحويه مكان ، كما تقدس عن أن يحده زمان ، بل كان قبل أن
يخلق الزمان و المكان ، و هو الآن على ما عليه كان ، و أنه باين بصفاته من خلقه
ليس في ذاته سواه ، و لا في سواه ذاته ، و أنه مقدس عن التغيير و الانتقال ، لا
تحله الحوادث ، و لا تعتريه العوارض ، بل لا يزال في نعوت جلاله منزها عن الزوال ،
و في صفات كماله مستغنيا عن زيادة الاستكمال ، و أنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول
، مرئي الذات بالأبصار ، نعمة و لطفا منه بالأبرار في دار القرار ، و إتماما
للنعيم بالنظر إلى وجهه الكريم .
3.
القدرة:
و أنه سبحانه حي قادر جبار قاهر ، لا يعتريه قصور و لا عجز ، و لا تأخذه سنة و لا
نوم ، و لا يعارضه فناء و لا موت ، و أنه ذو الملك و الملكوت ، و العزة و الجبروت
، له القدرة و السلطان و القهر ، و الخلق و الأمر ، و السماوات مطويات بيمينه ، و
الخلائق مقهورون في قبضته ، و أنه متفرد بالخلق و الاختراع ، المتوحد بالإيجاد و
الإبداع ، خلق الخلق و أعمالهم ، و قدر أرزاقهم و آجالهم ، لا يشذ عن قبضته مقدور
، و لا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور ، لا تحصى مقدوراته و لا تتناهى معلوماته .
4. العلم: هو عالم بجميع المعلومات
، يحيط بما يجري في تخوم الأرضين إلى أعلى السماوات ، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة
في الأرض و لا في السماوات ، بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في
الليلة الظلماء ، و يدرك حركة الذر في جو الهواء ، و يعلم السر و أخفى ، و يطلع
على هواجس الضمائر و حركات الخواطر و خفيات السرائر بعلم قديم أزلي ، لم يزل
موصوفا به في أزل الآزال ، لا بعلم متجدد حاصل في ذاته بالتحول و الانتقال .
5. الإرادة: و أنه سبحانه و تعالى مريد للكائنات ،
مدبر للحادثات ، فلا يجري في الملك و الملكوت قليل و لا كثير ، و لا صغير و لا
كبير ، خير أو شر ، نفع أو ضر ، إيمان أو كفر ، عرفان أو نكر ، فوز أو خسر ، زيادة
أو نقصان ، طاعة أو عصيان ، إلا بقضائه و قدره ، و حكمته و مشيئته . فما شاء كان ،
و ما لم يشأ لم يكن . لا يخرج عن مشيئته لفتة ناظر و لا فلتة خاطر ، بل هو المبدئ
المعيد ، الفعال لما يريد ، لا راد لحكمه ، و لا معقب لقضائه ، و لا مهرب لعبد عن
معصيته إلا بتوفيقه و رحمته ، و لا قوة له على طاعته إلا بمعونته و إرادته. لو اجتمع
الإنس و الجن و الملائكة و الشياطين ، على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها دون
إرادته و مشيئته عجزوا عن ذلك ، و أن إرادته قائمة بذاته في جملة صفاته . لم يزل
كذلك موصوفا بها ، مريدا في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها ، فوجدت في
أوقاتها التي قدرها ، فوجدت في أوقاتها كما أراده في أزله ، من غير تقدم و لا تأخر
، بل وقعت على وفق علمه و إرادته ، من غير تبدل و لا تغير ، دبر الأمور بلا ترتيب
أفكار ، و تربص زمان ، فلذلك لا يشغله شأن عن شأن . قال صلى الله عليه و سلم (إذا
ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا) الطبراني
في الكبير عن ابن مسعود ابن عدي في الكامل عنه وعن ثوبان ابن عدي في الكامل عن عمر
تصحيح السيوطي: حسن. و قال (لا تجالسوا أهل القدر، ولا تفاتحوهم) أحمد في مسنده
وأبو داود والحاكم في المستدرك عن عمر . تصحيح السيوطي: صحيح . الإيمان بالقدر فرض لازم
وهو أن يعتقد أن الله تعالى خالق أعمال العباد خيرها وشرها وكتبها في اللوح
المحفوظ قبل أن يخلقهم، والكل بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته، غير أنه يرضى الإيمان
والطاعة ووعد عليهما الثواب ولا يرضى الكفر والمعصية وأوعد عليهما العقاب. والقدر
سر من أسرار الله تعالى لم يطلع عليه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً، ولا يجوز
الخوض فيه والبحث عنه بطريق العقل، بل يجب أن يعتقد أن الله تعالى خلق الخلق
فجعلهم فرقتين فرقة خلقهم للنعيم فضلاً وفرقة للجحيم عدلاً. وسأل رجل علي بن أبي
طالب رضي الله عنه فقال: أخبرني عن القدر، قال طريق مظلم لا تسلكه، وأعاد السؤال
فقال: بحر عميق لا تلجه، وأعاد السؤال فقال: سر الله قد خفي عليك فلا تفتشه. ولله
در من قال: تبارك من أجرى الأمور بحكمه كما شاء لا ظلماً ولا هضماً . وفي كنز العمال:
عن ثوبان
قال: اجتمع أربعون من الصحابة ينظرون في القدر والجبر فيهم أبو بكر وعمر رضي الله
عنهما فنزل الروح الأمين جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد
أخرج على أمتك فقد أحدثوا. فخرج عليهم في ساعة لم يكن يخرج عليهم في مثلها فأنكروا
ذلك وخرج عليهم ممتقعاً لونه متوردة وجنتاه كأنما تفقأ بحب الرمان الحامض فنهضوا
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاسرين أذرعتهم ترعد أكفهم وأذرعهم فقالوا: تبنا
إلى الله ورسوله فقال: (أولى لكم إن كنتم لتوجبون أتاني الروح الأمين فقال: اخرج
على أمتك يا محمد فقد أحدثت) رواه الطبراني. فالحاصل أن القدرية أثبتوا الاختيار
الكلي للعبد في جميع أفعال العباد ، و أنكروا قضاء الله تعالى و قدره بالكلية في
الأفعال الاختيارية . و الجبرية نفوا الاختيار بالكلية في أفعال العباد ، و
اعتمدوا على القضاء و القدر ، و المعتزلة أضافوا الشر فقط إلى أنفسهم ، و أثبتوا
لأنفسهم الاختيار الكلي تحرزا عن نسبة القبح و الظلم إلى الله تعالى ، و لكنهم
نسبوا إلى الله العجز في ضمن ذلك و لم يدروا . و أما أهل السنة و الجماعة ،
فتوسطوا بينهم فلم ينفوا الاختيار عن أنفسهم بالكلية ، و لم ينفوا القضاء و القدر
عن الله بالكلية ، بل قالوا: أفعال العباد من الله من وجه ، و من
العبد من وجه ، و للعبد اختيار في إيجاد أفعاله .
فماذا يعني الإيمان بالقدر خيره و شره؟
من ضمن ما يعني أن يؤمن العبد بأن الأقدار كلها من الله و بتقديره و
ترتيبه و تدبيره ، فإن ظن مخلوق أنه أو أحدا غيره يمكن أن يقدر أو يدبر شيئا في
ملك الله يخالف ما قدره الله أو أراده ، فهذا يعني بالضرورة أن هذا المقدر و
المدبر إما إله آخر مع الله على الأقل أو أنه أقوى من الله و هو في كلتا الحالتين
شرك بالله سبحانه و تعالى عما يصفون.
لهذا تكلم علماء الآخرة و قالوا: أن ترك التدبير مع الله واجب لمن أراد
أن يسلك في الطريق إلى الله.
و هاهو سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري يستدل في كتابه " التنوير
في إسقاط التدبير" على وجوب ترك التدبير مع الله.
و الإمام ابن عطاء الله لمن لا
يعرفه كان إماما في العلوم الظاهرة الشرعية ، و هي المتعلقة بظاهر الإثم ، و أيضا
كان إماما في علوم طريق السلوك إلى الله و هي المتعلقة بباطن الإثم.فكان يجمع بين
الشقين و أحدهما و هو العلوم الشرعية الذي هو الأساس و الإطار لبداية الطريق كما
أوضحنا من قبل في شرح مستويات الإسلام الثلاثة "الإسلام و الإيمان و
الإحسان" كما وردت في الحديث السابق الذكر ، و الشق الآخر و هو علوم معالجة
باطن الإثم و هي علوم مداواة القلوب حتى تسلم من كل ما سوى الله فعز من قال (
يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ) ، أتى الله بقلب قد سلم من كل عيب و نقص
و آفة و كل ما سوى الله و أوضحه الإمام ابن عطاء الله في حكمة من حكمه الشهيرة
"فرغ قلبك من الأغيار يملأه الحق تعالى بالأنوار" أنوار معرفته سبحانه.
فالحق تعالى يقول ( و اتقوا الله و يعلمكم الله ). و يقول صلى الله عليه و
سلم ( من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ). أبو نعيم في الحلية من حديث أنس
بهذا اللفظ، وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس مرفوعاً: (مَنْ تَعَلَمَ عِلْمَاً
فَعَمِلَ بِهِ كَانَ حَقّاً عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعَلِّمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ
يَعْلَمْ) وفي كتاب رواية الكبار عن الصغار لأبي يعقوب البغدادي عن سفيان: (مَنْ
عَمِلَ بِمَا يَعْلَمُ وُفِّقَ لِمَا لا يَعْلَمُ).
و سبحانه و تعالى يقول أيضا ( ذروا ظاهر الإثم و باطنه ) و من
هنا علم الساعين لمقامات المقربين ، أهل مقام الإحسان ، أن نصف الأمر قد غفل عنه أكثر
الناس ، و هو باطن الإثم. فتحروا علومه و معالجاته و أدويته من الكتاب و السنة
المطهرة و صحبوا المرشدين الذين سلكوا الطريق من قبل فعرفوا جادته و مخاطره و
آفاته كما علمهم من أرشدوهم هم أنفسهم من قبل جيلا وراء جيل نقلا عنه صلى الله
عليه و سلم.
و من أوائل ما تعلموا ما ذكرنا أن الإمام ابن عطاء الله قد شرحه و هو
إسقاط التدبير مع الله.
شرح ابن عطاء الله السكندري دليل وجوب ترك التدبير مع الله من قوله
تعالى ( و ربك يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخيرة ) فقال:
"ما" هنا تعني و تدل على أمرين:
أولهما: أن تكون "ما" هنا نافية فيكون المعنى أنه سبحانه و
تعالى ينفي أن يكون لك اختيار مع اختيار الله.
و الثاني: أن تكون"ما" استنكارية فيكون المعنى أنه سبحانه و
تعالى يستنكر أن يكون لك اختيار مع اختياره سبحانه.
و في الحالتين تعني الآية أنه يجب أن لا يكون للعبد اختيار و تدبير مع
اختيار الله و تدبيره.
و ذكر بعد ذلك معينات للعبد لكي يتحمل و يتعود اختبارات إسقاط التدبير
، و لا بد أن يختبر فسبحانه و تعالى يقول (أفحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا
آمنِّا و هم لا يفتنون ).
و مما يعين العبد على ترك تدبيره لنفسه إلى تدبير الله له تذكره لسابق
حسن تدبير الله له بدأً من اختياره لآبائه و كل ما أحاط بوجوده إلى رعايته له و
توفير كل احتياجاته منذ كان جنينا في بطن أمه. أفمن رزقه حينذاك بدون طلب أو جهد
منه لا يستطيع أن يرزقه و يرعاه بعد أن أدرك و كبر؟ أمن هو متكفل برزق خلقه كلهم ،
مؤمنهم و كافرهم ، (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها
ومستودعها كل في كتاب مبين ) ثم ينساه هو فقط؟ و يوجد في كتاب التنوير عدد
كبير من هذه المعينات لمن شاء أن يرجع إليها.
و إسقاط التدبير مع الله هو بداية التوكل. و هذا يقودنا إلى الحديث عن التوكل و مستوياته الأعلى من تفويض و تسليم
فنقول و الله هو الموفق المعين:
التــــوكل:
التوكل في أصله هو توجه إلى اسمه سبحانه و تعالى "الوكيل"
فيقول تعالى عن هذا (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم
إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) و نتيجة هذا التوكل أو بصورة أخرى
التوجه إلى الله من خلال اسمه "الوكيل" ماذا أصابهم؟ أأضيروا؟ لنر ماذا
كانت النتيجة في قوله تعالى و هو الآية التالية للآية السابقة (فانقلبوا بنعمة
من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم )
و هل يتوكل على الله المؤمنين و لا يتوكل عليه الكافرين؟ الإجابة في
الآية التالية مباشرة أيضا (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون
إن كنتم مؤمنين ) أي أن الشيطان ولي الكافرين يخوفهم ، أما الله فولي الذين
آمنوا فيقول تعالى ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور و الذين
كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات )
و التوكل عمل من أعمال القلب. فالقلب كلما ازداد يقينا بأن الله هو
مدبر الأكوان و مجري المقادير كلها في كل الوجود ، كلما سهل عليه أن يطمئن إلى حسن
تدبير الله و يصدقه فيما ضمن و فيما وعد.
فيقول تعالى (وفي السماء رزقكم وما توعدون. فو رب السماء والأرض إنه
لحق مثل ما أنكم تنطقون )
و قد قيل أنه تعالى لجأ إلى القسم لعلمه بضعف يقين عباده.
و سبحانه وتعالى أمر نبيه محمد صلى الله عليه و سلم بالتوكل عليه
سبحانه فقال (فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش
العظيم ) و يقول تعالى أيضا (كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم
لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه
توكلت وإليه متاب ) و يقول (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم
الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب ) و يقول (وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده
وكفى به بذنوب عباده خبيرا)
و هو أيضا قول النبيين من قبل ، فيقول تعالى راويا عن سيدنا هود عليه
السلام (إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي
على صراط مستقيم ) و يقول راويا عن سيدنا شعيب (قال يا قوم أرأيتم إن كنت
على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن
أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ) و
يقول راويا عن سيدنا نوح (واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر
عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن
أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ) و يقول تعالى راويا عن سيدنا يعقوب
(وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من
الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون )
و التوكل على الله لا يعني ترك الأسباب ، و إنما يعني الأخذ بالأسباب
في الظاهر و يكون القلب تعلقه ليس بالأسباب و لكن بمسبب الأسباب سبحانه ، فاتخاذ
السبب لا يعني وجوب تحقق النتيجة، فسبحانه و تعالى بيده أن يجعل السبب يثمر نتيجة
أو لا يثمرها. فمثلا المقولة المشهورة التي كانوا يعلموها لنا و التي تقول
"إن تذاكر تنجح" مقولة خاطئة و ضد الإيمان لأنها تُرتِب النتيجة على
السبب ، و الحقيقة كما رأينا جميعا كثيرا من النابهين يذاكرون كثيرا ثم في الامتحانات
يرسبون أو ينجحون بالكاد لأسباب أو لأخرى. و على هذا تكون صحة العبارة "إن
تذاكر و يشاء الله أن تنجح تنجح ، و إن لم يشأ لا تنجح"
و أيضا نرى الفلاح يزرع الأرض و يأخذ بكل الأسباب التي تكفل له محصولا
وفيرا ، ثم لا يشاء الله أن يحدث ذلك فلا يحدث ، و سبحانه و تعالى أكد ذلك في قوله
( أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون . لونشاء لجعلناه حطاما
فظلتم تفكهون . إنا لمغرمون . بل نحن محرومون )
فإياك ألا تفهم ما قلت أو يضللك العلمانيون فيقولون أني ومن سبقني بنفس
القول من ساداتنا العلماء إنما ندعو إلى التواكل ، فأعود و أقول التوكل عمل قلبي
لا يعني ترك الأسباب. فساداتنا قالوا من قبل " من طعن في التوكل فقد طعن في
الإيمان و من طعن في الكسب ( السعي) فقد طعن في السنة" ، فمن سنته صلى الله
عليه و سلم الأخذ بالأسباب.
الـــتــــفــويـــض:
المتوكل على الله يبدأ بالتوكل عليه في أمر من أموره ، ثم يكون متوكلا
في أمرين أو شأنين من شؤنه ، ثم يزداد عدد الأمور التي يتوكل فيها على الله بزيادة
يقينه حتى يصل إلى نقطة يترك لله أمره كله يتولاه عنه و يكون توجه العبد في هذه
المرحلة ليس إلى اسمه تعالى "الوكيل" و إنما إلى اسمه تعالى
"الولي". فهو يفوض أمره كله لله تعالى طالبا منه أن يتولاه هو
بعنايته و تدبيره لأمره كله.
و لنضرب مثلا ولله المثل الأعلى: لنفرض أنك ذهبت إلى محام ليتولى قضية
تهمك و قمت بتوكيله عنك في متابعتها و المرافعة فيها بتوكيل قضائي محدد خاص بها ،
ثم كسبها لك. فتبدأ بالاطمئنان إليه و حين تأتي قضايا أخرى تذهب إليه فورا بثقة
ليتولاها نيابة عنك. و هذا مثال مراحل التوكل. ثم تكتشف أنك صرت تعتمد عليه
اعتمادا كليا في شؤونك كلها فترى أن تعطيه تفويضا شاملا لرعاية شؤونك كلها. كأنك
تجعله وليا لأمرك كله. و هذا هو التفويض.
يقول تعالى راويا على لسان مؤمن آل فرعون (فستذكرون ما أقول لكم
وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد) فماذا كانت نتيجة تفويضه أمره لله؟… يقول تعالى في الآية
التالية مباشرة (فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب ).
هذه نبذة صغيرة عن التفويض و ثمرته للمفوضين.
التســــــليم:
هو مستوى تمام التحقق بالإسلام. و هو صفة أتباع نبي الأميين صلى الله
عليه و سلم و اسمهم. فيقول تعالى (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم و ما
جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا
ليكون الرسول شهيدا عليكم و تكونوا
شهداء على الناس فأقيموا الصلاة و ءاتوا الزكاة و اعتصموا بالله هو مولاكم فنعم
المولى ونعم النصير )
و هو صفة أبينا إبراهيم عليه السلام التي مدحه الله بها. فيقول تعالى (
و من يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه و لقد اصطفيناه في الدنيا و إنه في الآخرة
لمن الصالحين.إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين)
و أسلم لرب العالمين تعني أن يعطي ويسلِّم كله لرب العالمين و ليس أمره
فقط كما هو مطلوب في مستوى التفويض. ولتوضيح أنه توجه لطلب الرعاية قال تعالى (
قال أسلمت لرب العالمين ) و لم يقل أسلمت لله مثلا ، و إنما توجه لصفة
الربوبية التي ترعى و تتولى.
و هو ما أمر الله به رسوله الخاتم فقال سبحانه و تعالى (قل أغير
الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول
من أسلم ولا تكونن من المشركين )
و هو أيضا ما أمر به الرسول و المؤمنين معه فقال (فإن حاجوك فقل
أسلمت وجهي لله و من اتبعن و قل للذين أوتوا الكتاب و الأميين أأسلمتم فإن أسلموا
فقد اهتدوا و إن تولوا فإنما عليك البلاغ و الله بصير بالعباد )
و هو ما أمر به المحسنين ، أهل مستوى الإحسان ، كما هم في حديث ( ما
الإسلام ؟ و ما الإيمان ؟ و ما الإحسان ) الذي ذكرناه مرارا من قبل و رواه مسلم
فيقول تعالى (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم
حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا ) و يقول ( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه
لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا )
و إسلام الوجه لله يعني: الوجه هو ما
يتوجه به العبد لما يقصده و إسلام الوجه يعني إعطاء و تسليم كامل توجه العبد بكله
لله. وهنا قال لله و لم يقل لرب العالمين كما في الآية السابقة لأن الإله كما قلنا
في موضع شرح الشهادتين هو الذي يقصد إليه بالتوجه بالطاعة و الحب، أي بالعبودية.
و هذا مقام و مستوى عزيز قلَّ من يصل إليه و يعلم عنه علم حق اليقين أو
حتى عين اليقين. نسأل الله تعالى رب العالمين أن يقربنا إليه و يرزقنا الوصول إليه
بمحض فضله و رحمته.
أخرج مسلم عن عائشة ( رفعته) (خلقت الملائكة من نور و خلق الجان من
مارج من نار و خلق آدم مما وصف لكم)
يقول تعالى ( الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا
أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير )
أخرج البخاري
حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ سَأَلْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ
عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى( علمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى. وهو بالأفق
الأعلى.) قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ
سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ.
وظائف الملائكة:
يحملون عرش الرحمن. يقول تعالى ( والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك
فوقهم يومئذ ثمانية )
أخرج أبو داود عن جابر
أن النبي صلى الله علي و سلم قال ( أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة
العرش ، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام )
وأخرج البخاري عَنْ سَمُرَةَ
قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( رَأَيْتُ
اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي قَالا الَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ
خَازِنُ النَّارِ وَأَنَا جِبْرِيلُ وَهَذَا مِيكَائِيلُ )
ويسبحون الله على الدوام. يقول تعالى (وترى الملائكة حافين من حول
العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم
بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين ) و يقول( ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته
ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال)
ويطيعون الله ما أمرهم ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) و يقول (تنزل
الملائكة و الروح فيها بإذن ربهم من
كل أمر)
و يستغفرون للذين آمنوا يقول تعالى ( الذين يحملون العرش ومن حوله
يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما
فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ) و يقول ( تكاد السموات يتفطرن
من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو
الغفور الرحيم)
يشهدون مع الله و أولى العلم يقول تعالى (شهد الله أنه لا إله إلا هو
والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) و يقول (
لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا )
وهم رسل الله لأنبيائه و لتنفيذ ما يأمر يقول تعالى ( لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله
ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا ) و
يقول ( الله يصطفي من الملائكة رسلا و من الناس إن الله سميع بصير ) و يقول
( نزل به الروح الأمين ) و يقول ( قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على
قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين ) و يقول ( قل نزله
روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ) و يقول (
من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين ) و يقول
أيضا ( فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا )
و هم أولياء الأنبياء و يؤيدونهم ، فيقول تعالى ( إن تتوبا إلى الله
فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين
والملائكة بعد ذلك ظهير ) و يقول ( ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده
بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا
تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون)
و هم يبشرون المؤمنين في الدنيا و الآخرة ، فيقول تعالى ( إن الذين
قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون . نحن
أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما
تدعون . نزلا من غفور رحيم.) و يقول ( وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله
اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ) و يقول ( فنادته الملائكة وهو
قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا و حصورا و
نبيا من الصالحين )
و يكونون مددا و عونا للمؤمنين ، فيقول تعالى ( إذ تستغيثون ربكم
فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) و يقول (إذ تقول للمؤمنين
ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين . بلى إن تصبروا وتتقوا
ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) و يقول
( إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين
كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق و اضربوا منهم كل بنان )
و أيضا منهم كتبة الأعمال ، فيقول تعالى (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم
ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد. إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن
الشمال قعيد. ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ). و قد أخبرنا رسول الله صلى
الله عليه و سلم أن صاحب اليمين له سلطة من الله على صاحب الشمال.
و يقبضون أرواح بني آدم ، سواء المؤمنين منهم أو الظالمين ، فيقول
تعالى عن قبضهم لأرواح المؤمنين ( الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام
عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) و يقول ( لا يحزنهم الفزع الأكبر
وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ) و يقول ( جنات عدن يدخلونها
ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب )
أما الكافرون فيقولون لهم كما قال تعالى ( إن الذين توفاهم الملائكة
ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله
واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ) و يقول ( ومن أظلم
ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما
أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا
أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته
تستكبرون ) و يقول ( ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم
وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق )
أخرج البخاري أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( يَتَعَاقَبُونَ
فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ
وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ
وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ
الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ
تَرَكْتُمْ عِبَادِي فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ
وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ )
و أخرج البخاري عن
عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَقُولُ ( إِنَّ الْمَلائِكَةَ
تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ وَهُوَ السَّحَابُ فَتَذْكُرُ الأمْرَ قُضِيَ فِي
السَّمَاءِ فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى
الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ )
وأخرج مسلم عَنْ أَبِي
هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( إِنَّ
لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلاً يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ
الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ وَحَفَّ
بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ
السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ
قَالَ فَيَسْأَلُهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْ أَيْنَ
جِئْتُمْ فَيَقُولُونَ جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الأرْضِ
يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ
وَيَسْأَلُونَكَ قَالَ وَمَاذَا يَسْأَلُونِي قَالُوا يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ
قَالَ وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي قَالُوا لا أَيْ رَبِّ قَالَ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا
جَنَّتِي قَالُوا وَيَسْتَجِيرُونَكَ قَالَ و مم يستجيرونني قَالُوا مِنْ نَارِكَ
يَا رَبِّ قَالَ وَهَلْ رَأَوْا نَارِي قَالُوا لا قَالَ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا
نَارِي قَالُوا وَيَسْتَغْفِرُونَكَ قَالَ فَيَقُولُ قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ
فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا وَأَجَرْتُهُمْ مما استجاروا قَالَ فَيَقُولُونَ
رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ قَالَ
فَيَقُولُ وَلَهُ غَفَرْتُ هُمْ الْقَوْمُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ )
وأخرج مسلم : عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود قال: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنْ
الْجِنِّ قَالُوا وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَإِيَّايَ إِلا أَنَّ
اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ ).
وعَنْ مَنْصُور
بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ مِثْلَ حَدِيثِهِ غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ ( و َقَدْ
وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِن الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنْ الْمَلائِكَةِ )
و منهم ملائكة موكلون بكل ما يحدث على الأرض ، فهناك ملائكة للرياح ، و
ملائكة للشمس و سائر النجوم و الكواكب ، و ملائكة موكلون بالأرحام ، و ملائكة
موكلون بسلامي ابن آدم ، و غير ذلك كثير مما يستنبط من الكتاب و السنة.
و من سوء الخلق مع ملائكة الله القول فيهم بغير علم و كفرا ، فيقول
تعالى ( ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ
أنتم مسلمون ) و يقول ( إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية
الأنثى ) و يقول أيضا ( أفأصفاكم ربكم بالبنين و اتخذ من الملائكة إناثا
إنكم لتقولون قولا عظيما ) و يقول ( أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون )
و يقول ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب
شهادتهم ويسألون )
و الملائكة يمكنها أن
تأخذ من الأشكال ما تشاء. فجبريل و من معه من الملائكة المكلفين بإرسال العذاب
لقوم لوط كانوا في الصورة الإنسانية حين استضافهم سيدنا إبراهيم و بشروه بميلاد
إسحاق و من بعده يعقوب ، ثم حين استضافهم سيدنا لوط و سيئ بهم و أمروه بالخروج من
المدينة.
إن الحق جل وعلا كان في سابق مشيئته
أن يرسل لبنى آدم بعد هبوطهم إلى الأرض رسالات الهدى و بيانات الحق (قلنا
اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم منى هدى ) و ذلك الهدى تعددت طرقه ، وأشهرها و
محل حديثنا الآن ذاك الهدى الذي جاء على لسان النبيين والمرسلين .
فكلمة النبوة مأخوذة من معنى النبأ أي الخبر . فالنبي هو الذي
يأتيه الخبر وحيا بأمر من الله . فالنبوة أمر بين العبد و بين الله .
فالرسالة صفة بين العباد – أي الأنبياء و الرسل – و بين الناس . و النبوة صفة بين النبي و
بين الله .
فالنبي أو الرسول إذا نظرت إليه من حيث علاقته بالله تقول هو
نبي ، وإذا نظرت إليه من حيث علاقته بالناس تقول هو رسول . لذا فالنبوة أشرف من
الرسالة لأنها تتعلق بعلاقة النبي بالله جل و علا . فالنبي هو من يأتيه النبأ وحيا
عن طريق الملك من الله سبحانه و تعالى بالأحكام والتشريعات ، وإما أن يكلف
بإبلاغها إلي الناس فيكون نبيا و رسولا ، وإما أن يكتفي له بالعلم بها فيكون نبيا
فقط .
والوحي طبقات ،
فكلمة الوحي في ديننا الحنيف عديدة الاستعمال . قصد الله تعالى أن يذكرها في
القرآن بمعان عديدة . فبين أن من معاني الوحي أن يبث الله عز وعلا نظاما ما في
حياة النبات أو الجماد أو في حياة أي شئ على الإطلاق . فيكون ذلك الذي نسميه
النظام الغريزي أو النظام العام .
كأن جعل الله تعالى الشمس تدور في مدار وتدور حولها الأرض و
سائر كواكب المجموعة الشمسية . فهذا نظام هو في تعبير الحق جل وعلا في القرآن وحي
. بمعنى أنه فطر الأرض و سائر كواكب المجموعة الشمسية و تلك السماوات على نظام
محدد كما في قوله تعالى ( و أوحى في كل سماء أمرها) ثم بين أن هذا الوحي
قد يكون متعلقا بحياة كائن أي بنظامه الغريزي . فتجد الكلاب كلابا على مر
الزمان في أخلاقها و عاداتها و أفعالها . و القطط قططا و الأفيال أفيالا لا يغيرون
نظام الحياة عندهم أبدا لأن الله تعالى وضع لهم نظاما يسيرون عليه يسميه العلم
الحديث الغريزة لا يخرجون من نطاقها . و هذا أيضا نوع من الوحي بنص القرآن كما في
قوله تعالى ( و أوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا و من الشجر و مما
يعرشون )
أولا حدد لها أين تسكن و أنها لا تسكن مجرد إقامة مبيت وإنما
تبني بيتا محكما ، أي نظام البيات .
( فاسلكي سبل ربك ذللا ) تبدأ تأخذ نظاما في اختيار ما
تأكل و تأخذ سبلا معينه في الحصول على الطعام و يتفاعل ذلك داخلها من حيث لا تقصد
هي و لا تملك أن تغير ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس )
فهذا وحي تنظيمي في حياة هذا النحل و كل حيوان و كل نبات وكل شيء ( و إن من شيء
إلا يسبح بحمده ) أي كل شيء حي .. إذ لو لم يكن كل شيء حيا فكيف يسبح بحمده ؟
حجرا كان أم ترابا أم ماءا أم ما تشاء أم ذرة تسبح بدوران الإلكترونات حول النواة
.
وهناك مستوى ثالث من الوحي يذكره الله
تعالى في كتابه المبين و هو الإلهام الذي يلقي به إلى عباده .
التوجيه الذي يشرح الله به صدور
العباد فيخرجهم من الظلمات إلى النور .. التوجيه الذي يسيرهم إلى فعل و يجعلهم
ينفرون من فعل آخر .. وأنت حين تستخير الله في أمر من الأمور فتصلي صلاة الاستخارة
أو تنظر في كتاب الله مستدلا على مراده أو بصورة من صور الاستخارة الأخرى المعلومة
عند أهل الدين تكون في حال تلقي لهذا التوجيه. فبصلاة الاستخارة تقول إذا كان هذا
الأمر خيرا لي فيسره لي و يسرني له ، و إذا كان شرا فاصرفني عنه و اصرفه عني . أي
يوجهك إلى فعل ما من حيث لا تدري . هذا المعنى موجود في قوله تعالى عن هداية الناس
( و إذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي و برسولي )
أوحى إلى الحواريين ليس وحي النبوة و إنما هو وحي الإلهام و
التوجيه . ومنه وحي الرؤى أيضا.
كل
هذه الأنواع ليست الوحي النبوي الخاص بالأنبياء .
الوحي
الخاص بالأنبياء هو إرسال الملك برسالة إلى النبي بخبر يقين معلوم ، مشافهة من
ملك إلى نبي ( و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل
رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) و هي حالة تنزل الملك جبريل عليه السلام الموكل
بهذا الأمر على النبي يبلغه مرادات الله
عز و جل . فهذا معنى الوحي بالنسبة للنبوة . و قضية الوحي أهم كثيرا
مما تظنون . و هي في أيامنا هذه من أهم ما يكون على الإطلاق ، لأن أعداء الحق كلهم
يتكاتفون على مهاجمة قضية الوحي ، ومن خلالها قضية السنة و السيرة ، وهذا فساد
ينبغي على المسلم أن ينتبه إليه. لأنه إذا خرج الوحي من عقيدة المؤمن فلا إيمان و
لا دين . لأنه إن لم يكن ما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم وحيا من الله ، فلا
يتوجب عليك الالتزام به و لا تنفيذه مهما قيل أن محمدا صلى الله عليه و سلم أعظم
رجال العالم على الإطلاق ما دام ما أتى به اجتهادا منه وليس وحيا من الله . ففكر
الإنسان يصيب و يخطئ .
كل هذا لزعزعة إيماننا بالسنة و السيرة ، وبأنه ( ما ينطق عن الهوى
إن هو إلا وحي يوحي ) وبأن تميزه الذي ذكره الله تعالى
( إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي ) وبأن أقواله و أفعاله جزء من تعاليم الله لنا و تشريعه
لنا ( ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا ) فإذا اهتزت قضية
الوحي ضاع الأمر كله .
إذا،
النبي هو الذي يأتيه الخبر بوحي بملك من السماء . خبر و أنباء بحكم أو تشريع . إذا
أمر بإبلاغه إلى الناس فهو مرسل أيضا ، و إذا لم يؤمر فهو نبي فقط .
لقد أوضحنا من قبل معنى النبوة و الرسالة ، و من هو النبي و من هو
الرسول ، و لكننا هنا نستوضح من هم الرسل المطلوب من المؤمنين الإيمان بهم .
يقول تعالى (ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك
وكلم الله موسى تكليما )
ويقول أيضا (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من
لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي
بالحق وخسر هنالك المبطلون )
هذا يعني أن الله تعالى قد أخبرنا عن بعض أنبيائه و رسله و لم يخبرنا
عن البعض الآخر .
فمن هم الأنبياء و الرسل الذين ذكرهم سبحانه و تعالى ؟
يقول تعالى (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من
نشاء إن ربك حكيم عليم . ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن
ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين . وزكريا ويحيى
وعيسى وإلياس كل من الصالحين . وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على
العالمين )
و يقول تعالى (واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار)
و يقول (وإلى مدين أخاهم شعيبا ) ويقول (وإلى عاد أخاهم هودا
) و يقول (وإلى ثمود أخاهم صالحا )
و أيضا الرسل الثلاثة المرسلين لأصحاب القرية المذكورين في سورة يس .
يقول تعالى (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون . إذ أرسلنا إليهم
اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون )
و هناك خلاف هل العبد الصالح الذي قابله سيدنا موسى من الأنبياء أم لا
. ( فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا و علمناه من لدنا علما )
حسن الخلق مع أنبياء
الله و رسله:
أولا: يجب معرفة من هو النبي و من هو
الرسول ، و الفارق بين النبوة و الرسالة كما أوضحنا من قبل.
ثانيا: معرفة أن الأنبياء و الرسل متميزين
عن باقي البشر ، فلا يجب التحدث عنهم أو مناقشة أفعالهم بنفس المقاييس التي نقيس
بها مكانة الناس و أفعالهم. يقول تعالى (و ما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم
فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون . وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام و ما
كانوا خالدين . ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم و من نشاء و أهلكنا المسرفين ) و
يقول : (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه
ملك فيكون معه نذيرا ) و يقول : (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم
ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا
)
ذم الحق سبحانه و تعالى الذين ينظرون إلى ظواهر الأنبياء و يغفلون عن
حقيقتهم التي هي (و ما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن
كنتم لا تعلمون ) و يقول سبحانه و تعالى عن المصطفى صلوات ربي و سلامه عليه و
آله ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي ) .
الفارق هو أنهم يوحي الله إليهم . فهم اصطفاهم سبحانه و تعالى و أخلصهم
لنفسه ، فهم عليهم الصلاة و السلام من عباد الله المخلَصين.
ثالثا: لا يجب أن نفاضل نحن بينهم ، فيقول
تعالى ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته
وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك
المصير ) و إن كنا نعلم أنه تعالى يقول أيضاً (تلك الرسل فضلنا بعضهم على
بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح
القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن
اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما
يريد) فهو الذي فضل بعضهم على بعض و لكن لا يحق لنا نحن الأدنى منهم أن نفاضل
بينهم، أو نتهم أحداً منهم بالتقصير أو الخطأ و إلا كنا لا نعرف شروط النبوة .
رابعا: الآية السابقة يفهم منها أن أتباع
الرسل هم الذين زاغوا عن الحق الذي أتى به الرسل . فما من رسول إلا و كانت دعوته (
يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) و يقول تعالى أيضاً (إن الدين عند
الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم
ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع
الحساب )
أولا الذكورة : النبي
لا يكون إلا ذكرا لسببين : الأول ما أخبرنا به الله و رسوله من أن كل
الأنبياء رجال ، و لم نر نبيا في تاريخ العالم أنثى . الثاني أنه لو كان
النبي أنثى لفقد الكمال الواجب . لأن الأنثى تعيبها بعض الأمور التي تطرأ عليها في
حياتها فتفقدها أمورا معينة . فلا يقبل العقل أن يكون النبي بهذه الصفة .
أما قوله تعالى ( وأوحينا إلى أم موسى ) ليس وحي نبوة
بل هو مثل قوله ( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي و برسولي ) وحي
الهام إلى الصالحين و الصديقين . والسيدة مريم صديقة وليست نبيه .
و الملائكة تتنزل على الصالحين بالبشارة لكن لا تتنزل بتشريع و
لا بحكم . يقول تعالى ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم
الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا و أبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ) .
أي فرد يستقيم مع الله استقامة صحيحة تتنزل عليه الملائكة و
تقول له ذلك . فهل نحن أنبياء ؟
لا . لأنها لم تتنزل بتشريع و لا حكم و لا خبر من السماء
لتبلغه لأحد .
الشرط الثاني :
الأمانة . أي الصدق . حفظ الله ظواهرهم و بواطنهم من الإثم . لابد أن يكونوا أهل
صدق و إلا يصبح الأمر عبثا .. لا نبوة .
الشرط الثالث :
العقل و الضبط و العدالة . أما العقل ، لا يجوز لنبي أن يكون ناقص العقل لا
يفهم وتجوز عليه الأخطاء العقلية و الأفكار الخاطئة و سوء الاستنباطات . أما
الضبط ، يعني أنه حين يبلغه الخبر من الله يفهمه كما ينبغي و يضبط معناه و
يدرك حقيقته ، وإلا جاز أن يبلغنا كلاما غير صحيح . و أما العدالة فتعني
أنه ليست عنده دوافع شخصية في أنه حين ينقل لنا الخبر من الله لا ينقص منه و لا
يزيد فيه .
الشرط الرابع :
عدم الوقوع في المعاصي و الذنوب . بإجماع أهل العلم في الإسلام كله لا يقعون في
الكفر لا من قبل النبوة و لا من بعدها ، ولا يقعون في الكبائر لا من قبل النبوة و
لا من بعدها ، ولا يقعون في الصغائر لا من قبل النبوة و لا من بعدها . و إذا
اجتهدوا فأفتوا بشيء فلا يمكن أبدا أن يكون خطأ حتى لو عدّل الله هذا الإفتاء ، و
إنما هو من قبيل التعليم و الترتيب و التأهيل .
و الآن ننتقل إلى
النصف الثاني من الشهادتين و هو أشهد أن محمدا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .
فنقول و بالله التوفيق :
في
النصف الأول من الشهادتين أوضحنا معنى أشهد بأنه أعلم بيقين عن أمر معين . لذلك لا
داعي للتكرار .
ننتقل
لمعنى محمد و من هو صلى الله عليه وسلم . محمد معناه الذي
يحمد كثيرا على ذاته و صفاته و أفعاله. وهي صيغة مبالغة . و هو أيضا أحمد كما قال تعالى على لسان
سيدنا عيسى عليه الصلاة و السلام ( ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد )
فهو أحمد لأنه أحمد خلق الله لله . وهو أيضا محمود حين يقف الخلق انتظارا للحساب
فيشفع لهم حين يقول كل الأنبياء: نفسي نفسي ، فيكون محمودا منهم .
أما
نسبه صلى الله عليه و سلم ، فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب
بن هاشم القرشي العربي . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( إن الله قسم الخلق قسمين
، فجعلني من خيرهم قسما ؛ فذلك قوله : أصحاب اليمين ، وأصحاب الشمال ثم جعل
القسمين أثلاثا ؛ فجعلني في خيرها ثلثا ، و ذلك قوله تعالى : و أصحاب الميمنة ، و
أصحاب المشأمة ، و السابقون السابقون ، فأنا من السابقين ، و أنا خير السابقين ،
ثم جعل الأثلاث قبائل ؛ فجعلني من خيرها قبيلة ، و ذلك قوله تعالى : و جعلناكم
شعوبا و قبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم . فأنا أتقى ولد آدم ، و
أكرمهم على الله و لا فخر . ثم جعل القبائل بيوتا ، فجعلني من خيرها بيتا فذلك
قوله تعالى ( إنما يريد الله لذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا ). هذا
الحديث أخرجه البيهقي في دلائل النبوة .
و
أخرج الترمذي في سننه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ( إن الله اصطفى من
ولد إبراهيم إسماعيل و اصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة ، و اصطفى من بني كنانة
قريشا ، و اصطفى من قريش بني هاشم ، و اصطفاني من بني هاشم . ) لذلك فهو المصطفى
بن المصطفين . و أيضا أخرج الإمام الترمذي ( أنا أكرم ولد آدم على ربي و لا فخر )
. هذا بعض القليل الذي يمكن قوله عن محمد صلى الله عليه و سلم .
أولا
: اليقين بأنه صلى الله عليه و سلم خاتم الأنبياء و أنه أرسل
للناس كافة و ليس قوما بعينهم .
يقول
الله تعالى لرسوله الكريم ( و ما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا و نذيرا )
فما كانت هذه الرسالة العامة لأحد من الرسل من قبله : فموسى عليه السلام أرسل لبني
إسرائيل خاصة ، فلقد اقتصرت دعوته على بني إسرائيل لدرجة أنه حينما ذهب هو و هارون
عليهما السلام إلى فرعون قالا له
: ( إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ) فموسى ذهب إلى فرعون ليرسل معه
بني إسرائيل ، و لم يكافح سيدنا موسى الشعوب أو الأمم في سبيل دعوته .
و
عيسى عليه السلام إنما أرسل إلى "خراف بني إسرائيل الضالة " على حد
تعبيرهم القديم و لم يحاول سيدنا عيسى أن يبشر بدعوته خارج فلسطين ، و لم يحاول أن
يجاهد من أجلها .
أما
رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنه أرسل إلى الناس جميعا : أرسل إلى الناس جميعا
من حيث المكان ، و أرسل إليهم جميعا من حيث الزمان . فهو رسول الله الدائم زمانا و
مكانا ( قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) . وقد تكفل الله تعالى
بحفظ الكتاب الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه و سلم ضمانا لهذا العموم في
الزمان و المكان و تحقيقا له ( إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون ) .
و
من اجل هذا الوعد بحفظ الوحي كاملا غير منقوص ، صحيحا غير مزيف كانت الحكمة
الإلهية في أن الإنسانية لا تحتاج إلى رسول بعد الرسول ، و لا نبي بعد النبي . إنه
صلوات الله و سلامه عليه خاتم الرسل و خاتم الأنبياء .
ثانيا
: أن نعرف قدره صلى الله عليه و سلم كما أوضحه لنا الله تعالى .
فهو أول المسلمين ( قل إن
صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين لا شريك له ، و بذلك أمرت و أنا أول
المسلمين ) فهو ليس أول المسلمين من حيث الترتيب الزمني و إنما من حيث تمام
إسلام الوجه لله .
أما
خلقه فكان القرآن كما وصفته أم المؤمنين السيدة عائشة ، وهو قال (بعثت لأتمم حسن
الأخلاق ) وأي أخلاق أسمى و أرفع من الصفات الموجودة في القرآن ؟ لذلك حين مدحه
ربه قال في حقه ( و إنك لعلى خلق عظيم ) .
أيضا ، هو المتحقق بأعلى رتب العبودية .
لذلك وصفه سبحانه و تعالى ( بعبده ) في وصوله لأعلى مكان وصل إليه عبد في
رحلة الإسراء و المعراج ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى
المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ، لنريه من آياتنا ، إنه هو السميع البصير ) .
نعم هو بشر ، و لكن هل هو بشر عادي مثل كل
البشر ؟ قطعا لا و ألف لا ، ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى) يوحى إلى
انتبه لها لأنها التي تفرق بين البشر العادي مثلي و مثلكم و بين الأنبياء و على
قمتهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فالوحي هو الفرق بين النبي الذي
يأتيه الخبر من السماء و بين الرجل العبقري مثل الدكتور أحمد زويل الذي وضع نظريات
علمية عقلية بحتة . هذا الفارق هو الذي أوضحه أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين
سئل كيف آمنت أنت برسول الله و لم
يؤمن به أبو جهل و كلاكما رآه ؟ بم رد الصديق ؟ قال : أنا رأيت محمدا رسول الله ،
أما أبو جهل فلم ير إلا محمد بن عبد الله يتيم بني هاشم .
هذا
نقطة من بحر ما كتب و قيل عن رسول الله صلى الله عليه و سلم . و كل ما قيل و كتب
عنه إنما هو نقطة من محيط حقيقته صلى الله عليه وسلم لأنه كما قال ( لا يعرف
حقيقتي إلا ربي ) .
ثالثا
: أن نؤدي حقه صلى الله عليه و سلم علينا و هو أمر ذي ثلاث شعب
:
الشعبة
الأولى : طاعته و إتباع سنته صلى الله عليه و سلم .
فرض
الله سبحانه و تعالى طاعة رسوله صلى الله عليه و سلم مقرونة بطاعته ، بل ذكرها
الله سبحانه و تعالى باعتبارها فرضا . فيقول جل من قائل ( و ما كان لمؤمن و لا
مؤمنة إذا قضى الله و رسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، و من يعص الله و
رسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) و يقول تعالى (يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله
و للرسول إذا دعاكم لما يحيكم ) و يقول سبحانه و تعالى ( قل أطيعوا الله و
أطيعوا الرسول ، فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ) . و في هذه الآية
الكريمة إشارة إلى أن الإعراض عن طاعة الله أو عن طاعة الرسول كفر . و ما من شك في
أنه كفر ؛ ذلك أن الإيمان من أركانه الإيمان برسول الله صلى الله عليه و سلم ، و
بأن كل ما أتى به صدق ، فالتولي عنه استخفافا أو جحودا أو إنكارا أو عنادا و
مماراة – ذلك كله كفر يخرج به المعرض عن دائرة
الإسلام .
و
يقول الله تعالى في طاعة الرسول صلوات الله و سلامه عليه حينما يفرده بالحديث (
فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما
قضيت و يسلموا تسليما ) .
و
يقول تعالى ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة ، أو يصيبهم عذاب
أليم ) و يجعل سبحانه و تعالى طاعة الرسول طاعته فيقول ( من يطع الرسول فقد
أطاع الله ) و يجعل بيعته صلوات الله و سلامه عليه بيعة الله فيقول تعالى (
إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ، يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على
نفسه ، و من أوفى بما عاهد الله عليه فسيؤتيه أجرا عظيما ) و طاعة رسول الله صلى الله عليه و سلم
إنما هي فيما افترضه الله أو سنه ، و فيما افترضه رسول الله صلى الله عليه و سلم
أو سنه .
و سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ،
لها مكانتها بالنسبة إلى القرآن و لها مكانتها بالنسبة إلى التشريع .
إنها
المصدر الثاني –
بعد القرآن –
للإسلام باعتباره عقيدة ، و المصدر الثاني للإسلام باعتباره تشريعا ، و المصدر
الثاني للإسلام باعتباره أخلاقا . أما منزلتها بالنسبة إلى القرآن فالسنة كما قال
الإمام الشافعي : وسنن رسول الله صلى الله عليه و سلم مع كتاب الله وجهان : أحدهما
نص كتاب ، فاتبعه رسول الله كما أنزل الله .
و
الآخر ما أتى في القرآن مجملا كالأمر بالصلاة ، ففسر الرسول في السنة عدد الصلوات
، وأوقاتها ، و كيفيتها و أحكامها . و في كلا الوجهين اتبع الرسول كتاب الله .
و
سنته صلى الله عليه و سلم ثلاثة أنواع : قولية ؛ و هي ما قال الرسول ، و فعلية ؛ و
هي ما فعل ، و تقريرية؛
و هي ما أقر من أمور فعلها أو ذكرها الصحابة .
فلا
يأتي رجل اليوم فيقول : هل الشيء الفلاني موجود في القرآن ؟ أنا لا ألتزم إلا بما
في القرآن . فنقول له : إن رسول الله
صلى الله عليه و سلم ذكر ما تقول أنت و أمثالك وأخبرنا أنكم سوف تقولونه فقال
المقدام بن معدي كرب : حرم النبي صلى الله عليه و سلم يوم أشياء خيبر ، منها
الحمار الأهلي و غيره فقال ( يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثي فيقول : بيني و بينكم كتاب الله . فما
وجدنا فيه حلالا استحللناه . و ما وجدنا فيه حراما حرمناه . و إن ما حرم رسول الله
كما حرم الله ). أخرجه أحمد و الطبراني في الكبير و
الدارمي .
يقول
رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما أخرجه البخاري ( كل أمتي يدخل الجنة إلا من
أبى . قالوا : يا رسول الله و من يأبى؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ، و من عصاني
فقد أبى ) اللهم اجعلنا ممن يطيعه صلى الله عليه و سلم .
الشعبة
الثانية : الصلاة و السلام عليه صلى الله عليه و سلم .
أول
شئ ، هي نافلة النصف الثاني من الشهادتين .
فرض
الله تعالى الصلاة و السلام على رسول الله في القرآن كما قال الشاعر :
الله
عظم قدر جاه محمد و أناله فضلا عليه عظيما
في
محكم التنزيل قال لخلقه صلوا
عليه و سلموا تسليما
فقال
تعالى ( إن الله و ملائكته يصلون على النبي ، يأيها الذين آمنوا صلوا عليه و
سلموا تسليما )
اللهم
صلي و سلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا .
قال صلى الله
عليه و سلم (أكثروا من الصلاة علي في كل يوم جمعة فإن صلاة أمتي
تعرض علي في كل يوم جمعة، فمن كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة) رواه
الطبراني في الأوسط من حديث أبي مودود عن أبي هريرة مرفوعا، و رواه البيهقي بإسناد
جيد عن أبي أمامة و رواه ابن ماجه بإسناد جيد عن أبي الدرداء و رواه الدارقطني عن
ابن المسيب قال أظنه عن أبي هريرة. لأنك حين تكثر من الصلاة عليه فأنت تحبه ، وحين تحبه تتبع ما
يرضيه و هو لا يرضيه إلا طاعة الحبيب رب العالمين .
عن أَنَسٍ أَنّهُ قال: جَاءَ رَجُلٌ
إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يَا رسُولَ الله، مَتَى قِيَامُ
السّاعَةِ؟ فَقَامَ النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الصّلاَةِ، فلَمّا قَضَى
صَلاَتَهُ قال: (أَيْنَ السّائِلُ عَنْ قِيَامِ السّاعةِ؟) فقال الرّجُلُ: أَنَا
يا رسُولَ الله. قال: (ما أَعْدَدْتَ لهَا؟) قال: يَا رسُولَ الله، ما أَعْدَدْتُ
لهَا كَبِيرَ صَلاَةٍ و َلا َصَوْمٍ إِلاّ أَنّي أُحِبّ الله ورَسُولَهُ، فقال
رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (المَرْءُ معَ مَنْ أَحَبّ، وَأَنْتَ مَعَ مَنْ
أَحْبَبْتَ) ، فمَا رَأَيْتُ فَرِحَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ الإسْلاَمِ فَرَحَهُمْ
بهذا.
أحمد في مسنده ومتفق عليه [البخاري
ومسلم] والثلاثة [أبو داود، الترمذي، النسائي] عن أنس، متفق عليه [البخاري ومسلم]
عن ابن مسعود و قال السيوطي: صحيح . وهي للترمذي .
و قال صلى الله عليه و سلم أيضا قال صلى الله عليه و سلم (إن
أقربكم مني يوم القيامة في كل موطن أكثركم علي صلاة في الدنيا، من صلى علي في يوم
الجمعة وليلة الجمعة قضى الله له مائة حاجة سبعين من حوائج الآخرة وثلاثين من
حوائج الدنيا ثم يوكل الله بذلك ملكا يدخله في قبري كما تدخل عليكم الهدايا يخبرني
من صلى علي باسمه ونسبه إلى عشيرته فأثبته عندي في صحيفة بيضاء) (هب وابن عساكر)
عن أنس.)
لأنك حين تكثر من الصلاة عليه فأنت تحبه ، وحين تحبه تتبع ما يرضيه و هو لا يرضيه
إلا طاعة الحبيب رب العالمين . لذلك قال عليه أفضل صلاة و أزكى سلام ( المرء مع من
أحب يوم القيامة) أخرجه الشيخان و الترمذي . فإن كنت تحب رسول الله
فأنت معه ، و إن كنت تحب أهل الفساد و المجون فأنت معهم . فاختر لنفسك .
و
قال صلى الله عليه و سلم أيضا (بحسب امرئ من
البخل أن أذكر عنده فلا يصلي علي) أخرجه قاسم بن أصبغ من حديث الحسن بن علي هكذا
والنسائي وابن حبان من حديث أخيه الحسين (البخيل من ذكرت عنده فلم يصلي علي) ورواه
الترمذي من رواية الحسين بن علي عن أبيه وقال حسن صحيح. و عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما ، أنه
سمع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يقول: (إذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا
مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا علَيَّ، فإنَّهُ مَنْ صَلَّى عَليَّ صَلاةً
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِها عَشْراً، ثُمَّ سَلُوا اللّه لِي الوَسِيلَةَ، فإنها
مَنْزِلَةٌ في الجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبادِ اللّه وأرْجُو
أنْ أكُونَ أنا هُوَ، فَمَنْ سألَ لِيَ الوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفاعَةُ)
رواه مسلم في صحيحه .
هل
تعرف ماذا يعني أن يصلي علينا الله ؟ اسمع قوله تعالى:
(
هو الذي يصلي عليكم و ملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور )
صلاته سبحانه و تعالى تخرجنا من ظلمات الضلال إلى أنوار الهداية . أتريد أن تسمع
أمرا عجيبا ؟ اسمع إجابة الإمام النووي .
الأمام
النووي رضي الله عنه وليس منا أحد لم يسمع باسمه أو يرى شيء من كتبه..تجمع عليه جميع الأمة من أهل السنة ،
وهابية وصوفية وغيرهم بلا اختلاف ..سؤل مرة في مسجد دمشق سؤالاً لو سؤلته أنت
لوجدته صعب جداً (هل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم ثواباً أم صلاة
الفرض الذي قرره الله تعالى؟ ) فسكت الأمام النووي دقائق ثم قال:الصلاة على رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقال السائل:كيف تقول!؟ فإن الله تعالى فرض فرضه على
العباد كيف يفضله أمر آخر؟ فقال الأمام النووي :نعم فرض عليك خمس صلوات في اليوم
وفرض عليك الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله (إن الله
وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً) فهذا
فرض أيضاً ، فأنت إذاً بين فرضين فرض الصلاة وفرض الصلاة على النبي صلى الله عليه
وسلم فسكت الرجل قليلاً ثم قال :فهما إذاً يتساويان قال :لا ، لا يتساوى فرض طلبه
الله منك مع فرض يؤديه الله معك ومعه ملائكته ،فإن الفرض الذي يؤديه الله هو
وملائكته والعباد أعظم من الفرض الذي تؤديه أنت بمفردك.
الشعبة
الثالثة : مودة أهل قرابته ، كل حسب قربه .
كل الأنبياء قالوا
لقومهم كما أخبرنا الله تعالى ( وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب
العالمين )
إلا رسول الله صلى الله عليه و سلم أمره تعالى أن يقول لأمته (
قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة
في القربى )
كتب الإمام الشيخ محمد أبو زهرة في
كتابه أصول الفقه في شهر صفر من سنة 1377 من الهجرة الموافق شهر سبتمبر 1958 من
الميلاد:
مقدمة:
إن علم أصول الفقه هو العلم الذي يبين المناهج
التي انتهجها الأئمة المجتهدون في استنباطهم للأحكام الشرعية ، ,هو مجموعة من
القواعد التي تبين للفقيه طرق استخراج الأحكام من الأدلة الشرعية فيما يجد للناس
من شؤون من غير أن يخرج عن الجادة أو يتنكب السبيل أو يخلع ربقة الشرع محكما
الزمان في الشرع ، من غير أن يجعل الشرع حاكما على أحداث الزمان .
نشأ علم أصول الفقه مع علم الفقه ،
و إن كان علم الفقه قد دون قبله ، لأنه حيث يكون فقه يكون حتما هناك منهج
للاستنباط . و حيث كان المنهج يكون حتما لا محالة أصول الفقه .
فإذا كان استنباط الفقه ابتداء بعد رسول الله صلى
الله عليه و سلم في عصر الصحابة ، فإن الفقهاء من بينهم كابن مسعود ، و علي بن أبي
طالب ، و عمر بن الخطاب ، ما كانوا يقولون أقوالهم من غير قيد ضابط . فإذا سمع
السامع علي بن أبي طالب يقول في عقوبة شارب الخمر :"أنه إذا شرب هذى ، و إذا
هذى قذف ، فيجب حد القذف." يجد
هذا الأمام الجليل ينهج منهاج الحكم بالمآل ، أو الحكم بالذرائع . و عبد الله بن
مسعود عندما قال في عدة المتوفى عنها زوجها الحامل : "أن عدتها بوضع
الحمل" و استدل بقوله تعالى (و أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) و
يقول في ذلك أشهد أن سورة النساء الصغرى نزلت بعد سورة النساء الكبرى – يقصد بذلك
أن سورة الطلاق نزلت بعد سورة البقرة - ، و هو بذلك يشير إلى قاعدة من قواعد
الأصول و هي أن المتأخر نزولا ينسخ المتقدم أو يخصصه . و هو بذلك يلتزم منهاجا
أصوليا . و هكذا يجب أن نقرر أن الصحابة في اجتهادهم كانوا يلتزمون مناهج و إن
لم يصرحوا في كل الأحوال بها . و هم في هذا متبعين لما علمهم رسول الله صلى
الله عليه و سلم ؛ فالدين دين اتباع.
حتى إذا انتقلنا إلى عصر التابعين وجدنا الاستنباط
يتسع لكثرة الحوادث ، و لعكوف طائفة من التابعين على الفتوى كسعيد بن المسيب و
غيره بالمدينة ، و كعلقمة و إبراهيم النخعي بالعراق ، فإن هؤلاء كان بين أيديهم
كتاب الله و سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم و فتاوى الصحابة ، و منهم من كان
ينهج منهاج المصلحة إن لم يكن نص ، و منهم من كان ينهج منهاج القياس ، فالتفريعات
التي كان يفرعها إبراهيم النخعي و غيره من فقهاء العراق كانت تتجه نحو استخراج علل
القياسات و ضبطها و التفريع عليها بتطبيق تلك العلل على الفروع المختلفة . و هنا
نجد المناهج تتضح أكثر من ذي قبل ، و كلما اختلفت المدارس الفقهية كان الاختلاف
سببا في أن تتميز مناهج الاستنباط في كل مدرسة .
فإذا وصلنا إلى عصر الأئمة المجتهدين نجد المناهج
تتميز بشكل أوضح ، و مع تمييز المناهج تتبين قوانين الاستنباط و تظهر معالمها ، و
تظهر على ألسنة الأئمة في عبارات صريحة واضحة دقيقة ، فنجد أبا حنيفة مثلا يحدد
مناهج استنباطه الأساسية بالكتاب فالسنة ففتاوى الصحابة يأخذ ما يجمعون عليه ، و ما
يختلفون فيه يتخير من آرائهم و لا يخرج عنها ، و لا يأخذ برأي التابعين لأنهم رجال
مثله ، و تجده يسير في القياس و الاستحسان على منهج بين ، حتى لقد يقول عنه تلميذه
محمد بن الحسن الشيباني : كان أصحابه ينازعونه في القياس فإذا قال أستحسن لم يلحق
به أحد .
و مالك رضي الله عنه كان يسير على منهاج أصولي
واضح في احتجاجه بعمل أهل المدينة ، و تصريحه بذلك في كتبه و رسائله ، و في
اشتراطه ما اشترطه في رواية الحديث ، و في نقده للأحاديث نقد الصيرفي الماهر و في
رده لبعض الآثار المنسوبة للنبي صلى الله عليه و سلم ، لمخالفته لمنصوص عليه في
القرآن الكريم ، أو المقرر المعروف من قواعد الدين ، كرده خبر "إذا ولغ الكلب
في إناء أحدكم غسله سبعا" .
حتى إذا جاء دور عالم قريش الذي يملأ طباق الأرض
علما و هو الشافعي ، وجدناه يتجه إلى تدوين ذلك العلم الجليل، فيرسم مناهج
الاستنباط و يبين ينابيع الفقه ، و يوضح معالم ذلك العلم .
و لقد أوتي الشافعي علما دقيقا بالسان
العربي حتى عد من كبار علماء اللغة ، و أوتي علم الحديث فتخرج على أعظم رجاله ، و
أحاط بكل أنواع الفقه في عصره ، و كان عليما باختلاف العلماء من عصر الصحابة إلى
عصره ، و كان حريصا كل الحرص على أن يعرف أسباب الخلاف ، و الوجهات المختلفة التي
تتجه إليها أنظار المختلفين .
بهذا و بغيره توافرت له الأداة لأن
يستخرج من المادة الفقهية التي تلقاها الموازين التي توزن بها آراء السابقين و
تكون أساسا لاستنباط اللاحقين ، يراعونها فيقاربون و لا يباعدون .
فبعلم اللسان استطاع أن يستنبط القواعد لاستخراج
الأحكام الفقهية من نصوص القرآن و السنة ، و بدراسته في مكة التي كان يتوارث فيها
علم عبد الله بن عباس الذي سمي ترجمان القرآن عرف الناسخ و المنسوخ ، و باطلاعه
الواسع على السنة و تلقيه لها عن علمائها و موازنتها بالقرآن استطاع أن يعرف مقام
السنة من القرآن ، و حالها عند معارضة بعض ظواهرها لظواهر القرآن الكريم . و قد
كانت دراسته لفقه الرأي و للمأثور من آراء الصحابة أساسا لما وضعه من ضوابط للقياس
.
و هكذا وضع الشافعي قواعد للاستنباط ،
و لم تكن في جملتها ابتداعا ابتدعه ، و لكنها ملاحظة دقيقة لما كان يسلكه فقهاء
الصحابة و من تبعهم من مناهج في استنباطهم لم يدونوها ، فهو لم يبتدع منهج
الاستنباط و لكن له السبق في أنه جمع أشتات هذه المناهج التي اختارها ، و دونها في
علم مترابط الأجزاء ، و مثله في ذلك مثل أرسطو في تدوينه لمنطق المشاءين ، فما كان
عمله ابتداعا لأصل المنهاج ، بل كان إبداع أرسطو في ضبط المنهاج .
1. ما هو مرتبط بأبواب الفقه الأربعة:
الباب الأول: الحكم الشرعي:
تعريفه – الحكم التكليفي و أقسامه – الحكم الوضعي
و تفصيلاته .
الباب الثاني: الحاكم :
الحاكم في الفقه الإسلامي هو الله سبحانه و تعالى
، إذ أن الشريعة قانون ديني يرجع في أصله إلى وحي السماء ، فالحاكم فيه هو الله ،
و كل طرائق التعريف بالأحكام فيه إنما هي مناهج لمعرفة حكم الله تعالى ، و أحكام
دينه السماوي ، على هذا أجمع المسلمون ، أن الحاكم في الإسلام هو الله سبحانه
وتعالى ، و أنه لا شرع إلا من الله ، و قد صرح بذلك الله سبحانه في القرآن الكريم
حيث قال (إن الحكم إلا لله) و قال (و أن احكم بينهم بما أنزل الله) و قال تعالى
أيضا (و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون).
إن جمهور العلماء و الفقهاء لا يجعلون
العقل حاكما ، بل يردون ما لا نص فيه إلى ما فيه نص بالطرق المختلفة ، إما بطريق
القياس أو الاستحسان ، أو الرد إلى المصالح المعتبرة شرعا ، و إن لم يشهد لها دليل
خاص .
فالعقل ليس له أن يشرع الأحكام ، و لا أن يضع
التكليفات ، و ليس معنى ذلك أنه لا مجال لعمله ، بل أن له عملا ، و لكنه ينطلق في
عمله حيث يطلقه الله سبحانه و تعالى . فحيث أنه لا بد من تعرف أحكام الله تعالى في
كل حدث يجد من غير أن يكون له نص صريح في بيان حكمه ، فيكون عمل العقل حينئذ في استخراج
الأحكام الشرعية وفق قواعد الاستنباط حتى لا يخرجوا عن الجادة . و هذا ما يعرف
بحدود الاجتهاد .
و أيضا يجب التنبيه إلى أن هذه المصادر كلها ترجع
إلى مصدر واحد و هو النصوص ، وهي الكتاب و السنة ، فكل مصدر بعد ذلك منبعث منهما و
معتمد عليهما ، و لذا قال الشافعي رضي الله عنه : "إن الأحكام لا تؤخذ إلا من
نص أو حمل على نص" و ذلك بقياس أو غيره .
مصادر الأدلة الشرعية: القرآن
الكريم – السنة – طرق استخراج الأحكام من الكتاب و السنة – الدلالات – النسخ –
الإجماع – فتوى الصحابي – القياس – الاستحسان – العرف – المصالح المرسلة – الذرائع
– الاستصحاب – شرع من قبلنا .
الباب الثالث: المحكوم فيه:
و هو الفعل مع تفصيلات .
الباب الرابع: المحكوم عليه:
و هو المكلف من حيث أساس التكليف و
الأهلية .
2.
مقاصد الأحكام الشرعية: الرحمة
و العدالة .
العدالة الاجتماعية – مراعاة مصالح الناس –
المصلحة المعتبرة في الإسلام – الأمور الخمسة التي تعتبر المحافظة عليها قوام
المصالح – تعليل الأحكام بالمصلحة – الضروريات و الحاجيات و التحسينات – تفاوت
المصالح في التكليفات الدينية و صلة ذلك بقوة الطلب في المطلوب – تفاوت المضار في
المنهي عنه بتفاوت قوة النهي – رفع الحرج و دفع الضرر – التكليف بالمستطاع .
"هو بذل غاية الجهد للوصول إلى حكم شرعي من
دليل تفصيلي من الأدلة الشرعية وفقا لقواعد أصول الفقه" .
و في تعريف آخر "هو استفراغ الجهد و بذل غاية
الوسع ، إما في استنباط الأحكام الشرعية أو في تطبيقها".
و وفقا للتعريف الأخير كأن الاجتهاد قسمين:
الأول: خاص باستنباط
الأحكام و بيانها ، و هو الاجتهاد الكامل .
الثاني: خاص بتطبيق
هذه الأحكام ، و هو تطبيق العلل المستنبطة على الأفعال الجزئية .
المجتهد:
إذا كان من يريد أن يستنبط طريقة جديدة في جراحة الأورام
مثلا نقول له قف ، ما هي مؤهلاتك ؟ و ما هي العلوم الطبية التي تعرفها و تتقنها ؟
و أيضا من يريد أن يضع نظرية جديدة في الهندسة الإنشائية أو حتى يريد أن يصمم مبنى
نسأله عن مؤهلاته قبل أن نسمح له بذلك ، فلماذا لا يجب أن نسأل من يريد أن يجتهد و
يبحث في أحكام الشرع عن مؤهلاته التي تسمح له بأن يقوم باجتهاده على الوجه الصحيح
؟ أليس أمر الدين مهما كعلوم الهندسة أو الطب ؟
قد يقول البعض أن الدين للناس جميعا ، و نقول له
نعم الدين للناس جميعا كتطبيق و لكن ليس كبحث علمي ، فالبحث العلمي في الدين له
أصوله هو أيضا و له أناسه و ليس كل الأمة و هذا يتضح من قوله تعالى (وما كان
المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين
ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون).
شروط المجتهد
المستنبط:
1. العلم
بالعربية: من يريد أن يدرس فلسفة اليونان دراسة دقيقة فعليه أن
يتعلم اليونانية القديمة و من يريد أن يدرس التوراة دراسة دقيقة لا بد له من أن
يدرس العبرية ولا يقرأون تراجم ، لأن الترجمة قد لا تكون دقيقة الدقة الكافية
للتعبير عن المعنى الأصلي الذي أراده المؤلف ، هذا عن كلام البشر ، أما عن كلام رب
العالمين جل جلاله فما يكتب كترجمة لمعانيه لا يمكن أن يعبر عن النص العربي الأصلي
لسببين: أولهما: أن المتكلم رب العالمين و لا يمكن لأحد من المخلوقين أن
يحيط إحاطة كاملة بمقصوده من القرآن . و ثانيهما: أنه سبحانه و تعالى اختار هو
اللغة العربية لكي تترجم معاني القرآن ، و شاء أن تتطور اللغة العربية على مر
الزمان لكي تصل إلى قمة تطورها من خلال القرآن الكريم ، ففيها من الثراء اللغوي ما
ليس في أي لغة أخرى على الإطلاق . فألفاظ اللغة هي تعبير عن معنى يقصده المتكلم ،
لذلك فمعرفة لغة المتكلم معرفة صحيحة و دقيقة شرط لازم لفهم مراده من الكلام
.
لذلك اشترط العلماء ضرورة العلم بالعربية التي نزل بها القرآن و لأنها
لسان السنة التي هي ترجمان القرآن كشرط أساسي و أولي للمجتهد . فلا يقل لي
أحمق إذن القرآن و الإسلام ليسا للناس كافة . فإني أسأله إذا كتب أحد الباحثين
مقالا عن علاج الأيدز بلغة ما ، هل نقول أن هذا البحث و العلاج لا يصلح لمن لا
يتكلم نفس اللغة ؟ أم نقول أنه أم عالمي نافع للبشر جميعا مع اختلاف لغاتهم ؟ ثم
أصلا لغة القرآن من اختيار الله سبحانه و تعالى ، و هو الذي أخبرنا أنه رسالة
للعالمين ، فهل نملك نحن البشر أن نعقب على قوله سبحانه و تعالى أم نلتزم أدب
العبودية ؟
وشرط معرفة العربية يعني معرفة القدر الذي يفهم به خطاب العرب و عاداتهم
في الاستعمال ، حتى يميز بين صريح الكلام و ظاهره و مجمله ، و حقيقته و مجازه ، و
عامه و خاصه ، و محكمه و متشابهه ، و مطلقه و مقيده ، و نصه و فحواه ، و لحنه و
مفهومه .
2. العلم
بالقرآن ناسخه و منسوخه: هذا الشرط لأن القرآن عمود الشريعة ، و حبل الله الممدود إلى يوم القيامة ،
و مصدر هذه الشريعة ، غير أن علم القرآن واسع ، و من جمعه فقد جمع النبوة بين
جنبيه كما أشار ابن عمر رضي الله عنهما .
و لذلك قال العلماء: أنه يجب أن يكون عالما بدقائق آيات
الأحكام في القرآن ، و هي نحو خمسمائة آية من كتاب الله تعالى ؛ و علمه بهذه
الآيات يعني أن يكون محصلا لمعانيها ، عارفا للعام و الخاص بها . و التخصيصات التي
وردت عليها من السنة ، و أن يكون عالما بما نسخت أحكامه منها على فرض أن فيها
ناسخا و منسوخا ، على أنه مع علمه
الخاص بآيات الأحكام يجب أن يكون عالما علما إجماليا بما عدا ذلك مما اشتمل عليه
القرآن الكريم ؛ فإن القرآن غير منفصل بعضه عن بعض .
3. العلم
بالسنة: و هذا شرط اتفق عليه العلماء ، فيجب أن يكون المجتهد
عالما بالسنة القولية و الفعلية و التقريرية التي تشتمل على الأحكام التكليفية
بحيث يكون قارئا لها و فاهما و مدركا لمراميها و مناسباتها و الأحوال التي قيلت في
شأنها ، و يجب أن يعرف الناسخ منها و المنسوخ ، و العام منها و الخاص ، و المطلق و
المقيد ، و التخصيص الذي عرض لما فيه عموم ، و يسر علينا جمع الأحاديث في صحاح
السنة شرط معرفة الأسانيد و الرجال و علومهما . و لا يشترط أن يكون حافظا للسنة
المتعلقة بالأحكام ، بل الشرط أن يعرف مواضعها و طرق الوصول إليها ، و أن يكون
عالما بالرجال أو أحوالهم في الجملة .
و بالنسبة للمجتهد معرفة مواضع الإجماع شرط بإجماع العلماء . و مواضع
الإجماع التي لا شك في وجود الإجماع بالنسبة لها هي: أصول الفرائض ، و أصول
المواريث ، و المحرمات التي جاء بها القرآن و جاءت بها السنة ، و غير ذلك من
المقررات الإسلامية التي أجمع عليها العلماء من عصر الصحابة إلى عصر الأئمة
المجتهدين و من جاء بعدهم . و ليس المراد أن يحفظ كل مواضع الإجماع حفظا يستظهره في عامة أحواله ، بل
المراد أن كل مسألة يتصدى لدراستها يكون على علم بموضع الإجماع فيها إن كان إجماع
و موضع الاختلاف إن كان اختلاف . و أيضا يجب أن يعرف الاختلاف بين فقه المدينة و
منهاجه ، و فقه العراق و منهاجه . و أوصى الشافعي باستماع الفقيه لما يخلفه و لمن
يخالفه لأنه يفترض فيه أنه يريد معرفة الحق .
الإفتاء أخص من الاجتهاد . فإن الاجتهاد استنباط الأحكام . أما الإفتاء
فإنه لا يكون إلا إذا وقعت واقعة ، و يتعرف الفقيه حكمها ، و الفتوى السليمة التي تكون
من مجتهد تقتضي مع شروط الاجتهاد
التي ذكرناها شروطا أخرى ، و هي معرفة واقعة الاستفتاء ، و دراسة نفسية المستفتي و
الجماعة التي يعيش فيها ليعرف مدى أثر الفتوى سلبا و إيجابا ، حتى لا يتخذ دين
الله هزوا و لعبا.