الفهرس

العبد وربه   الذكر   العبد ورسول الله   من هم آل البيت   العبد ودين الله   العبد وكتاب الله   العبد وكتب الله ورسله  

العبد وملائكة الله   العبد وقدر الله   التوكل والتفويض والتسليم

 

النوافـــل

 

يقصد بالنوافل هنا الأفعال المطلوب القيام بها للقرب من الله ومن حبه كاستباق بالخيرات بعد تنفيذ الفرائض. يقول تعالى ( فاستبقوا الخيرات).

 

توجد عدة مداخل للحديث عن النوافل، نذكر منها:

المدخل الأول:

إتباع التسلسل الموجود في حديث الإمام مسلم عن سيدنا عمر بن الخطاب حين سال سيدنا جبريل (ما الإسلام؟ وما الإيمان؟ وما الإحسان؟)

فبعد شرح الإسلام كما سبق في الجزء الأول من هذا الكتيب، يمكن البدء بشرح الأيمان وشعبه كما فعل الإمام البيهقي، ثم الحديث عن الإحسان بعده.

المدخل الثاني:

إتباع التسلسل الموجود في الحديث القدسي الذي أخرجه البخاري وذكرناه في الجزء الأول أيضا (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب …… الحديث) فبعد شرح الفرائض نشرح النوافل إجمالا بدون تبويب.

المدخل الثالث:

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (بعثت لأتمم حسن الأخلاق) أخرجه الإمام مالك في الموطأ والإمام أحمد. وفي رواية أخرى (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) متفق عليه عن أبي هريرة (رواه البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة) وأخرجه أحمد والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة قال الحاكم صحيح على شرط مسلم.

وهذا المدخل هو الذي اخترته لقربه من منهج الحديث هنا، وهو التوضيح والتذكرة بمنهج قريب من التطبيق العملي.

 

حــســـــــــن الأخـــــــــــــلاق:

 

أخرج مسلم والترمذي عن النواس بن سمعان يرفعه (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس).

 

وأخرج الترمذي: عن أم المؤمنين عائشة رفعته (إن من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله).

 

وعن أبي الدرداء، رفعه (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله تعالى يبغض الفحش البذيء).

 

وعن جابر، رفعه (إن من أحبكم إلى وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلى وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون و المتفيقهون، قالوا: يا رسول الله! قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيقهون؟ قال: المتكبرون).

وأخرج أبو داود عن أم المؤمنين عائشة، رفعته (إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)

 

هذه درجات وثواب الأحسن أخلاقا.

 

الغرض من بعثه وإرساله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه:

ذكر الله جل وعلا الغرض من إرسال رسوله الكريم في آيتين:

 الأولى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)

والثانية: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا. وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا. ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا)

ثم ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم الغرض من بعثه فقال: (بعثت لأتمم حسن الأخلاق)

وبذلك يمكن القول بتعدد تعريفات الغرض من البعثة.

و توضيح ذلك يسير بإذن الله تعالى و توفيقه، والشرح بالأمثال من نظامه سبحانه وتعالى كما علمنا الشيخ رضي الله عنه وأرضاه، ولله المثل الأعلى.

إذا عينت مديرا لشركة تملكها أنت فأنت تقول له أولا: أنا لم آت بك إلا لتكون مديرا للشركة. أي توضح له أنك لم تأت به إلا لشغل هذه الوظيفة دون غيرها، وذلك قوله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).

ثم تخبره بعد ذلك بتوصيف الوظيفة فتقول له: يجب أن تكون المثل الأعلى لمرؤسيك وتسوسهم بالترغيب و الترهيب معا، لأنك إنما تدير العمل بإذني أنا صاحب العمل فأنت المصباح الذي ينير لهم طريقهم في العمل، وذلك قوله تعالى (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا. وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا. ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا).

ثم يأتي هذا المدير الموهوب بالفطرة فيقول لمرؤسيه: لقد عينت في هذه الوظيفة لأجعل الأداء على أعلى مستوى، وهذا قوله صلى الله عليه وسلم ( بعثت لأتمم حسن الأخلاق ).

 

من هذا المثال يتضح أنه لا يوجد تكرار أو تعارض بين التعريفات الثلاثة للغرض من البعثة، وإنما هي ثلاثة مستويات لتوضيح الغرض من البعثة.

 

لذلك سوف نتبع هنا التعريف التنفيذي الذي قاله رسول الله صلى الله عليه و سلم (بعثت لأتمم حسن الأخلاق) ونفصله وبالله التوفيق ومنه المدد والعون وبه الحفظ والعصمة.

 

(بعثت لأتمم حسن الأخلاق)

قال الإمام الشافعي عن حديث (إنما الأعمال بالنيات) أنه يدخل في سبعين بابا ممن أبواب الفقه،

وإني أرى أن حديثه صلى الله عليه و سلم (بعثت لأتمم حسن الأخلاق) يشمل الدين كله من الناحية التنفيذية لطالبي طريق الله.

 

 

فهناك حسن خلق مطلوب تحققه في كل من:

أولا: العلاقة بين العبد وربه.

ثانيا: العلاقة بين العبد ورسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثالثا: العلاقة بين العبد ودين الله.

رابعا: العلاقة بين العبد وكتاب الله.

خامسا: العلاقة بين العبد وكتب الله ورسله.

سادسا: العلاقة بين العبد وملائكة الله.

سابعا: العلاقة بين العبد وقدر الله وتدبيره.

ثامنا: العلاقة بين العبد ونفسه.

تاسعا: العلاقة بين العبد وأهله.

عاشرا: العلاقة بين العبد وأولاده.

حادي عشر: العلاقة بين العبد وذوي رحمه.

ثاني عشر: العلاقة بين العبد ومن يعمل عنده، أو مرؤسيه، أو رؤسائه.

ثالث عشر: العلاقة بين العبد وجيرانه.

رابع عشر: العلاقة بين العبد ومع المسلمين عموما.

خامس عشر: العلاقة بين العبد ومع من يؤاخيهم في الله خاصة.

سادس عشر: العلاقة بين العبد وبين غير المسلمين في بلده عموما.

سابع عشر: العلاقة بين العبد وبين الحاكم المسلم.

ثامن عشر: العلاقة بين المجتمع المسلم وبين المجتمعات المسلمة الأخرى.

تاسع عشر: العلاقة بين المجتمعات المسلمة ككل وبين المجتمعات الأخرى غير المسلمة.

 

هذه هي الأبواب الرئيسية بقدر علمي ولسوف نتناولها بالتفصيل إن شاء الله تعالى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(1) العــبد و ربــه

 

نبدأ بمشيئة الله وعونه وتوفيقه بحسن الأخلاق بين العبد و ربه؛ لأن المقصود من الأمر كله إرضاء الله عز و علا، ولأن العبد إذا أحسن خلقه مع الله سوف يحسن خلقه مع جميع من دونه.

 

وحسن الخلق مع الله يبدأ أول ما يبدأ بأن تعرف موقعه منك وموقعك منه، أن تعرف أنه الإله الرب وأنت العبد، ومن ثم تعطي لكل حقه، فتكون أنت العبد المطيع لسيده وليس العبد الآبق.

 

وحسن الخلق تجاه الألوهية بأن تؤدي حق الألوهية بأن لا تعبد إلا هو، أي لا تطيع ولا تحب إلا هو سبحانه و تعالى، ولا يكون قصدك إلا له وحده.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما).

 

أما حسن الخلق تجاه الربوبية أن توحد أيضا الرب الذي تطلب منه أن يعطيك. فلا تظن أن أحدا غير الله يمكنه أن ينفعك أو يضرك أو يعطيك ما لم يكتب الله ذلك لك أو عليك. وإنما الله يجري مقاديره من خلال خلقه وليس الخلق هم الذين يجرون المقادير.

 كأن تكون لك مصلحة عند فلان وقضاها لك، تكون قد أخطأت في حق الربوبية إذا ظننت أن فلانا هذا هو الذي قضى لك المصلحة، وإنما الله هو الذي أجرى قضاء المصلحة على يديه.

 روى الإمام الترمذي عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما انه قال (كنت خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوما فقال: يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام وجفت الصحف).

 

فإذا عرفت موقعك منه كعبد وموقعه منك كإله، توجب عليك أن تتعرف على إلهك و سيدك الذي يجب عليك طاعته، فكما قلنا من قبل: كيف تطيع من لا تحب؟ وكيف تحب من لا تعرف؟

تعصى الإله وأنت تظهر حبه                      هذا لعمري في القياس بديع

إن كان حبك صادقا لأطعته                        إن المحب لمن يحب مطيع

 

إنه سبحانه وتعالى يتعرف إليك في كل لحظة وبكل شيء حولك؛ تعرف إليك بدءأ بالفطرة التي وضعها فيك لتعرفه.

أخرج البخاري ومسلم و الترمذي عن أبي هريرة و الطبراني وأبو يعلى عن الأسود، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه)

 وتعرف إليك بمن أرسلهم من الرسل والكتب، ووصف نفسه في كتابه الخاتم وعلى لسان نبيه الخاتم بأسماء وصفات.

وقد سمى الله تعالى نفسه بها وأمر أن يدعى بها ويسمى، ونهى أن يدعى ويسمى بغيرها مما لم يرد في الشرع إطلاقه عليه تعالى لما يوهمه من المعاني التي لا تليق بجلاله وعظمته، فلا يقال يا أبيض الوجه، يا شجاع، يا عارف، يا سخي ونحو ذلك، وسماه إلحادا في أسمائه وميلا وانحرافا عن الحق فيها.

وقال الإمام النسفي في تفسيره: من أسمائه تعالى ما يستحقه بحقائقه كالحي قبل كل شئ و الباقي بعد كل شئ والقادر على كل شئ والعليم بكل شئ والواحد الذي ليس كمثله شئ. ومنها ما تستحسنه الأنفس لآثارها كالغفور والشكور والرحيم والحليم. ومنها ما يوجب التخلق به كالعفو. ومنها ما يوجب مراقبة الأحوال كالسميع و البصير. ومنها ما يوجب الإجلال كالعظيم والمتكبر.

 

وقال الإمام الألوسي في تفسيره: من أسمائه تعالى ما لا يجوز إطلاقه على غيره سبحانه كالله والرحمن، ومنها ما يباح كالرحيم والكريم، ومنها ما يباح ذكره وحده كأكثرها وما لا يباح ذكره وحده كالمميت والضار، فلا يقال يا مميت أو يا ضار، بل يقال يا محي يا مميت، يا نافع يا ضار ، تأدبا في حقه تعالى وتفاديا من إيهام ما لا يليق بجلاله تعالى. وروى الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة).

 

قال أحد الصالحين: لكي تكون عبدا مطيعا لسيده، إحذر أن لا يراك حيث يطلبك، أو يجدك حيث نهاك.

أي أنه يقول ببساطة: عليك بتطبيق وتنفيذ أفعال التقوى وأفعال البر.

 

والاتقاء يعني الاحتماء، واتقاء الله يعني الاحتماء منه. وهو سبحانه و تعالى لا يمكن الاحتماء منه إلا به.

فالتقوى فعل سلبي بالامتناع عن أمر منهي عنه.

 

أما البر فهو فعل إيجابي بأداء أمر مطلوب أداءه.

 

ولكن البر و التقوى وجهان لعملة واحدة، فيقول تعالى (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون) فقوله تعالى (ولكن البر من اتقى) يعني أن البر و التقوى شيء واحد. ولكن كيف؟

 

قلنا أن البر فعل إيجابي، والتقوى فعل سلبي، والاثنان كلاهما فعل يحتاج إلى طاقة وبذل جهد.

و الاثنان كلاهما فعل أداءه يؤدي إلى القرب من الله.

 

وكل من البر والتقوى سبيل وطريق يؤدي إلى القرب من الله، أحدهما بالإكثار من الحسنات جدا حتى تغرق ما فعل العبد من السيئات في بحرها، وديدنهم في ذلك قوله تعالى (إن الحسنات يذهبن السيئات)، والثاني بالامتناع عن فعل السيئات والإمساك عنها وديدنهم في ذلك قوله تعالى (واتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) وقوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم).

 

قال صلى الله عليه وسلم (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس) البخاري في الأدب وصحيح مسلم و الترمذي عن النواس بن سمعان وقال السيوطي: صحيح.

 

وعن وَابِصَةَ بن معبد رضي اللّه عنه؛ أنه أتى رسولَ اللّه صلى اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: (جِئْتَ تَسألُ عَنِ البِرّ وَالإِثْمِ؟) قال: نعم، فقال: (اسْتَفْتِ قَلْبَكَ: البِرُّ ما اطْمأنَّت إِلَيْهِ النَّفْس وَاطْمأنَّ إِلَيْهِ القَلْبُ، وَالإِثْمُ ما حاكَ في النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ وَإنْ أفْتاكَ النَّاسُ وَأفْتَوْكَ) حديث في مسندَيْ أحمد والدارمي وغيرهما.

 

وأيضا عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَخونُهُ وَلا يَكْذِبُهُ وَلا يَخْذُلُهُ، كُلّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ عرْضُهُ ومَالُهُ وَدَمُهُ، التَّقْوَى ها هنا، بِحسْبِ امْرِىءٍ مِنَ الشرّ أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المُسْلمَ)  قال الترمذي: حديث حسن.

 

وأفضل طريقة لمعرفة أفعال التقوى وأفعال البر كما علمنا الشيخ رضي الله عنه وأرضاه هي: استخراج كل الآيات التي تتحدث عن البر في ورقة، والآيات التي تتحدث عن التقوى في ورقة أخرى. ثم السعي لتنفيذ و تطبيق هذه الآيات واحدة بعد الأخرى كما كان يفعل الصحابة رضي الله عنهم و أرضاهم، وديدنهم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق) أخرجه أحمد عن أنس.

 

قال البعض في معنى قوله تعالى (واتقوا الله حق تقاته): أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى.

فعلم الله عجز عباده عن ذلك فأنزل قوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم).

 

فآفة آدم عليه السلام وذريته من بعده خمس؛ قال تعالى (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما). وقال تعالى (فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ). وقال تعالى (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى)

فالآفات الخمس هي: النسيان ضعف العزيمة حب الخلود حب الملكية حب السمو والعلو.

 

فكما قيل أن يذكر فلا ينسى، فقد أمرنا الحق جل وعلا بدوام ذكره على كل أحوالنا. يقول تعالى (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم).

 وهذا من حسن الخلق مع الله.

فالعبد الذي يذكر مولاه على الدوام لا يجرؤ على معصيته. وهذا يجعل الذكر من أقوى المعينات على تقوية العزيمة وعدم النسيان. وهذا أيضا من حسن الخلق مع الله.

 

الذكـــر:

في المعنى الذي نقصده هو التذكر أي مضاد النسيان، أي الانتباه من الغفلة.

 

وذاكر الله ، إذن، هو المنتبه إليه أو إلى صفاته وأفعاله، واعيا لوجود الله مستحضرا له في شعوره وذهنه. أما الناسي الغافل فهو عكس ذلك تماما.

 

ولعل أخطر أثر لذكر العبد لله، ذكر الله للعبد. يقول تعالى (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون)

والغفلة عن الله خطر عظيم يقع فيه المرء، كما أن صاحبه ممقوت من الله تعالى.

يقول تعالى (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون).

 

أفضلية الذكر:

لا يمكن حصر الآيات التي تحض على ذكر الله في كل الأوقات، حتى عند لقاء العدو، وعلى كل الأوضاع، ونذكر منها:

(يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا)

(يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون)

(الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم)

(فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون)

(اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر و لذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون)

 

والآية الأخيرة قوله تعالى فيها (ولذكر الله أكبر) قد أثار مناقشات عديدة واسعة.

يقول ابن قيم الجوزية في الوابل الصيب: 

وأما الإخبار عنه بأنه أكبر من كل شيء فقوله تعالى (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر و لذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون) وفيه أربعة أقوال:

 

الأول: أن ذكر الله أكبر من كل شيء. فهو أفضل الطاعات، لأن المقصود بالطاعات كلها إقامة ذكره فهو سر الطاعات وروحها.

 

الثاني: أن المعنى؛ إذا ذكرتموه ذكركم . فكأن ذكره لكم أكبر من ذكركم له.

 

الثالث: أن المعنى؛ ولذكر الله أكبر من أن يبقى معه فاحشة ومنكر، بل إذا تم الذكر، محق كل خطيئة ومعصية. هذا ما ذكره المفسرون.

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، يقول: معنى الآية؛ أن في الصلاة فائدتين عظيمتين:

أحدهما: نهيها عن الفحشاء والمنكر.

و الثانية: اشتمالها على ذكر الله و تضمنها له. ولما تضمنته من ذكر الله أعظم من نهيها عن الفحشاء. انتهى

 

الرابع: فيقول ابن زيد وقتادة: معناها لذكر الله أكبر من كل شيء. وقيل لسلمان رضي الله عنه: أي الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن؟ .. (ولذكر الله أكبر). 

 

الذكر أفضل العبادات بعد القيام بالفرائض الخمس:

تسعفنا السنة النبوية بالتفصيل المطلوب: فهي تفسر آيات الكتاب الحكيم وتفصل معناها التنفيذي.

وسوف نذكر فيما يلي بعض الأحاديث التي تذكر ذلك صراحة.

 

*أخرج الإمام أحمد والترمذي وأبو يعلى وابن شاهين في الذكر عن أبي سعيد الخدري قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العباد فقال (أفضل العباد درجة عند الله يوم القيامة الذاكرون الله كثيرا، قيل ومن الغازي في سبيل الله؟ قال: لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما، لكان الذاكرون أفضل منه درجة).

 

*أخرج الإمام أحمد والطبراني عن معاذ رضي الله عنه: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أي المجاهدين أعظم أجرا ، وأي الصائمين أعظم أجرا وكذلك عن الصلاة والزكاة و الحج والصدقة فقال صلى الله عليه و سلم:

( أكثرهم ذكرا لله، فقال الصديق أبو بكر رضي الله عنه: ذهب الذاكرون بكل خير، فقال صلى الله عليه وسلم: أجل). و في رواية أخرى (أجل، ألم تسمع قوله تعالى: ولذكر الله أكبر).

 

*أخرج الإمام أحمد عن معاذ رضي الله عنه، كما أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني أنه صح عنه صلى الله عليه وسلم القول بأنه(ما عمل آدمي عملا أنجى من عذاب الله من ذكر الله، قالوا ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد إلا أن تضرب بسيفك حتى ينقطع ثم تضرب به حتى ينقطع ثم تضرب به حتى ينقطع).

 

*أخرج البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن فقراء المهاجرين أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: (ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجون ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون.

فقال: ألا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحدا أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون. فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله فقالوا: سمع إخواننا من أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء).

- هذا الحديث الأخير تظهر منه عدة أمور:

الأول: يقول الإمام ابن قيم الجوزية تعليقا على هذا الحديث في الوابل الصيب: فجعل الذكر عوضا لهم عما فاتهم من الحج والعمرة و الجهاد، وأخبر أنهم يسبقونهم بهذا الذكر.

الثاني: أن ذكر الله بذاته يسبب سبق الذاكرين على غير الذاكرين، ولا يكون أحد أبدا أفضل من الذاكرين إلا من فعل فعلهم.

*أخرج البخاري ومسلم واللفظ له وأحمد والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم).

 

*أخرج البخاري ومسلم والحاكم عن أبي هريرة والطبراني عن أبي الدرداء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (سبق المفردون، ثلاثا، قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: الذين يهترون في ذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافا).

 

*أخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن لكل شيء صقالة وإن صقالة القلوب ذكر الله، وما من شيء أنجى من عذاب الله ولو أن تضرب بسيفك حتى ينقطع).

 

*عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفع في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم و يضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله). رواه الترمذي وقال حسن صحيح، والحاكم في المستدرك وقال إسناده صحيح، وصححه السيوطي وصحح الذهبي إسناده في تلخيص المستدرك. والإمام أحمد في مسنده، ومالك في الموطأ، وابن ماجة والطبراني في الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان، وأخرجه الإمام أحمد من حديث معاذ، واختاره ابن تيمية في الكلم الطيب.

 

الذكر في الأركان الخمسة:

قلنا في الجزء الأول من هذا المقال حين كنا نتكلم عن مفهوم الدين أن الأركان الخمسة إنما هي الأساس والأعمدة التي يقوم عليها الدين وليست الدين كله كما يظن البعض.

والآن نبحث عن وجود الأذكار في هذه الأركان الخمس باختصار شديد.

 

الشهادتين: أصل الذكر في الشهادتين، وهما أصل الإسلام كله. وأن تكرارهما يجدد الشعور الإيماني، كما أشار إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال (جددوا إيمانكم: أكثروا من قول لا إله إلا الله) حديث صحيح، أخرجه الأمام أحمد والحاكم عن أبي هريرة.

وهكذا يكون أول الدخول في الإسلام تذكر وذكر بالشهادتين.

 

الصلاة: عماد الدين، تقام لذكر الله تعالى. يقول تعالى (وأقم الصلاة لذكري). والذكر فيها بقراءة القرآن وبالتسبيح والدعاء جوهرها وهو مخ العبادة أو نصف العبادة أو هو العبادة حسب الروايات المختلفة.

 

الزكاة: ذكر بالعمل بعد تصحيح النية، والنية ذكر أصلا.

 

الصيام: ذكر مستمر طوال فترة الصيام. وذكر بالنية قبل البدء في الصيام.

 

الحج: رحلة ذكر من بدء التلبية بالإحرام. فالذكر في عرفة وبعد الإفاضة من عرفة، والذكر في منى والذكر في الطواف والسعي.

 

وأصل الأمر كله في النية، والنية ذكر لله وتذكر له.

 

كلمات الذكر:

الكلمة التي ينطق بها العبد لها وجود وأثر خطير، فالكلمة، كن، يخلق الله بها ما يشاء فيقول تعالى:

(إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون).

وكلمات الذكر لها أثار وأبعاد خطيرة، فيقول تعالى:

(كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت و فرعها في السماء)

ويقول (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه)

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن ما تذكرون من جلال الله، وتسبيحه وتحميده، وتكبيره وتهليله يتعاطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل يذكرن بصاحبهن: أفلا يحب أحدكم أن لا يزال له عند عرش الرحمن ما يذكر به؟) أخرجه الإمام أحمد وابن أبي شيبة والطبراني والحكيم والترمذي والحاكم في المستدرك وقال صحيح، وصححه السيوطي والذهبي في تلخيص المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم.

 

فإذا كانت كلمات الذكر قد صعدت حتى عرش الرحمن سبحانه، (يذكرن بصاحبهن) كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإن التساؤل الذي لا بد منه هنا هو: يذكرن من؟؟؟

إن الله جل شأنه وتعالى أمره، لا ينسى: حاش لله من ذلك …….. (وما كان ربك نسيا)

والإجابة لا بد أنهن يذكرن عالم ما حول العرش. وفيه الملائكة العظام حملة العرش والدائرة في فلكه، ألم تسمع قوله تعالى (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم . ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم. وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم).

 

حلق الذكر:

وأخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلائِكةَ سَيَّارَةً فُضُلاً يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ قَالَ فَيَسْأَلُهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ فَيَقُولُونَ جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الْأَرْضِ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ قَالَ وَمَاذَا يَسْأَلُونِي قَالُوا يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ قَالَ وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي قَالُوا لَا أَيْ رَبِّ قَالَ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي قَالُوا وَيَسْتَجِيرُونَكَ قَالَ وَمِم يَسْتَجِيرُونَنِي قَالُوا مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ قَالَ وَهَلْ رَأَوْا نَارِي قَالُوا لَا قَالَ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي قَالُوا وَيَسْتَغْفِرُونَكَ قَالَ فَيَقُولُ قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا قَالَ فَيَقُولُونَ رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ قَالَ فَيَقُولُ وَلَهُ غَفَرْتُ هُمْ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ)

 

 

عودة إلى حسن الخلق مع الله:

لقد رأينا تعدد جوانب حسن الخلق مع الله، وإذا أحسن العبد خلقه مع الله وسعى لذلك، حرص على إتيان كل فعل يرضي الله. فيجد أن عليه أن يحسن خلقه مع جميع من دون الله إرضاءا له.

فيجد العبد أنه يجب عليه أن يسعى لتحقيق حسن الخلق في الأبواب الأخرى، كما ذكرنا من قبل في أول هذا الباب (باب النوافل). فمفتاح حسن الخلق عموما هو حسن الخلق مع الله.

 

 

(2) العــبد و رســــول الله

 

بعدما يسعى العبد لإرضاء الله بحسن الخلق معه يجد أن عليه أن يسعى لتحقيق حسن الخلق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكانته من الله.

 

حسن الخلق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:

بعد الشهادة بأنه رسول الله كما ذكرنا من قبل حين تحدثنا عن الشهادتين، وفهمنا من هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بد من القيام بحقوق هذه الشهادة وحقوقه صلى الله عليه وسلم علينا.

 

والآن، ماذا يتوجب علينا فهمه وفعله كنتيجة لشهادتنا "أشهد أن محمدا رسول الله"؟

 

أولا: اليقين بأنه صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وأنه أرسل للناس كافة وليس قوما بعينهم.

يقول الله تعالى لرسوله الكريم (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا)

فما كانت هذه الرسالة العامة لأحد من الرسل من قبله:

فموسى عليه السلام أرسل لبني إسرائيل خاصة، فلقد اقتصرت دعوته على بني إسرائيل لدرجة أنه حينما ذهب هو وهارون عليهما السلام إلى فرعون قالا له: (إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل) فموسى ذهب إلى فرعون ليرسل معه بني إسرائيل، ولم يكافح سيدنا موسى الشعوب أو الأمم في سبيل دعوته.

وعيسى عليه السلام إنما أرسل إلى "خراف بني إسرائيل الضالة" على حد تعبيرهم القديم ولم يحاول سيدنا عيسى أن يبشر بدعوته خارج فلسطين، ولم يحاول أن يجاهد من أجلها.

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه أرسل إلى الناس جميعا: أرسل إلى الناس جميعا من حيث المكان، وأرسل إليهم جميعا من حيث الزمان. فهو رسول الله الدائم زمانا ومكانا (قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا).

وقد تكفل الله تعالى بحفظ الكتاب الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم ضمانا لهذا العموم في الزمان والمكان وتحقيقا له (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).

ومن اجل هذا الوعد بحفظ الوحي كاملا غير منقوص، صحيحا غير مزيف كانت الحكمة الإلهية في أن الإنسانية لا تحتاج إلى رسول بعد الرسول ، ولا نبي بعد النبي. إنه صلوات الله و سلامه عليه خاتم الرسل وخاتم الأنبياء.

 

ثانيا: أن نعرف قدره صلى الله عليه وسلم كما أوضحه لنا الله تعالى.

    فهو أول المسلمين (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) فهو ليس أول المسلمين من حيث الترتيب الزمني وإنما من حيث تمام إسلام الوجه لله.

   

أما خلقه فكان القرآن كما وصفته أم المؤمنين السيدة عائشة، وهو قال (بعثت لأتمم حسن الأخلاق) أي أخلاق أسمى وأرفع من الصفات الموجودة في القرآن؟ لذلك حين مدحه ربه قال في حقه (وإنك لعلى خلق عظيم).

  

 أيضا، هو المتحقق بأعلى رتب العبودية. لذلك وصفه سبحانه وتعالى (بعبده) في وصوله لأعلى مكان وصل إليه عبد في رحلة الإسراء والمعراج (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، لنريه من آياتنا، إنه هو السميع البصير)

  

 نعم هو بشر، ولكن هل هو بشر عادي مثل كل البشر؟ قطعا لا وألف لا، (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى) يوحى إلى انتبه لها لأنها التي تفرق بين البشر العادي مثلي ومثلكم وبين الأنبياء وعلى قمتهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالوحي هو الفرق بين النبي الذي يأتيه الخبر من السماء وبين الرجل العبقري مثل الدكتور أحمد زويل الذي وضع نظريات علمية عقلية بحتة. هذا الفارق هو الذي أوضحه أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين سئل  كيف آمنت أنت برسول الله ولم يؤمن به أبو جهل وكلاكما رآه؟ بم رد الصديق؟ قال: أنا رأيت محمدا رسول الله، أما أبو جهل فلم ير إلا محمد بن عبد الله يتيم بني هاشم.

 

هذا نقطة من بحر ما كتب وقيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكل ما قيل وكتب عنه إنما هو نقطة من محيط حقيقته صلى الله عليه وسلم لأنه كما قال (لا يعرف حقيقتي إلا ربي).

 

ثالثا: أن نؤدي حقه صلى الله عليه وسلم علينا وهو أمر ذي ثلاث شعب:

 

الشعبة الأولى: طاعته وإتباع سنته صلى الله عليه وسلم.

 

فرض الله سبحانه وتعالى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم مقرونة بطاعته، بل ذكرها الله سبحانه وتعالى باعتبارها فرضا. فيقول جل من قائل (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله و رسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) ويقول تعالى (يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحيكم) ويقول سبحانه وتعالى (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين).

في هذه الآية الكريمة إشارة إلى أن الإعراض عن طاعة الله أو عن طاعة الرسول كفر. وما من شك في أنه كفر؛ ذلك أن الإيمان من أركانه الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبأن كل ما أتى به صدق، فالتولي عنه استخفافا أو جحودا أو إنكارا أو عنادا و مماراة ذلك كله كفر يخرج به المعرض عن دائرة الإسلام.

 

ويقول الله تعالى في طاعة الرسول صلوات الله و سلامه عليه حينما يفرده بالحديث (فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).

ويقول تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة، أو يصيبهم عذاب أليم)

 

ويجعل سبحانه وتعالى طاعة الرسول طاعته فيقول (من يطع الرسول فقد أطاع الله) ويجعل بيعته صلوات الله وسلامه عليه بيعة الله فيقول تعالى (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد الله عليه فسيؤتيه أجرا عظيما)  وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هي فيما افترضه الله أو سنه، وفيما افترضه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سنه.

 وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لها مكانتها بالنسبة إلى القرآن ولها مكانتها بالنسبة إلى التشريع.

إنها المصدر الثاني بعد القرآن للإسلام باعتباره عقيدة، والمصدر الثاني للإسلام باعتباره تشريعا، والمصدر الثاني للإسلام باعتباره أخلاقا. أما منزلتها بالنسبة إلى القرآن فالسنة كما قال الإمام الشافعي: وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كتاب الله وجهان: أحدهما نص كتاب، فاتبعه رسول الله كما أنزل الله.

والآخر ما أتى في القرآن مجملا كالأمر بالصلاة، ففسر الرسول في السنة عدد الصلوات، وأوقاتها، وكيفيتها وأحكامها. وفي كلا الوجهين اتبع الرسول كتاب الله.

وسنته صلى الله عليه وسلم ثلاثة أنواع: قولية؛ وهي ما قال الرسول، وفعلية؛ وهي ما فعل، وتقريرية؛ وهي ما أقر من أمور فعلها أو ذكرها الصحابة.

 

فلا يأتي رجل اليوم فيقول: هل الشيء الفلاني موجود في القرآن؟ أنا لا ألتزم إلا بما في القرآن. فنقول له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ما تقول أنت و أمثالك وأخبرنا أنكم سوف تقولونه فقال المقدام بن معدي كرب: حرم النبي صلى الله عليه وسلم يوم أشياء خيبر، منها الحمار الأهلي وغيره فقال (يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثي فيقول: بيني و بينكم كتاب الله. فما وجدنا فيه حلالا استحللناه. وما وجدنا فيه حراما حرمناه. وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله). أخرجه أحمد والطبراني في الكبير والدارمي.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري (كل أمتي يدخل الجنة إلا من أبى. قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) اللهم اجعلنا ممن يطيعه صلى الله عليه وسلم.

 

الشعبة الثانية: الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم.

أول شئ، هي نافلة النصف الثاني من الشهادتين.

فرض الله تعالى الصلاة والسلام على رسول الله في القرآن كما قال الشاعر:

الله عظم قدر جاه محمد       وأناله فضلا عليه عظيما

في محكم التنزيل قال لخلقه   صلوا عليه وسلموا تسليما

فقال تعالى (إن الله وملائكته يصلون على النبي، يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما)

اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

 

قال صلى الله عليه وسلم (أكثروا من الصلاة علي في كل يوم جمعة فإن صلاة أمتي تعرض علي في كل يوم جمعة، فمن كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة) رواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي مودود عن أبي هريرة مرفوع، ورواه البيهقي بإسناد جيد عن أبي أمامة ورواه ابن ماجه بإسناد جيد عن أبي الدرداء ورواه الدارقطني عن ابن المسيب قال أظنه عن أبي هريرة. لأنك حين تكثر من الصلاة عليه فأنت تحبه، وحين تحبه تتبع ما يرضيه وهو لا يرضيه إلا طاعة الحبيب رب العالمين.

 

عن أَنَسٍ أَنّهُ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يَا رسُولَ الله، مَتَى قِيَامُ السّاعَةِ؟ فَقَامَ النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الصّلاَةِ، فلَمّا قَضَى صَلاَتَهُ قال: (أَيْنَ السّائِلُ عَنْ قِيَامِ السّاعةِ؟) فقال الرّجُلُ: أَنَا يا رسُولَ الله. قال: (ما أَعْدَدْتَ لهَا؟) قال: يَا رسُولَ الله، ما أَعْدَدْتُ لهَا كَبِيرَ صَلاَةٍ و َلا َصَوْمٍ إِلاّ أَنّي أُحِبّ الله ورَسُولَهُ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (المَرْءُ معَ مَنْ أَحَبّ، وَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ) ، فمَا رَأَيْتُ فَرِحَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ الإسْلاَمِ فَرَحَهُمْ بهذا.

أحمد في مسنده ومتفق عليه [البخاري ومسلم] والثلاثة [أبو داود، الترمذي، النسائي] عن أنس، متفق عليه [البخاري ومسلم] عن ابن مسعود و قال السيوطي: صحيح . وهي للترمذي .

 

وقال صلى الله عليه وسلم أيضا قال صلى الله عليه وسلم (إن أقربكم مني يوم القيامة في كل موطن أكثركم علي صلاة في الدنيا، من صلى علي في يوم الجمعة وليلة الجمعة قضى الله له مائة حاجة سبعين من حوائج الآخرة وثلاثين من حوائج الدنيا ثم يوكل الله بذلك ملكا يدخله في قبري كما تدخل عليكم الهدايا يخبرني من صلى علي باسمه ونسبه إلى عشيرته فأثبته عندي في صحيفة بيضاء) (هب وابن عساكر) عن أنس.) لأنك حين تكثر من الصلاة عليه فأنت تحبه، وحين تحبه تتبع ما يرضيه و هو لا يرضيه إلا طاعة الحبيب رب العالمين. لذلك قال عليه أفضل صلاة و أزكى سلام ( المرء مع من أحب يوم القيامة) أخرجه الشيخان و الترمذي. فإن كنت تحب رسول الله فأنت معه، وإن كنت تحب أهل الفساد والمجون فأنت معهم. فاختر لنفسك.

 

وقال صلى الله عليه و سلم أيضا (بحسب امرئ من البخل أن أذكر عنده فلا يصلي علي) أخرجه قاسم بن أصبغ من حديث الحسن بن علي هكذا والنسائي وابن حبان من حديث أخيه الحسين (البخيل من ذكرت عنده فلم يصلي علي) ورواه الترمذي من رواية الحسين بن علي عن أبيه وقال حسن صحيح. وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما، أنه سمع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يقول: (إذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا علَيَّ، فإنَّهُ مَنْ صَلَّى عَليَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِها عَشْراً، ثُمَّ سَلُوا اللّه لِي الوَسِيلَةَ، فإنها مَنْزِلَةٌ في الجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبادِ اللّه وأرْجُو أنْ أكُونَ أنا هُوَ، فَمَنْ سألَ لِيَ الوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفاعَةُ) رواه مسلم في صحيحه.

 

هل تعرف ماذا يعني أن يصلي علينا الله؟ اسمع قوله تعالى:

(هو الذي يصلي عليكم و ملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور) صلاته سبحانه و تعالى تخرجنا من ظلمات الضلال إلى أنوار الهداية.

 

أتريد أن تسمع أمرا عجيبا؟ اسمع إجابة الإمام النووي.

الأمام النووي رضي الله عنه وليس منا أحد لم يسمع باسمه أو يرى شيء من كتبه. تجمع عليه جميع الأمة من أهل السنة، وهابية وصوفية وغيرهم بلا اختلاف سؤل مرة في مسجد دمشق سؤالاً لو سؤلته أنت لوجدته صعب جداً "هل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم ثواباً أم صلاة الفرض الذي قرره الله تعالى؟"  فسكت الأمام النووي دقائق ثم قال:الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال السائل:كيف تقول!؟ فإن الله تعالى فرض فرضه على العباد كيف يفضله أمر آخر؟

فقال الأمام النووي: نعم فرض عليك خمس صلوات في اليوم وفرض عليك الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً) فهذا فرض أيضاً، فأنت إذاً بين فرضين فرض الصلاة وفرض الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فسكت الرجل قليلاً ثم قال: فهما إذاً يتساويان قال:لا،

لا يتساوى فرض طلبه الله منك مع فرض يؤديه الله معك ومعه ملائكته ، فإن الفرض الذي يؤديه الله هو وملائكته والعباد أعظم من الفرض الذي تؤديه أنت بمفردك.

 

الشعبة الثالثة : مودة أهل قرابته ، كل حسب قربه .

     كل الأنبياء قالوا لقومهم كما أخبرنا الله تعالى (وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين)

إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره تعالى أن يقول لأمته (قل لا أسألكم  عليه أجرا إلا المودة في القربى)

 

فمن هم أهل قرابته؟ وبالتحديد أكثر من هم آل محمد الذين نذكرهم في صلواتنا كما قال الإمام الشافعي:

يأهل بيت رسول الله حبكم                     فرض من الله في القرآن أنزله

كفاكم من عظيم القدر أنكم                    من لم يصل عليكم لا صلاة له

   

 تعددت الأقوال فيمن هم أهل البيت:

الأول: أنهم نساءه لا رجل معهم. وهو قول عكرمة ومقاتل.

 

الثاني: أنهم أصحاب الكساء، وهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعلي وفاطمة والحسنين، بالإضافة إلى زوجات النبي، والبعض استثنى النبي كالفخر الرازي والخطيب، وكما ذكره القسطلاني في شرحه على البخاري.

 

الثالث: قيل: النبي وحده كما في الصواعق المحرقة.

 

الرابع: بنو هاشم ولا يشمل النساء كما في فتح القدير وغيره.

 

الخامس: كل بني هاشم الذين حرموا الصدقة رجالا ونساءا الذين حرموا الصدقة؛ و ذلك لاستخدام التذكير في الآية وهو يشمل الرجال والنساء. والحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم و أحمد بن حنبل عن زيد بن الأرقم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ألا وإني تارك فيكم ثقلين، أحدهما كتاب الله عز وجل، وهو حبل الله الذي من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة، وعترتي أهل بيتي) فقلنا من أهل بيته، نساءه؟ قال: أيم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر فيطلقها، فترجع إلى بيت أبيها وقومها. أهل بيته الذين حرموا الصدقة من بعده)

هذا الحديث رغم صحته، إلا انه أقل شهرة بين الناس من الحديث الآخر (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله وسنتي)

 

إلا أنه لي رأي في هذا ، إذ يجب التفرقة بين عدة تعريفات :

 

أهل النبي: وهم آل العباس، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل حمزة، وآل علي.

 

أهل البيت: هم كل من دخل بيوت النبي وسكن فيها من نساء وأبناء وأحفاد، فهم الذين تأثروا به بالمعاشرة.

 

آل البيت: وهم فاطمة وزوجها والذكور من ذريتهما.

 

 ولعلك تسألني، لماذا قصرنا آل البيت على علي وفاطمة والحسن والحسين؟

فنقول وبالله التوفيق:

أولا: آل الرجل، هو من خرج منه. يقول تعالى (إن الله اصطفى آدم و نوحا و آل إبراهيم وآل عمران على العالمين . ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم)

ومن المعروف أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الله أودع ذريتي ظهرك يا علي) ونحن نعرف الآن من علم الوراثة أن الذكور الذين تنجبهم الابنة يحملون نفس الصفات الوراثية لأب البنت. وهذا يتفق مع كل الروايات التي تؤكد الشبه الشديد في الخَلق والخُلق بين الحسن والحسين و جدهما المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم. فهما الوارثين لصفاته.

 

ثانيا: منعه صلى الله عليه وآله وسلم زوجته أم سلمة من الدخول في الكساء معهم في حديث الكساء وقوله لها (انك على مكانك وأنك على خير) والحديث كاملا كالتالي:

أخرج الترمذي وقال حسن صحيح، والبيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جلل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساءا و قال (اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) وكانت أم المؤمنين أم سلمة حاضرة فقالت: وأنا يا رسول الله؟ فقال ما ذكرنا آنفا (إنك على مكانك وإنك على خير).

 

ثالثا: حين نزلت آية المباهلة، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للمباهلة بسيدنا علي والسيدة فاطمة ومولانا الحسن ومولانا الحسين وقال: (هؤلاء أهلي) كما أخرجه مسلم و الترمذي والبيهقي والحاكم.

 

رابعا: مكث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخر تسعة أشهر من عمره يقرع بيت آل علي ويقول: (الصلاة أهل البيت ويذكر آية التطهير) هذا الخبر ورد عن أكثر من ثلاثمائة صحابي كما قال القندوزي الحنفي.

 

خامسا: عَن ابنِ عبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم لِلْعَبّاسِ (إذَا كانَ غَدَاةَ الاثْنَيْنِ فَأْتِنِي أَنْتَ وَوَلَدُكَ حَتّى أَدْعُو لَكَ بِدَعْوَةٍ يَنْفَعُكَ اللّهُ بِهَا وَوَلَدَكَ) فَغَدَا وَغَدَوْنَا مَعَهُ فَأَلْبَسَنَا كِسَاءً ثُمّ قالَ (اللّهُمّ اغْفِرْ لِلْعَبّاسِ وَوَلَدِهِ مَغْفِرَةً ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً لاَ تُغَادِرُ ذَنْباً، اللّهُمّ احْفَظْهُ في وَلَدِهِ). أخرجه الترمذي في كتاب المناقب باب مناقب العباس وقال: حسن غريب. و الخطيب وابن عساكر - عن أبي هريرة. والطبراني في  الكبير.

فلم يذكر ما ذكره في حديث الكساء الخاص بعلي وفاطمة والحسنين من أنهم أهله.

هذا فيما يتعلق بتحديد من هم آل البيت وفقا للقانون الإلهي الذي ذكره تعالى في قوله (ذرية بعضها من بعض).

 

ولكن هناك حديث عنه صلى الله عليه و سلم قد يحير البعض، قال (سلمان منا آل البيت) الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك عن عمرو بن عوف. وقال السيوطي: صحيح.

فسلمان رضي الله عنه كما نعلم من الفرس وليس من أهل العباءة. فكيف أصبح من آل البيت كما قال الذي ما ينطق عن الهوى؟

 

الإجابة موجودة في قوله صلى الله عليه و سلم كما أخبرنا أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه قال: أرجى ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (المرء مع من أحب يوم القيامة) وإني لأحب رسول الله وأبو بكر وعمر وإني لأرجو أن أكون معهم وإن كنت لا أعمل مثل عملهم. و هو قد سبق تخريجه.

فهذا الحديث يفسر كيف أصبح سلمان من آل البيت.

  

 قال المصطفى صلى الله عليه وسلم (أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي) الترمذي والحاكم في المستدرك عن ابن عباس وقال السيوطي: صحيح.

 

وقال سيدي محيي الدين بن عربي:

رأيت ولائي آل طه فريضة                 على رغم أن البعد يورثني القربا

فما طلب المبعوث أجرا على الهدى         بتبليغه إلا المودة في القربى

 

  حين تود أحدا تحبه فإنك تزوره و تتحفه بالهدايا. أيضا نود أهل البيت بزيارتهم، والدعاء لهم وإهدائهم ثواب شيء من القرآن. ومن نعم الله تعالى علينا في مصرنا أن بها يرقد عدد كبير من أهل البيت وعلى رأسهم الإمام الحسين سبط رسول الله وأحد ريحانتيه. وإياك أن تسمع من بعض قليلي العلم في هذه الأيام الذين يدعون أن زيارة أهل البيت والأولياء شرك، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق عندنا أصدق منهم.

 

أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال إني فرطكم وأنا شهيد عليكم وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن وإني قد أعطيت مفاتيح الأرض وإني والله لا أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكني أخاف عليكم أن تتنافسوا فيه) أي تتنافسون علي المناصب والأموال والنساء. أخرجه البخاري ومسلم و الطبراني في الكبير. أي، أعلي درجات الصحة. رسول الله يقول لا أخاف عليكم أن تشركوا بعدي أبداً والوهابية والسلفية يقولون أن الأمة تشرك  حين تزور الحسين والسيدة زينب .. نصدقهم ونكذب المصطفي!؟ ويحسبون أنهم علي علمهو يقسم (وأني والله لا أخاف عليكم أن تشركوا بعدي أبداً). فهل المطلوب مني أن أصدق محمد بن عبد الوهاب وعبد العزيز بن باز وهذه الفرقة وأكذب محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في حديث متفق علي صحته في البخاري ومسلم! هداهم الله.

 و قال (ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه). رواه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رفعه وهو صحيح. وقال النجم وفي لفظ عند البيهقي إلا ورد الله بزيادة الواو.

اللهم اجعلنا من الذين يحبون الله ورسوله وآل بيت رسوله، ومن الذين يحبهم الله ورسوله وآل بيت رسوله.

الفهرس

(3)العــبد وديــن الله

 

بعد حسن الخلق مع الله، ووجدنا أنه يستلزم حسن الخلق مع رسول الله صلى الله عليه و سلم، نجد أن علينا أن نحسن خلقنا مع دين الله الذي أنزله على رسوله الخاتم وارتضاه لنا دينا.

يقول تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)

 

حين نتحدث عن الدين ونبحث في هذا الموضوع، نجد أن الحق جل وعلا يخبرنا عن أمرين فيه.

الأول: يتحدث عن الملة (ملة إبراهيم).

الثاني: الدين.

 

حين يتحدث عن الملة يقول تعالى (قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين)

فما هي الملة؟

 

الملة هي خط الاتجاه العام في عبادة الإله .

 

والحنيفية هي تمام الميل إلى الله والاتجاه إليه وطاعته.

 

وعلى هذا: فملة إبراهيم حنيفا تعني السبيل والخط العام لسيدنا إبراهيم في عبادة الله بتمام الميل والاتجاه إليه وطاعته.

 

واليهودية والنصرانية الموجودتان ليستا دينان فحسب، بل ملتين مختلفتين عن ملة إبراهيم.

يقول تعالى (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين)

 

إلا أن الأنبياء من بني إبراهيم على ملة أبيهم؛ يقول تعالى على لسان سيدنا يوسف (قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون . واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون)

 

أما الدين فهو الاعتقاد والطريق الذي يتبعه العبد لعبادة الإله الذي حدده لنفسه من خلال اختياره للملة  التي اتبعها.

 

يقول تعالى عن الملة التي اختارها لرسوله الخاتم وأتباعه (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين)

ويقول (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين)

ويقول عن أفضلية ملة إبراهيم (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين)

ثم يحدد الحق جل وعلا الدين الذي ارتضاه لعباده فيقول (إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع  الحساب)

ويقول (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)

ويقول (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا)

ثم في حجة الوداع أكد هذا الاختيار فقال (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)

 

وحسن الخلق مع دين الله يكون من وجوه:

الوجه الأول: تعلم هذا الدين. قال صلى الله عليه و سلم (خيركم من تعلم العلم وعلمه) أخرجه البخاري عن عثمان

الوجه الثاني: أن تكون ممثلا لهذا الدين خير تمثيل بين خلق الله.

 

الوجه الأول: العلم .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) أخرجه الشيخان عن معاوية، والترمذي عن ابن عباس.

 

وقال (من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع) أخرجه الترمذي .

 

وقال (طلب العلم فريضة على كل مسلم) أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط عن أبي مسعود

 

وعن أبي سعيد وعن الحسين بن على.

 

وقال (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة) للترمذي وأبي داود عن أبي هريرة.

 

وقال (من سلك طريقا يطلب به علما سلك به طريقا من طرق الجنة. وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم. وإن العالم ليستغفر له من في السماوات و الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) للترمذي وأبي داود عن أبي الدرداء.

 

 (مر أبو هريرة رضي الله عنه بالسوق فقال: يا أهل السوق ما أعجزكم؟ قالوا: وما ذاك؟  قال: ميراث رسول الله يقسم وأنتم ههنا؟  قالوا: وأين؟ قال: في المسجد. فخرجوا سراعا ثم رجعوا ، فقالوا: لم نر فيه شيئا يقسم، رأينا قوما يصلون وقوما يقرؤن القرآن وقوما يتذاكرون الحلال والحرام. فقال: ويحكم، فذاك ميراث نبيكم) للطبراني في الأوسط عن أبي هريرة.

 

أنواع العلم:

العلم نوعان: أحدهما علم فرض عين على كل مسلم ومسلمة. والآخر فرض كفاية.

العلم فرض العين :

 هو العلم الواجب تعلمه على كل مسلم لأداء الفرائض وكل ما هو ضروري لأداء الفرائض، كضرورة العلم بفقه الطهارة لصحة الصلاة، بالكيفية التي أوجبها الشارع سبحانه وتعالى وسنها رسول الله صلى الله عليه و سلم.

وهذا العلم ضروري لأن العبادات كما نعلم جميعا توقيفية. أي لا تقبل إلا إذا كانت بالكيفية التي فرضها الله سبحانه و تعالى.

 

العلم فرض الكفاية:

هو العلم الذي يجزئ قيام البعض به، فلا يتوجب العلم به على كل فرد بعينه.

يقول تعالى (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)

وهو كعلوم الفقه والأصول والطب والزراعة والفلك وغيرها.

 

وهذا العلم نوعان:

أحدهما علوم محمودة : كسائر العلوم ما لم يؤدي إلى حرام أو ضياع واجب. وهي ضرورية في فهم الحكمة التي هي ضالة المؤمن كما قال المصطفى صلى الله عليه و سلم. وهي أيضا التدبر والتفكر في الكون كما أمر الحق جل وعلا.

يقول تعالى (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب . الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار)

 

وهذا ما يراه العلماء الأفاضل في زمننا هذا كالشيخ الشعراوي رحمه الله.

 

الآخر: العلم المذموم. كعلم السحر الذي حرمه الله.

يقول تعالى (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون)

 

والعلوم مستويات أيضا، أشرفها العلم عن الله وأسمائه وصفاته، ثم العلم بكتاب الله، ثم العلم برسول الله، ثم العلم بالآخرة والطريق إليها، ثم العلم الذي يتعلق بظاهر الإثم وباطنه، أي العلم بالبر والتقوى كتابا وسنة، ثم سائر العلوم التي نعتبرها علوما دنيوية رغم أنها طريق الحكمة طالما وجهت للفهم الذي يطلبه الله من عباده أولي الألباب.

 

ومرتبة العلماء الذين يحملون هذه العلوم عظيمة فقال تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء)

اللهم اجعلنا منهم.

 

 

الوجه الثاني: حسن تمثيل العبد لدين الله:

لقد سمعت بنفسي من أحد المسلمين الأمريكان واسمه يحيى أحمد بعدما أسلم، وأسمه الأجنبي جون هيرلي قصة إسلامه وهذا كان نحو عام 1982، وكانت كالتالي:

لقد تخرج جون هيرلي من كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية جامعة بوسطن، وبعد تخرجه إلتحق بالدير ليكون راهبا. وخلال دراسته للاهوت كان عليه القيام بدراسة مقارنة عن الأديان السماوية الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام. فقام بالدراسة من خلال الكتب الثلاثة نفسها، ووصل في النهاية إلى اقتناع بأن الدين الصحيح هو الإسلام فأسلم وترك الدير.

 

ثم قرر أن يعرف عن الإسلام أكثر فجاء إلى دولة إسلامية أول ما جاء ليعيش بين أهلها ولا داعي لذكر اسمها وعاش هناك ثلاث سنوات فأحس بصدمة شديدة، لأن ما رآه من أحوال المسلمين لا علاقة له بما عرفه من خلال دراسته لدين الإسلام.

ثم جاء إلى مصر ومكث أربع سنوات، ثم ذهب إلى السعودية ومكث نحو عامين.

وهذا الرجل الفاضل له كتابات عن الإسلام عظيمة باللغة الإنجليزية.

 

وحين قابلته في مصر وحكى لنا قصة إسلامه قال ملاحظة وتعليق آلمني أشد الألم قال: لو كنت أردت أن أعرف الإسلام من خلال المسلمين لما أسلمت مطلقا ولكن لكرم الله معي عرفته من خلال القرآن والأحاديث أولا؛ فسلوك المسلمين بعيد بعدا شاسعا عما يجب أن يكون عليه سلوك المسلم.

 

وتذكرت حين سمعت منه ذلك قوله تعالى (وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)

وتذكرت كيف دخل الإسلام في أعماق أفريقيا وجنوب شرق آسيا في الملايو وإندونسيا، دخل هناك من خلال التجار المسلمين الذين يذهبون للتجارة فينبهر بسلوكهم الإسلامي أهل تلك البلاد فيسألوا ويؤمنوا. فلم تدخل جيوش المسلمين تلك البلدان قط. فكانوا ينبهرون بالسلوك وليس بهيئتهم و ملابسهم ولا بطول لحيتهم كما يظن البعض في هذه الأيام، وإن عاملتهم لا تجد من سلوك الإسلام شيء إلا القلة منهم.

 

فاعلم أنك ممثل للإسلام، ينظر الآخرون إليه ليعرفوا عن الإسلام، فتخلق بخلق الإسلام، وخلق القرآن، وخلق رسول الإسلام صلى الله عليه و سلم. فسبحانه وتعالى يقول (واعلموا أن فيكم رسول الله) وهذه الآية مستمرة إلى يوم القيامة، فبقدر أخذك منه صلى الله عليه وسلم، من خلقه وكان القرآن، يكون فيك من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبهذا تكون قد أحسنت خلقك مع دين الله.

 

الفهرس

 

 

 

 

 

 

(4) العــبد وكتــــــاب الله

القـــــرآن

 

هو كتاب الله وهو الذكر الحكيم وهو كلام الله نفسه وليس من كلام أحد من المخلوقين وهو الذي تعهد الله بحفظه (إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون) وهو دستور المسلمين؛ فقراءته عبادة، والتفكر فيه عبادة، واتباعه واجب. فكلما اقترب العبد من تحقيق وتطبيق الأخلاق الموجودة فيه، كلما اقترب من النموذج المحمدي الذي هو النموذج الأمثل للبشر، فهو كما قالت السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها (كان خلقه القرآن).

 

روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذا القرآن مأدبة الله، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم. إن هذا القرآن حبل الله، وهو النور المبين والشفاء النافع عصمة من تمسك به، ونجاة من اتبعه، لا يعوج فيقوم ، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد، فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول: ألم حرف ولكن أقول ألف حرف ولام حرف وميم حرف. ولا ألفين أحدكم واضعا إحدى رجليه يدع أن يقرأ سورة البقرة، وإن أصفر البيوت من الخير البيت الصفر من كتاب الله) الطبراني والحاكم في المستدرك والبزار.

 

وأخرج الترمذي والدارمي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب انه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ستكون فتن كقطع الليل المظلم، قلت: يا رسول الله! وما المخرج منها ؟ قال: كتاب الله تبارك وتعالى، فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين وذكره الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا، من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم).

وأخرج البخاري عن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (خيركم من تعلم القرآن و علمه).

 

وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه).

 

 

 

قارئ القرآن:

عن ابن مسعود (رفعه) (من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف) هي للترمذي.

 

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال رجل: يا رسول الله! أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الحالّ المرتحل، قال: وما الحال المرتحل؟ قال: الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره كلما حل ارتحل) أخرجه الترمذي.

 

وأخرج أيضا عن أبي سعيد، يرفعه، (يقول الرب تعالى: من شغله القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين)

 

وأخرج الشيخان والترمذي وأبو داود عن أم المؤمنين عائشة، رفعته (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران)

 

وعن أمير المؤمنين على ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرفعه، (من قرأ القرآن فاستظهره، فأحل حلاله وحرم حرامه، أدخله الله به الجنة وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم و جبت له النار) أخرجه الترمذي.

 

وأخرج أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص (يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في دار الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها).

 

وأخرج البخاري ومسلم عن أسيد بن حضير (بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده،إذ جالت الفرس فسكت فسكنت، فقرأ فجالت، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبا منها قريبا منها فأشفق أن تصيبه، ولما أخّره رفع رأسه إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فلما أصبح حدث النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأ يا أبن حضير، اقرأ يا ابن حضير، قال : أشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريبا، فانصرفت إليه ورفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها، قال: وتدري ما ذاك؟ قال: لا والله. قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم)

  

حسن الخلق مع القرآن:

وهو يستلزم يا مريد طريق الله أن تتأدب بآداب ظاهرة وأخرى باطنة.

 

الآداب الظاهرة:

الأول: عدم هجر القرآن والغفلة عنه. يقول تعالى (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا)

 

الثاني: أن تقرأه باحترام وتعظيم، ولن تلزم الحرمة قلبك ما لم تلتزم هيئة الحرمة في ظاهرك، وهي أن تجلس وأنت على طهارة ساكنا مطرقا مستقبل القبلة غير متكئ ولا متربع ولا نائم، وتقرأه بترتيل وتفخيم وتؤدة حرفا حرفا من غير هذرمة.

 

الثالث: أن تتشوق في بعض الأوقات إلى أقصى درجات الفضل فيه، وذلك بأن تقرأه في الصلاة قائما، خصوصا في المسجد، وبالليل، لأن القلب في الليل أصفى.

وكيفما قرأته، ولو مضطجعا من غير طهارة، فلا تخلو عن الفضل، فإن الله تعالى أثنى على الجميع فقال:

(الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) ولكن ما ذكرناه في زيادة الفضل لمن كان من مريدي طريق الله

 

الرابع: في مقدار القراءة، وله ثلاث درجات: أدناها أن يختم في الشهر مرة، وأعلاها أن يختم في ثلاث أيام مرة فقد قال صلى الله عليه وسلم (لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث) النسائي وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن ابن عمرو  وقال السيوطي: صحيح، وأوسطها أن يختم في الأسبوع مرة كما كان يفعل كثير من الصحابة)

 

الآداب الباطنة:

الأول: أن تستشعر في أول قراءتك عظمة الكلام باستشعار عظمة المتكلم سبحانه وتعالى، فتستحضر في قلبك العرش والكرسي وسائر ما خلق الله وتتذكر أن خلقها واحد والكل في قبضته، فتستشعر جلاله وتتردد بينه وبين رحمته التي أنعم علينا بتعليمه القرآن لنا، وبقراءته نتلمس العلم به سبحانه ونتلمس حكمته.

واعلم أن قوله تعالى (لا يمسه إلا المطهرون) كما يعني أن لا يمس ظاهر المصحف إلا المطهرون بظواهرهم، فإنه لا يمس المعاني الباطنة فيه إلا المطهرون ببواطنهم.

 

الثاني: أن تقرأه بتدبر لمعانيه إن كنت من أهله. لأن الترتيل في الظاهر للتمكن من التدبر، قال علي كرم الله وجهه: لا خير في عبادة لا فقه فيها، ولا خير في قراءة لا تدبر فيها.

 

الثالث: أن تعرف في تدبرك أنواع آيات القرآن العشر وتطلب أنواع المعرفة المختلفة من كل نوع يناسبه من الآيات. فلا تطلب معرفة صفات الله من آيات الأحكام مثلا. 

 

الرابع: أن تتخلص من موانع الفهم وهي الأكنّة التي تمنع من الفهم يقول تعالى (وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا) . وقال صلى الله عليه و سلم (لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء) أخرجه أحمد.

واعلم أن معاني القرآن من جملة الملكوت، وإنما حروفها من عالم الشهادة.

والأكنة هي الحجب التي تعوق العبد عن الفقه عموما نوعان: الأول: ما ابتلي به ضعيف الإيمان من الشك والجحود. والثاني: ما ابتلي به المنهمك في الدنيا من حجاب الشهوات المستغرقة للقلب.

أما العبّاد المتجردون لطريق الله فيحجبون بنوعين آخرين:

الأول: الوسواس الصارف للقلب إلى التشكك في إخلاص النية إلى الله وهل استمرت، وإلى دقة نطق الكلمات و الحروف.

الثاني: التقليد لظواهر معاني كلمات القرآن والجمود عليها، وذلك حجاب عظيم من حجب الفهم، ولست أعني به التقليد الباطل كتقليد المبتدع، بل التقليد الحق أيضا. ولكن الحق له مستويات في الفهم. فقال صلى الله عليه وسلم (إن للقرآن ظاهرا وباطنا وحدا ومطلعا) ابن حبان عن ابن مسعود. فالجامد على الظاهر الظان أنه ليس وراءه مرقى يرتقى إليه، كيف يتصور أن تنكشف له الأسرار في الفهم في كتاب الله، فمثلا كيف يمكن فهم رؤيته تعالى وقد قال لسيدنا موسى (لن تراني) وقال (لا تدركه الأبصار) وقال (وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة).

 

الخامس: أن لا يقتصر العبد على اقتباس الأنوار بالحصول على ثواب التلاوة فقط، بل يضيف إليه اقتباس الأحوال والآثار؛ بالتلبس بحال ما يقرأه من أيات ويتخلق بما فيها من أخلاق.

 

الفهرس

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(5)العــبد وكـتب الله ورســـله

 

من حسن الخلق مع كتب الله ورسله حسن فهم مدلول كتب الله ورسله أولا، ثم حسن الإيمان بهم.

يقول تعالى (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)

 

رســل الله:

لقد أوضحنا من قبل معنى النبوة والرسالة، ومن هو النبي ومن هو الرسول، ولكننا هنا نستوضح من هم الرسل المطلوب من المؤمنين الإيمان بهم.

يقول تعالى (ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما)

 

ويقول أيضا (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون)

هذا يعني أن الله تعالى قد أخبرنا عن بعض أنبيائه ورسله ولم يخبرنا عن البعض الآخر.

 

فمن هم الأنبياء والرسل الذين ذكرهم سبحانه وتعالى؟

يقول تعالى (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم. ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين. وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين . وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين )

ويقول تعالى (واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار)

ويقول (وإلى مدين أخاهم شعيبا ) ويقول (وإلى عاد أخاهم هودا ) ويقول (وإلى ثمود أخاهم صالحا)

وأيضا الرسل الثلاثة المرسلين لأصحاب القرية المذكورين في سورة يس. يقول تعالى (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون. إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون)

وهناك خلاف هل العبد الصالح الذي قابله سيدنا موسى من الأنبياء أم لا. (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما)

 

حسن الخلق مع أنبياء الله و رسله:

أولا: يجب معرفة من هو النبي ومن هو الرسول، والفارق بين النبوة والرسالة كما أوضحنا من قبل.

 

ثانيا: معرفة أن الأنبياء والرسل متميزين عن باقي البشر، فلا يجب التحدث عنهم أو مناقشة أفعالهم بنفس المقاييس التي نقيس بها مكانة الناس وأفعالهم. يقول تعالى (و ما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام و ما كانوا خالدين . ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم و من نشاء وأهلكنا المسرفين) و يقول: (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا) ويقول:

(وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا)

ذم الحق سبحانه و تعالى الذين ينظرون إلى ظواهر الأنبياء ويغفلون عن حقيقتهم التي هي (و ما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ويقول سبحانه وتعالى عن المصطفى صلوات ربي و سلامه عليه وآله (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي).

الفارق هو أنهم يوحي الله إليهم. فهم اصطفاهم سبحانه وتعالى وأخلصهم لنفسه، فهم عليهم الصلاة والسلام من عباد الله المخلَصين.

 

ثالثا: لا يجب أن نفاضل نحن بينهم، فيقول تعالى (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) وإن كنا نعلم أنه تعالى يقول أيضاً (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) فهو الذي فضل بعضهم على بعض ولكن لا يحق لنا نحن الأدنى منهم أن نفاضل بينهم، أو نتهم أحداً منهم بالتقصير أو الخطأ وإلا كنا لا نعرف شروط النبوة.

 

رابعا: الآية السابقة يفهم منها أن أتباع الرسل هم الذين زاغوا عن الحق الذي أتى به الرسل. فما من رسول إلا وكانت دعوته ( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) ويقول تعالى أيضاً (إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع  الحساب)

 

خامسا: معرفة شروط النبوة الأربعة المتفق عليها عند علماء الإسلام 14 قرن وهي:

أولا الذكورة: النبي لا يكون إلا ذكرا لسببين: الأول ما أخبرنا به الله و رسوله من أن كل الأنبياء رجال، ولم نر نبيا في تاريخ العالم أنثى. الثاني أنه لو كان النبي أنثى لفقد الكمال الواجب. لأن الأنثى تعيبها بعض الأمور التي تطرأ عليها في حياتها فتفقدها أمورا معينة. فلا يقبل العقل أن يكون النبي بهذه الصفة.

أما قوله تعالى (وأوحينا إلى أم موسى) ليس وحي نبوة بل هو مثل قوله (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي و برسولي) وحي الهام إلى الصالحين و الصديقين. والسيدة مريم صديقة وليست نبية فيقول تعالى (وأمه صديقة).

والملائكة تتنزل على الصالحين بالبشارة لكن لا تتنزل بتشريع ولا بحكم. يقول تعالى (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون).

أي فرد يستقيم مع الله استقامة صحيحة تتنزل عليه الملائكة و تقول له ذلك. فهل نحن أنبياء؟

لا. لأنها لم تتنزل بتشريع ولا حكم ولا خبر من السماء لتبلغه لأحد.

 

الشرط الثاني: الأمانة. أي الصدق. حفظ الله ظواهرهم وبواطنهم من الإثم. لابد أن يكونوا أهل صدق وإلا يصبح الأمر عبثا .. لا نبوة.

 

الشرط الثالث: العقل والضبط والعدالة. أما العقل، لا يجوز لنبي أن يكون ناقص العقل لا يفهم وتجوز عليه الأخطاء العقلية والأفكار الخاطئة وسوء الاستنباطات. أما الضبط، يعني أنه حين يبلغه الخبر من الله يفهمه كما ينبغي ويضبط معناه ويدرك حقيقته، وإلا جاز أن يبلغنا كلاما غير صحيح. وأما العدالة فتعني أنه ليست عنده دوافع شخصية في أنه حين ينقل لنا الخبر من الله لا ينقص منه ولا يزيد فيه.

 

الشرط الرابع: عدم الوقوع في المعاصي والذنوب. بإجماع أهل العلم في الإسلام كله لا يقعون في الكفر لا من قبل النبوة ولا من بعدها، ولا يقعون في الكبائر لا من قبل النبوة ولا من بعدها، ولا يقعون في الصغائر لا من قبل النبوة ولا من بعدها وهذا ما يعرف بعصمة الأنبياء. 

وإذا اجتهدوا فأفتوا بشيء فلا يمكن أبدا أن يكون خطأ حتى لو عدّل الله هذا الإفتاء، وإنما هو من قبيل التعليم والترتيب و التأهيل كما شرحنا هذه النقطة.

 

وهذا الشرط الأخير هو مثار الخلاف في مفهوم النبوة بين المسلمين وكل من المسيحيين واليهود.

ففي العهد القديم (التوراة) الموجودة حاليا يجد اليهودي أو المسيحي الأنبياء كلهم يرتكبون الموبقات والكبائر، كالقتل والزنا، والزنا بالمحارم كما ذكروا عن سيدنا لوط عليه السلام.

 

الكتب المنزلة:

لم يذكر الله في القرآن إلا ثلاثة كتب، وعدد من الزبر غير معلوم وإن حدد أحدها وهو الذي أنزل على سيدنا داود عليه السلام، ونوعين من الصحف:

1-الكتب الثلاثة هي التوراة والإنجيل والقرآن. يقول تعالى (الم. الله لا إله إلا هو الحي القيوم. نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل. من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان، إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام)

ويقول تعالى (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )

و يقول (وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين)

ويقول (قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون)

ويقول (طه. ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)

2- أنزل تعالى أيضا على بعض أنبيائه زبرا. يقول تعالى (فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير)

 

ورد في غريب لفظ القرآن أن - الزبرة: قطعة عظيمة من الحديد، جمعه زبر، قال: {آتوني زبر الحديد} <الكهف/96>، وقد يقال: الزبرة من الشعر، جمعه زبر، واستعير للمجزإ، قال: {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا} <المؤمنون/53>، أي: صاروا فيه أحزابا. وزبرت الكتاب: كتبته كتابة غليظة، وكل كتاب غليظ الكتابة يقال له: زبور، وخص الزبور بالكتاب المنزل على داود عليه السلام، قال: {وآتينا داود زبورا} <النساء/163>، {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر} <الأنبياء/ 105>، وقرئ {زبورا} (وهي قراءة حمزة وخلف. الإتحاف 312) بضم الزاي، وذلك جمع زبور، كقولهم في جمع ظريف: ظروف، أو يكون جمع زبر (في اللسان: الزبر: الكتاب، والجمع زبور، مثل قدر وقدور) وزبر مصدر سمي به كاكتاب، ثم جمع على زبر، كما جمع كتاب على كتب، وقيل: بل الزبور كل كتاب يصعب الوقوف عليه من الكتب الإلهية، قال: {وإنه لفي زبر الأولين} <الشعراء/196>، وقال: {والزبر والكتاب المنير} <آل عمران/184>، {أم لكم براءة في الزبر} <القمر/43>، وقال بعضهم: الزبور: اسم للكتاب المقصور على الحكم العقلية دون الأحكام الشرعية، والكتاب: لما يتضمن الأحكام والحكم، ويدل على ذلك أن زبور داود عليه السلام لا يتضمن شيئا من الأحكام.

3-الصحف: يقول تعالى (أم لم ينبأ بما في صحف موسى) ويقول (إن هذا لفي الصحف الأولى. صحف إبراهيم وموسى)

 

حسن الخلق مع كتب الله:

1-     اليقين بأن كتب الله التي أنزلها على رسله كلها حق وأنها كلها متضمنة في الكتاب الخاتم وهو القرآن لأنه الكتاب المهيمن على كل ما سبق.

2-     اليقين بأن الكتب الموجودة إنما حرفها أتباع الأنبياء من بعدهم، وأن الكتاب الوحيد الذي لم يشبه التحريف أو التعديل من البشر هو الكتاب الخاتم الذي تعهد الله نفسه بحفظه (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له حافظون)

 

الفهرس

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

( 6 )العــبد و ملائــــــكة الله

 

خـلق الملائكة:

أخرج مسلم عن عائشة ( رفعته) (خلقت الملائكة من نور و خلق الجان من مارج من نار و خلق آدم مما وصف لكم)

يقول تعالى ( الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير)

 

أخرج البخاري حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ سَأَلْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى( علمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى. وهو بالأفق الأعلى.) قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ.

 

وظائف الملائكة:

يحملون عرش الرحمن. يقول تعالى ( والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية)

أخرج أبو داود عن جابر أن النبي صلى الله علي وسلم قال (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام)

 

وأخرج البخاري عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي قَالا الَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ وَأَنَا جِبْرِيلُ وَهَذَا مِيكَائِيلُ)

 

ويسبحون الله على الدوام. يقول تعالى (وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم  بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين ) ويقول(ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال)

 

ويطيعون الله ما أمرهم ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) و يقول (تنزل الملائكة و الروح فيها بإذن ربهم  من كل أمر)

 

ويستغفرون للذين آمنوا يقول تعالى (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم) ويقول (تكاد السموات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم)

 

يشهدون مع الله وأولى العلم يقول تعالى (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) ويقول (لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا)

 

وهم رسل الله لأنبيائه ولتنفيذ ما يأمر يقول تعالى (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا) ويقول (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير) ويقول (نزل به الروح الأمين) ويقول (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين) ويقول (قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين) ويقول (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) ويقول أيضا (فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا)

 

وهم أولياء الأنبياء ويؤيدونهم، فيقول تعالى (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) ويقول (ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون)

 

وهم يبشرون المؤمنين في الدنيا والآخرة، فيقول تعالى (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا  تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون . نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون . نزلا من غفور رحيم.) ويقول (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين) ويقول (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا و نبيا من الصالحين)

 

ويكونون مددا وعونا للمؤمنين، فيقول تعالى (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين) ويقول (إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين. بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين) ويقول (إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق و اضربوا منهم كل بنان)

 

وأيضا منهم كتبة الأعمال، فيقول تعالى (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد. إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد. ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ). وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن صاحب اليمين له سلطة من الله على صاحب الشمال.

 

ويقبضون أرواح بني آدم، سواء المؤمنين منهم أو الظالمين، فيقول تعالى عن قبضهم لأرواح المؤمنين (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) ويقول (لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون) ويقول (جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب)

أما الكافرون فيقولون لهم كما قال تعالى (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا) و يقول (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون) ويقول (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق)

 

أخرج البخاري أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ  بِاللَّيْلِ ‏وَمَلائِكَةٌ  بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ)

 

وأخرج البخاري عن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ( ‏إِنَّ الْمَلائِكَةَ  تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ وَهُوَ السَّحَابُ فَتَذْكُرُ الأمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ)

وأخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( ‏إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلاً يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ قَالَ فَيَسْأَلُهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ فَيَقُولُونَ جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الأرْضِ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ قَالَ وَمَاذَا يَسْأَلُونِي قَالُوا يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ قَالَ وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي قَالُوا لا أَيْ رَبِّ قَالَ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي قَالُوا وَيَسْتَجِيرُونَكَ قَالَ و مم يستجيرونني قَالُوا مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ قَالَ وَهَلْ رَأَوْا نَارِي قَالُوا لا قَالَ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي قَالُوا وَيَسْتَغْفِرُونَكَ قَالَ فَيَقُولُ قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا وَأَجَرْتُهُمْ مما استجاروا قَالَ فَيَقُولُونَ رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ قَالَ فَيَقُولُ وَلَهُ غَفَرْتُ هُمْ الْقَوْمُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ)

وأخرج مسلم: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود قال: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنْ الْجِنِّ قَالُوا وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَإِيَّايَ إِلا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ).

وعَنْ مَنْصُور بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ مِثْلَ حَدِيثِهِ غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ (وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِن الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنْ  الْمَلائِكَةِ)

ومنهم ملائكة موكلون بكل ما يحدث على الأرض، فهناك ملائكة للرياح، وملائكة للشمس وسائر النجوم والكواكب، وملائكة موكلون بالأرحام، وملائكة موكلون بسلامي ابن آدم، وغير ذلك كثير مما يستنبط من الكتاب والسنة.

 

ومن سوء الخلق مع ملائكة الله القول فيهم بغير علم وكفرا، فيقول تعالى (ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) ويقول (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى) ويقول أيضا (أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما) ويقول (أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون) ويقول (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون)

 

والملائكة يمكنها أن تأخذ من الأشكال ما تشاء. فجبريل و من معه من الملائكة المكلفين بإرسال العذاب لقوم لوط كانوا في الصورة الإنسانية حين استضافهم سيدنا إبراهيم وبشروه بميلاد إسحاق ومن بعده يعقوب، ثم حين استضافهم سيدنا لوط و سيئ بهم وأمروه بالخروج من المدينة.

قال تعالى (ونبئهم عن ضيف إبراهيم. إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون. قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم . قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون . قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين . قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون . قال فما خطبكم أيها المرسلون . قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين . إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين . إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين . فلما جاء آل لوط المرسلون . قال إنكم قوم منكرون . قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون . وأتيناك بالحق وإنا لصادقون . فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون . وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين)

 

وحسن الخلق مع ملائكة الله يستوجب فهم ما سبق ثم الإيمان به.
الفهرس

 

 

 

 

 



 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

( 7 ) العــبد وقــدر الله وتدبيــــره

 

يقول تعالى (وما قدروا الله حق قدره ) و يقول (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) و يقول (وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا ) و يقول (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون ) ويقول (إنا كل شيء خلقناه بقدر ) و يقول (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ) ويقول (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) ويقول (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير ) و يقول (إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ) و يقول (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا )

و يقول (ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا )

و يقول (إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين ) و يقول (إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها و لا تحزن و قتلت نفسا فنجيناك من الغم و فتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى ) و يقول (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) و يقول (الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) و يقول (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم )

و يقول (ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا )

و يقول (وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر ) و يقول (نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين)

و يقول (إنه فكر وقدر. فقتل كيف قدر. ثم قتل كيف قدر ) و يقول أيضا (قتل الإنسان ما أكفره. من أي شيء خلقه. من نطفة خلقه فقدره )

 

القـــدر:

ورد في مادة قدر في غريب لفظ القرآن ما يلي:

القدرة إذا وصف بها الإنسان فاسم لهيئة له بها يتمكن من فعل شيء ما، وإذا وصف الله تعالى بها فهي نفي العجز عنه، ومحال أن يوصف غير الله بالقدرة المطلقة معنى وإن أطلق عليه لفظا، بل حقه أن يقال: قادر على كذا، ومتى قيل: هو قادر، فعلى سبيل معنى التقييد، ولهذا لا أحد غير الله يوصف بالقدرة من وجه إلا ويصح أن يوصف بالعجز من وجه، والله تعالى هو الذي ينتفي عنه العجز من كل وجه.

والقدير: هو الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضي الحكمة، لا زائدا عليه ولا ناقصا عنه، ولذلك لا يصح أن يوصف به إلا الله تعالى، قال: {إن الله على كل شيء قدير} <البقرة/ 20>.

والمقتدر يقاربه نحو: {عند مليك مقتدر} <القمر/55>، لكن قد يوصف به البشر، وإذا استعمل في الله فمعناه القدير، وإذا استعمل في البشر فمعناه: المتكلف والمكتسب للقدرة، يقال: قدرت على كذا. قال تعالى: {لا يقدرون على شيء مما كسبوا} <البقرة/264>.

 والقدر والتقدير: تبين كمية الشيء. يقال: قدرته وقدرته، وقدره بالتشديد: أعطاه القدرة. يقال: قدرني الله على كذا وقواني عليه، فتقدير الله الأشياء على وجهين:

أحدهما: بإعطاء القدرة.

والثاني: بأن يجعلها على مقدار مخصوص ووجه مخصوص حسبما اقتضت الحكمة، وذلك أن فعل الله تعالى ضربان:

ضرب أوجده بالفعل، ومعنى إيجاده بالفعل أن أبدعه كاملا دفعة لا تعتريه الزيادة والنقصان إلى إن يشاء أن يفنيه، أو يبدله كالسموات وما فيها.

ومنها ما جعل أصوله موجودة بالفعل وأجزاءه بالقوة، وقدره على وجه لا يتأتى منه غير ما قدره فيه، كتقديره في النواة أن ينبت منها النخل دون التفاح والزيتون، وتقدير مني الإنسان أن يكون منه الإنسان دون سائر الحيوانات.

فتقدير الله على وجهين:

أحدهما بالحكم منه أن يكون كذا أو لا يكون كذا؛ إما على سبيل الوجوب؛ وإما على سبيل الإمكان. وعلى ذلك قوله: {قد جعل الله لكل شيء قدرا} <الطلاق/3>.

والثاني: بإعطاء القدرة عليه. وقوله: {فقدرنا فنعم القادرون} <المرسلات/ 23>، تنبيها أن كل ما يحكم به فهو محمود في حكمه، أو يكون من قوله: {قد جعل الله لكل شيء قدرا} <الطلاق/3>، وقرئ: {فقدرنا} (قرأ بالتشديد نافع والكسائي وأبو جعفر. انظر: الإتحاف ص 430) بالتشديد، وذلك منه، أو من إعطاء القدرة، وقوله: {نحن قدرنا بينكم الموت} <الواقعة/60>، فإنه تنبيه أن ذلك حكمة من حيث إنه هو المقدر، وتنبيه أن ذلك ليس كما زعم المجوس أن الله يخلق وإبليس يقتل.

 وقوله: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} <القدر/ 1>، إلى آخرها.

أي: ليلة قيضها لأمور مخصوصة. وقوله: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} <القمر/49>.

 وقوله: {والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه} <المزمل/20>، إشارة إلى ما أجري من تكوير الليل على النهار، وتكوير النهار على الليل، وأن ليس أحد يمكنه معرفة ساعاتهما وتوفية حق العبادة منهما في وقت معلوم، وقوله: {من نطفة خلقه فقدره} <عبس/19>، فإشارة إلى ما أوجده فيه بالقوة، فيظهر حالا فحالا إلى الوجود بالصورة، وقوله: {وكان أمر الله قدرا مقدورا} <الأحزاب/38>، فقدر إشارة إلى ما سبق به القضاء، والكتابة في اللوح المحفوظ والمشار إليه بقوله عليه الصلاة والسلام: (فرغ ربكم من الخلق والخلق والأجل والرزق) (الحديث تقدم في مادة (خزن) ؛ وأخرجه ابن حبان في روضة العقلاء ص 149 من كلام ابن مسعود)، والمقدور إشارة إلى ما يحدث عنه حالا فحالا مما قدر، وهو المشار إليه بقوله: {كل يوم هو في شأن} <الرحمن/29>، وعلى ذلك قوله: {وما ننزله إلا بقدر معلوم} <الحجر/21>، قال أبو الحسن: خذه بقدر كذا وبقدر كذا، وفلان يخاصم بقدر وقدر، وقوله: {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} <البقرة/236>، أي: ما يليق بحاله مقدرا عليه، وقوله: {والذي قدر فهدى} <الأعلى/3>، أي: أعطى كل شيء ما فيه مصلحته، وهداه لما فيه خلاصة؛ إما بالتسخير؛ وإما بالتعليم كما قال: {أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} <طه/50>.

 والتقدير من الإنسان على وجهين: أحدهما: التفكر في الأمر بحسب نظر العقل، وبناء الأمر عليه، وذلك محمود، والثاني: أن يكون بحسب التمني والشهوة، وذلك مذموم كقوله: {فكر وقدر * فقتل كيف قدر} <المدثر/18 - 19>، وتستعار القدرة والمقدور للحال، والسعة في المال، والقدر: وقت الشيء المقدر له، والمكان المقدر له، قال: {إلى قدر معلوم} <المرسلات/22>، وقال: {فسالت أودية بقدرها} <الرعد/17>، أي: بقدر المكان المقدر لأن يسعها، وقرئ: (بقدرها) (وهي قراءة شاذة، قرأ بها الحسن والأشهب العقيلي.

انظر: تفسير القرطبي 9/305) أي: تقديرها. وقوله: {وغدوا على حرد قادرين} <القلم/25>، قاصدين، أي: معينين لوقت قدروه، وكذلك قوله: {فالتقى الماء على أمر قد قدر} <القمر/12>، وقدرت عليه الشيء: ضيقته، كأنما جعلته بقدر بخلاف ما وصف بغير حساب. قال تعالى: {ومن قدر عليه رزقه} <الطلاق/7>، أي: ضيق عليه، وقال: {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} <الروم/37>، وقال: {فظن أن لن نقدر عليه} <الأنبياء /87>، أي: لن نضيق عليه، وقرئ: (لن نقدر عليه) (وهي قراءة شاذة، قرأ بها ابن عباس والزهري وعمر بن عبد العزيز. انظر: تفسير القرطبي 11/332)، ومن هذا المعنى اشتق الأقدر، أي: القصير العنق. وفرس أقدر: يضع حافر رجله موضع حافر يده،

وقوله: {وما قدروا الله حق قدره} <الأنعام/91>، أي: ما عرفوا كنهه تنبيها أنه كيف يمكنهم أن يدركوا كنهه، وهذا وصفه، وهو قوله: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة} <الزمر/67>، وقوله: {أن اعمل سابغات وقدر في السرد} <سبأ/11>، أي: أحكمه، وقوله: {فإنا عليهم مقتدرون} <الزخرف/42>، ومقدار الشيء: للشيء المقدر له، وبه، وقتا كان أو زمانا أو غيرهما، قال: {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} <المعارج/4>، وقوله: {لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله} <الحديد/29>، فالكلام فيه مختص بالتأويل. والقدر: اسم لما يطبخ فيه اللحم، قال تعالى: {وقدور راسيات} <سبأ/13>، وقدرت اللحم: طبخته في القدر، والقدير: المطبوخ فيها، والقدار: الذي ينحر ويقدر، قال الشاعر:

- 364 - ضرب القدار نقيعة القدام

(هذا عجز بيت، وشطره:

إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم

وهو لمهلهل. والبيت في الجمهرة 2/253؛ والمجمل 3/745؛ واللسان (قدر) ؛ وشرح الحماسة 3/36)

 

و قال صلى الله عليه و سلم في الحديث الذي ذكرناه من قبل و أخرجه الإمام مسلم عن الفاروق رضي الله عنه حين سأله سيدنا جبريل عن الإيمان فقال ( فأخبرني عن الإيمان فقال صلى الله عليه و سلم: الإيمان أن تؤمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله و باليوم الآخر و بالقدر خيره و شره )

في هذا الحديث ذكر المصطفى صلى الله عليه و سلم أن الإيمان بالقدر خيره و شره من ضمن شروط الإيمان و شعبه.

 

فماذا يعني الإيمان بالقدر خيره و شره؟

من ضمن ما يعني أن يؤمن العبد بأن الأقدار كلها من الله و بتقديره و ترتيبه و تدبيره ، فإن ظن مخلوق أنه أو أحدا غيره يمكن أن يقدر أو يدبر شيئا في ملك الله يخالف ما قدره الله أو أراده ، فهذا يعني بالضرورة أن هذا المقدر و المدبر إما إله آخر مع الله على الأقل أو أنه أقوى من الله و هو في كلتا الحالتين شرك بالله سبحانه و تعالى عما يصفون.

 

لهذا تكلم علماء الآخرة و قالوا: أن ترك التدبير مع الله واجب لمن أراد أن يسلك في الطريق إلى الله.

و هاهو سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري يستدل في كتابه " التنوير في إسقاط التدبير" على وجوب ترك التدبير مع الله.

 

و الإمام ابن عطاء الله لمن لا يعرفه كان إماما في العلوم الظاهرة الشرعية ، و هي المتعلقة بظاهر الإثم ، و أيضا كان إماما في علوم طريق السلوك إلى الله و هي المتعلقة بباطن الإثم.

فكان يجمع بين الشقين و أحدهما و هو العلوم الشرعية الذي هو الأساس و الإطار لبداية الطريق كما أوضحنا من قبل في شرح مستويات الإسلام الثلاثة "الإسلام و الإيمان و الإحسان" كما وردت في الحديث السابق الذكر.

و الشق الآخر و هو علوم معالجة باطن الإثم و هي علوم مداواة القلوب حتى تسلم من كل ما سوى الله فعز من قال ( يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم )  ، أتى الله بقلب قد سلم من كل عيب و نقص و آفة و كل ما سوى الله و أوضحه الإمام ابن عطاء الله في حكمة من حكمه الشهيرة "فرغ قلبك من الأغيار يملأه الحق تعالى بالأنوار" أنوار معرفته سبحانه. فالحق تعالى يقول ( و اتقوا الله و يعلمكم الله ).

و يقول صلى الله عليه و سلم ( من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ). أبو نعيم في الحلية من حديث أنس بهذا اللفظ،

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس مرفوعاً: (مَنْ تَعَلَمَ عِلْمَاً فَعَمِلَ بِهِ كَانَ حَقّاً عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعَلِّمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمْ) وفي كتاب رواية الكبار عن الصغار لأبي يعقوب البغدادي عن سفيان: (مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمُ وُفِّقَ لِمَا لا يَعْلَمُ).

و سبحانه و تعالى يقول أيضا ( ذروا ظاهر الإثم و باطنه )

 

و من هنا علم الساعين لمقامات المقربين ، أهل مقام الإحسان ، أن نصف الأمر قد غفل عنه أكثر الناس ، و هو باطن الإثم. فتحروا علومه و معالجاته و أدويته من الكتاب و السنة المطهرة و صحبوا المرشدين الذين سلكوا الطريق من قبل فعرفوا جادته و مخاطره و آفاته كما علمهم من أرشدوهم هم أنفسهم من قبل جيلا وراء جيل نقلا عنه صلى الله عليه و سلم.

و من أوائل ما تعلموا ما ذكرنا أن الإمام ابن عطاء الله قد شرحه و هو إسقاط التدبير مع الله.

 

شرح ابن عطاء الله السكندري دليل وجوب ترك التدبير مع الله من قوله تعالى ( و ربك يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخيرة ) فقال: "ما" هنا تعني و تدل على أمرين:

أولهما: أن تكون "ما" هنا نافية فيكون المعنى أنه سبحانه و تعالى ينفي أن يكون لك اختيار مع اختيار الله.

و الثاني: أن تكون"ما" استنكارية فيكون المعنى أنه سبحانه و تعالى يستنكر أن يكون لك اختيار مع اختياره سبحانه.

و في الحالتين تعني الآية أنه يجب أن لا يكون للعبد اختيار و تدبير مع اختيار الله و تدبيره.

 

و ذكر بعد ذلك معينات للعبد لكي يتحمل و يتعود اختبارات إسقاط التدبير ، و لا بد أن يختبر فسبحانه و تعالى يقول (أفحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنِّا و هم لا يفتنون ).

 

و مما يعين العبد على ترك تدبيره لنفسه إلى تدبير الله له تذكره لسابق حسن تدبير الله له بدأً من اختياره لآبائه و كل ما أحاط بوجوده إلى رعايته له و توفير كل احتياجاته منذ كان جنينا في بطن أمه. أفمن رزقه حينذاك بدون طلب أو جهد منه لا يستطيع أن يرزقه و يرعاه بعد أن أدرك و كبر؟ أمن هو متكفل برزق خلقه كلهم ، مؤمنهم و كافرهم ، (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) ثم ينساه هو فقط؟ و يوجد في كتاب التنوير عدد كبير من هذه المعينات لمن شاء أن يرجع إليها.

 

و إسقاط التدبير مع الله هو بداية التوكل. و هذا يقودنا إلى الحديث عن التوكل و مستوياته الأعلى من تفويض و تسليم فنقول و الله هو الموفق المعين:

 

 

التــــوكل:

التوكل في أصله هو توجه إلى اسمه سبحانه و تعالى "الوكيل" فيقول تعالى عن هذا (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) و نتيجة هذا التوكل أو بصورة أخرى التوجه إلى الله من خلال اسمه "الوكيل" ماذا أصابهم؟ أأضيروا؟

 لنر ماذا كانت النتيجة في قوله تعالى و هو الآية التالية للآية السابقة (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم )

 

و هل يتوكل على الله المؤمنين و لا يتوكل عليه الكافرين؟ الإجابة في الآية التالية مباشرة أيضا (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ) أي أن الشيطان ولي الكافرين يخوفهم ، أما الله فولي الذين آمنوا فيقول تعالى ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور و الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات )

 

و التوكل عمل من أعمال القلب. فالقلب كلما ازداد يقينا بأن الله هو مدبر الأكوان و مجري المقادير كلها في كل الوجود ، كلما سهل عليه أن يطمئن إلى حسن تدبير الله و يصدقه فيما ضمن و فيما وعد.

فيقول تعالى (وفي السماء رزقكم وما توعدون. فو رب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون )

و قد قيل أنه تعالى لجأ إلى القسم لعلمه بضعف يقين عباده.

 

و سبحانه وتعالى أمر نبيه محمد صلى الله عليه و سلم بالتوكل عليه سبحانه فقال (فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ) و يقول تعالى أيضا (كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب ) و يقول (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب ) و يقول (وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا)

 

و هو أيضا قول النبيين من قبل ، فيقول تعالى راويا عن سيدنا هود عليه السلام (إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم )

و يقول راويا عن سيدنا شعيب (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب )

و يقول راويا عن سيدنا نوح (واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون )

و يقول تعالى راويا عن سيدنا يعقوب (وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون )

 

و التوكل على الله لا يعني ترك الأسباب ، و إنما يعني الأخذ بالأسباب في الظاهر و يكون القلب تعلقه ليس بالأسباب و لكن بمسبب الأسباب سبحانه ، فاتخاذ السبب لا يعني وجوب تحقق النتيجة، فسبحانه و تعالى بيده أن يجعل السبب يثمر نتيجة أو لا يثمرها. فمثلا المقولة المشهورة التي كانوا يعلموها لنا و التي تقول "إن تذاكر تنجح" مقولة خاطئة و ضد الإيمان لأنها تُرتِب النتيجة على السبب ، و الحقيقة كما رأينا جميعا كثيرا من النابهين يذاكرون كثيرا ثم في الامتحانات يرسبون أو ينجحون بالكاد لأسباب أو لأخرى. و على هذا تكون صحة العبارة "إن تذاكر و يشاء الله أن تنجح تنجح ، و إن لم يشأ لا تنجح"

و أيضا نرى الفلاح يزرع الأرض و يأخذ بكل الأسباب التي تكفل له محصولا وفيرا ، ثم لا يشاء الله أن يحدث ذلك فلا يحدث ، و سبحانه و تعالى أكد ذلك في قوله ( أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون . لونشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون . إنا لمغرمون . بل نحن محرومون )

 

فإياك ألا تفهم ما قلت أو يضللك العلمانيون فيقولون أني ومن سبقني بنفس القول من ساداتنا العلماء إنما ندعو إلى التواكل ، فأعود و أقول التوكل عمل قلبي لا يعني ترك الأسباب. فساداتنا قالوا من قبل " من طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان و من طعن في الكسب ( السعي) فقد طعن في السنة" ، فمن سنته صلى الله عليه و سلم الأخذ بالأسباب.

 

الـــتــــفــويـــض:

المتوكل على الله يبدأ بالتوكل عليه في أمر من أموره ، ثم يكون متوكلا في أمرين أو شأنين من شؤنه ، ثم يزداد عدد الأمور التي يتوكل فيها على الله بزيادة يقينه حتى يصل إلى نقطة يترك لله أمره كله يتولاه عنه و يكون توجه العبد في هذه المرحلة ليس إلى اسمه تعالى "الوكيل" و إنما إلى اسمه تعالى "الولي". فهو يفوض أمره كله لله تعالى طالبا منه أن يتولاه هو بعنايته و تدبيره لأمره كله.

 

و لنضرب مثلا ولله المثل الأعلى: لنفرض أنك ذهبت إلى محام ليتولى قضية تهمك و قمت بتوكيله عنك في متابعتها و المرافعة فيها بتوكيل قضائي محدد خاص بها ، ثم كسبها لك. فتبدأ بالاطمئنان إليه و حين تأتي قضايا أخرى تذهب إليه فورا بثقة ليتولاها نيابة عنك. و هذا مثال مراحل التوكل. ثم تكتشف أنك صرت تعتمد عليه اعتمادا كليا في شؤونك كلها فترى أن تعطيه تفويضا شاملا لرعاية شؤونك كلها. كأنك تجعله وليا لأمرك كله. و هذا هو التفويض.

يقول تعالى راويا على لسان مؤمن آل فرعون (فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد) فماذا كانت نتيجة تفويضه أمره لله؟… يقول تعالى في الآية التالية مباشرة (فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب ).

هذه نبذة صغيرة عن التفويض و ثمرته للمفوضين.

 

التســــــليم:

هو مستوى تمام التحقق بالإسلام. و هو صفة أتباع نبي الأميين صلى الله عليه و سلم و اسمهم. فيقول تعالى (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم و ما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون  الرسول شهيدا عليكم و تكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة و ءاتوا الزكاة و اعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير )

 

و هو صفة أبينا إبراهيم عليه السلام التي مدحه الله بها. فيقول تعالى ( و من يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه و لقد اصطفيناه في الدنيا و إنه في الآخرة لمن الصالحين.إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين)

 

و أسلم لرب العالمين تعني أن يعطي ويسلِّم كله لرب العالمين و ليس أمره فقط كما هو مطلوب في مستوى التفويض. ولتوضيح أنه توجه لطلب الرعاية قال تعالى ( قال أسلمت لرب العالمين ) و لم يقل أسلمت لله مثلا ، و إنما توجه لصفة الربوبية التي ترعى و تتولى.

 

و هو ما أمر الله به رسوله الخاتم فقال سبحانه و تعالى (قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين )

 

و هو أيضا ما أمر به الرسول و المؤمنين معه فقال (فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله و من اتبعن و قل للذين أوتوا الكتاب و الأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا و إن تولوا فإنما عليك البلاغ و الله بصير بالعباد )

 

و هو ما أمر به المحسنين ، أهل مستوى الإحسان ، كما هم في حديث ( ما الإسلام ؟ و ما الإيمان ؟ و ما الإحسان ) الذي ذكرناه مرارا من قبل و رواه مسلم فيقول تعالى (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا ) و يقول (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا )

 

و إسلام الوجه لله يعني: الوجه هو ما يتوجه به العبد لما يقصده و إسلام الوجه يعني إعطاء و تسليم كامل توجه العبد بكله لله. وهنا قال لله و لم يقل لرب العالمين كما في الآية السابقة لأن الإله كما قلنا في موضع شرح الشهادتين هو الذي يقصد إليه بالتوجه بالطاعة و الحب، أي بالعبودية.

 

و هذا مقام و مستوى عزيز قلَّ من يصل إليه و يعلم عنه علم حق اليقين أو حتى عين اليقين. نسأل الله تعالى رب العالمين أن يقربنا إليه و يرزقنا الوصول إليه بمحض فضله ورحمته.

الفهرس

Hosted by www.Geocities.ws

1